من وقت ماحمايا
المحتويات
غريب، المفتاح اشتغل من أول مرة.
فتحنا الباب.
البيت كان مليان تراب، لكن واضح إن حد كان بيدخله من وقت للتاني.
على الحيطة صورة قديمة.
محمد قرب منها.
وفجأة شهق.
كان فيها طفلين صغيرين.
واحد منهم محمد.
والتاني ولد شبهه بشكل يخض.
تحت الصورة كان مكتوب
محمد وسامح يوم انتقال العائلة.
محمد رجع خطوة لورا.
أنا عمري ما شفت الصورة دي.
قلت
يمكن أبوك كان مخبيها.
بدأنا نفتش في المكان.
فتحنا دولاب قديم، لقينا ملفات وأوراق مدرسية وشهادات ميلاد.
محمد مسك ورقة.
قرأها.
وبعدين وشه اصفر.
ده اسمه سامح محمد...
سألته
وبعد كده؟
مد لي الورقة.
كانت شهادة ميلاد لطفل مولود في نفس السنة اللي اتولد فيها محمد.
لكن اسم الأم كان مختلف.
محمد قعد على الكرسي وهو حاطط إيده على رأسه.
إزاي؟ مين الست دي؟
وقبل ما أكمل كلامي، سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
اتخضينا.
قربنا من الشباك نبص.
راجل نزل من العربية.
كان في أواخر الخمسينات تقريبًا.
مشي ناحية الباب بثقة، كأنه حافظ المكان.
وبعدين رفع عينه ناحية الشباك.
كأنه كان عارف إننا جوه.
محمد همس
إنتِ تعرفيه؟
هزيت رأسي.
لأ.
خبط الراجل على الباب.
مرة...
مرتين...
وبعدين قال
محمد... أنا عارف إنك جوه.
محمد اتجمد.
الراجل كمل
أنا سامح.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
محمد فتح الباب ببطء.
الراجل دخل، وبص له طويلًا.
ثم قال
اتأخرت أوي يا أخويا.
محمد ما ردش.
لكن بعد ثواني، سأل السؤال اللي كان بيخاف يسأله
ليه أبويا قال لي إنك ميت؟
سامح سكت.
وبص للأرض.
ثم قال
لأن أبوك هو اللي طلب مني أختفي.
محمد قرب منه
ليه؟
سامح رفع عينه وقال
عشان يحميك.
يحميني من مين؟
سامح ما ردش.
اكتفى إنه طلع ظرف قديم من جيبه وحطه على الترابيزة.
افتح ده... وهتفهم ليه أبوك خاف عليك طول السنين دي.
محمد فتح الظرف.
جواه كانت ورقة واحدة فقط.
وأول سطر فيها كان
لو محمد وصل للحقيقة، يبقى أنا فشلت في حمايته.
محمد بدأ يقرأ...
وفجأة وقف.
رفع عينه لسامح وقال
مستحيل...
سامح رد بهدوء
للأسف... كل اللي مكتوب هنا حصل فعلًا.
وأنا كنت واقفة جنب محمد، لسه مش عارفة إيه الحقيقة اللي ممكن تكون أخطر من اكتشاف أخ مخفي لسنين.
لكن من شكل محمد...
عرفت إن الورقة دي كانت بداية الكارثة، مش نهايتها محمد أخد الظرف، لكن قبل ما يفتحه بص للمحامي وقال
إنت ليه جيت دلوقتي بالذات؟
المحامي رد بهدوء
لأن والدك بعتلي من أسبوع، وقال لي لو حالته ساءت أكتر، أو لو ظهر سامح، لازم أسلّمك الظرف ده بنفس إيدي.
محمد فتحه بسرعة.
جواه مجموعة أوراق، وفي آخرها عقد قديم.
قعد يقرأ، وكل سطر كان بيغير ملامح وشه.
سألته
فيه إيه؟
ناولني الورقة.
كان واضح إن البيت والأرض مش ملك حمايا وحده.
كان فيه شريك قديم في الملكية، والاسم المكتوب كان نفس اسم الراجل اللي كان واقف قدامنا.
المحامي قال
والدك كان شريكًا في الأرض مع شخص آخر. وبعد خلاف كبير، اتعمل عقد جديد من غير علم الشريك.
محمد سأله
مين عمل العقد؟
المحامي سكت.
محمد كرر
مين؟
المحامي أشار للورقة.
الشخص اللي مضى هنا.
محمد بص للتوقيع.
وبعدين رفع عينه بصدمة.
ده مش توقيع أبويا!
المحامي قال
عارف.
أنا سألت
أمال توقيع مين؟
المحامي ما ردش.
في اللحظة دي، أخو محمد الكبير حاول ياخد الورق من إيده.
محمد شده منه بسرعة.
إنت مالك؟
أخوه قال بعصبية
دي أوراق قديمة ملهاش لازمة!
المحامي بص له وقال
بالعكس... دي أهم أوراق في القضية كلها.
محمد اتوتر
قضية إيه؟
المحامي قال
والدك ما كانش خايف على البيت بس. كان خايف إن الحقيقة تظهر، لأن اللي حصل زمان ممكن يغيّر ملكية الأرض كلها.
محمد بص لأخوه.
أخوه بدأ يتلعثم
أنا معرفش حاجة.
حمايا كان ساكت طول الوقت.
وفجأة قال بصوت ضعيف
هو يعرف.
الكل بص له.
حمايا أشار لأخ محمد الكبير.
شاف كل حاجة.
أخوه انفعل
كفاية! الراجل مش فاكر اسمه أصلًا!
لكن حمايا رد بجملة خلت الصالة كلها تسكت
أنا ممكن أنسى وشوشكم...
ثم وضع إيده على صدره.
بس مش هنسى اليوم اللي ابني خان أخوه.
محمد اتصدم.
ابني خان أخوه؟
بص لأخوه الكبير.
إنت عملت إيه يا أحمد؟
أحمد ما ردش.
وفي نفس اللحظة، المحامي قال
فيه حاجة أخطر لازم تعرفها.
محمد سأله
إيه؟
المحامي أخرج صورة قديمة من الظرف.
كانت صورة لحمايا، وسامح، وأم محمد.
وخلفهم البيت القديم.
قال المحامي
الصورة دي اتصورت قبل اختفاء سامح بيوم واحد.
محمد قرب منها.
لاحظ حاجة في الخلفية.
استنى...
أشار لشخص واقف بعيد في الصورة.
مين الراجل ده؟
المحامي قال
ده الشخص اللي كان بيتابع والدك وقتها.
محمد سأله
واسمه إيه؟
المحامي رد
اسمه مكتوب في آخر الملف.
محمد قلب الأوراق بسرعة.
وفجأة توقف.
وشه اتغير.
لأنه قرأ الاسم...
نفس اسم الشخص اللي اشترى الأرض المجاورة لبيتنا من كام شهر.
وقبل ما يستوعب، رن موبايله.
رقم مجهول.
رد محمد
ألو؟
جاله صوت رجل هادي
افتح الورق اللي معاك كويس يا محمد... لأن أبوك ما قالكش كل الحقيقة.
محمد سأله
إنت مين؟
الرجل ضحك ضحكة قصيرة وقال
أنا الشخص اللي أبوك قضى عمره كله بيحاول يخبيك عنه.
ثم أغلق الخط.
محمد فضل واقف مكانه.
أما أنا، فكنت حاسة إننا دخلنا في سر أقدم وأخطر بكتير من مجرد حكاية أخ اختفى سنين.
وفي اللحظة دي، حمايا نادى عليا وحدي.
قربت منه.
همس في ودني
لو محمد عرف مين أمه كانت بتحميه منه...
وسكت.
قلت
مين؟
رفع عينه لي، وقال
هتندمي إنك سألتي محمد فضل ماسك الورقة وإيده بتترعش.
قال لسامح
إنت عايز تفهمني إن أبويا هو اللي سلّمني ليك وأنا صغير؟
سامح هز رأسه
لأ... الموضوع مش كده.
أمال إيه؟
سامح سحب نفس طويل وقال
أبوك كان عليه ديون كبيرة زمان، وكان فيه ناس بتضغط عليه عشان يبيع البيت والأرض. لكنه رفض. وفي يوم، حصلت مشكلة كبيرة، والناس دي هددته إنهم هيأذوك إنت وأمك.
محمد بص له بعدم تصديق
وإنت كنت فين وقتها؟
كنت صغير زيك تقريبًا، لكني كنت فاهم إن وجودي في البيت ممكن يعرّضكم للخطر.
سكت سامح لحظة، ثم أضاف
أبوك قرر يبعدني عنكم. مش عشان كان بيكرهني... بالعكس. كان عايز يخلّي الناس تفتكر إن العيلة مفيهاش غير ولد واحد.
محمد ضرب بإيده على الترابيزة
طب وليه ما رجعتش بعد ما كبرت؟
سامح بص له بحزن
حاولت.
وإيه اللي حصل؟
سامح مد إيده لجيب جاكته وطلع مجموعة خطابات قديمة.
كل مرة كنت ببعث جواب لأبوك، كان بيرجعلي نفس الجواب متظهرش... حياتك وحياتنا هتضيع.
محمد بدأ يقلب الخطابات بسرعة.
وفجأة وقف عند واحد منها.
الخط ده بخط أمي.
سامح قال
أيوه.
محمد قرأه بصوت منخفض
سامح، لو بتحب أخوك، متظهرش دلوقتي. أبوك بيحاول يحميه من ناس مش هترحمه.
محمد رفع عينه وقال
أمي كانت تعرف إنك عايش!
سامح هز رأسه.
وكانت بتحاول تفضل على تواصل معايا من غير ما أبوك يعرف.
سكت محمد طويلًا.
ثم سأل
طب ليه رجعت دلوقتي؟
سامح ما ردش فورًا.
فتح الظرف وأخرج ورقة جديدة.
عشان وصلتني الرسالة دي من شهر.
محمد أخذها.
كانت مكتوبة بخط حمايا.
سامح، لو وصلك الجواب ده، يبقى الذاكرة بدأت تروح مني. قبل ما أنسى كل حاجة، لازم أقولك إن الورق اللي أخفيته زمان لسه موجود. ومتخليش محمد يبيع البيت مهما حصل.
محمد رفع رأسه بسرعة.
يبيع البيت؟ مين قال إني هبيعه؟
سامح رد
محدش. بس فيه حد حاول يشتريه من أبوك أكتر من مرة.
أنا سألت
مين؟
سامح بص لي نظرة غريبة.
واحد قريب منكم.
قلبي دق بسرعة.
قريب مننا إزاي؟
سامح قال
من العيلة.
رجعنا البيت بعد ساعات.
محمد كان طول
متابعة القراءة