امي كانت حامل

لمحة نيوز

كان بيكتب لك الورق ده وليه أمك كانت بتحاول تمنعك من معرفة الحقيقة.
بصيت لأمي.
كانت بتبكي وبتقول
متفتحيش الباب يا سلمى.
سألتها
ليه؟
قالت بصوت مرتجف
لأن ياسين مش هو اللي إنتِ فاكرة.
وقتها الضابط بص لي، ثم للباب.
وقال
محدش هيفتح لحد ما نعرف هويته.
لكن من خلف الباب، جاء صوت ياسين
معاك حق.
ثم سمعنا صوت مفتاح بيدخل في القفل.
اتجمدنا كلنا.
الضابط رفع إيده.
وفجأة
الباب اتفتح من الخارج.
لكن الشخص اللي دخل
ما كانش ياسين.
كان عماد.
وفي إيده ورقة واحدة.
رفعها قدامنا وقال
لو عايزين تعرفوا الحقيقة، اقرأوا دي الأول.
الضابط أخد الورقة.
وأول ما قرأ أول سطر، وشه اتغير.
سأل عماد
إنت متأكد إنك عايزني أكمل القراءة؟
عماد بص لأمي.
وقال
هي اللي بدأت كل حاجة وأنا جيت أوقفها قبل ما تتأخر الضابط فضل ماسك الورقة، ومش بيتكلم.
قلت له
حضرتك قرأت إيه؟
رفع عينه وبص لأمي.
الورقة دي مكتوب فيها إن والدك قبل وفاته بأيام طلب من عماد يحتفظ بمستندات معينة.
بصيت لعماد.
مستندات إيه؟
رد بهدوء
مستندات تخص البيت، ومصاريف إخواتك، وحاجة تانية أهم.
أمي قاطعته
كفاية يا عماد!
هو بص لها وقال
لأ. كفاية سكوت.
الضابط سأله
إيه الحاجة الأهم؟
عماد أخرج ظرفًا من جيبه.
أبو سلمى كان عامل حسابه إن بعد وفاته حد هيحاول يستغل أولاده.
فتح الظرف، وطلع منه مجموعة إيصالات ومستندات.
بصيت لها واحدة واحدة.
فواتير.
إيصالات.
أوراق تحويل.
وبينهم ورقة عليها اسم أمي.
قلت
ماما إيه ده؟
ماما بدأت تعيط.
أنا كنت بصرف الفلوس عليكم.
عماد رد
جزء منها بس.
الضابط رفع عينه.
وضح.
قال عماد
أخوها كان سايب مبلغ شهري ثابت لأولاده، عشان تعليمهم ومصاريفهم. لكن من بعد وفاته، الفلوس بقت بتتحط في حساب باسم والدتهم.
بصيت لأمي.
وإنتِ كنتِ بتقولي مفيش فلوس!
قالت
كانت مش بتكفي.
عماد هز رأسه.
يمكن. لكن كان فيه جزء كبير بيتسحب من غير ما يتصرف على الأولاد.
الضابط بدأ يقلب الأوراق.
أنا حسيت بغضب، لكن في نفس الوقت كان فيه سؤال أهم.
طيب إيه علاقة ده بيا؟
عماد سكت.
ثم قال
لأن أبوكي قبل ما يموت، حدد شرط.
شرط إيه؟
إن جزء من المبلغ يتحط باسمك لما تتمي ستاشر سنة، بشرط تكملي تعليمك.
اتجمدت.
بصيت لأمي.
عشان كده كنتِ بتحاولي تمنعيني من الوصول للملف؟
قالت
أنا ما كنتش عايزة أخسرك.
تخسريني إزاي؟
كنت خايفة إنك تسيبيني وتبعدي عن إخواتك.
رديت وأنا بحاول أتماسك
أنا مش فلوس يا ماما.
سكتت.
عماد قال
ودي مش كل الحكاية.
الضابط بص له.
في إيه تاني؟
أخرج صورة من الظرف.
ناولها لي.
كانت صورة قديمة لبابا، وأنا طفلة صغيرة، وولد أكبر مني واقف جنبه.
عرفته من الصورة.
ده ياسين؟
عماد هز رأسه.
أيوه.
بصيت للصورة طويلًا.
ليه ماما قالتلي طول عمري إني أكبر إخواتي؟
أمي انفجرت في البكاء.
لأن ياسين كان بعيد عن البيت لفترة طويلة.
سألت
ليه؟
قالت
لأنه كان بيتعالج.
سكت.
فؤاد، اللي كان لسه على التليفون، قال
سلمى، أنا لازم أقول لك الحقيقة كاملة.
الضابط حط التليفون على السماعة الخارجية.
اتفضل.
فؤاد قال
ياسين ما اختفاش. والدك هو اللي أخده ووداه لمكان آمن بعد ما حصلت مشكلة كبيرة.
سألته
مشكلة إيه؟
قال
ياسين شاف حاجة في البيت يوم وفاة والدك.
أمي شهقت.
أنا قربت من التليفون.
شاف مين؟
فؤاد سكت لحظة.
ثم قال
شاف شخصًا يدخل غرفة والدك قبل وفاته بساعات.
الضابط سأله
ومين الشخص؟
فؤاد قال
الشخص ده مش عماد.
بصيت لعماد.
كان ساكت.
ثم قال فؤاد
ومش والدتك كمان.
أمي رفعت رأسها بسرعة.
لكن قبل ما أسأل
سمعنا صوت خبط على الباب.
المرة دي كان أقوى.
عماد بص للضابط وقال
هو وصل.
الضابط سأل
مين؟
عماد رد
ياسين.
أنا قربت من الباب.
ياسين؟
جاء صوت من الخارج
سلمى أنا أخوكي.
حطيت إيدي على فمي.
كان صوتًا هادئًا.
لكن قبل ما الضابط يفتح، جاء صوت ياسين مرة تانية
ومتفتحيش لحد ما أقول لك حاجة محدش يعرفها غيري وغير أبويا.
سكت لحظة.
ثم قال
ليلة وفاة بابا كان عنده مفتاح صغير في إيده.
نظرت فورًا للمفتاح الموجود على الطاولة.
ياسين كمل
والمفتاح ده هو نفسه اللي إنتِ لقيتيه النهارده.
بصيت لأمي.
كانت بتبص للمفتاح، ووشها مليان خوف.
لكن ياسين قال جملة أخيرة
وأنا عارف المفتاح ده كان بيفتح إيه.
الضابط قرب من الباب وقال
إيه؟
جاء الرد من الخارج
درج مكتب أبويا.
بصيت ناحية مكتب بابا.
الدرج اللي عمرنا ما قدرنا نفتحه.
وقتها عماد قال بهدوء
افتحوا الدرج.
الضابط سأله
ليه؟
عماد رد
لأن الحقيقة اللي سلمى بتدور عليها من أول الليلة موجودة جواه.
الضابط بصلي.
ثم أعطاني المفتاح.
إنتِ اللي تفتحيه.
مسكت المفتاح.
واتجهت ناحية مكتب بابا.
لكن قبل ما أدخله في القفل
لقيت ورقة صغيرة ملزوقة تحت المكتب.
سحبتها.
وكان مكتوب عليها بخط بابا
لو سلمى وصلت للدرج، يبقى والدتها فشلت في إخفاء الحقيقة.
رفعت عيني ناحية أمي.
وفي نفس اللحظة
سمعت صوتها وهي بتقول
متفتحيش الدرج يا سلمى.
ولأول مرة، فهمت إن اللي جواه
مش مجرد أوراق.
كان السبب الحقيقي لكل اللي حصل من البداية حطيت المفتاح في القفل.
إيدي كانت بتترعش، لكني لفيته.
تك.
الدرج اتفتح.
جواه كان فيه ملف كبير، وصورة ليا وأنا صغيرة، ودفتر بخط بابا.
فتحت الدفتر، ولقيت أول صفحة مكتوب فيها
سلمى، لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا مش موجود عشان أحميك بنفسي.
دموعي نزلت.
كملت القراءة.
بابا كان كاتب إنه لاحظ من سنين إن أمي بتعتمد عليّ في تربية إخواتي، وإنه كان رافض تمامًا إني أتحول لأم بديلة ليهم.
وكان عامل خطة واضحة لما أتم ستاشر سنة، يبقى ليا حق أكمل تعليمي بعيدًا عن أي مسؤوليات تمنعني من الدراسة.
أما الفلوس اللي كانت بتتبعت للأسرة، فكان جزء منها مخصصًا لتعليم الأولاد، وجزء مخصصًا لمستقبلي.
لكن الصدمة الأكبر كانت في آخر صفحة.
بابا كتب
أخطر شيء مش الفلوس أخطر شيء إن سلمى تصدق إنها مسؤولة عن حياة إخواتها.
بصيت لأمي.
ليه عملتي فيا كده؟
انهارت وهي بتعيط.
كنت خايفة يا بنتي بعد وفاة أبوكي حسيت إن البيت هيقع فوق دماغي. وكل ما كنت بلاقيك بتساعديني، كنت بسيب الحمل يزيد عليكي.
قلت
بس إنتِ كنتِ عارفة إني بتعب.
هزت رأسها.
عارفة.
وعارفة إني بضيع دراستي.
عارفة.
وعارفة إني مش أم لإخواتي.
ما قدرتش ترد.
الضابط تدخل بهدوء
سلمى قاصر، لكن ده مش معناه إنها مسؤولة عن تربية ستة أطفال. المسؤولية الأساسية على ولي الأمر، ولازم يتم تنظيم الوضع بما يحميها ويحمي إخواتها.
في اللحظة دي، الباب اتفتح.
كان ياسين.
دخل شاب هادئ، في أوائل العشرينات، ووقف قدامي.
بصلي وقال
أنا آسف إنك عرفتي كل ده بالطريقة دي.
بصيت له ودموعي نزلت.
إنت كنت عارفني؟
ابتسم بحزن.
كنت بشوفك من بعيد من وقت للتاني لكن بابا طلب مني ما أتدخلش إلا لما تكملي ستاشر سنة..
ولأول مرة في حياتي، عرفت إن عندي أخ أكبر فعلًا.
أما الورقة المزورة، فثبت الضابط إنها مش كلها بخط إيدي، والتسجيل كشف إن أمي كانت بتحاول تستخدمها ضدي خوفًا من إني أسيب البيت.
لكن أمي ما راحتش السجن.
اتعاملت الجهات المختصة مع الموضوع باعتباره أزمة أسرية وإهمالًا في توزيع المسؤوليات، وتم وضع ترتيبات تضمن إن إخواتي يلاقوا رعاية مناسبة، وإن أنا أرجع لدراستي من غير ما أكون مسؤولة عنهم.
خالتي وقفت جنبي.
وياسين بدأ يساعد في متابعة إخواتي.
أما أمي
فبعد أيام، جتلي وأنا في بيت خالتي.
وقفت قدامي وقالت
أنا ظلمتك.
ما رديتش.
قالت
كنت فاكرة إنك قوية، فنسيت إنك بنتي.
الجملة دي كسرت حاجة جوايا..
لكن قلت لها
أنا سامحتك يا ماما بس مش هرجع أعيش نفس الحياة.
هزت رأسها وهي بتعيط.
عندك حق.
بعدها بشهور، رجعت المدرسة.
أول يوم دخلت فيه الفصل، حطيت شنطتي على الكرسي، وفتحت كتابي.
ولأول مرة من سنين
ما كنتش بفكر مين هيفطر إخواتي، ومين هيغير هدومه، ومين محتاج يذاكر.
كنت بفكر في امتحاني أنا.
وفي مستقبلي أنا.
وفي حياتي أنا.
وفهمت أخيرًا إن حب إخواتي مش معناه إني أضحي بطفولتي.
وإن مساعدة أمي مش معناها إني أتحول لأم بدلها.
وأهم حاجة اتعلمتها
أحيانًا وضع الحدود مش أنانية أحيانًا بيكون الطريقة الوحيدة اللي تنقذ بيها نفسك، وتخلي الناس اللي بتحبهم يتعلموا يتحملوا مسؤوليتهم بنفسهم.

تم نسخ الرابط