كنت بمسح ارضيه المطبخ
كنت بمسح أرضية مطعم شبه فاضي ليلة العيد، وبنتي الصغيرة اللي عندها ست سنين كانت نايمة على كنبة في آخر المطعم، عشان ماكنتش قادرة أجيب حد يقعد معاها.
وفجأة، دخل أخوف وأقوى رجل أعمال في القاهرة...
وسمع بنتي وهي بتهمس
ماما... ممكن نقعد هنا الليلة؟ أصل مفيش أكل في البيت.
اللي عمله بعدها كان حاجة محدش من رجاله شافه يعملها قبل كده...
اسمي مريم عبدالسلام.
في ليلة العيد دي، كان كل اللي معايا في حسابي البنكي 900 جنيه بس.
الإيجار كان متأخر.
والتلاجة في البيت ماكانش فيها غير نص علبة لبن، وبيضتين، وتقريبًا مفيش أي أكل تاني.
وفوق كل ده، كان لسه قدامي أربع ساعات شغل.
عادةً كانت جارتي الحاجة أم صابر بتقعد مع بنتي ملك وأنا في شغلي بالليل.
لكنها كانت راحت تقضي العيد مع ولادها.
وماكانش عندي أي حد تاني أسيب ملك معاه.
فاضطريت أخدها معايا الشغل.
قلت لها وأنا بفرش لها الجاكيت بتاعي على كنبة في ركن بعيد
خليكي هنا يا حبيبتي.
ولفيت عليها الجاكيت كويس.
وماما هتصحيكي أول ما تخلص شغل.
ماعداش كام دقيقة وكانت نامت.
افتكرت إن المطعم فاضي.
لكن فجأة...
باب المطعم اتفتح.
دخل تلات رجالة لابسين بدل سودا.
ووراهم دخل ياسين السيوفي.
إيدي وقفت عن الحركة.
كل الناس في القاهرة كانت عارفة الاسم ده.
رسميًا، ياسين السيوفي كان صاحب سلسلة مطاعم، وكافيهات، وشركات مقاولات، وعقارات كتير في القاهرة والجيزة.
لكن الحقيقة؟
الناس كانت بتوطي صوتها أول ما اسمه يتجاب في الكلام.
حتى مدير المطعم كان حذرنا قبل كده وقال
لو الأستاذ ياسين دخل، محدش يبصله كتير. ومحدش يسأله أي سؤال. اعملوا شغلكم وخلاص.
ودلوقتي...
كان هو بنفسه ماشي ناحيتي.
عينه راحت ناحية الطفلة اللي نايمة.
وسأل بصوت هادي
مين دي؟
حسيت حلقي نشف.
بنتي.
واحد من رجاله قطّب حواجبه وقال
الأطفال ممنوعين هنا بعد مواعيد الإغلاق.
رديت بسرعة
أنا عارفة.
وقفت وأنا متوترة.
أنا آسفة، بس ماكانش عندي حد يقعد معاها. بالله عليك، أنا محتاجة الشغل ده.
ياسين ماقالش حاجة.
وفجأة...
ملك اتحركت وهي لسه نص نايمة.
ماما؟
جريت عليها بسرعة.
أنا هنا يا حبيبتي.
فركت عينيها وبصت حواليها على زينة العيد والأنوار.
وببراءة قالت
ممكن نقعد هنا الليلة دي؟
حاولت أبتسم.
لأ يا حبيبتي.
بصتلي وقالت
بس هنا دافي.
وشي سخن من الإحراج.
وبعدين قالت الجملة اللي كنت بتمنى من كل قلبي إنها ما تقولهاش
أصل مفيش أكل عندنا في البيت أصلًا.
المكان كله سكت.
حتى رجالة ياسين بصوا بعيد.
بلعت غصة في حلقي وقلت
ملك... كفاية يا حبيبتي.
لكنها كملت من غير ما تفهم أنا ليه متوترة
بس إنتي قولتيلي نستنى لحد يوم الجمعة عشان نشتري أكل.
ماقدرتش أبص في وش حد.
وفجأة سمعت ياسين بيسأل بصوت هادي
آخر مرة بنتك أكلت إمتى؟
قلبي وقع.
هي أكلت النهارده.
رد بحدة هادية
ده مش اللي سألتك عليه.
رفعت عيني وبصيتله.
كنت متوقعة أشوف نفس النظرة المرعبة اللي الناس كلها بتحكي عنها.
لكن...
ماكانتش موجودة.
كان فيه حاجة تانية في عينيه.
ياسين خلع الجاكيت الغالي اللي كان لابسه، وحطه على كتف ملك.
واحد من رجاله بصله بدهشة.
يا باشا؟
ياسين تجاهله تمامًا.
وبعدين نزل لمستوى بنتي، وقعد قدامها.
وسألها
إيه أكتر أكلة بتحبيها في العيد؟
ملك رمشت بعينيها وهي مش فاهمة.
وقالت بمنتهى البراءة
أي حاجة تكون سخنة.
ياسين سكت تمامًا.
فضل ثابت كام ثانية، وكأنه بيحاول يخفي حاجة جواه.
وبعدين وقف وقال
افتحوا المطبخ.
رجالته بصوا لبعض باستغراب.
واحد منهم قال
بس الطباخين مشيوا من بدري يا باشا.
ياسين بدأ يلف أكمام قميصه بهدوء.
وقال
أنا ما سألتش الطباخين فين.
وبعدين بصلي.
يا مريم... اقعدي جنب بنتك.
اتوترت وقلت
يا أستاذ ياسين، مينفعش أسمحلك...
بصلي بنظرة هادية لأول مرة.
وقال
الليلة دي... ينفع.
وبينما أخوف رجل في القاهرة، الرجل اللي رجاله نفسهم بيخافوا يعترضوا عليه، اختفى جوه المطبخ عشان يعمل بنفسه عشا العيد لبنتي الصغيرة...
واحد من رجاله قرب مني وهمس
أنا شغال مع ياسين بقالى 14 سنة.
وبص ناحية المطبخ بدهشة.
وبعدين قال
عمري ما شفته يعمل كده مع أي حد.
بعد دقائق، بدأت ريحة الأكل تنتشر في المطعم كله.
ملك كانت قاعدة على الكنبة، والجاكيت بتاع ياسين لسه متغطي بيه، وعينيها بدأت تقفل من جديد.
أما أنا، فكنت واقفة مش فاهمة إيه اللي بيحصل.
أنا مش بس مستغربة إنه دخل المطبخ بنفسه...
أنا كنت مستغربة أكتر من نظرات رجاله.
كانوا واقفين قدام باب المطبخ، ساكتين، كأنهم خايفين حتى يتنفسوا بصوت عالي.
وبعد شوية، خرج ياسين وهو شايل صينية كبيرة.
حطها قدام ملك بنفسه.
رز، فراخ، خضار، شوربة، وطبق صغير حلويات.
ملك فتحت عينيها، وبصت للصينية بدهشة.
قالت
دي كلها ليا؟
ابتسم لأول مرة.
لأ... دي ليكي ولمامتك.
بصيتله بسرعة.
أنا مش محتاجة.
رد من غير ما يبصلي
وأنا مش بسألك.
سكت.
ملك بدأت تاكل بسرعة، وبعد أول معلقة وقفت وبصت لياسين.
إنت بتشتغل هنا؟
رجاله كتموا ضحكتهم.
أما هو فبصلها وقال
لأ.
طب إنت بتطبخ؟
قال بهدوء
النهارده بس.
ضحكت ملك.
ولأول مرة من بداية الليلة، سمعت ضحكة بنتي من قلبها.
لكن في اللحظة دي...
موبايل ياسين رن.
بص للشاشة.
ملامحه اتغيرت فجأة.
اختفت الابتسامة تمامًا.
رد
أيوه.
سكت ثواني.
وبعدين قال بصوت منخفض جدًا
إنت متأكد؟
ملامحه بقت جامدة.
راجع التسجيلات كلها.
سكت مرة تانية.
من أول الساعة ستة.
وبعدين قفل المكالمة.
واحد من رجاله قرب منه
في إيه يا باشا؟
ياسين بص له نظرة خلت الراجل يسكت فورًا.
وبعدين بص ناحيتي.
أنا حسيت إن فيه حاجة مش طبيعية.
قلت
في حاجة حصلت؟
قال
لأ.
لكن صوته قال العكس تمامًا.
وفجأة، دخل مدير المطعم بسرعة وهو بيحاول يخبي توتره.
يا باشا... حضرتك طلبتني؟
ياسين بص له وقال
أيوه.
وبعدين أشار ناحية ملك.
البنت دي كانت موجودة هنا قبل ما أدخل؟
المدير اتردد.
أيوه يا باشا.
من إمتى؟
من حوالي ساعتين.
ومين كان عارف إنها هنا؟
المدير بدأ يتلخبط.
أنا... والموظفين.
ياسين قرب منه خطوة.
كل الموظفين؟
الراجل بلع ريقه.
أيوه.
ياسين ما ردش.
بص لرجاله وقال
هاتولي تسجيلات الكاميرات.
أنا اتوترت أكتر.
هو حضرتك ليه بتسأل عن بنتي؟
رفع عينه ناحيتي.
وسكت لحظة طويلة.
وبعدين قال
لأن في حاجة حصلت قبل ما أدخل المطعم بدقائق.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
حاجة إيه؟
رد بهدوء
حد دخل المطعم وسأل عنك.
اتجمدت مكاني.
عنّي أنا؟
هز راسه.
وقال اسمك بالكامل.
بصيت لملك.
وبعدين بصيت له.
مين؟
ياسين ما جاوبش.
وفي نفس اللحظة، واحد من رجاله دخل وهو ماسك موبايل في إيده.
قرب منه وهمس له بكلمتين.
ملامح ياسين اتغيرت تمامًا.
وبعدين قال
اقفلوا باب المطعم.
المدير اتصدم.
دلوقتي يا باشا؟
رد بحسم
دلوقتي.
اتقفل الباب الرئيسي.
وأنا حسيت إن رجلي مش شايلاني.
ملك، اللي ماكنتش فاهمة أي حاجة، رفعت راسها من على الأكل وسألت
ماما... هو إحنا هنبات هنا بجد؟
قبل ما أقدر أرد...
سمعت خبطتين على باب المطعم من برّه.
الكل سكت.
وبعد ثواني...
جاء صوت رجل من خلف الباب
مريم عبدالسلام موجودة هنا؟
قلبي وقف.
أنا ما قلتش اسمي لحد الليلة دي غير لمدير المطعم.
بصيت لياسين.
هو كان بالفعل واقف بيني وبين الباب.
وقال بصوت منخفض
محدش يرد.
ثم نظر إلى رجاله.
واللي برا ده... أنا عايز أعرف مين بعتّه، وليه بيدور عليها.
ملك مسكت إيدي بقوة.
وأنا لأول مرة حسيت إن وجود ياسين في المكان...
مش هو الحاجة اللي لازم أخاف منها.
لكن الشخص اللي واقف خلف الباب...
هو اللي لازم أخاف منه فضلت واقفة مكاني وأنا ماسكة إيد ملك، وحاسة إن قلبي هيخرج من صدري.
الخبط على الباب اتكرر.
ثلاث خبطات المرة دي.
وبعدين الصوت جه تاني
مريم عبدالسلام... إحنا عارفين إنك جوه.
بصيت لياسين.
كان واقف ثابت، لكن عينيه كانت مركزة جدًا على الباب.
أشار لواحد من رجاله.
الراجل اتحرك ناحية الباب من غير صوت، وبص من فتحة صغيرة في الجنب.
وبعد ثواني رجع وقال
يا باشا... راجل واحد.
ياسين سأله
لوحده؟
أيوه.
شايل حاجة؟
مش باين.
ياسين سكت لحظة، وبعدها قال
افتح.
اتخضيت.
مسكت دراعه بسرعة.
متفتحش!
بصلي.
ليه؟
اتلعثمت.
أنا... أنا معرفش مين ده.
قال بهدوء
ولا أنا.
وبعدين أضاف
وعشان كده هنعرف.
الباب اتفتح.
دخل رجل في أواخر الخمسينات، لابس جلابية غامقة وفوقها جاكت قديم.
وقف عند الباب، وبص في المكان.
أول ما عينه وقعت عليا...
اتغير وشه.
قال
إنتِ مريم؟
أنا ما رديتش.
ياسين تقدم خطوة.
إنت مين؟
الرجل بص له، وكأنه اتفاجئ بوجوده.
وبعدين قال
أنا جاي أديها حاجة.
مد إيده لجيب الجاكت.
رجالة ياسين اتحركوا فورًا.
لكن الرجل طلع ظرف أبيض.
مده ناحيتي.
ده لازم يوصل لك الليلة.
ماقدرتش أخده.
سألت
من مين؟
قال
من شخص كان عارف إنك هتحتاجيه.
مين؟
الرجل بص في الأرض.
مش هينفع أقول.
ياسين أخذ الظرف منه.
قلبه بين إيده.
ما فتحوش.
وبص للرجل
مين طلب منك توصله؟
الرجل سكت.
ياسين كرر السؤال.
مين؟
الرجل رفع عينه وقال
الراجل اللي دفع فلوس إيجارك من شهرين.
اتجمدت.
أنا بصيت لياسين.
هو كمان بصلي.
قلت بسرعة
إيجاري؟
الرجل هز راسه.
أيوه.
مين دفعه؟
رد
أنا معرفش اسمه.
ياسين مد الظرف لي.
افتحيه.
إيدي كانت بتترعش.
فتحت الظرف ببطء.
جواه ورقة واحدة...
ومفتاح صغير.
قرأت أول سطر.
وبمجرد ما شفته...
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
كان مكتوب
يا مريم... لو وصلك المفتاح ده، يبقى الوقت جه تعرفي الحقيقة عن والد ملك.
رفعت عيني عن الورقة.
وبصيت لبنتي.
ملك كانت قاعدة بتاكل بهدوء، ومش عارفة إن الجملة اللي قدامي ممكن تغيّر حياتنا كلها.
أما ياسين...
فأخذ الورقة من إيدي.
قرأها.
ولأول مرة من بداية الليلة، ظهر على وشه شيء يشبه الصدمة.
قال بصوت منخفض
مريم... مين والد ملك؟
سكتُّ.
لأني أنا نفسي...
ماكنتش أعرف إن فيه سر مخبي بالشكل ده فضلت ساكتة.
ياسين كان مستني إجابتي، لكن الكلام اتعقد في حلقي.
أنا كنت عارفة اسم والد ملك طبعًا...
والدها كان جوزي السابق، سامح.
الرجل اللي مات من ست سنين.
واللي مات وأنا لسه حامل في ملك.
لكن اللي مكتوب في الورقة خلاني أشك لأول مرة إن الحكاية اللي عشتها طول السنين دي...
مكنتش الحقيقة كاملة.
ياسين قرب مني وقال بهدوء
إنتِ كنتِ متجوزة قبل كده؟
هزيت راسي.
أيوه.
وجوزك مات؟
أيوه.
إمتى؟
قبل ما ملك تتولد بشهرين.
سكت.
وبعدين بص للمفتاح اللي كان في إيده.
والمفتاح ده عمرك شوفتيه قبل كده؟
هزيت راسي.
لأ.
في اللحظة دي، الرجل اللي جاب الظرف بدأ يتراجع ناحية الباب.
ياسين التفت له فورًا.
استنى.
الرجل وقف.
إنت لسه ما قلتش أهم حاجة.
الرجل بصله بتوتر.
إيه؟
ياسين رفع الظرف.
إنت قلت إن الراجل اللي بعت ده هو اللي كان بيدفع إيجارها.
أيوه.
طب هو عرف مريم منين؟
الرجل سكت.
ياسين قرب منه.
اتكلم.
الرجل تنهد وقال
أنا معرفش كل التفاصيل... بس قالي حاجة واحدة.
إيه؟
بص ناحيتي وقال
قالي لو مريم سألتك أنا مين، قول لها إني كنت بوعد جوزها القديم إني أحميها هي والبنت.
حسيت ببرودة في جسمي.
يحميّني من إيه؟
الرجل ما ردش.
ياسين قال
من إيه؟
الرجل نزل عينيه.
من ناس كانوا بيدوروا عليها من زمان.
اتسعت عيني.
مين الناس دي؟
قال
معرفش.
وبعدين خرج بسرعة.
ياسين ما حاولش يمنعه.
فضل واقف مكانه، وبعدين رجع بصلي.
مريم... إنتِ لازم تفتكري كل حاجة حصلت قبل وفاة سامح.
قلت
ليه؟
رد
لأن حد كان بيراقبك من سنين.
سكت لحظة.
والظاهر إنه رجع يدور عليكِ دلوقتي.
ملك فجأة نادتني
ماما.
جريت عليها.
كانت ماسكة المفتاح الصغير وبتبص له.
قالت
أنا شوفت المفتاح ده قبل كده.
أنا وياسين بصينا لبعض.
قلت
فين يا حبيبتي؟
ملك أشارت ناحية شنطتي.
في صورة بابا.
قلبي اتقبض.
فتحت شنطتي بسرعة، وطلعت محفظة قديمة.
جواها صورة سامح الوحيدة اللي كنت محتفظة بيها.
بصيت للصورة.
وكان سامح واقف قدام باب حديد قديم...
وفي إيده نفس المفتاح.
لكن الصدمة الحقيقية ماكنتش المفتاح.
كانت الكلمة المكتوبة على الباب خلفه.
ياسين أخذ الصورة مني،