في نفس اليوم حكايات شروق خالد
المحتويات
كأن حد ثبتها في الأرض.
إنتِ عرفتي الرقم ده منين؟
الحاجة أمينة ما ردتش.
المديرة قربت منها وقالت
أنا عايزة أفهم كل حاجة دلوقتي.
الحاجة أمينة بصت للمديرة وقالت
مش هنا.
المديرة فهمت من نظرتها إن الموضوع أكبر من خناقة حصلت في الحوش، فأشارت للحرس يبعدوا السجينات.
لكن قبل ما يتحركوا، الشفُرة صرخت
لأ! محدش هياخدها من هنا!
المديرة ردت بحزم
إنتِ هتسكتي وتنفذي التعليمات.
الشفُرة بصت للحاجة أمينة، وبعدها قالت بصوت منخفض
إنتِ مش جاية عشان تقضي عقوبة...
الحاجة أمينة رفعت حاجبها.
كملي.
إنتِ جاية تدوري على حاجة.
سكتت الحاجة أمينة.
الشفُرة ابتسمت ابتسامة عصبية
وأنا عارفة إنتِ بتدوري على إيه.
الحاجة أمينة قربت منها.
لو عارفة، قولي.
الشفُرة سكتت.
ولأول مرة، التلاتة اللي كانوا دايمًا وراها بدأوا يتراجعوا.
واحدة منهم قالت
كفاية يا شفُرة...
لفت لها بعصبية
اخرسي!
لكن البنت ردت
إحنا دخلنا معاكي في مشاكل كتير... بس المرة دي الموضوع شكله كبير.
الحاجة أمينة قالت
هو كبير فعلًا.
وبعدين فتحت كفها.
المفتاح الصغير كان لسه موجود.
المفتاح ده مش بيفتح باب.
المديرة سألت
أمال بيفتح إيه؟
الحاجة أمينة قالت
بيفتح صندوق.
الشفُرة شهقت
مستحيل!
الصندوق رقم ٣١٧.
وشها اصفر.
الحاجة أمينة كملت
الصندوق اللي اتدفن سره من سبع سنين.
الشفُرة بصت للمديرة، ثم للحاجة أمينة، وقالت
الصندوق ده اختفى.
الحاجة أمينة هزت راسها.
لأ... الصندوق ما اختفاش.
سكتت لحظة، ثم قالت
اللي اختفى هو الشخص الوحيد اللي كان يعرف مكانه.
المديرة سألت
مين؟
الحاجة أمينة بصت ناحية الشفُرة.
أخوها.
الشفُرة شهقت
إنتِ بتكذبي!
الحاجة أمينة ردت بهدوء
ابنك مش هو اللي سرق الفلوس.
الشفُرة اتجمدت.
إنتِ عرفتي منين؟
لأن ابني هو اللي اكتشف الحقيقة.
وفجأة...
واحدة من السجينات وقعت منها صينية الأكل من شدة الصدمة.
والحوش كله سكت.
لكن قبل ما حد يستوعب كلام الحاجة أمينة، وصل صوت من عند باب العنبر
يا حاجة أمينة... فيه حد بره عايز يقابلك.
المديرة قالت
مين؟
السجانة ردت
راجل كبير، وبيقول إنه يعرف ابنها.
الحاجة أمينة رفعت عينيها ببطء.
ولأول مرة، القلق ظهر على وشها.
لأن ابنها...
كان ميت من سبع سنين.
فمين الراجل اللي بيقول إنه كان يعرفه؟الحوش كله اتجمد.
المديرة قربت من الحيطة بحذر، والحرس وقفوا قدام السجينات.
ثم...
خبط.
المرة دي الصوت كان أوضح.
ثلاث خبطات متتالية.
الشفُرة رجعت لورا وهي بتقول بصوت مرتعش
لا... مستحيل.
الحاجة أمينة بصتلها.
إنتِ عارفة مين جوه؟
الشفُرة ما ردتش.
جابر قال
هي مش عارفة مين جوه... هي عارفة إن المفروض محدش يكون جوه أصلًا.
المديرة أمرت الحرس يبعدوا جزء من الحائط.
بدأوا يفحصوا المكان، وبعد دقائق ظهر جزء معدني قديم مخفي خلف طبقة من الأسمنت.
كان فيه قفل صغير.
الحاجة أمينة مدت إيدها وطلعت المفتاح.
المديرة قالت
استني.
لكن الحاجة أمينة ردت
المفتاح ده اتسلّم لي عشان اللحظة دي.
دخلته في القفل.
تك.
الباب المعدني الصغير اتفتح.
خرجت منه ريحة تراب قديم، وظهر ممر ضيق مظلم.
جابر قرب خطوة.
الصندوق في آخر الممر.
الحاجة أمينة قالت
وإيه اللي كان بيخبط؟
قبل ما يرد...
طلع صوت ضعيف من جوه
حد... يساعدني.
المديرة شهقت.
الحرس دخلوا بسرعة.
وبعد لحظات رجع أحدهم وهو يقول
فيه شخص جوه!
خرجوا براجل كبير في السن، هدومه متسخة وملامحه مرهقة.
أول ما شاف جابر، قال
إنت اتأخرت.
جابر قرب منه
كنت فاكر إنك مت.
الراجل هز راسه.
حاولوا يخلوني أموت... بس أنا فضلت مستني.
الحاجة أمينة قربت.
إنت مين؟
الراجل بص لها طويلًا.
وبعدين قال
أنا آخر واحد شاف ابنك قبل ما يموت.
الحاجة أمينة ثبتت مكانها.
ابني مات في المستشفى.
لأ.
الكلمة نزلت كالصاعقة.
ابنك وصل المستشفى وهو عايش... وكان معاه دليل.
الحاجة أمينة سألت
فين الدليل؟
الراجل أشار ناحية آخر الممر.
في الصندوق.
ثم بص للشفُرة وقال
وهي كانت عارفة مكانه من أول يوم.
الشفُرة صرخت
كداب!
لكن الراجل رد
لو أنا كداب، افتحي الصندوق قدام الكل.
الحاجة أمينة مشت ناحية الممر.
كل خطوة كانت بتقربها من الحقيقة اللي ابنها مات وهو بيحاول يوصلها لها.
وفي آخر الممر ظهر صندوق حديدي صغير.
وعليه رقم واضح
317
الحاجة أمينة مدّت إيدها ناحية الغطاء...
لكن قبل ما تفتحه، سمعت صوت الشفُرة من وراها
يا حاجة أمينة... لو فتحتي الصندوق ده، مش هتقدري ترجعي حياتك زي الأول.
الحاجة أمينة وقفت.
ثم قالت
أنا حياتي اتغيرت يوم ما ابني مات.
ومدت إيدها ناحية القفل.
لكنها ما كانتش تعرف إن أول ورقة جوه الصندوق...
هتخلي كل الموجودين في السجن يعيدوا حساباتهم من جديد الحاجة أمينة فضلت ساكتة كام ثانية.
وبعدين قالت
دخلوه.
المديرة بصتلها باستغراب
مينفعش يا حاجة، ده مكان احتجاز.
الحاجة أمينة ردت بهدوء
يبقى خليه يتكلم قدامك.
المديرة وافقت، وأشارت للسجانة.
بعد دقائق، دخل راجل كبير في السن، شعره أبيض، وماسك عصاية، وملامحه متعبة.
أول ما شاف الحاجة أمينة، وقف مكانه.
أمينة؟
الحاجة أمينة قامت من مكانها.
إنت؟
الراجل قرب خطوة.
أنا عارف إنك هتدخلي هنا.
المديرة سألت بحزم
حضرتك مين؟
قال
اسمي جابر... وكنت شغال مع ابن الحاجة أمينة.
الحاجة أمينة قالت
جابر اختفى يوم وفاة ابني.
الراجل هز راسه.
ما اختفيتش... كنت مستخبي.
المديرة عقدت حواجبها
مستخبي من مين؟
جابر بص حوالين المكان، ثم قال
من الناس اللي كانوا بيدوروا على الصندوق.
الشفُرة، اللي كانت واقفة بعيد، أول ما سمعت كلمة الصندوق، وشها اتغير.
جابر لمحها.
سكت فجأة.
الحاجة أمينة لاحظت.
إنت تعرفها؟
جابر رد بعد تردد
شفتها مرة واحدة.
الشفُرة صرخت
كداب!
جابر بص لها وقال
أنا كنت موجود يوم ما أخوكي سلّم الصندوق للشخص الغلط.
الشفُرة اندفعت ناحية الباب، لكن الحرس وقفوا قدامها.
المديرة قالت
محدش يتحرك!
الحاجة أمينة قربت من جابر.
ابني قال لي إن المفتاح لازم يوصل للسجن.
جابر هز راسه.
عشان الصندوق موجود هنا.
المديرة سألت
هنا فين؟
جابر رفع إيده ناحية أحد جدران العنبر.
ورا الحيطة دي.
الجميع اتصدم.
الحاجة أمينة بصت للحائط طويلًا.
الشفُرة بدأت تتنفس بسرعة.
جابر قال
بس الصندوق مش أهم حاجة.
الحاجة أمينة سألت
أمال إيه؟
جابر بص لها مباشرة.
اللي جوّه الصندوق.
سكت لحظة، ثم قال
دليل يثبت مين ظلم ابنك... ومين خلاه يموت وهو ساكت.
الحاجة أمينة قبضت إيدها.
لكن قبل ما تكمل كلامها، سمعوا صوت ارتطام قوي جاي من ناحية الحائط.
الكل لف ناحية الصوت.
ثم صوت تاني...
ثم ثالث.
والمديرة قالت
افتحوا الحيطة حالًا!
لكن الحاجة أمينة مسكت إيدها وقالت
استني.
المديرة بصتلها.
ليه؟
الحاجة أمينة قالت
لأن اللي بيخبط من الناحية التانية...
مش حد بيدور على الصندوق.
وسكتت.
ده حد عايز يخرج منه الحاجة أمينة ما اتحركتش.
الرجل وقف عند مدخل الممر، والورقة في إيده.
المديرة قالت بحزم
إنت بتعمل إيه هنا؟
رد بهدوء
جالي أمر أجيب الحاجة أمينة للإدارة.
الحاجة أمينة بصت له وقالت
كداب.
الجملة خلت الكل يسكت.
الرجل ابتسم ابتسامة صغيرة
ليه بتقولي كده؟
الحاجة أمينة أشارت للورقة اللي في إيده.
لأن الورقة دي مش أمر رسمي.
المديرة مدت إيدها
هاتها.
الرجل تردد لحظة، ثم سلّمها.
المديرة قرأتها، ووشها اتغير.
الورقة دي من سبع سنين...
جابر قال
يعني إيه؟
المديرة رفعت عينيها
التاريخ قديم.
الحاجة أمينة فهمت فورًا.
الورقة دي كانت مكتوبة لابني.
الرجل سكت.
الشفُرة بدأت تبص له بخوف.
الحاجة أمينة قالت
إنت كنت تعرف ابني.
الرجل رد
كنت أعرفه.
وإنت اللي قابلته آخر مرة؟
سكت.
المديرة قالت
جاوب.
قال
أيوه.
الحاجة أمينة قربت منه.
قال لك إيه؟
الرجل بص للصندوق.
قال لي إن لو حصل له حاجة، لازم الصندوق يفضل مقفول.
الحاجة أمينة رفعت صوتها لأول مرة
وإنت ليه فتحته؟
الرجل رد
أنا ما فتحتوش.
أمال مين فتحه؟
قبل ما يرد، سمعوا صوت حركة من ناحية الحوش.
أحد الحرس جري عليهم
يا فندم! حصلت مشكلة بره.
المديرة خرجت بسرعة.
الحاجة أمينة كانت هتمشي وراها، لكن جابر وقفها.
استني.
ليه؟
جابر أشار للدفتر.
ابنك كان عايزك تقريه بعيد عن الناس.
الحاجة أمينة فتحت الدفتر.
الصفحة الأولى كانت أسماء.
أسماء كتير.
وتحت كل اسم تاريخ ومبلغ.
وفي آخر الصفحة اسم واحد متعلم عليه بعلامة كبيرة.
اسم الشفُرة.
الحاجة أمينة قلبت الصفحة.
فجأة لقت جملة بخط ابنها
هي مش الرأس... هي مجرد حلقة.
الحاجة أمينة رفعت عينيها.
حلقة في سلسلة مين؟
جابر ما ردش.
لأن في اللحظة دي، دخلت المديرة وهي ماسكة ظرف جديد.
قالت
الحاجة أمينة... لازم تشوفي ده.
فتحت الظرف.
وكان جواه تسجيل مكتوب عليه تاريخ وفاة ابنها.
المديرة قالت
التسجيل ده وصل للإدارة من مجهول من دقائق.
الحاجة أمينة مسكت الورقة.
وإيه اللي فيه؟
المديرة قالت
صوت ابنك.
الحاجة أمينة تجمدت.
ابني مات من سبع سنين...
المديرة هزت راسها.
عشان كده بالضبط التسجيل ده لازم يتسمع.
وفي اللحظة اللي شغّلوا فيها التسجيل...
طلع صوت ابنها واضحًا
يا أمي... لو بتسمعي الرسالة دي، يبقى الشخص اللي وثقت فيه خانني.
ثم سكت التسجيل ثانيتين.
وبعدها قال جملة واحدة قلبت كل اللي عرفته الحاجة أمينة رأسًا على عقب
والشخص ده موجود قدامك دلوقتي الحاجة أمينة فتحت الصندوق ببطء.
صوت القفل وهو بيتفك كان مسموع في الممر كله.
المديرة وقفت جنبها، وجابر وراها، والشفُرة والحرس بعيد.
أول حاجة ظهرت كانت مجموعة أوراق مربوطة بخيط قديم.
الحاجة أمينة مدت إيدها، لكن جابر قال بسرعة
استني... الورقة اللي فوق دي أهم حاجة.
رفعت الحاجة أمينة الورقة.
كان مكتوب عليها بخط ابنها
لو أمي وصلت للصندوق، يبقى أنا ما قدرتش أكمّل.
إيد الحاجة أمينة بدأت ترتعش.
قلبت الورقة.
كان تحتها سطر واحد
متثقيش في أي حد هيقول لك إنه كان بيساعدني.
جابر اتغيرت ملامحه.
المديرة لاحظت وقالت
إيه اللي حصل؟
جابر رد بسرعة
مفيش.
الحاجة أمينة بصت له.
ابني كان بيشك فيك؟
جابر سكت.
وبعدين قال
كان بيشك في الكل.
الحاجة أمينة رجعت للأوراق.
كان فيه دفتر صغير، وصورة قديمة، ومجموعة إيصالات.
لكن في قاع الصندوق كان فيه ظرف أبيض مقفول.
وعليه اسم واحد فقط.
الشفُرة.
كل العيون اتجهت لها.
الشفُرة بقت شاحبة.
أنا مالي؟
الحاجة أمينة رفعت الظرف.
واضح إن ابنك كان عارف حاجة.
الشفُرة هزت راسها بسرعة
أخويا ملوش دعوة!
جابر
متابعة القراءة