كنت بمسح ارضيه المطبخ
انتهى من ست سنين.
مدير المستشفى ابتسم ابتسامة غريبة.
أنا وعدتك إن الملف اختفى... مش إن الحقيقة اختفت.
ياسين تقدم خطوة.
قول اللي عندك من غير ألغاز.
مدير المستشفى بص له.
إنت آخر واحد المفروض يسأل.
كمال اتحرك ناحيته، لكن سامح رفع إيده يمنعه.
سيبه.
وبعدين بص لي.
مريم... مهما قال، متخليش حد ياخد ملك من إيدك.
قلبي وقع.
حد ياخد ملك؟ ليه؟ هي بنتي!
سامح قرب مني، وصوته بقى أوطى.
عارف إنها بنتك. وعارف إن مفيش حد له حق يقرب منها. بس فيه حاجة حصلت يوم الحادث... حاجة إنتِ ما تعرفيهاش.
مدير المستشفى قال
مش يوم الحادث.
سكت لحظة.
قبل الحادث بيومين.
افتكرت فورًا اليومين اللي سامح اختفى فيهم.
إنت كنت في المستشفى وقتها؟
هز راسه.
أيوه.
سامح بص للأرض.
كنت هناك عشان آخد ملف.
قلت
ملف إيه؟
سامح ما جاوبش.
مدير المستشفى فتح الظرف وأخرج ورقة.
رفعها قدامنا.
دي أول ورقة اتكتبت باسم ملك.
بصيت عليها.
كان مكتوب
ملك سامح عبدالعزيز.
لكن تحت الاسم كان فيه رقم غريب.
رقم ملف.
بصيت لسامح.
يعني إيه ده؟
قال
الرقم ده مش رقم شهادة ميلاد.
مدير المستشفى أكمل
ده رقم ملف طبي.
سكت لحظة، وبعدين قال
والملف اتفتح قبل ولادة ملك بأربع شهور.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
مستحيل.
سامح مسك الورقة من إيده.
وبمجرد ما شافها، وشه اتغير.
إنت لسه محتفظ بالنسخة دي؟
مدير المستشفى رد
كنت محتاجها عشان أتأكد إنك هترجع.
سامح قال
أنا رجعت.
مدير المستشفى هز راسه.
بس متأخر.
في اللحظة دي، ملك شدت إيدي.
ماما... هو ليه كل الناس بتتكلم عني؟
نزلت لمستواها وحضنتها.
محدش هيعمل لك حاجة يا حبيبتي.
لكن سامح كان بيبص لها بنظرة مليانة خوف.
وفجأة...
رن موبايل ياسين.
رد.
ثواني قليلة بس، وبعدها وشه اتغير.
قال
إيه؟
سكت.
ثم قال
متأكد؟
قفل المكالمة.
بص لينا.
في حد دخل شقتك يا مريم.
اتجمدت.
بيتي؟!
أيوه.
مين؟
قال
الشرطة وصلت، ومفيش حاجة اتسرقت.
سألته
أمال دخل ليه؟
ياسين بص لسامح.
كان بيدور على حاجة.
سامح قال فورًا
الصورة.
أنا فهمت.
صورة سامح؟
هز راسه.
الصورة اللي كنتِ محتفظة بيها في البيت.
جريت ناحية ياسين.
الصورة كانت في الدولاب.
رد
اختفت.
سكت سامح ثواني.
وبعدين قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
لأن اللي دخل بيتك ما كانش بيدور على صورتي.
أمال كان بيدور على إيه؟
بص لملك.
كان بيدور على حاجة تخص اليوم اللي اتولدت فيه بنتنا.
وقبل ما أقدر أسأله...
وصلت رسالة على موبايل ياسين.
فتحها.
كانت صورة جديدة.
صورة لمدخل المستشفى القديم.
وتحتها مكتوب
لو عايزين تعرفوا مين فتح ملف ملك قبل ولادتها... ارجعوا للأرشيف اللي تحت المستشفى.
وفي آخر الرسالة سطر واحد
بس متدخلشوا من الباب الرئيسي... لأن الشخص اللي مستنيكم هناك عارف إن سامح رجع بصيت لملك بسرعة.
إنتِ سمعتي مين بينادي بابا؟
هزت راسها.
صوته كان من ورا الباب.
ياسين قرب من الباب بحذر، وحط ودنه عليه.
ثواني مرت...
ثم رجع وقال
مفيش حد.
كمال قرب منه.
لا... هو كان هنا.
ياسين بص له.
إنت متأكد؟
كمال أشار ناحية الأرض.
كان فيه أثر تراب جديد على البلاط، ممتد من الباب لحد آخر الممر.
ياسين قال
يبقى خرج من طريق تاني.
بدأنا نتحرك بسرعة ناحية السلم.
لكن قبل ما نطلع، الرجل اللي كان معانا وقف فجأة.
قال
استنوا.
وأشار لحيطة جانبية.
كان فيها باب صغير مخفي وسط الأرفف.
كمال فتحه.
وراءه ممر ضيق.
ياسين قال
ده مش موجود في المخطط.
كمال رد
لأن سامح هو اللي بناه.
دخلنا الممر.
ملك كانت في حضني، وأنا ماشية وقلبي بيخبط.
بعد دقائق، وصلنا لباب معدني.
ياسين بص للساعة.
كانت 412.
لسه قدامنا تلات دقايق.
فتح الباب.
خرجنا في شارع جانبي قريب من المحطة.
جرينا ناحية رصيف 6.
لكن الرصيف كان شبه فاضي.
قطار واقف.
وصوت إعلان المحطة بيتردد في المكان.
بصيت حوالينا.
فين سامح؟
كمال قال
استنوا.
وفجأة شافنا شخص واقف بعيد.
رجل لابس جاكت غامق، وواقف وظهره لينا.
إيده كانت ماسكة ظرف أبيض.
ياسين نادى
سامح؟
الرجل وقف.
ببطء...
لف وشه ناحيتنا.
أنا حبست نفسي.
ملامحه كانت مختلفة عن الصورة اللي في دماغي.
أكبر.
أنحف.
لكن العينين...
عرفتهم.
اتحركت خطوة ناحيته.
سامح؟
الرجل بص لي طويلًا.
ثم قال بصوت متعب
مريم...
ركبتي خانتني.
مسكت في ياسين عشان ما أقعش.
ملك بصت للرجل، وسألت بصوت صغير
بابا؟
الرجل عينه لمعت.
لكن قبل ما يقرب...
سمعنا صوت فرامل عربية بعنف عند أول الرصيف.
كمال صرخ
ابعدوا عن المكان!
ياسين شدني أنا وملك بعيد.
العربية وقفت.
لكن محدش نزل منها.
سامح بص ناحية العربية، وملامحه اتغيرت.
قال
لسه لاقيكم.
ياسين سأله
مين؟
سامح ما ردش.
طلع من جيبه الظرف الأبيض.
ومده لمريم.
خدي ده.
فتحته بسرعة.
كان جواه صورة قديمة لي ولملك وسامح.
وفي ظهر الصورة جملة بخط إيده
أنا اختفيت عشان أحميكم... لكن الشخص اللي كنت بحميكم منه كان أقرب لكم مما تتخيلي.
رفعت عيني له.
مين؟
سامح بص ناحية كمال.
ثم ناحية ياسين.
وبعدين قال
واحد من الاتنين دول كان عارف كل حاجة من البداية.
اتجمدت مكاني.
ياسين وكمال بصوا لبعض.
وفي اللحظة دي...
نزل زجاج العربية اللي كانت واقفة.
وظهر شخص من جوه العربية.
صرخت أول ما شوفته.
لأني كنت أعرفه.
كان الشخص اللي وقّع باسمي على ورقة استلام متعلقات سامح.
مدير المستشفى.
لكنه ابتسم وقال
واضح إن سامح حكى لكم نص الحقيقة بس.
ثم رفع ظرفًا آخر.
عشان النص التاني... متعلق بملك مدير المستشفى أول ما سمع كلام سامح، بص له للحظات، وبعدها قال
لو عايزين تدخلوا الأرشيف، يبقى لازم تعرفوا حاجة الأول.
ياسين رد بحدة
قول.
مدير المستشفى نزل من العربية، وقفل الباب وراه.
الأرشيف اتقفل من ست سنين. لكن في ليلة اختفاء سامح، حد دخل المكان وطلع منه ملف واحد بس.
مريم قالت
ملف ملك؟
هز راسه.
لأ.
سكت لحظة.
ملف سامح.
سامح قرب منه.
مين أخده؟
الرجل أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
الشخص اللي أخده... رجعه بعد أسبوع.
كمال سأله
فين؟
مدير المستشفى أشار ناحية مبنى قديم في آخر الشارع.
في الأرشيف.
ياسين بص للمبنى.
يعني الملف لسه هناك؟
لو محدش لمسه.
تحركنا ناحية المبنى.
ملك كانت ماسكة إيدي بقوة.
وقبل ما ندخل، سامح وقف فجأة.
بص لي وقال
مريم، مهما حصل جوا... لو لقيتي ملف عليه اسم ملك، متفتحيهوش.
بصيت له باستغراب.
ليه؟
قال
لأن الملف ده مش المفروض يكون موجود أصلًا.
دخلنا.
المكان كان مظلم وريحتُه ورق قديم وتراب.
كمال شغّل الكشاف.
صفوف طويلة من الدواليب المعدنية ظهرت قدامنا.
مدير المستشفى مشي لحد آخر ممر.
وقف عند دولاب عليه رقم
17
دخل المفتاح.
الباب فتح بصعوبة.
جواه ملفات كتير.
كمال بدأ يدور.
وفجأة قال
لقيته.
طلع ملف بني قديم.
كان مكتوب عليه
سامح عبدالعزيز حادث سيارة مغلق.
سامح أخده.
لكن قبل ما يفتحه، وقعت منه ورقة صغيرة.
انحنيت أخدها.
وكان مكتوب عليها
لو سامح رجع، يبقى الخطة فشلت.
رفعت عيني.
سامح...
هو قرأ الجملة وسكت.
ياسين أخذ الورقة.
الخطة؟ أنهي خطة؟
سامح ما ردش.
فتح الملف.
أول ورقة كانت تقرير الحادث.
الثانية تقرير المستشفى.
الثالثة...
كانت صورة.
صورة لسامح وهو داخل المستشفى قبل الحادث بيومين.
وبجانبه شخص آخر.
أنا قربت من الصورة.
وفجأة اتجمدت.
ده...
كمال قال
مين؟
شاورِت على الشخص اللي واقف جنب سامح.
ده أخويا.
سامح بص لي.
إنتِ عمرك شوفتيه هنا؟
هزيت راسي.
أخويا مات وهو صغير.
سكت الجميع.
سامح قلب الصورة.
وكان مكتوب خلفها
مريم لا تعرف الحقيقة عن أخيها.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
إيه علاقة أخويا بسامح؟
سامح كان لسه هيجاوب...
وفجأة سمعنا صوت باب الأرشيف بيتقفل بعنف.
ياسين جرى ناحية الباب.
مقفول.
حاول يفتحه.
مفيش فايدة.
ملك بدأت تخاف.
ماما...
حضنتها.
وفجأة...
نور صغير ظهر من آخر الممر.
شاشة قديمة كانت بتشتغل لوحدها.
وظهر عليها تسجيل فيديو.
سامح بص للشاشة.
وشه شحب.
لأن التسجيل كان له.
لكن التاريخ المكتوب على الشاشة كان
بعد يومين من تاريخ الحادث.
ظهر سامح في الفيديو، واقف قدام الكاميرا.
وقال
مريم... لو إنتِ بتشوفي التسجيل ده، يبقى أنا ما قدرتش أرجع لك في الوقت اللي وعدتك بيه.
سكت لحظة.
ثم قال
وفي حاجة لازم تعرفيها عن ملك...
الفيديو اتقطع فجأة.
والشاشة اسودت.
ومن خلفنا...
سمعنا صوت مفتاح بيلف في باب الأرشيف.
وصوت شخص قال بهدوء
دلوقتي بس... نقدر نتكلم اتفتح باب الأرشيف ببطء.
ظهر مدير المستشفى، لكن المرة دي ماكانش لوحده.
كان معاه اتنين من رجال الأمن.
بص لسامح وقال
أخيرًا رجعت.
سامح رد
أنا رجعت عشان أنهي اللي بدأته من ست سنين.
ياسين وقف قدام مريم وملك.
اتفضل اتكلم.
مدير المستشفى تنهد وقال
سامح اكتشف قبل الحادث إن مجموعة من الموظفين في شركات ياسين كانوا بيزوّروا مستندات ويستخدموا أسماء شركاته في عمليات مالية من غير علمه. سامح كان عنده أدلة، وكان ناوي يسلمها للشرطة.
ياسين بص لسامح.
ليه ما قلتليش؟
سامح رد
لأني شكيت إن فيه حد قريب منك بيسرب المعلومات.
كمال أخرج الفلاش ميموري من الملف.
والأدلة كلها هنا.
مدير المستشفى قال
أما ملف ملك، فكان مجرد محاولة لحمايتها.
مريم بصت له باستغراب.
حمايتها من إيه؟
قال
بعد ما سامح عرف إن الناس دي بتراقبه، كان خايف إنهم يوصلوا لعيلته. ففتح ملفًا طبيًا باسم ملك، وحط فيه بيانات مزيفة عن مكان إقامتها، عشان أي حد يحاول يتتبعها يروح لمكان غلط.
مريم حطت إيدها على قلبها.
يعني ملك ماكانش فيها أي حاجة؟
سامح قرب منها.
ملك بنتي وبنتك... ومافيش فيها أي سر يخوف.
دموعي نزلت غصب عني.
طب ليه سيبتني ست سنين فاكرة إنك مت؟
سامح سكت.
وبعدين قال
لأن بعد الحادث، الشخص اللي كان بيراقبني عرف إنك أهم نقطة ممكن يوصل لي منها. اضطررت أختفي. كنت كل مرة أقرب أرجع، ألاقي إنهم لسه بيدوروا عليّ.
بص لملك.
كنت بشوفكم من بعيد... من غير ما تعرفوا.
ملك جريت عليه.
بابا!
نزل على ركبته وحضنها.
لأول مرة من ست سنين، شفت بنتي في حضن أبوها.
لكن كان لسه فيه سؤال واحد.
بصيت لياسين.
وأنت؟ إنت كنت تعرف؟
ياسين هز راسه.
كنت أعرف إن سامح ما ماتش بعد ما ظهرت أول خيوط في الملف. لكن ماكنتش أعرف مكانه. ولما عرفت اللي حصل، ساعدته يفضل بعيد لحد ما نجمع الأدلة.
كمال قال
وعشان كده كنت أنا كمان مختفي.
بعدها اتسلمت الملفات والأدلة للجهات المختصة، واتكشف التلاعب اللي حصل داخل الشركات، واتثبت إن حادث سامح ماكانش مجرد حادث عادي، لكنه كان نتيجة لمحاولة إسكاتِه وإبعاده عن الحقيقة.
أما مدير المستشفى، فاعترف إنه أخفى بعض الأوراق وقتها تحت ضغط وتهديد من الأشخاص اللي كانوا متورطين.
بعد شهور من التحقيقات، رجع حق سامح، واتقفلت القضية رسميًا.
أما أنا...
فماكانش سهل أرجع أعيش كأن الست سنين ماحصلوش.
سامح كان محتاج يبدأ من جديد مع بنته.
وأنا كنت محتاجة أتعلم أثق فيه مرة تانية.
لكن ملك كانت أسهل واحدة فينا.
كل يوم كانت تسأله
بابا، هتختفي تاني؟
وكان يرد
أبدًا.
فتضحك وتقول
خلاص، يبقى أنا هخبي مفتاح البيت عشان ما تعرفش تهرب.
وأول مرة من سنين...
بيتنا ماكانش مليان خوف.
كان مليان صوت طفلة بتضحك.
وفي ليلة، وأنا بقفل الدولاب، لقيت الصورة القديمة اللي بدأت منها كل الحكاية.
قلبتها.
وكان فيه سطر صغير ماخدتش بالي منه قبل كده.
بخط سامح
الحقيقة ممكن تتأخر... لكن طول ما فيه حد بيحافظ عليها، عمرها ما بتموت.
بصيت ناحية ملك وهي نايمة، وسامح قاعد جنبها بيغطيها.
ابتسمت.
لأول مرة فهمت إن الست سنين اللي عشتهم وأنا فاكرة إني فقدت زوجي...
كانوا في الحقيقة ست سنين كان هو بيحاول يرجع لنا فيهم.
والأهم...
إن ملك ماكانتوش مفتاح سر مخيف.
كانت السبب الوحيد اللي خلى أبوها يفضل متمسك بالحياة لحد ما يرجع لها.