يامدام حكايات زيزي
يا مدام، بطّلي تمثّلي إنك مظلومة. إنتِ اللي قررتي تسافري ومعاكي بيبي لسه مولود وبنت صغيرة.
الست قالتها بصوت عالي لدرجة إن كذا راكب في الصف ال لفّوا يبصّوا علينا.
ابني ليو كان عنده ست أسابيع بس.
كان نايم على صدري في حاملة البيبي الزرقا الفاتحة اللي أمي كانت جايبهالي قبل ما تتوفى بفترة قصيرة.
خده الصغير كان لازق في هدومي، وكنت حاسة بنفسه الدافي من خلال القماش.
وبجانبي كانت بنتي مايا، عندها عشر سنين، ماسكة في شنطة ظهرها البنفسجي اللي عليها نجوم صغيرة مطرزة.
دي كانت أول مرة أسافر فيها لوحدي مع الاتنين.
كنا مسافرين من شيكاغو لأورلاندو، عشان أختي كانت عارضة تساعدني هناك كام أسبوع.
جوزي ديفيد كان شغال ساعات طويلة في مشروع بناء في ولاية تانية، وأنا من ساعة ما ليو اتولد ماكنتش بنام أكتر من 3 ساعات متواصلة.
وعشان كده بالذات كنت مخططة للرحلة دي بكل تفصيلة.
دفعت فلوس زيادة عشان أحجز مقعدين جنب بعض بمساحة رجلين أكبر.
مقعد لمايا.
ومقعد ليا، وليو هيكون في حضني.
أنا بنفسي اخترت الصف 11.
ودفعت الرسوم الإضافية.
وكنت بتأكد من بطاقات الصعود بتاعتنا مرة ورا مرة.
ووصلت مطار أوهير بدري، عشان أتجنب بالظبط النوع ده من المشاكل اللي كنت واقفة فيها دلوقتي.
لما وصلنا للصف بتاعنا، لقينا واحدة قاعدة بالفعل في مقعدي.
كانت باين عليها في أوائل الخمسينات.
نضارة شمس شيك فوق راسها.
ومدّية بالطو بيج على جزء من الكرسي.
وكمان شنطة جلد كبيرة حطاها بحيث قافلة جزء من الممر.
وحتى خلعت جزمتها ومدّت رجلها ناحية الحيطة، كأن الصف كله ملكها.
أخدت نفس وفضلت هادية.
لو سمحتي، أعتقد إنك قاعدة في مقاعدنا.
الست رفعت عينيها وبصتلي ببطء.
بعدين بصت للبيبي النايم على صدري.
وبعدين لمايا.
ومن غير ما تقول كلمة، رجّعت السماعات العازلة للصوت على ودانها.
أنا خلاص استقريت هنا.
وما تحركتش.
طلعت بطاقات الصعود من شنطتي.
دي مقاعدنا. 11A و.
نزّلت السماعة من على ودن واحدة وبصتلي بضيق.
دايمًا نفس الحكاية مع الأمهات. تخلفوا عيال وبعدين تفتكروا إن كل الناس لازم تغيّر مكانها عشانكم.
مايا نزلت عينيها على الأرض فورًا.
وليو اتحرك حركة بسيطة على صدري.
حطيت إيدي على ضهره برفق، على أمل إنه ما يصحاش.
في الوقت ده، الركاب اللي وراينا بدأوا يتزاحموا في الممر.
مضيفة طيران جت بسرعة.
بصت على بطاقات الصعود بتاعتي.
وبعدين بصت على بطاقة الست.
ملامح وشها اتغيرت.
واضح إن فيه مشكلة حصلت في حجز المقاعد، وممكن يكون نفس المقعد اتحجز لشخصين.
أنا دفعت زيادة مخصوص عشان المقاعد دي.
أنا فاهمة.
المضيفة وطّت صوتها.
فيه مقعد فاضي تلات صفوف ورا. لو حضرتك موافقة تقعدي هناك، نقدر نخلّص ركوب باقي الناس ونخلي الكل يستقر.
بصيتلها بعدم تصديق.
إنتِ عايزاني أقعد تلات صفوف بعيد عن بنتي اللي عندها عشر سنين؟
المضيفة بان عليها الإحراج.
هنخلي بالنا منها أثناء الرحلة. إحنا أصلًا اتأخرنا في الإقلاع، والراكبة التانية رافضة تتحرك.
الست اللي قاعدة في مكاني ضحكت ضحكة قصيرة.
طبعًا رافضة. أنا كنت هنا الأول.
وبعدين بصت لمايا.
دي عندها عشر سنين. تقدر تقعد لوحدها كام ساعة.
واحد من الركاب اللي ورانا تنهد بصوت عالي.
وراكب تاني تمتم بحاجة عن إننا ممكن نتأخر عن موعد الإقلاع.
حسيت بحرارة في وشي.
ماكنتش مكسوفة.
كنت غضبانة جدًا.
ده النوع من الغضب اللي بتضطري تبلعيه وإنتِ شايلة طفل نايم، وطفلك الكبير واقف ساكت وبيبصلك، مستني يشوف هل الكبار حواليه هيعملوا الصح ولا لأ.
وفجأة مايا لمست دراعي برفق.
معلش يا ماما.
هزيت راسي.
لا يا حبيبتي.
بجد، أنا هبقى كويسة.
بصيتلها.
مسكت إيدي وضغطت عليها.
وبعدين قربت مني وهمست بصوت واطي جدًا، لدرجة إني أنا بس اللي سمعته.
متعمليش.
قطبت جبيني.
وقبل ما ألحق أسألها تقصد إيه، المضيفة وعدتني إنها هتطمن على مايا طول الرحلة.
وفي نفس الوقت، الست بدأت ترتب بالطوها بابتسامة فيها غرور، كأنها لسه كسبت معركة كبيرة.
كنت بكره كل لحظة من اللي بيحصل.
لكن الممر كان زحمة.
وليو بدأ يصحى.
والركاب بقوا متضايقين.
ومايا فضلت مصممة إنها هتبقى كويسة.
اضطريت أساعدها تقعد جنب الشباك.
حطت شنطة ظهرها البنفسجي تحت الكرسي اللي قدامها.
لكن وهي بتنحني عشان تحط الشنطة، تعبير وشها اتغير فجأة.
حاجبيها اتجمعوا.
كانت لاحظت حاجة.
حاجة جنب رجلين الست.
مايا فضلت تبص للحاجة دي كام ثانية.
وبعدين رفعت عينيها للست.
لو سمحتي يا مدام، أعتقد إن عندك
اسمعي يا بنت، ماتبدأيش.
الست قاطعتها من غير حتى ما تبصلها.
مايا سكتت.
لكنها فضلت باصة للحاجة اللي شافتها.
نزلت لمست جبينها وباستها.
وبعدين، وليو لسه مثبت على صدري، رجعت لمقعدي الجديد في الصف 14.
المقعد كان في النص.
ومن هناك ماكنتش شايفة غير جزء صغير من رأس مايا بين الصفوف اللي قدامي.
وبعد لحظات، لفتت وبصتلي.
وابتسمت ابتسامة صغيرة.
حاولت أبتسم لها.
لكن كان فيه حاجة غريبة في نظرتها.
هي ماكنتش خايفة.
ولا كانت محتارة.
كانت باينة كأنها عارفة حاجة أنا مش عارفاها.
وأخيرًا، الطيارة اتحركت من البوابة.
وبدأنا نتحرك ناحية المدرج.
وبعدين صوت المحركات علا، والطيارة أقلعت وطلعت في السما.
أول كام دقيقة، فضلت باصة ناحية الصف 11، وبسأل نفسي هل أنا ارتكبت غلطة فظيعة لما سبت مايا قاعدة جنب الست دي.
لكن اللي ماكنتش أعرفه إن بنتي كانت بالفعل لاحظت حاجة مستخبية جنب مقعد الغريبة.
حاجة الست نفسها على ما يبدو ماكنتش واخدة بالها منها.
وبعد عشر دقايق من الإقلاع، مايا هتقف بهدوء في الممر، وتقول جملة واحدة بس...
وساعتها، كل اللي في الكابينة هيبقوا ساكتين تمامًا.
حكايات زيزي
بعد حوالي عشر دقايق من الإقلاع، بدأت مايا تتحرك في مقعدها بشكل غريب.
في الأول افتكرتها محتاجة الحمام.
لكنها ماقامتش.
فضلت قاعدة، وعينيها مثبتة تحت المقعد اللي قدامها.
وبعدين بصت ناحية الست اللي كانت قاعدة مكاني.
الست كانت مغمضة عينيها، والسماعات على ودانها، ومش واخدة بالها من أي حاجة حواليها.
مايا مدّت إيدها ببطء تحت المقعد.
لمست الحاجة اللي كانت شايفاها قبل الإقلاع.
وفجأة سحبت إيدها بسرعة.
وشها شحب.
بصت قدامها، وبعدين بصت وراها ناحيتي.
حاولت ألفت انتباهها، لكن من بعيد ماقدرتش أفهم هي بتقول إيه.
رفعت إيدها.
وأشارت ناحية المضيفة.
المضيفة كانت بتعدي في الممر، ولما شافت مايا، وقفت عندها.
مايا قربت منها وهمست بحاجة.
المضيفة ابتسمت في الأول، وكأنها بتطمن طفلة قلقة.
لكن الابتسامة اختفت تمامًا بعد ثواني.
نزلت لمستوى مايا وسألتها
إنتِ متأكدة؟
مايا هزت راسها.
أيوه.
المضيفة بصت ناحية الصف 11.
وبعدين بصت تاني لمايا.
ماتلمسيش أي حاجة تاني.
مايا هزت راسها.
المضيفة مشت بسرعة ناحية مقدمة الطائرة.
أنا بدأت أحس إن فيه حاجة غلط.
حاولت أقوم، لكن ليو كان بدأ يعيط، والراكب اللي جنبي طلب مني أفضل قاعدة عشان الممر كان ضيق.
فضلت أهدهد ليو وأنا باصة ناحية بنتي.
وبعد أقل من دقيقة، رجعت المضيفة ومعاها مضيف تاني.
الاتنين وقفوا عند صف مايا.
المضيفة انحنت وأخذت الحاجة من تحت المقعد بحذر شديد.
وبمجرد ما شافتها، تبادل هو والمضيفة نظرة سريعة.
النظرة دي خلت قلبي يقع.
وقفت رغم إن ليو كان في حضني.
المضيفة رفعت عينيها وقالت
مدام، لو سمحتي خليكي مكانك.
إيه اللي حصل؟ بنتي شافت إيه؟
هنوضح لحضرتك، بس من فضلك ماتقلقيش.
لكن صوتها نفسه كان بيقول العكس تمامًا.
الست في الصف 11 فتحت عينيها أخيرًا.
شالت السماعة من ودانها وقالت بضيق
هو فيه إيه؟
المضيف وقف قدامها.
مدام، محتاجين نتأكد من حاجة موجودة جنب مقعدك.
جنب مقعدي؟
أيوه.
بصت تحت رجلها.
وفجأة تغيّر لون وشها.
مدّت إيدها بسرعة ناحية شنطتها.
لكن المضيف سبقها ومسك الشنطة.
لو سمحتي، سيبيها.
الست بدأت تتوتر.
دي شنطتي الشخصية! إنتوا مالكم؟
المضيفة ردت بهدوء شديد
عشان كده لازم نتأكد.
في اللحظة دي، مايا قامت من مقعدها.
وبصوت واضح سمعه أكتر من شخص في الصفوف القريبة، قالت
أنا شفتها قبل ما الطيارة تتحرك.
الست بصتلها بحدة.
شفتي إيه؟
مايا ما ردتش.
فضلت باصة للمضيفة.
وبعدين قالت
مش دي المشكلة.
المضيفة سكتت.
المشكلة في الحاجة اللي كانت مستخبية تحت الكرسي.
ساعتها حصل شيء غريب.
الست اللي كانت بتتكلم بثقة من أول الرحلة، فقدت كل غرورها مرة واحدة.
وبصوت منخفض جدًا، قالت
إنتِ ماكانش المفروض تشوفيها.
الطائرة كلها تقريبًا سكتت.
وأنا لأول مرة فهمت إن اللي حصل من أول لحظة ماكانش مجرد مشكلة مقاعد.
كان فيه شيء أكبر بكتير.
وشيء مايا اكتشفته بالصدفة.
لكن قبل ما ألحق أسأل، جاء صوت قائد الطائرة عبر السماعات
نرجو من جميع الركاب البقاء في مقاعدهم وربط أحزمة الأمان.
المضيف بص للست.
وبعدين للمضيفة.
ثم قال جملة جعلتني أشعر ببرودة تسري في جسمي
اتصلي بالكابتن فورًا.
وبينما المضيفة بدأت تتحرك ناحية قمرة القيادة، الست مدّت إيدها فجأة ناحية مايا وقالت
استني... أنا أقدر أشرحلك كل حاجة.
مايا رجعت خطوة للخلف.
وقالت
أنا مش عايزة أسمع منك.
ثم أشارت إلى حقيبة صغيرة كانت تحت المقعد.
أنا بس عايزة أعرف... ليه عليها اسم أمي؟مايا أول ما سمعت الجملة، رجعت خطوة لورا.
ليه عليها اسم أمي؟
أنا تجمدت في مكاني.
اسم أمي؟
أمي كانت متوفية من سنين.
ومفيش أي سبب يخلي اسمها موجود على حقيبة غريبة في طائرة متجهة من شيكاغو لأورلاندو.
الست بصت لمايا بنظرة مرعبة، وبعدها بصتلي.
بنتك غلطانة.
لكن مايا هزت راسها بسرعة.
لا، أنا مش غلطانة.
المضيف فتح الحقيبة الصغيرة بحذر.
جواها كان فيه ظرف أبيض، ومفتاح قديم، وصورة فوتوغرافية.
المضيف رفع الصورة.
وفي