من وقت ماحمايا

لمحة نيوز

كل حاجة.
أخرج ورقة من حقيبته.
أبوك اكتشف قبل سنين إن فيه أوراق ملكية اتبدلت.
محمد سأله
مين بدّلها؟
سامح قال
الشخص اللي كان ماسك الملفات.
أحمد فجأة قال
يعني عمي؟
سامح هز رأسه.
أيوه.
حمايا كان ساكت.
محمد قرب منه
بابا... إنت كنت عارف؟
حمايا رد بصوت ضعيف
عرفت متأخر.
وليه ما قلتليش؟
كنت خايف عليك.
خايف عليا من إيه؟
حمايا بص لسامح.
لأن أخوك كان أول واحد اكتشف الحقيقة.
سامح قال
ولما اكتشفتها، حاولت أجيب المستندات وأواجهه.
محمد سأله
وحصل إيه؟
سامح ابتسم بحزن
اختفيت.
سكتنا جميعًا.
ثم قال
لكن قبل ما أختفي، خبّيت النسخة الأصلية من الأوراق في مكان محدش يعرفه.
محمد سأله
فين؟
سامح بص لحمايا.
حمايا قال
هو المكان اللي محدش هيفكر يدور فيه.
محمد بدأ يفتش بعينيه في البيت.
فين؟
حمايا ابتسم لأول مرة من وقت طويل.
وقال
في قبر أمك.
محمد اتصدم.
قبر أمي؟!
حمايا هز رأسه.
تحت البلاطة اللي جنب شاهد القبر.
في اليوم التالي، رحنا المقابر أنا ومحمد وسامح.
محمد كان متردد، لكننا بدأنا ندور.
وبعد دقائق، سامح أشار إلى بلاطة قديمة.
رفعناها.
كان تحتها صندوق معدني صغير.
محمد فتحه.
جواه عقود أصلية، إيصالات، وصور.
وفي آخر الصندوق، لقينا ظرفًا مكتوبًا عليه
الحقيقة الكاملة.
محمد فتحه.
قرأ أول ورقة.
ثم الثانية.
وفي الورقة الثالثة، اتجمد تمامًا.
قلت له
فيه إيه؟
ناولني الورقة.
وكان فيها إقرار مكتوب بخط والده
أنا أخفيت سامح، لكني لم أخفِه خوفًا عليه من الناس فقط... أخفيته لأن وجوده كان الدليل الوحيد على جريمة ارتكبتها العائلة منذ سنوات.
محمد رفع عينه لسامح.
جريمة؟
سامح هز رأسه
أنا نفسي ما كنتش أعرف التفاصيل.
وقبل ما نكمل القراءة، سمعنا صوت خطوات خلفنا.
لفينا.
كان أحمد واقف.
لكن المرة دي ملامحه كانت مختلفة تمامًا.
قال
اديني الصندوق يا محمد.
محمد شد الصندوق لصدره.
ليه؟
أحمد قرب خطوة.
لأنك مش عارف الورق ده ممكن يعمل إيه.
محمد رد
لأ... أنا عايز أعرف.
أحمد قال
لو قريته للآخر، هتكره أبوك.
محمد سكت.
وأحمد أضاف
ويمكن تكره نفسك كمان.
ثم مشي.
فضلنا واقفين.
محمد فتح الورقة الأخيرة.
وأول سطر فيها كان
محمد... لو أنت بتقرأ الكلام ده، يبقى لازم تعرف إن سامح مش أخوك بالدم...
محمد شهق.
وسامح رفع عينه بصدمة.
وفي اللحظة دي، فهمنا إن السر اللي بنجري وراه من البداية...
كان مختلف تمامًا عن كل اللي توقعناه محمد فضل ماسك الورقة، وصوابعه بتترعش.
قرأها مرة تانية، وكأنه بيحاول يقنع نفسه إن اللي قدامه مش حقيقي.
سامح مش أخوك بالدم...
رفع عينه ناحية سامح.
يعني إيه؟
سامح كان مصدوم هو كمان.
الرجل العجوز اللي كان واقف جنبنا قال
لأن سامح كان ابن صديق أبوك المقرب. أبوك أخده وربّاه معاه بعد وفاة أبوه، لكن خوفًا من مشاكل الميراث والناس اللي كانت بتطمع في أملاك العيلة، سجله في بعض الأوراق كأنه ابنه.
محمد بص لأبوه في خياله، وكأنه أخيرًا فهم ليه حمايا كان بيحاول يخبي الحقيقة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر الورقة.
سامح لم يكن خطرًا على محمد... الخطر كان في الأوراق التي تثبت أن جزءًا من ممتلكات العائلة تم الاستيلاء عليه بطريقة غير قانونية.
اتضح إن عم محمد كان هو اللي زوّر بعض المستندات، واستغل ثقة العيلة فيه، وحاول يبيع جزءًا من الأرض من غير علمهم.
أما أحمد، فأثبتت الأوراق إنه كان يعرف جزءًا من الموضوع لكنه سكت خوفًا من انهيار العيلة.
رجع محمد البيت، وقعد جنب أبوه.
حمايا كان ساكت وباصص في الأرض.
محمد مسك إيده وقال
ليه يا بابا خبيت عني كل ده؟
حمايا دمعت عينه وقال
كنت فاكر إني بحميك... لكني اكتشفت متأخر إن السكوت ساعات بيأذي أكتر من الحقيقة.
محمد حضنه.
ولأول مرة من سنين، شفت حمايا يبتسم كأنه رجع للحظة واحدة للرجل اللي كان زمان.
بعدها اتخذ محمد الإجراءات القانونية، ورجعت الحقوق لأصحابها، واتقفلت القضية القديمة بعد ما ظهرت المستندات الأصلية.
أما سامح، فبقى قريب من محمد، مش كأخ بالدم، لكن كأخ اختارته الظروف.
وأنا؟
اتعلمت درس عمره ما هينساه قلبي
مش كل شخص مريض يبقى كلامه بلا قيمة، ومش كل حاجة بنعتبرها أعراض مرض لازم نتجاهلها.
وبعد شهور، في يوم هادي، كنت قاعدة جنب حمايا وهو ماسك صورة قديمة.
بص لي وقال
أنا تعبتك معايا يا بنتي.
ابتسمت ومسكت إيده
ربنا يهون عليك يا بابا.
سكت شوية، وبعدين قال
فاكرة الصندوق؟
قلت
أيوه.
ابتسم وقال
كان فيه سر تاني... بس ده مش وقته.
ضحكت وقلت
لسه عندك أسرار؟!
ضحك هو كمان.
ومن يومها، كل ما ينسى حاجة، كنا نفتكرهاله بالراحة.
لأننا فهمنا أخيرًا إن المرض ممكن ياخد من الإنسان ذاكرته...
لكن عمره ما يقدر يمسح كل الحب اللي عاشه.

تم نسخ الرابط