من وقت ماحمايا

لمحة نيوز

من وقت ما حمايا اتصاب بالزهايمر، وإحنا بقينا بنتعامل مع كل تصرفاته على إنه نتيجة للمرض.
كان ممكن ينسى اسمي، أو يفتح باب الشقة وينزل الشارع من غير ما يقول لحد، أو يصحى من النوم مفزوع ويصرخ
إنتوا مين؟! وإنتوا عايزين مني إيه؟!
وفي مرة اختفى تلات أيام كاملة، قلبنا الدنيا عليه، ولما لقيناه كان قاعد عند قبر مراته، بيكلمها وبيحكيلها عن أولاده كأنها قاعدة قدامه.
إخوات محمد الكبار كانوا رافضين يعيش معاهم، وكل واحد كان عنده حجة.
لكن محمد، باعتباره أصغر إخواته، أصر إنه يجيب أبوه يعيش معانا.
وأنا وافقت من غير تردد.
كنت دايمًا أقول له
ده أبوك يا محمد، وربنا هيجازينا على تعبنا معاه.
ورغم صعوبة الحياة، حاولت أتعامل معاه بكل صبر.
لو كسر حاجة، أصلحها.
لو زعق، أهدّيه.
لو نسي، أفكره.
ولو اتهمني إني سرقت فلوسه أو حطيت له حاجة في الأكل، كنت ببلع كلامي وأقول لنفسي
هو مش واعي هو بيقول إيه.
لحد ما حصل موقف غريب جدًا.
في يوم، كنت في المطبخ، وبنتي شهد، اللي عندها تسع سنين، دخلت عليا وهي بتعيط.
بصيت لها بفزع
مالك يا حبيبتي؟
مسحت دموعها وقالت
ماما... جدو كان بيقول كلام غريب.
قلبي اتقبض، لكني سألتها بهدوء
قال إيه؟
قربت مني وهمست
كان بيقول إن البيت ده مش بيتنا... وإن فيه حد مستخبي جوه.
استغربت، وقلت لها
ده الزهايمر يا شهد، جدو ساعات مش بيكون عارف إحنا مين.
لكن شهد هزت رأسها وقالت
بس يا ماما... هو قالي حاجة تانية.
إيه؟
بصت حوالين نفسها، وكأنها خايفة حد يسمعنا.
قالي إنك لازم تخلي بالك من باب الأوضة اللي فوق.
وقتها ضحكت رغم قلقي
باب أوضة إيه؟ إحنا أصلًا مفيش عندنا أوضة فوق!
شهد بصت لي باستغراب.
بس هو قال إن فيه باب.
الجملة دي فضلت ترن في ودني طول اليوم.
ولما محمد رجع من الشغل، حكيت له اللي حصل.
اتنهد وقال
سيبيه يا حبيبتي، ده دماغه مش معاه.
هزيت رأسي، لكن إحساس غريب فضل جوايا.
وفي نفس الليلة، وأنا بجهز العشاء، سمعت صوت حاجة وقعت من أوضة حمايا.
جريت عليه.
لقيته واقف قدام الدولاب، ماسك صندوق خشب قديم في إيده.
أول ما شافني، خبّاه ورا ضهره.
قلت له
في إيه يا بابا؟
بص لي بخوف وقال
متقوليش لمحمد.
اتجمدت مكاني.
أقول له إيه؟
قرب مني وقال بصوت منخفض
هو فاكر إنه ناسي... بس هو مش ناسي.
وقبل ما ألحق أسأله يقصد إيه، دخل محمد.
وفجأة حمايا سكت تمامًا.
وبص لمحمد، ثم للصندوق.
محمد لاحظ.
قال
إيه ده يا بابا؟
حمايا بدأ يرتعش، وقال
ولا حاجة.
لكن محمد مد إيده وأخذ الصندوق.
فتح الغطاء...
وفي اللحظة اللي شاف فيها اللي جواه، وشه اتغير تمامًا.
فضل واقف ساكت ثواني.
وبعدين رفع عينه لي وقال
إنتِ كنتِ تعرفي إن الصندوق ده موجود؟
هزيت رأسي بسرعة
والله أول مرة أشوفه.
محمد ما ردش.
طلع من الصندوق ورقة قديمة جدًا، وصورة، ومفتاح صغير.
وأول ما شفت الصورة...
عرفت الراجل اللي واقف فيها.
وكان المفروض إنه مات من أكتر من عشرين سنة.
لكن الغريب مش الصورة...
الغريب إن وراها كان مكتوب بخط حمايا
لو محمد عرف الحقيقة، لازم يفتح المكان قبل فوات الأوان.
محمد قرأ الجملة، وبص لي.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت حمايا من ورا الباب
متفتحوش المكان...
ثم سكت لحظة، وقال بصوت مرتعش
لأن اللي جواه... هو السبب في كل اللي حصل فضلنا واقفين في الصالة، لا أنا فاهمة حاجة ولا محمد قادر ينطق.
حمايا كان واقف عند باب أوضته، ماسك طرف الباب بإيده، ووشه مليان خوف.
محمد رفع المفتاح قدامه وقال
بابا... المكان ده فين؟
حمايا هز رأسه بعنف
خلاص... خلاص يا ابني. سيب الموضوع ده مدفون.
محمد قرب منه
مدفون فين؟ وإيه اللي حصل زمان؟
لكن حمايا فجأة حط إيده على صدره وقال
أمك كانت عارفة...
وسكت.
محمد اتجمد.
أمي كانت عارفة إيه؟
حمايا بص له وكأنه شايف شخص تاني، وقال
قالت لي... محدش يعرف.
وبعدها دخل أوضته وقفل الباب.
بصيت لمحمد وقلت
إنت فاهم حاجة؟
رد وهو لسه باصص على الباب
ولا كلمة.
قعدنا على السفرة، وحط محمد الصورة قدامه.
كان فيها حمايا وهو أصغر، واقف جنب ست كبيرة، ورجل تاني مش عارفينه.
قلّبت الصورة.
لقيت مكتوب من الخلف
12 أكتوبر 1998 قبل ما نسافر.
محمد اتنفض.
أمي ماتت سنة 1997.
بصيت له
يعني إيه؟
قال
يعني الصورة دي اتصورت بعد وفاتها بسنة.
سكتنا.
وهنا سمعت صوت شهد من ورايا
ماما...
لفيت لها.
كانت واقفة ماسكة حاجة في إيدها.
لقيت دي جنب باب أوضة جدو.
كانت ماسكة ورقة مطوية.
محمد أخذها وفتحها.
كان فيها عنوان مكتوب بخط قديم، وتحت العنوان جملة واحدة
لو حصل لي حاجة، دوروا على سامح.
محمد رفع عينه
سامح مين؟
أنا بدأت أحس إن الموضوع أكبر من مجرد ورقة قديمة.
وفي اليوم التالي، محمد أخذ إجازة من شغله وقرر يروح للعنوان المكتوب.
حاولت أمنعه
طب استنى، يمكن العنوان ده ملوش علاقة بحاجة.
قال
لأ. أبويا أول مرة من سنين يقول كلام مترابط بالشكل ده. لازم أعرف الحقيقة.
راح لوحده.
استنيته بالساعات.
كل شوية أبص في الموبايل.
لحد ما الساعة عدت خمسة المغرب، ومفيش اتصال.
الساعة ستة...
سبعة...
ثمانية...
بدأت أقلق.
وفجأة موبايلي رن.
محمد.
رديت بسرعة
إنت فين؟ أنا قلقت عليك!
صوته كان غريب.
أنا في البيت.
في البيت إزاي؟!
رجعت من بدري... بس كنت محتاج أتأكد من حاجة.
حاجة إيه؟
سكت ثواني.
ثم قال
انزلي أوضة أبويا.
نزلت بسرعة.
دخلت أوضة حمايا.
لقيته قاعد على السرير، ساكت، وباصص في الأرض.
محمد كان واقف جنبه.
بص لي وقال
اسأليه عن سامح.
قربت من حمايا
بابا... مين سامح؟
حمايا رفع عينه لي.
ولأول مرة من شهور، كانت نظرته ثابتة تمامًا.
وقال
سامح ابني.
وقعت مني الكلمات
ابنك؟!
محمد نفسه اتراجع خطوة.
إيه اللي بتقوله يا بابا؟
حمايا بدأ يبكي.
وقال
مش ابني أنا... ابن أمك.
محمد قرب منه
يعني إيه؟
حمايا مسح دموعه وقال
أخوك يا محمد.
سكت البيت كله.
حتى شهد، اللي كانت واقفة عند الباب، بطلت تتحرك.
محمد فضل باصص لأبوه كأنه مش قادر يستوعب.
ثم ضحك ضحكة قصيرة من شدة الصدمة
أنا معنديش أخ.
حمايا رد
كان عندك.
وبعدين أشار للمفتاح اللي في إيد محمد.
والمفتاح ده... هيوصلك لمكانه.
محمد بص لي.
وأنا حسيت إن السر اللي اكتشفناه مش مجرد سر عائلي قديم...
كان فيه حد أخفى الحقيقة عن محمد سنين طويلة.
والأخطر...
إن حمايا، رغم الزهايمر، كان لسه فاكر جزء منها.
لكن قبل ما محمد يسأله أي سؤال، وقع حمايا فجأة على الأرض.
جرينا عليه.
ولما حاولنا نساعده، وقعت من جيبه ورقة صغيرة.
محمد فتحها.
وكان مكتوب فيها
سامح لم يمت... ولو ظهر، متصدقوش أي كلمة يقولها محمد فضل ماسك الورقة ومش قادر يستوعب.
بص لي وقال
يعني إيه سامح لم يمت؟!
قلت له وأنا مرتبكة
مش عارفة يا محمد... بس لازم نفهم الحقيقة من أبوك.
لكن حمايا كان فقد وعيه، فاتصلنا بالدكتور، وبعد الكشف عليه قال لنا إن حالته مستقرة، وإن التوتر والإرهاق ممكن يخلّوا حالته أسوأ.
بعد ما خرج الدكتور، محمد قعد جنبه طول الليل.
وأنا دخلت شهد أوضتها، لكن عقلي كان مشغول بكلمة واحدة
سامح.
تاني يوم الصبح، لقيت محمد واقف عند باب الشقة، لابس هدومه ومستعد يخرج.
قلت له
رايح فين؟
قال
هروح للعنوان اللي في الورقة تاني.
لوحدك؟
المرة دي لأ.
وسكت لحظة، ثم قال
إنتِ هتيجي معايا.
وصلنا لمكان قديم في آخر البلد.
بيت صغير مهجور تقريبًا، بابه الحديد مصدي، والشبابيك مقفولة.
محمد طلع المفتاح.
حطه في القفل...
ولسبب

تم نسخ الرابط