حماتي حطت
حماتي حطت قدامي طبق فاضي وقالت قدام الكل
الميزانية خلصت عليكي. استني لما الناس تخلص، ولو فضل حاجة كليها.
فضلت باصة للطبق كام ثانية، مش مصدقة اللي سمعته.
السفرة كانت مليانة أكل يكفي عشرين واحد لحمة مشوية، جمبري، سمك، محشي، أطباق سلطة، جبن مستوردة، وحلويات جايباها مخصوص عشان تحتفل بعيد ميلاد مرات ابنها المفضلة، نادين.
أنا كنت لسه راجعة من شغلي في مدينة نصر، بعد يوم قعدت فيه حوالي عشر ساعات واقفة على رجلي.
اسمي سلمى، عندي خمسة وتلاتين سنة، ومتجوزة بقالنا خمس سنين من كريم، ابن حماتي الأصغر.
دخلت وقعدت جنب جوزي، مستنية حتى كلمة حمد لله على السلامة.
كريم حتى ما بصليش.
قال وهو بيحط لنفسه قطعة لحمة تانية
اتأخرتي ليه؟
بصيت له باستغراب.
كنت في الشغل، ما أنا قلتلك.
ما ردش.
حماتي، الحاجة سعاد، كانت قاعدة في صدر السفرة. أخدت أكبر قطعة لحمة، وحطت معاها جمبري كتير، وحطت الطبق قدام نادين.
وقالت بحنان مبالغ فيه
كلي يا حبيبتي. إنتِ تستاهلي كل خير. إنتِ الوحيدة اللي بتعرفي تفرّحي البيت ده.
نادين ابتسمت بدلع.
يا ماما، ربنا يخليكي ليا. إنتِ دايمًا بتكسفيني بكرمك.
جوزها، محمود، أخو كريم الكبير، ضحك وقال
أصل نادين ست تعرف تعيش. مش أي حد يعرف يليق بالعيلة.
ضحكوا.
وأنا فضلت ساكتة.
ولا واحد فيهم افتكر إن الست اللي قاعدة قدامهم بطبق فاضي هي نفسها اللي بقالها تلات سنين بتدفع تمن الحياة الكويسة اللي هما عايشينها.
أنا اللي كنت بدفع قسط شقة حماتي.
تلاتين ألف جنيه كل شهر.
أنا اللي كنت شايلة فواتير الكهربا والغاز والمية والصيانة.
أنا اللي كنت بسدد جزء كبير من مصاريف كريم لما كان بيزنق نفسه في أقساط ومشتريات ملهاش أول من آخر.
لما حماتي دخلت تعمل عملية، أنا اللي دفعت تكاليف المستشفى.
ولما محمود اتزنق فترة في شغله، أنا اللي سددت له قسطين العربية عشان ما يتبهدلش.
وكنت بعمل كل ده عشان كريم كان دايمًا يقول لي
يا سلمى، دي أمي وإخواتي. إحنا أهل، وبكرة لما نحتاجهم مش هيتأخروا علينا.
بصيت للطبق الفاضي اللي قدامي.
وبعدين بصيت لكريم.
كنت مستنية منه كلمة واحدة.
كنت مستنية يقول لأمه
عيب يا أمي.
أو حتى يسألها
إزاي تحطي قدام مراتي طبق فاضي وإنتِ بتطعمي نادين أحسن أكل؟
لكنه ما عملش أي حاجة.
فضل بياكل وكأن الموضوع مش يخصه.
وبصوت واطي قال لي
أمي كده، إنتِ عارفاها. بلاش تعملي مشكلة.
الجملة دي وجعتني أكتر من كلام حماتي نفسه.
ساعتها فهمت.
مش بس حماتي شايفاني مجرد مصدر فلوس.
جوزي نفسه كان شايف إني هفضل أدفع مهما حصل.
حطيت المعلقة على السفرة وقومت.
حماتي بصت لي باستغراب.
إيه؟ هتزعلي وتمشي؟
بصيت لها بهدوء.
لا.
سكت شوية، وبعدين قلت
أنا بس فهمت.
مسكت شنطتي.
نادين ابتسمت ابتسامة مستفزة وقالت
أصل في ناس معاها فلوس، بس ما عندهاش ذوق تعرف تقعد وسط الناس.
بصيت لها.
ثانية واحدة بس.
وبعدين مشيت من غير ما أرد.
نزلت من بيت حماتي في المعادي، ركبت عربيتي، وروحت على شقتي في التجمع.
الشقة دي كانت بتاعتي قبل الجواز، وأنا اللي كنت شاريّاها من تعبي، ومفيش عليها جنيه واحد مديونية.
دخلت البيت، قفلت الباب ورايا، وحطيت شنطتي.
الغريب إني المرة دي ما عيطتش.
ولا حتى اتعصبت.
فتحت تطبيق البنك على موبايلي.
بدأت أبص على التحويلات الشهرية.
قسط شقة حماتي متدفع تلقائيًا.
فواتير البيت متدفوعة تلقائيًا.
مصروف حماتي الشهري تحويل تلقائي.
كارت كريم اللي كان كل شهر يخلص عليه مبلغ محترم خصم تلقائي.
فضلت باصة للشاشة شوية.
وبعدين بدأت ألغيهم واحد ورا التاني.
ضغطت على إلغاء.
تأكيد.
إلغاء.
تأكيد.
لحد ما الحساب بقى مفيهوش أي التزام يخص عيلة كريم.
بعدها اتصلت بالمحاسب بتاعي.
أستاذ طارق؟
أيوه يا سلمى، اتفضلي.
من بكرة عايزاك توقف أي مصاريف أو تحويلات شخصية ليها علاقة بعيلة كريم.
سكت لحظة.
يعني كل التحويلات؟
بصيت على آخر رسالة تأكيد وصلتني من البنك.
وقلت بمنتهى الهدوء
كلها. ولا جنيه واحد تاني.
قفلت المكالمة.
كنت عارفة إنهم أول ما الفلوس تقف، هيفتكروا إني موجودة.
بس اللي ما كنتش أعرفه إن الموضوع مش هيقف عند الفلوس.
بعد يومين بالظبط، الساعة تمنية وسبعتاشر دقيقة الصبح، موبايلي رن.
كانت حماتي.
رديت.
قبل حتى ما أقول ألو، سمعت صوتها بيصرخ
سلمى! إنتِ عملتي إيه؟!
سكت.
البنك بيقول إن قسط البيت ما اتدفعش! إنتِ نسيتي ولا إيه؟! حوّلي التلاتين ألف جنيه حالًا!
أخدت رشفة من قهوتي.
وقلت بهدوء
معلش يا طنط سعاد...
سكتت.
فكملت
الميزانية خلصت عليكي.
ما سمعتش أي رد.
ثواني من الصمت.
وبعدين سمعت نفسها بتقول بصوت متوتر
يعني إيه خلصت؟! إنتِ بتتكلمي جد؟
ابتسمت.
أيوه.
وبعدين قلت لها
زي ما حضرتك قولتيلي بالظبط... لما يبقى فيه حاجة، ابقي كلي منها.
قفلت المكالمة.
وقعدت مكاني.
كنت فاكرة إن وقف الفلوس هو نهاية الموضوع.
لكن الحقيقة إن الفلوس كانت مجرد أول خيط.
لأن بعد ساعات قليلة، اكتشفت حاجة أخطر بكتير...
مين اللي كان بيسحب فلوسي من ورا ضهري، ومين اللي كان بيخليني أدفع كل المصاريف دي من غير ما أعرف الحقيقة كاملة؟
واللي اكتشفته بعدها قلب الحكاية كلها...
في اللحظة دي، وأنا قافلة المكالمة، افتكرت إن كل حاجة انتهت بمجرد ما وقفت الفلوس
لكن بعدها بساعات، جالي اتصال من أستاذ طارق المحاسب.
صوته كان مختلف المرة دي.
سلمى، ممكن تيجي المكتب ضروري؟
في إيه؟
سكت ثانيتين وقال
في تحويلات حصلت من حسابك أنا مش فاهمها.
اتعدلت في قعدتي.
تحويلات إيه؟
مبالغ كبيرة، واتعملت على فترات متقاربة والأغرب إن بعضها متسجل عندي باعتباره مصاريف عائلية، مع إني متأكد إنك ما طلبتيش مني التحويلات دي.
قلبي دق بسرعة.
يعني إيه؟ مين طلبها؟
عشان كده بقولك تيجي بنفسك. أنا محتاج أوريكي المستندات.
قفلت معاه، وفضلت قاعدة مكاني مش مستوعبة.
أنا كنت متابعة التحويلات الشهرية اللي أعرفها.
لكن لو في فلوس اتسحبت من غير علمي
مين كان بيوصل لحساباتي؟
تاني يوم الصبح، روحت مكتب طارق.
حط قدامي ملف كبير.
فتح أول صفحة.
دي التحويلات اللي إنتِ كنتِ عارفاها.
قلب الصفحة.
ودي حاجة تانية خالص.
بصيت للأرقام.
مبالغ صغيرة في البداية
وبعدين مبالغ أكبر.
كلها خارجة من حسابي على مدار السنتين اللي فاتوا.
قلت
أنا ما عملتش الكلام ده.
طارق رد بهدوء
عارف.
طب مين؟
مد إيده وحط ورقة قدامي.
هنا المفاجأة.
بصيت في الورقة.
كان فيها اسم المستفيد.
ولما شفته
اتجمدت مكاني.
لأن الاسم ماكانش اسم حماتي.
ولا نادين.
ولا محمود.
كان اسم كريم.
جوزي.
رفعت عيني لطارق.
كريم؟
هز راسه.
أيوه.
بس كريم كان بياخد مصروفه مني بعلمي.
قال
مش كل المبالغ دي.
سكت.
وقلب لي الصفحة التانية.
بصي على التواريخ.
بصيت.
كل تحويل كان في يوم مختلف.
لكن الغريب إن التحويلات كانت بتحصل غالبًا في نفس الأيام اللي كنت فيها مشغولة جدًا في الشغل.
وفي آخر الصفحة كان فيه تحويل واحد بمبلغ كبير جدًا.
سألته
المبلغ ده راح فين؟
طارق فتح الكمبيوتر.
هنا بقى المشكلة.
إيه المشكلة؟
بص للشاشة وقال
الحساب اللي راح له المبلغ ده اتقفل من فترة.
يعني إيه اتقفل؟
يعني المستفيد الأصلي مش موجود حاليًا في النظام بنفس البيانات.
حسيت إن الموضوع أكبر من مجرد فلوس.
قلت له
عايزاك تطلعلي كل المستندات اللي عندك.
طارق بصلي بتردد.
في مستند واحد بالذات لازم تشوفيه.
طلع ظرف بني من درج مكتبه.
وحطه قدامي.
الظرف ده وصلني من البنك من حوالي شهرين.
فتحته.
جواه صورة من توكيل.
بدأت أقرأ.
كل سطر كنت بقرأه كان بيخليني أحس إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
التوكيل كان بيدي صلاحيات واسعة جدًا للتعامل مع جزء من حساباتي.
والتوقيع الموجود في آخر الصفحة
كان توقيعي.
بس أنا عمري ما شفت الورقة دي قبل كده.
قلت بصوت مرتجف
التوقيع ده مش بتاعي.
طارق قرب الورقة مني.
أنا عارف.
عرفت إزاي؟
بصلي وقال
لأن عندي توقيعك الأصلي من سنين.
وبعدين أضاف
وفي حاجة أخطر التوكيل ده اتعمل في نفس الشهر اللي بدأتي فيه تدفعي مصاريف حماتك بشكل منتظم.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
خرجت من عند طارق وأنا ماسكة صورة التوكيل.
لكن قبل ما أوصل عربيتي، موبايلي رن.
رقم غريب.
رديت بحذر.
صوت راجل قال
مدام سلمى؟
أيوه.
أنا محتاج أقابلك قبل ما كريم يعرف إنك عرفتِ.
وقفت مكاني.
حضرتك مين؟
سكت لحظة.
وبعدين قال جملة خلت إيدي تبرد
أنا الشخص اللي كان كريم بيدفع له الفلوس اللي كانت بتخرج من حسابك.
وقبل ما ألحق أسأله أي سؤال
قفل الخط لكن قبل ما أتحرك، رجعت أفتكر جملته
أنا الشخص اللي كان كريم بيدفع له الفلوس اللي كانت بتخرج من حسابك.
لو كان كريم بيدفع له من فلوسي أنا يبقى كان بيحوّل الفلوس دي لحساب شخص تاني، من غير ما أعرف.
اتصلت بالرقم تاني.
مفيش رد.
جربت مرة واتنين وتلاتة، لحد ما بعتلي رسالة قصيرة
لو عايزة تعرفي الحقيقة، تعالي بكرة الساعة 11 عند مكتب البريد القديم في مصر الجديدة. ومتقوليش لكريم إنك جاية.
فضلت أبص للرسالة.
أول حاجة فكرت فيها إني ما أروحش.
لكن الفضول كان أقوى.
تاني يوم، وصلت قبل الميعاد بعشر دقايق.
وقفت بعيد شوية، وفضلت أراقب المكان.
بعد دقائق، ظهر راجل في الخمسينات تقريبًا، ماسك ملف أسود.
بص ناحيتي وقال
مدام سلمى؟
هزيت راسي.
أيوه.
بص حواليه قبل ما يقرب.
أنا اسمي سامح.
وإنت تعرف كريم منين؟
فتح الملف.
أنا كنت مسؤول حسابات في الشركة اللي كريم كان شغال فيها زمان.
اتوترت.
وإيه علاقة شغله بفلوسي؟
قال
قبل ما أجاوبك، لازم تعرفي إن كريم ماكانش بيحط الفلوس في جيبه كلها.
أمال كانت بتروح فين؟
فتح أول ورقة.
كانت كشف حساب.
وأشار لسطر معين.
هنا.
بصيت.
كان فيه تحويلات منتظمة لشخص واحد.
لكن الاسم المرة دي ماكانش غريب عليا.
أنا كنت أعرفه.
اتسمرت مكاني.
مستحيل
سامح قال
للأسف، ده حقيقي.
رفعت عيني له.
بس الشخص ده
قاطَعني
أيوه. هو من عيلة كريم.
حسيت إن كل حاجة بدأت تركب فوق