اجبروني انام
ظهروا عند باب البيت، في الوقت اللي كنت بحاول أزحف فيه وأنا مش قادرة أقف على رجلي.
كنت فاكرة إن أول ما أوصل المستشفى، خلاص
إنهم مش هيقدروا يعملوا فيا حاجة تاني.
لكن كنت غلطانة.
لما الدكتور بدأ يتكلم عن العلامات اللي على بطني، حاجة جوايا اتغيرت.
لحد اللحظة دي، كنت لسه بحاول أحمي نفس الناس اللي عملوا فيا كل ده.
كنت ساكتة
مش عشان أنا مش موجوعة.
لكن عشان كنت خايفة إن كلامي يخلّي المصيبة أكبر.
كنت فاكرة إن سكوتي ممكن يعدّي الموضوع.
لكن لما سمعت الدكتور بيشرح إصاباتي، ماقدرتش أسكت أكتر.
بصيت له وقلت له كل حاجة.
قلت له عن الشراب اللي حطوه في بُقي.
وعن العصاية المبلولة.
وعن الشطة اللي أجبروني أحطها على جروحي.
وقلت له إن فيه شخصين كانوا موجودين، وشافوا كل حاجة، وأنا بحاول أتحرك وأهرب منهم.
جوزي كان معتمد على حاجة واحدة بس
إن الخوف والكسوف والإرهاق يخلوني أضعف من إني أتكلم.
وحماتي كانت معتمدة على نفس الحاجة.
السكوت.
لكن الاتنين ماكانوش يعرفوا إن فيه حاجة حصلت بره البيت
حاجة مالهاش علاقة بذاكرتي، ولا بكلامي، ولا بالرواية اللي هما ممكن يحكوها.
سواق عربية النقل اللي كانت مركونة قدام البيت ماكانش ناوي يصور حاجة.
هو بس كان سايب العربية مركونة، وكاميرا العربية شغالة.
ولما الشرطة طلبت التسجيل، ظهر فيه شيء ماكانوش يقدروا يمسحوه ولا يغيروه.
أصوات طالعة من ورا الباب
صوت ضرب
وبعدها صوت جسمي وهو بيحتك بالأرض وأنا بحاول أزحف بعيد عن البيت.
ولما شغّلوا التسجيل قدامي، سمعت صوتي أنا.
صوت صراخي.
صوت أنفاسي المتقطعة.
لكن بعد ثواني، سمعت حاجة تانية.
صوت حماتي.
كانت بتدي تعليمات بكل هدوء
كأن اللي بيحصل قدامها حاجة عادية.
وبعدها سمعت صوت جوزي قريب منها.
ساعتها حسيت إن الدنيا وقفت.
لحد اللحظة دي، كانوا يقدروا يحاولوا يحكوا قصة تانية.
يقولوا إني وقعت.
يقولوا إني بهوّل.
يقولوا إن كلامي مجرد اتهامات من واحدة تعبانة ومتوترة.
كان ممكن يحاولوا يحوّلوا الموضوع لكلمتي قصاد كلمتهم.
لكن التسجيل غيّر كل حاجة.
مش لأنه صوّر كل ضربة
لكن لأنه سجّل بالظبط الحاجة اللي هما ماكانوش متخيلين إن حد ممكن يسمعها.
بصيت على ورقة التقرير الطبي اللي كانت جنب سريري.
وبعدين بصيت للموبايل اللي كان عليه التسجيل.
ولأول مرة من ساعة ما دخلت المستشفى، السؤال ماعادش
يا ترى حد هيصدقني؟
السؤال بقى
هما هيعملوا إيه لما التسجيل ده يوصل للشرطة؟
مديت إيدي وطلبت نسخة من التسجيل.
وقبل ما أي حد يقدر يضغط عليّا عشان أرجع في كلامي، حفظت الملف.
لأن المرة دي
أنا ماكانش معايا مجرد كلام.
كان معايا دليل.
ودليل يقدر يغيّر كل حاجة.
لكن اللي حصل بعد كده كان أخطر بكتير مما توقعت.
أنا كنت فاكرة إن الدليل مجرد تسجيل هيساعدني أثبت اللي حصل.
ما كنتش أعرف إن التسجيل نفسه هيكشف حاجة تانية
حاجة تخلي الشرطة تسأل سؤال واحد
مين الشخص التاني اللي ظهر عند باب البيت؟
رفعت عيني للدكتور وأنا مش فاهمة.
شخص تاني؟
الدكتور بص للممرضة، والممرضة بصت له، وبعدها قال بهدوء
التسجيل مش بس فيه أصوات جوزك ووالدته فيه صوت شخص تالت.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
مين؟
ما ردش.
دخل بعدها ضابط كان واقف برا الأوضة، وحط موبايله على الترابيزة.
إحنا لسه بنحاول نحدد هويته.
شغّل جزء من التسجيل.
في البداية سمعت صوت الباب.
وبعدين خطوات.
وبعدها صوت حماتي وهي بتقول
خلّصوا بسرعة قبل ما حد يشوف حاجة.
جوزي رد عليها بصوت منخفض
ما تقلقيش محدش هيعرف.
لكن بعدها مباشرة
ظهر صوت ما أعرفوش.
صوت راجل.
قال جملة قصيرة جدًا
سيبوها كفاية كده.
اتجمدت مكاني.
أنا ما سمعتش الجملة دي وقتها.
يمكن من شدة الألم.
يمكن من الخوف.
ويمكن لأن الشراب اللي حشروه في بُقي خلاني بالكاد أقدر أتنفس.
بصيت للضابط وقلت
مين الراجل ده؟
قال
دي بالضبط النقطة اللي بنحقق فيها.
وبعدين حط قدامي صورة من تسجيل الكاميرا.
الصورة كانت مشوشة شوية
لكن كان واضح فيها شخص واقف عند باب البيت.
ما دخلش.
وما خرجش بسرعة.
كان واقف كأنه بيتردد.
وبعدها ظهر في التسجيل وهو بينزل حاجة من إيده ويحطها جنب الباب.
قلت
إيه ده؟
الضابط قرّب الصورة.
كان ظرف بني صغير.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
لأن الظرف ده
أنا شوفته قبل كده.
لكن فين؟
ولمين؟
فضلت ساكتة وأنا بحاول أفتكر.
وفجأة افتكرت.
قبل الحادثة بيوم واحد، لقيت نفس الظرف فوق ترابيزة الصالة.
وساعتها حماتي خطفته بسرعة من قدامي وقالت
مالكيش دعوة بالحاجات دي.
أنا وقتها ما سألتش.
كنت متعودة إن أي سؤال مني يتحول لخناقة.
لكن دلوقتي
الظرف بقى جزء من القضية.
الضابط سألني
إنتِ تعرفي الظرف ده؟
هزيت رأسي.
أيوه.
كان موجود فين؟
وقبل ما أجاوب
الممرضة دخلت بسرعة وقالت إن فيه حد بيسأل عليّا عند الاستقبال.
سألتها
مين؟
بصت لي بتردد.
جوزك.
اتنفضت من مكاني.
الضابط وقف فورًا.
هو هنا؟
قالت
أيوه ومعاه والدته.
سكت الجميع.
وبعدين سمعت صوت جوزي من آخر الممر
أنا عايز أشوف مراتي!
الدكتور قفل الباب.
والضابط وقف قدامه.
لكن قبل ما يبعدوه
وصلني صوته واضح
قولي لهم إنها وقعت لوحدها!
اتسعت عيني.
هو ما كانش يعرف إن باب الأوضة مقفول
لكن الصوت وصلني.
والضابط سمعه.
والممرضة سمعته.
وساعتها فهمت إن الخوف اللي كنت عايشة فيه طول السنين
بدأ لأول مرة يتبدل.
مش شجاعة كاملة.
لسه كنت مرعوبة.
لكن لأول مرة
هو اللي بدأ يخاف.
وفجأة، موبايل الضابط رن.
بص للشاشة.
وبعد ثواني قال جملة واحدة
لقينا صاحب الظرف الضابط قفل المكالمة، وبص للدكتور بنظرة غريبة.
أنا ماقدرتش أستحمل فضولي.
مين صاحب الظرف؟
الضابط سكت ثواني، وبعدها قال
الراجل اللي ظهر في التسجيل.
قلبي وقع.
هو اللي حط الظرف؟
أيوه.
وإيه علاقته بجوزي وحماتي؟
الضابط ما جاوبش فورًا.
فتح ملف صغير كان في إيده، وطلع منه صورة.
الصورة كانت لراجل في الخمسينات تقريبًا، واقف قدام محل قديم.
وأول ما شفت الصورة
عرفته.
مش معرفة قريبة.
لكن شفته قبل كده.
قلت بصوت مرتعش
ده عم جابر.
الضابط رفع حاجبه.
تعرفيه؟
ده صاحب المخزن اللي جنب بيت حماتي.
الضابط هز رأسه.
بالظبط.
وبعدين قال
لكن اللي عرفناه من كاميرا عربية النقل مش أهم حاجة.
سكت لحظة.
أهم حاجة إن عم جابر راح للقسم من نفسه.
أنا بصيت له باستغراب.
ليه؟
قال
لأنه قال إنه كان واقف قدام البيت في نفس الليلة، وإنه سمع أصواتك.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
كان فيه شاهد.
حد سمعني.
حد عرف إن اللي حصل ماكانش مجرد حادث.
لكن الضابط كمل
وبيقول كمان إنه شاف جوزك خارج من البيت قبل وصول الإسعاف.
اتنفست بصعوبة.
لأن دي كانت أول مرة حد غيري يحكي اللي حصل من الخارج.
لكن المفاجأة الحقيقية لسه ما جاتش.
الضابط فتح تسجيل صوتي جديد.
وقال
عم جابر سلّمنا التسجيل ده بنفسه.
ضغط تشغيل.
في البداية كان فيه صوت شارع هادي.
وبعدين صوت خطوات.
ثم صوت جوزي.
كان بيتكلم مع شخص تاني.
قال
لازم الموضوع يبان كأنه حادث.
اتسمرت مكاني.
وبعدها جاء صوت حماتي
وأنا قلت لك من الأول محدش هيصدقها.
سكت التسجيل.
الدكتور بص لي.
أما أنا
فماقدرتش أتكلم.
لأن الجملة دي كانت معناها إن اللي حصل ماكانش تصرف لحظي
كان فيه اتفاق.
لكن الضابط فجأة قال
لسه في حاجة أهم.
إيه؟
حط قدامي ورقة.
قبل الحادثة بيومين، جوزك سأل عن تسجيلات كاميرات الشارع.
حسيت إن نفسي اتقطع.
يعني كان عارف إن فيه كاميرا عربية النقل؟
لأ.
هز رأسه.
وده سبب مهم جدًا.
ثم أضاف
لأنه كان فاكر إن الكاميرا مش شغالة.
سكت لحظة، ثم قال
لكن فيه تسجيل تاني إحنا لقيناه.
رفعت عيني بسرعة.
تسجيل إيه؟
الضابط قرب مني وقال
التسجيل اللي حصل بعد ما الإسعاف أخدك.
بعد ما أخدوني؟
أيوه.
وإيه اللي اتسجل؟
الضابط بص ناحية الباب.
جوزك وحماتك رجعوا البيت.
اتجمد الدم في عروقي.
رجعوا يعملوا إيه؟
الضابط ما جاوبش.
بس فتح الفيديو.
وشفتهم واقفين قدام باب البيت
وحمايا كانت بتقول جملة واحدة خلتني أحس إن المصيبة أكبر بكتير مما كنت متخيلة
لازم نلاقي الحاجة قبل ما الشرطة توصل.
الحاجة
أي حاجة؟
وليه كانوا مستعدين يرجعوا البيت بعد ما أنا خرجت منه؟
ولما الضابط كبّر الصورة
ظهر جوزي وهو بيجري ناحية غرفة النوم.
وبعد ثواني
خرج وهو ماسك صندوق صغير.
الصندوق اللي شفته قبل كده
واللي كنت فاكرة إنه مجرد صندوق قديم مالوش قيمة.
لكن الضابط وقف التسجيل عند لحظة خروج جوزي من البيت وقال
الصندوق ده اختفى من البيت قبل ما نوصل.
بصيت له وقلبي بيخبط.
لأني فجأة افتكرت حاجة واحدة
أنا كنت حطيت جواه ورقة قبل الحادثة بيوم.
ورقة كنت بكتب فيها كل مرة حماتي تضايقني فيها
وكل مرة جوزي يهددني فيها
وكنت فاكرة إن محدش يعرف عنها حاجة.
لكن لو جوزي أخد الصندوق
يبقى هو عرف.
والسؤال الأصعب بقى
مين قال له إن الورقة موجودة؟فضلت باصة للضابط وأنا مش قادرة أستوعب.
الورقة دي كانت مهمة للدرجة دي؟
قال
لو اللي فيها موثق، أيوه. لأنها ممكن تساعد في إثبات إن اللي حصل مش واقعة منفصلة.
سكت لحظة، وبعدين سألني
مين كان يعرف إنك بتكتبي؟
رديت فورًا
محدش.
لكن أول ما قلتها، افتكرت حاجة.
قبل الحادثة بيوم
كنت قاعدة في المطبخ بكتب في الورقة، وفجأة دخل ابني الصغير.
جريت قفلت الدفتر وحطيته في الصندوق.
وفي نفس اللحظة، حماتي كانت واقفة عند باب المطبخ.
بتبص لي.
أنا وقتها ما اهتمتش.
لكن دلوقتي
بدأت أشك.
قلت للضابط
يمكن هي شافتني.
رد
احتمال.
وبعدين فتح ملف تاني.
لكن عندنا مشكلة أكبر.
إيه؟
الصندوق مش موجود.
يعني إيه؟
فتشنا البيت، وما لقيناهوش.
سكت.
ثم قال
لكن كاميرا الشارع سجلت جوزك وهو خارج من البيت بالصندوق.
قلت
يبقى هو أخده.
غالبًا.
طيب دوروا عليه!
الضابط بص لي بهدوء.
إحنا بندور.
وفجأة
الموبايل بتاع الضابط رن.
رد، وسكت ثواني.
وبعدين