ريحة اللحمه
عارف يعمل إيه.
أما الرجل اللي واقف عند السلم، ففضل ثابت، وعينه عليّ.
قلت له بعصبية
إنت مين؟! ولو فعلًا أبويا، ليه ظهرت دلوقتي بعد كل السنين دي؟!
قال بهدوء
لأني ما كنتش قادر أظهر.
ليه؟
بص لسامي.
اسأليه.
لفيت لأبويا.
بابا؟
سامي كان ساكت.
قلت
قول الحقيقة.
رد بصوت مكسور
في الليلة اللي اتولدتي فيها... حصلت حاجة غيّرت حياة كل واحد فينا.
الرجل قاطعه
قول لها إنك أخدتني من المستشفى.
اتجمدت.
إيه؟
سامي صرخ
ما كانش عندي اختيار!
أخدته من المستشفى ليه؟!
الرجل تقدم خطوة.
لأن فؤاد كان عايز يقتلني.
أبويا بص له بغضب.
وكنت هتسيبها له؟
دي بنتي!
وأنا كنت بحميها!
صوتهم ارتفع، وأنا واقفة بينهم مش فاهمة حاجة.
فجأة أمي بدأت تستعيد وعيها.
فتحت عينيها، وأول ما شافت الرجل، شهقت
إنت...
قال
أيوه يا هدى.
بصت لي.
ثم له.
وبدأت تبكي.
كنت فاكرة إنك مت.
قال
وأنا كنت فاكر إنك هتقولي لبنتي الحقيقة.
صرخت
كفاية!
سكت الجميع.
قلت وأنا ببكي
أنا مش ورقة في خناقة بينكم. أنا بني آدمة! عايزة أعرف مين أبويا، وليه اتربيت على قصة تانية، وليه فلوس الشقة دخلت في كل ده!
الرجل اقترب مني، لكنه توقف على بعد خطوات.
هقولك كل حاجة.
سامي قال
بس مش قدام فؤاد.
لفيت ناحية الباب.
كان فؤاد واقف هناك، ساكت، وباصص للرجل بنظرة غريبة.
قلت
ليه؟
الرجل قال
لأن فؤاد هو الوحيد اللي يقدر يقولك إيه اللي حصل ليلة ميلادك.
فؤاد ابتسم لأول مرة.
أنا مش هقول حاجة.
أبويا قال
هتقول.
فؤاد ضحك.
ولو ما قلتش؟
الرجل أخرج هاتفه.
ساعتها التسجيل ده هيوصل للشرطة.
فؤاد اتغير وشه.
إنت لسه محتفظ بيه؟
الرجل رد
عشرين سنة وأنا مستني اللحظة دي.
قربت منهم.
تسجيل إيه؟
الرجل بص لي.
تسجيل لليلة اللي اتولدتِ فيها.
قلبي دق بعنف.
ومين موجود في التسجيل؟
بص ناحية أمي.
أمي غمضت عينيها.
فؤاد قال بسرعة
لو سمعتِ التسجيل ده، حياتك مش هترجع زي الأول.
قلت
حياتي أصلًا مش زي الأول.
الرجل ضغط زر التشغيل.
خرج صوت مشوش من الهاتف.
ثم صوت أمي، أصغر بعشرين سنة، وهي بتبكي
أنا مش هقدر أعمل كده... دي بنتي.
ثم جاء صوت رجل آخر.
صوت سامي.
لو فضلت هنا، فؤاد هيقتلنا كلنا.
ثم صوت ثالث...
كان صوت الرجل الواقف أمامنا.
قال في التسجيل
خد البنت يا سامي... وأنا هختفي.
اتسعت عيني.
لكن التسجيل لم يتوقف.
فجأة ظهر صوت فؤاد بوضوح
لو خرجت البنت من المستشفى معاه، أنا هضمن إنها عمرها ما تعرف الحقيقة.
سكت الجميع.
ثم جاء صوت أمي وهي تصرخ
بس ليه؟!
رد فؤاد
لأنها مش مجرد بنت... هي الدليل.
التسجيل انتهى.
نظرت للجميع.
دليل على إيه؟
لم يرد أحد.
حتى أبي.
ثم انتبهت لشيء صغير في الورقة القديمة التي كانت على السفرة.
تاريخ ميلادي...
وتحته مباشرة رقم ملف.
نفس الرقم المكتوب على عقد الشقة.
رفعت الورقة وقلت
إيه علاقة ميلادي بالشقة؟
الرجل الحقيقي لأبي اقترب مني وقال
لأن الشقة دي اتشترت يوم اتولدتي.
ثم نظر إلى سامي.
والفلوس اللي اتبعتت من ألمانيا ما كانتش عشان تشتري لك بيت.
سألته
أمال كانت عشان إيه؟
قال
عشان تستردي حقك.
وفجأة...
سمعنا صوت تكسير زجاج من ناحية المطبخ.
كلنا لفينا في نفس اللحظة.
والرجل الغريب صرخ
الملف!
جريت ناحية السفرة.
لكن الملف الأسود كان اختفى.
وفوق السفرة، لم يتبقَّ سوى ورقة واحدة.
ورقة مكتوب عليها بخط واضح
لو عايزة تعرفي الحقيقة، تعالي لوحدك على الشقة اللي فاكرة إنك مستأجراها.
وفي أسفل الورقة...
كان فيه عنوان.
وعنوانه لم يكن عنوان شقتي الحالية مسكت الورقة بإيدي، وقلبي كان بيخبط في صدري.
العنوان ده... مش عنوان شقتي.
أبويا أخد الورقة وبص لها.
أول ما قرأ العنوان، وشه اتغير.
لا.
قلت
إنت تعرف المكان ده؟
هز رأسه.
أيوه.
فين؟
سكت.
الرجل اللي ادعى إنه أبويا الحقيقي قال
في العمارة اللي اتولدتِ فيها.
اتجمدت.
أنا اتولدت هناك؟
أمي بدأت تبكي.
أيوه.
بصيت لها.
ليه عمري ما سمعت عن المكان ده؟
ما ردتش.
أبويا قال
لأننا بعد اللي حصل في المستشفى، نقلنا فورًا.
إنتوا كنتوا مخبيين المكان ده عني ليه؟
قال
لأن فؤاد كان بيدور عليه سنين.
فجأة ريهام قالت
أنا أعرفه.
لفيت لها.
إنتِ كمان؟
قالت
كنت شوفته في صور قديمة عند ماما.
أمي بصت لها بخوف.
ريهام!
قالت
أنا تعبت من السكوت يا ماما.
ثم بصت لي.
وأنا هاجي معاكي.
أبويا رفض فورًا
محدش هيروح.
قلت
أنا رايحة.
ليلى، ده خطر.
الخطر هو إني أفضل جاهلة.
الرجل الحقيقي لأبي قال
لو هتروحي، لازم تعرفي حاجة.
إيه؟
الشقة دي ما اتباعتش.
أمال مين ساكن فيها؟
بص لأبويا.
أبويا رد
محدش.
سألته
يعني فاضية؟
من عشرين سنة.
وصلنا العنوان بعد ساعة.
عمارة قديمة، مدخلها ضيق، والدهان واقع من الحيطان.
طلعت السلم وأنا حاسة إن كل درجة بتقربني من حياة ما أعرفش عنها حاجة.
وصلنا للدور الرابع.
باب الشقة كان قديم، وعليه طبقة تراب واضحة.
أبويا وقف قدامه.
دي كانت شقتنا.
بصيت له.
إنت وماما؟
أيوه.
الرجل قال
ودي كانت أوضتك.
دخلنا.
البيت كان شبه مهجور.
لكن الغريب...
إن كل حاجة كانت متغطية، إلا غرفة صغيرة في آخر الممر.
الباب كان مفتوحًا.
دخلت.
وكانت الغرفة فيها سرير أطفال قديم.
وفوقه...
علبة موسيقى.
قربت منها.
أول ما لمستها اشتغلت لوحدها.
لحن هادي جدًا.
أمي شهقت من الباب.
لسه موجودة؟!
لفيت لها.
إنتِ تعرفيها؟
هزت رأسها.
دي كانت هدية ليكي يوم ولادتك.
فتحت الدرج الصغير أسفلها.
لقيت ظرفًا.
عليه اسمي.
ليلى سامي...
فتحت الظرف بإيد مرتعشة.
كان جواه خطاب.
بدأت أقرأ
يا ليلى...
لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا فشلت إني أحميكي بالطريقة اللي كنت أتمنى.
رفعت عيني لأبويا.
الخط ده خطك؟
قال
أيوه.
كملت
أهم حاجة لازم تعرفيها إن الشخص اللي هيقولك إنه أبوكي الحقيقي مش هو الوحيد اللي بيحاول يوصل لك.
اتجمدت.
كملت القراءة.
وفيه شخص تالت، هو أخطر واحد فيهم.
بصيت حواليا.
ثم قرأت آخر سطر
لو وصلتي للشقة دي، دوري تحت البلاطة الثالثة جنب السرير... لأن هناك هتلاقي الحقيقة اللي هتغير كل اللي تعرفيه عن عيلتك.
رفعت السجادة.
عديت البلاطات.
الأولى...
الثانية...
الثالثة...
ولما رفعتها، لقيت صندوقًا معدنيًا صغيرًا.
أبويا قال
استني.
لكنني كنت قد فتحته بالفعل.
كان جواه شريط تسجيل قديم...
وصورة لامرأة لا أعرفها.
وتحت الصورة ورقة واحدة.
قرأت أول سطر فيها.
ثم شعرت إن الدم اتسحب من وجهي.
أنا والدة ليلى الحقيقية... وهدى لم تكن أمها فضلت باصة للورقة وأنا مش قادرة أتكلم.
يعني إيه... هدى مش أمي؟
أمي انهارت في البكاء.
أبويا قرب مني وقال
ليلى، اسمعيني للآخر.
شغّلنا شريط التسجيل.
جاء صوت المرأة الموجودة في الصورة، وكان صوتها متعبًا لكنه واضح
ليلى... لو بتسمعي التسجيل ده، يبقى عرفتِ الحقيقة. أنا أمك البيولوجية. هدى مش أمك، لكنها أنقذتك وربتك وحمتك لما كنتِ طفلة.
ثم حكت الحقيقة كاملة.
المرأة كانت أخت هدى، وكانت مرتبطة بأبويا قبل زواجه من هدى. ليلة ولادتي حدثت أزمة بسبب فؤاد، الذي كان قد سرق أموال الشركة وحاول التخلص من الأدلة. ولحمايتي، اتفق أبي وهدى على أن أعيش معها وأُسجّل باسمها، بينما تختفي أمي الحقيقية عن الأنظار.
أما الرجل الذي ظهر وقال إنه أبي الحقيقي، فلم يكن والدي أصلًا؛ كان شريكًا قديمًا لفؤاد، واستغل الحقيقة الناقصة ليستولي على أموال الشركة.
والأخطر...
أن فؤاد نفسه كان قد أخفى جزءًا من ثروة أبي باسمي، ولذلك كانت الشقة والأموال التي أرسلها أبي من ألمانيا جزءًا من حق قانوني لي، وليس مجرد مساعدة عائلية.
نظرت لأمي.
ليه ما قولتيليش؟
مسحت دموعها وقالت
كنت خايفة أخسرك... ولما السنين عدت، خوفي خلاني أكذب أكتر.
بصيت لأبويا.
وإنت؟
قال
أنا غلطت لما سيبتك تكبري من غير ما تعرفي الحقيقة. لكن عمري ما سبتك، حتى وإنتِ فاكرة إني سبتكم.
مد لي عقد الشقة.
الشقة دي باسمك. والفلوس اللي اتبعتت كانت حقك. وأختك ليها حقها كامل، وأنا هحاسب أي حد أخد منها حاجة.
ريهام انفجرت في العياط.
أنا آسفة يا ليلى.
بصيت لها طويلًا.
أنا مش زعلانة إنك أخدتي شقة. أنا زعلانة إنك صدقتي إن حقي أقل من حقك.
حضنتني وهي بتبكي.
بعد أيام، بدأت الإجراءات القانونية.
فؤاد اتكشف أمره، واتثبت تزويره واستيلاؤه على جزء من أموال الشركة، والرجل الذي ادعى أنه والدي اختفى بعدما ظهرت الحقيقة.
أما أمي الحقيقية...
فوجدناها بعد سنوات من البحث.
كانت عايشة في مدينة بعيدة، وحيدة، وتحمل نفس الصورة القديمة التي وجدناها في الصندوق.
أول ما شافتني، ما قالتش أنا أمك.
قالت فقط
كبرتي... وطلعتي شبه أبوكي.
ضحكت وسط دموعي.
لأول مرة في حياتي، حسيت إن جزءًا ناقصًا مني رجع مكانه.
بعد شهور، تركت شقة الإيجار.
مش لأن الإيجار كان مشكلة...
لكن لأنني لأول مرة امتلكت مكانًا أقدر أقول عليه
ده بيتي.
وأعدت حلمي القديم.
قدمت على دراسة الهندسة المعمارية بجانب شغلي في ال.
وفي أول يوم دخلت فيه الكلية، افتكرت كلام أبويا
الأمان حلو... بس الحلم أغلى.
فهمت وقتها إن أمي وأبي ما كانواش مجرد أشخاص أخفوا عني الحقيقة.
كانوا ناس خافوا، وغلطوا، وكذبوا، وحاولوا يحموني بطريقتهم.
لكن أهم درس اتعلمته كان
إن الحقيقة مهما كانت موجعة، أرحم بكتير من حياة كاملة مبنية على كذبة.
وبعد سنة، في نفس البيت اللي بدأ فيه كل شيء، جمعت أبي وأمي وأختي وأمي الحقيقية
على سفرة واحدة.
حطيت طقم الصيني القديم قدامهم.
ابتسمت وقلت
المرة دي... مفيش أسرار.
ضحك أبي.
وأمي بكت.
وريهام مسكت إيدي.
وأنا لأول مرة...
حسيت فعلًا إننا بقينا عيلة من جديد.