عملت سحر أسود بقلم زهرة
أول ما سمع الاسم، خرج من الغرفة من غير كلمة.
جرينا وراه.
وقبل ما نوصل للباب، موبايله رن.
رد.
ثواني معدودة، وسمعناه يقول
إيه؟ الصندوق اختفى؟!
قفل المكالمة ببطء.
وبص لنا وقال
اللي كنا بندور عليه مش في البيت.
ثم أضاف بصوت منخفض
حد سبقنا وفتحه.
وكان لسه هيقول مين...
لما ظهر إشعار جديد على موبايله.
صورة للصندوق الأزرق.
وفوقها رسالة قصيرة
لو عايزين تعرفوا الحقيقة عن أحمد... تعالى لوحدك جوزي قرب من الصورة، وحط صباعه على الشخص اللي بنتي أشارت له.
وشه اتغير فجأة.
قال بصوت مخنوق
ده... أخويا.
أنا اتصدمت.
عمك؟!
بنتي هزت راسها وهي بتعيط
أيوه. كان بييجي عند أحمد كتير، وكل مرة يقفل الباب عليه.
جوزي فضل ساكت ثواني، وبعدين قال
عمي كان شريكي في الوكالة زمان... لكن من سنين حصل بينا خلاف، وقطعت علاقتي بيه.
ضرتي قالت
يبقى ليه كان بيدخل عند أحمد؟
جوزي بص للصورة وقال
مش عارف.
الدكتور أخد الظرف وقلبه من الناحية التانية.
كان فيه رقم مكتوب بالقلم.
اتصل بيه.
بعد رنتين، حد رد.
الدكتور قال
مين معايا؟
جاله صوت راجل كبير
إنت وصلت للصندوق؟
جوزي خطف الموبايل.
إنت عملت إيه لأحمد؟!
سكت الصوت.
ثم قال
أنا ما قتلتش أحمد.
جوزي صرخ
أمال مين؟!
الراجل رد بهدوء
أنا كنت بحاول أنقذه.
سكتنا كلنا.
قال
أحمد عرف حاجة خطيرة قبل موته... وكان خايف يقولها لأبوه.
جوزي سأله
إيه الحاجة؟
رد
كان عارف إن فيه حد بيغير أدويته.
أنا حسيت بصدمة.
وكان عارف مين؟
الصوت قال
أيوه.
جوزي قرب الموبايل من ودنه
مين؟!
لكن الراجل قال
مش هقولك في التليفون.
ثم أضاف
لأن الشخص اللي عمل كده... كان واقف جنب أحمد وقت ما مات.
وقبل ما جوزي يرد، الخط اتقفل.
جوزي فضل واقف مذهول.
لكن بنتي الصغيرة فجأة قالت
بابا...
بص لها.
قالت
أنا افتكرت حاجة.
إيه؟
قالت وهي بتبص للصورة
عمّي ما كانش لوحده.
سألها
كان معاه مين؟
رفعت إيدها وأشارت لشخص تاني في الصورة.
الشخص اللي محدش كان واخد باله منه.
وأول ما شوفته...
عرفته فورًا.
كان الشيخ اللي كنت رحتله.
والأغرب إن الصورة كانت متاخدة قبل ما أحمد يتولد بسنين جوزي فضل واقف قدام الرسالة ثواني، وبعدين قال
أنا مش هروح لوحدي.
ضرتي ردت بسرعة
يبقى هو ده اللي عايزه... إنه يخليك تتحرك من غير ما تعرف إننا وراك.
الدكتور هز راسه
محدش يروح لأي مكان قبل ما نعرف مصدر الرسالة.
لكن جوزي كان مركز في الصورة.
قال
أنا عارف المكان.
سألته
فين؟
رد
المخزن القديم بتاع الوكالة.
المكان ده كان مقفول من سنين، ومحدش بيدخله غير جوزي.
خرجنا كلنا من المستشفى، وبعد حوالي نص ساعة وصلنا هناك.
الباب كان مقفول.
جوزي طلع المفتاح...
لكن قبل ما يدخله في القفل، لاحظنا إن الباب موارب.
بص لي وقال
حد سبقنا.
دخلنا بحذر.
المخزن كان ضلمة وريحتُه تراب وخشب قديم.
وفجأة سمعنا صوت حاجة وقعت في آخر المكان.
بنتي الصغيرة مسكت إيدي.
جوزي شغّل النور.
مفيش حد.
لكن على الأرض كان الصندوق الأزرق.
مفتوح.
وجنبه ظرف أبيض.
جوزي انحنى وخده.
كان مكتوب عليه
إلى أم أحمد... لو وصلتِ هنا، يبقى خلاص عرفتِ إنك اتضحك عليكِ.
إيدي بدأت تترعش.
فتحت الظرف.
جواه صورة قديمة لأحمد وهو طفل، ومعاها ورقة من المستشفى.
قرأت أول سطر...
واتجمدت.
الورقة كانت بتاريخ قبل وفاة أحمد بشهر كامل.
ومكتوب فيها
المريض يحتاج متابعة عاجلة، وهناك اشتباه في تعرضه لمادة دوائية غير مناسبة.
رفعت عيني لجوزي.
يعني أحمد كان بيتسمم قبل ما أنا أروح للدجال؟
الدكتور اللي كان معانا رد
ده معناه إننا لازم نعرف مين كان بيديله الدواء قبل الفترة دي.
وقتها بنتي الكبيرة صرخت
أنا عارفة!
بصينا لها.
قالت
كنت بشوف واحدة بتدخل أوضته كل ليلة.
جوزي سألها
مين؟
سكتت، ودموعها نزلت.
ثم قالت
كنت فاكرة إنها بتساعده...
وبصت ناحية أمها.
لكن دلوقتي أنا مش متأكدة.
ضرتي شهقت
إنتِ بتتكلمي عني؟!
البنت هزت راسها
لأ.
ثم أشارت إلى الصورة المعلقة داخل المخزن.
كانت صورة عائلية قديمة.
وقالت
أنا كنت بشوف الشخص ده يدخل عند أحمد.
بصينا للصورة.
والصدمة إن الشخص اللي أشارت له...
كان موجود في الصورة بين أفراد العيلة.
لكن عمره ما كان حد بيتوقع إنه يكون طرف في الحكاية أنا بصيت للصورة، وبعدين بصيت للشيخ.
إنت كنت تعرف عم جوزي قبل أحمد ما يتولد؟
الشيخ ما ردش.
جوزي قرب منه وقال بغضب
إنت كنت شريكه؟
الشيخ أخيرًا اتكلم
أنا ما كنتش شيخ وقتها.
سكتنا كلنا.
قال
كنت بشتغل معاه في الوكالة.
جوزي اتراجع خطوة.
إنت؟!
الشيخ هز راسه
أيوه. وأنا اللي عارف الحكاية من بدايتها.
قلت بسرعة
يبقى قول لنا... ليه أحمد مات؟
بصلي طويلًا وقال
أحمد ما ماتش بسبب اللي طلبتيه مني.
الكلمة نزلت عليا كأنها صفعة.
يعني إيه؟
قال
المرض كان موجود قبل ما تيجي لي. لكن اللي حصل بعد كده لخبط كل الأدلة.
جوزي سأله
وإنت كنت بتعمل إيه مع عمي؟
قال
كنا بندور على مستند اختفى من الوكالة من سنين.
سألته
مستند إيه؟
طلع من جيبه صورة قديمة وحطها قدامنا.
كانت صورة لعقد ملكية.
وفي أسفل العقد أسماء أولادي الثلاثة.
جوزي أخد نفسًا عميقًا.
ده عقد نقل الملكية.
الشيخ قال
أبوك كان كاتب جزء من أملاكه لبناتك قبل ما أحمد يتولد.
جوزي بصلي.
أنا ما كنتش أعرف.
الشيخ كمل
وعمك عرف، وحاول يغيّر العقد.
وفجأة بنتي الكبيرة قالت
بس ليه أحمد دخل في الموضوع؟
الشيخ سكت.
ثم قال
لأن أحمد اكتشف العقد بنفسه.
سألته
وكان هيقول لمين؟
الشيخ بص لجوزي.
لأبوه.
جوزي قبض إيده.
إمتى؟
قال
قبل وفاته بيوم.
وفجأة سمعنا صوت عربية توقفت قدام المخزن.
الشيخ بص ناحية الباب، ووشه اتغير.
وقال
هو وصل.
جوزي سأله
مين؟
الشيخ رد بصوت منخفض
أخوك.
ثم أضاف
والمرادي... مش جاي يتكلم.
اتسمع صوت مفتاح بيدخل في باب المخزن.
والباب بدأ يتفتح ببطء...الباب اتفتح، وظهر عم جوزي.
كان واقف بهدوء غريب، لكن أول ما شاف الشيخ، قال
خلاص... كفاية.
جوزي اندفع ناحيته
إنت عملت إيه في ابني؟!
رد عليه
أنا ما قتلتش أحمد. أنا حاولت أنقذه.
وبدأ يحكي الحقيقة.
أحمد كان عنده مرض خطير فعلًا، لكن حالته اتدهورت بسبب دواء لم يكن مناسبًا له. عم جوزي اكتشف الموضوع بالصدفة، ولما شك إن حد بيغيّر الدواء، بدأ يجمع المستندات ويسجل كل حاجة.
أما أنا، فكنت قد ذهبت للدجال بعد بداية مرض أحمد، وطلبت منه إيذاءه. لكن موت أحمد لم يكن نتيجة السحر؛ كان مرضه وتعرضه للدواء الخاطئ هما السبب الحقيقي، والتقارير الطبية أثبتت ذلك.
عم جوزي قال
وأنا عرفت إن فيه حد بيستخدم اسم أخوك عشان يزوّر الأوراق ويخفي الحقيقة.
جوزي سأله
مين؟
عمّه أخرج آخر ورقة من الصندوق الأزرق.
المحاسب القديم بتاع الوكالة.
كان قد اكتشف أن المحاسب يحاول الاستيلاء على جزء من أموال الوكالة، واستغل خلافات العائلة، وغيّر بعض الأوراق، واستخدم أسماء أفراد الأسرة لإرباك الجميع.
أما التحليل الخاص بإحدى بناتي، فكان قد أُخذ أثناء فحص طبي عادي، وتم استخدام بياناته بطريقة غير قانونية لإخفاء مصدر بعض الأوراق.
وبعد أيام، تم تقديم كل المستندات والتسجيلات للجهات المختصة، وبدأ التحقيق.
لكن أنا...
كنت عارفة إن فيه ذنب محدش هيحاسبني عليه زي ضميري.
روحت لزوجة أحمد.
وقفت قدامها وأنا منهارة وقلت
أنا ظلمتك.
ما قدرتش أقول أكتر.
هي بصتلي طويلًا، وقالت
إنتِ فقدتي قلبك يوم صدقتي إن موت ابني هيحل مشكلة بناتك.
الكلمة كسرتني.
جوزي عرف كمان إني بعت غويشتَي الذهب من وراه، وإن الفلوس راحت للدجال.
ما ضربنيش، وما شتمش.
قال بس
أكبر خسارة حصلت لنا مش الوكالة... ولا الفلوس.
وبص ناحية صور أحمد.
إحنا خسرنا إنسان، وكل واحد فينا لازم يعيش مع أخطائه.
أما أنا، فبطلت أروح للدجال نهائيًا، وبدأت أتعالج طبيًا من المشكلة اللي ظهرت عند السرة، واتضح إنها التهاب شديد يحتاج علاجًا ومتابعة، وليس علامة على شيء غيبي.
ومرت شهور...
الوكالة فضلت في العيلة، وحقوق بناتي اتوثقت رسميًا، وجوزي أعاد ترتيب أملاكه بطريقة عادلة.
أما أحمد...
ففضلت صورته معلقة في البيت.
وفي يوم، وقفت قدام صورته لوحدي وقلت
سامحني يا أحمد.
ما سمعتش رد.
لكن لأول مرة من شهور، حسيت إني فهمت الحقيقة
الغيرة لما تعمي القلب، ممكن تخلي الإنسان يؤذي نفسه قبل ما يؤذي غيره.
وأنا كنت فاكرة إني بحارب عشان حق بناتي...
لكن الحقيقة إني
كنت بخسرهم، وبخسر نفسي، وأنا فاكرة إني بكسب.