حماتي رمتني حكايات محمد نور
حماتي رمتني في بئر ناشف عشان تقتلني لكنها ما كانتش تعرف إن السر اللي مستخبي تحت هيكون سبب في تدمير إمبراطوريتها كلها!
استنت حماتي لحد ما ابنها سافر بره البلد، وبعدها أخدتني معاها لحد بئر مهجور. طلبت مني أبص جواه، وأول ما انحنيت عشان أبص، حسيت بإيديها الاتنين وهما بيزقوني بكل قوتهم من ضهري.
وأنا بقع، سمعت صوتها بيقول
أخيرًا هخلّص العيلة دي منك!
اسمي مريم عبد الرحمن، ولحد يوم الأحد ده، كنت فاكرة إن أقصى حاجة ممكن حماتي تعملها فيَّ هي إنها تهينني وتكسر نفسي قدام الناس. عمري ما تخيلت إنها ممكن توصل بيها للدرجة دي وتحاول تقتلني.
كانت الحاجة نوال واحدة من أغنى وأقوى الستات في المحافظة كلها. عيلتها كانت بتملك مئات الأفدنة من الأراضي، وعقارات ومحلات تجارية كتير، وكمان قصر ضخم تحس إنه خارج من فيلم.
أما أنا، فكنت ممرضة من عيلة بسيطة وعلى قد حالها.
اتعرفت على أحمد من خمس سنين، لما جه المستشفى اللي كنت بشتغل فيه مع واحد من موظفينه اللي اتعرضوا لحادث.
كان راجل حنين وذوق، وبيعاملني باهتمام، وكان مختلف عن أي راجل غني قابلته قبل كده.
حبينا بعض، وفي النهاية اتجوزنا.
لكن كان فيه سر أحمد عمره ما حذرني منه، وهو إن أمه كانت مسيطرة على كل حاجة في حياته، ومحدش في العيلة كان بيقدر يعترض على كلامها.
أول مرة الحاجة نوال شافتني، فضلت تبصلي من فوق لتحت، وكأنها بتفحص حاجة مش عاجباها.
وبعدين سألت قدام العيلة كلها
هي دي الست اللي عشانها رفضت بنت واحد من كبار المسؤولين؟ ممرضة لا ليها اسم ولا ثروة؟
أحمد حاول يدافع عني وقال
ماما، مريم ست كويسة ومحترمة.
ردت عليه بعصبية
النوايا الكويسة مش بتدفع الفواتير! البنت دي كل اللي عايزاه هو فلوسنا!
ومع كده، اتجوزنا.
لكن الجواز ده، واحدة واحدة، اتحول لسجن حقيقي بالنسبالي.
الحاجة نوال أصرت إننا نعيش في قصر العيلة. ومن أول يوم، كانت بتعاملني كأني واحدة من الخدم.
تهينني قدام العاملين، وتنتقد لبسي، ولما يكون عندها ضيوف مهمين، كانت تأمرني إني أفضل في أوضتي وما أخرجش منها طول فترة الزيارة.
لكن أكتر حاجة كانت بتوجعني، إن أحمد عمره ما وقف قدامها وقفة حقيقية.
كان دايمًا يقولي
استحملي شوية يا حبيبتي. أمي هي اللي مسيطرة على الميراث كله. أول ما كل حاجة تبقى باسمي، هنسيب القصر ده ونعيش بعيد عنها.
لمدة خمس سنين، فضلت أسمع نفس الوعد.
خمس سنين من الإهانة والصبر، وأنا مستنية اليوم اللي أقدر أعيش فيه مع جوزي من غير ما حد يتحكم في حياتنا.
لحد ما جه يوم الأحد اللي غيّر حياتي للأبد.
أحمد خرج بدري الصبح عشان يحضر اجتماع شغل، أما الحاجة نوال، فكانت مدّية إجازة لمعظم العاملين في القصر.
كان المكان هادي بشكل غريب، لدرجة إني كنت حاسة إن فيه حاجة مش طبيعية بتحصل.
حوالي الساعة اتنين بعد الظهر، ظهرت حماتي في التراس، وكانت ماسكة كشاف في إيدها.
بصتلي وقالت
مريم، تعالي معايا للجنينة القديمة.
استغربت وسألتها
ليه يا حاجة نوال؟
ردت ببرود
المسؤول عن الجنينة بيقول إن البئر المهجور فيه شروخ. عايزة أتأكد إنه مفيش طفل ممكن يقع جواه.
استغربت إنها فجأة بقت خايفة على ولاد العاملين، لأنها طول عمرها ما اهتمتش بيهم ولا سألت عنهم.
لكن رغم استغرابي، مشيت معاها.
فضلنا نمشي وسط شجر قديم وضخم، لحد ما وصلنا لبئر مبني من الحجر، ومستخبي ورا الحشائش الكثيفة.
وقفت الحاجة نوال عنده، وبعدين بصتلي وقالت بنبرة آمرة
قرّبي وابصي جوه، وشوفي الحيطة فيها تلف ولا لأ.
نزلت على ركبتي جنب حافة البئر، وشغّلت الكشاف ووجهته لجواه.
وبصيت شوية قبل ما أقول
مش باين إن فيه أي شروخ يا حاجة نوال...
لكن ما لحقتش أكمل كلامي.
فجأة، حسيت بدفعة عنيفة من ضهري!
إيديا اتحركت بسرعة في الهوا، وأنا بحاول أتشبث بأي حاجة تنقذني، لكن ما لقيتش غير الفراغ.
صرخت بأعلى صوتي وأنا بسقط لجوه البئر.
ارتطمت بالأرض في القاع بقوة رهيبة، لدرجة إني ما قدرتش أتنفس لثواني. حسيت بألم فظيع في جنبي، وكأن ضلوعي اتكسرت.
رفعت راسي بصعوبة، وفجأة شفت وش الحاجة نوال ظاهر عند فتحة البئر فوق.
بصتلي من غير أي إحساس بالذنب، وقالت
كان المفروض تفهمي من زمان إنك عمرك ما كنتي واحدة من العيلة دي.
صرخت وأنا بمد إيدي ناحيتها
الحقيني! أرجوكي، ساعديني!
لكن ملامحها ما اتغيرتش، ولا حتى للحظة.
ردت بكل برود
كده بنتخلص من الأخطاء.
وبعدها سمعت صوت حاجة تقيلة بتتسحب فوق فتحة البئر.
كانت بتقفل عليه بغطاء ضخم.
وفي لحظات، الدنيا كلها بقت ضلمة.
مش عارفة فضلت فاقدة الوعي قد إيه.
لما فتحت عيني أخيرًا، لقيت الدم مغرق جبيني، وحسيت إن ضلوعي اتعورت جامد، ورجلي كانت بتوجعني لدرجة إني بالكاد قدرت أحركها.
صرخت بأعلى صوتي، وفضلت أنادي وأستغيث لحد ما صوتي راح تمامًا.
لكن محدش رد عليَّ.
محدش سمعني، أو يمكن محدش كان مهتم يسمعني أصلًا.
وأنا في حالة من الرعب واليأس، لمحت الكشاف اللي وقع جنبي بأعجوبة.
مديت إيدي بالعافية، ومسكته وشغلته.
وبدأت أوجه النور حواليا، على أمل ألاقي أي طريقة أقدر أطلع بيها من المكان المرعب ده.
لكن فجأة، لاحظت حاجة غريبة في جدار البئر.
كان فيه علامات محفورة في الحجر، وما كانتش شكلها طبيعي أبدًا.
كانت خطوط مستقيمة وواضحة، كأن حد قعد يحفرها بإيده عن قصد.
رغم الألم اللي كنت حاساه في كل جزء من جسمي، بدأت أزحف ناحية العلامات دي.
ولما قربت، اكتشفت إن فيه حاجة مستخبية ورا مجموعة من الأحجار.
مديت إيدي بصعوبة، وبعد محاولات قدرت أطلع لوحة حديد صغيرة أكلها الصدأ.
كان محفور عليها تلات كلمات
ملكية ليلى.
ليلى!
الاسم ده ما كانش غريب عليَّ.
دي كانت اسم أول زوجة لوالد أحمد المتوفى.
حسب الحكاية اللي الحاجة نوال كانت بتحكيها، ليلى ماتت من أكتر من تلاتين سنة في حادث مأساوي.
لكن اللي لقيته تحت اللوحة كان أغرب بكتير.
كان فيه قفل صغير، مستخبي بين الأحجار.
وبجانبه، كانت فيه جملة محفورة بعناية
لو لقيت المكان ده، أوعى تثق في نوال.
حسيت بالدم بيتجمد في عروقي.
مين ليلى؟ وليه كانت مخبية رسالة بالشكل ده؟ وإيه علاقة الحاجة نوال بكل اللي بيحصل؟
مديت صوابعي بين الأحجار، واكتشفت إن واحدة منها كانت مفكوكة شوية.
مسكت فيها بكل القوة اللي فاضلة عندي، وفضلت أشد فيها لحد ما اتحركت أخيرًا.
وقعت الحجر على الأرض عند رجلي.
وظهر وراه تجويف صغير في الحيطة.
جواه، كانت فيه علبة معدنية ملفوفة بالبلاستيك، كأن حد خبّاها هناك من سنين طويلة وكان حريص إنها ما تتلفش.
سحبتها بالعافية، وبدأت أحاول أفتحها.
ولما نجحت أخيرًا، لقيت جواها صورة قديمة، ومجموعة أوراق مصفرة من الزمن، وجهاز تسجيل صغير.
مسكت الصورة ووجهت عليها نور الكشاف.
وأول ما شفتها، حسيت بقلبي بيقف من الصدمة.
الصورة كانت للحاجة نوال، واقفة جنب راجل غريب، ما كانش زوجها.
والاتنين كانوا واقفين قدام نفس البئر اللي أنا محبوسة في قاعه دلوقتي!
لكن اللي شد انتباهي أكتر، إن كان فيه ست واقفة بينهم، وكانت حامل.
قلبت الصورة على ضهرها، ولقيت حد كاتب بخط إيده
الليلة اللي سبقت اختفائها.
اختفائها!
يعني ليلى ما ماتتش في حادث زي ما الحاجة نوال كانت بتقول؟ هل اختفت فعلًا؟ وإيه اللي حصل لها في الليلة دي؟
إيديا كانت بتترعش وأنا بحاول أستوعب اللي اكتشفته.
وبعدها وقعت عيني على جهاز التسجيل الصغير.
مسكته، وضغطت على زر التشغيل.
في البداية، ما سمعتش غير صوت تشويش خفيف، وبعد ثواني، بدأ صوت ست يظهر من الجهاز.
كان صوتها ضعيف ومرتجف، وكأنها بتتكلم وهي خايفة من حد يسمعها.
قالت
اسمي ليلى عبد الرحمن. لو حد لقى التسجيل ده، يبقى الحاجة نوال نفذت تهديدها أخيرًا. لكن قبل ما أموت، لازم الحقيقة تتعرف...
سكتت الست لحظات.
وبعدين سمعت صوت شهقة مكتومة، كأنها بتحاول تمنع نفسها من العياط.
فضلت حابسة نفسي وأنا مستنية تكمل.
وبعد لحظات من الصمت، قالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
فيه سر كبير بخصوص ابن الحاجة نوال... سر لو اتكشف، هيقلب حياة العيلة دي كلها، ومش هيسيب حاجة زي ما كانت!
فضلت باصة لجهاز التسجيل، وقلبي بيدق بسرعة.
إيه السر اللي مخبياه الحاجة نوال كل السنين دي؟ وليه كانت مستعدة تعمل أي حاجة عشان تمنع حد يعرف الحقيقة؟
والأهم من كل ده...
هل السر ده له علاقة باختفاء ليلى، ولا فيه حكاية أكبر بكتير لسه ما اكتشفتهاش؟
ما كانش عندي أي إجابة، وكل اللي كنت متأكدة منه إن اللي لقيته تحت البئر ممكن يكون أخطر بكتير من السبب اللي خلّى حماتي تحاول تقتلني.
لكن قبل ما أقدر أفكر في أي حاجة تانية، سمعت صوت حركة جاية من فوق البئر!
حد كان بيحرّك الغطاء من بره...
يا ترى الحاجة نوال رجعت عشان تتأكد إني متّ؟ ولا فيه حد تاني عارف بالسر اللي مستخبي هنا؟
يتبع
حكايات محمد نور
سمعت صوت الغطاء وهو بيتزحزح من فوق، فطفيت الكشاف بسرعة، وحطيت جهاز التسجيل والورق جوه العلبة المعدنية، وزقيتها ورا الأحجار تاني.
حبست نفسي، وحاولت أكتم صوت أنفاسي رغم الوجع اللي كان بيقطع جنبي، وفضلت باصة لفوق وسط الضلمة.
سمعت صوت خطوات بتقرب من حافة البئر، وبعدها صوت راجل بيقول بقلق
يا باشا، حضرتك متأكدة إنها وقعت هنا؟
قلبي دق بعنف أول ما سمعت صوت حماتي وهي بترد
أنا شفتها بعيني وهي بتقع! اقفل الغطا كويس، ومش عايزة حد يعرف إننا جينا هنا النهارده.
الراجل اتردد شوية، وبعدين قال
بس يا حاجة نوال، لو أحمد بيه عرف إننا عملنا كده...
قاطعته بعصبية
أحمد مش هيعرف حاجة! ابني مسافر، ولما يرجع هقوله إن مراته سابت القصر وهربت. ولو سأل عنها، هوريه جواب مكتوب بإيديها، وأقوله إنها كانت بتخطط تسرق فلوس العيلة وتهرب!
حطيت إيدي على بقي عشان أمنع نفسي من الصراخ.
حتى بعد ما حاولت تقتلني، كانت مجهزة حكاية كاملة تشوه بيها سمعتي قدام جوزي!
لكن اللي الراجل قاله بعدها كان أخطر.
طيب والورق اللي كانت ليلى مخبياه؟ لو مريم لقيته، ممكن تعرف كل حاجة!
سكتت حماتي فجأة.
وبعد ثواني، سمعتها بتقول بصوت واطي، لكنه مليان تهديد
مريم لو ماتت، مش هتقدر تعرف حاجة. وأنا متأكدة إن محدش يقدر يطلع من البئر ده وهو بالحالة اللي وقعت بيها.
الراجل رد بتردد
وإحنا نضمن منين إنها ماتت فعلًا؟
سمعت صوت حاجة بتخبط في الحجر، وبعدها حماتي قالت
انزل لها بنفسك واتأكد!
اتجمدت مكاني.
الراجل كان هيضطر ينزل البئر، ولو لاقاني عايشة، ممكن يقتلني بإيده!
بدأت أتحسس الأحجار حواليا، بدور على أي مكان أستخبى فيه، لكن البئر كان ضيق، وجسمي المصاب مش قادر يتحرك بسهولة.
وفجأة، سمعت صوت الراجل بيقول
يا حاجة نوال، فيه حاجة غريبة هنا!
ردت عليه بسرعة
إيه هي؟
فيه نور طالع من تحت الأحجار!
قلبي وقع في رجلي.
كان الكشاف اللي طفيته لسه منور نور خافت، ويبدو إن جزء من ضوءه كان ظاهر من بين الشقوق.
سمعت حماتي بتصرخ
ابعد عن الحافة! محدش ينزل دلوقتي!
وبعدين بدأت تتحرك بسرعة، وكأنها افتكرت حاجة خطيرة.
قالت للراجل
هات المفتاح اللي في العربية، لازم نفتح المخزن القديم قبل ما أحمد يرجع!
الراجل استغرب
المخزن؟ دلوقتي؟ ما حضرتك قولتي إن محدش هيدور على حاجة هناك!
ردت عليه
لو مريم لقت أوراق ليلى، يبقى لازم نتخلص من الأصل قبل ما حد يوصل له!
وبعدها سمعت خطواتهم بتبعد عن البئر، وصوت الغطاء وهو بيتقفل بإحكام من جديد.
فضلت ساكتة لحد ما اتأكدت إنهم مشيوا.
ولما حسيت إني بقيت لوحدي، طلعت العلبة المعدنية من ورا الأحجار، وإيديا بتترعش.
أوراق ليلى كانت مرتبطة بمخزن قديم، وحماتي مستعدة تعمل أي حاجة عشان توصل له قبل أحمد!
فتحت العلبة تاني، وبدأت أقلب الورق بسرعة، لحد ما لقيت مستند عليه ختم رسمي قديم.
كان عنوانه محضر إثبات ملكية وأمانة.
وفي آخر الصفحة، لقيت توقيع والد أحمد، وتحته توقيع ست اسمها ليلى عبد الرحمن.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في السطر اللي تحت التوقيع مباشرة
تُحفظ المستندات الأصلية داخل الخزانة الحديدية بالمخزن الشرقي، ولا يجوز التصرف في الأراضي المذكورة أو بيعها إلا بموافقة صاحبة الحق الشرعي.
بدأت أفهم إن الموضوع مش مجرد سر عائلي.
كان فيه أراضي وممتلكات اتنقلت ملكيتها بطريقة مشبوهة، ويمكن الإمبراطورية اللي بنتها الحاجة نوال كانت قائمة على حق مش حقها أصلًا!
لكن ليه ليلى خبّت المستندات هنا؟ وليه كتبت تحذير مخصوص باسمي حماتي؟
قلبت الورقة، فلقيت رقمًا مكتوبًا بالقلم الأحمر، وتحته جملة قصيرة
لو حصل لي أي حاجة، دوروا على دفتر الحسابات الأزرق.
وفجأة، افتكرت كلام حماتي عن المخزن الشرقي.
يمكن دفتر الحسابات ده هو الدليل اللي كانت خايفة منه طول السنين!
مديت إيدي لجهاز التسجيل، وشغلته تاني، وقررت أسمع باقي الكلام اللي ما كنتش قدرت أسمعه من شدة خوفي.
المرة دي، التسجيل اشتغل بوضوح أكبر.
صوت ليلى قال
أنا مش خايفة على نفسي قد ما أنا خايفة على الطفل. نوال عايزة تمحي الحقيقة، لأنها عارفة إن لو الدليل ظهر، كل الأراضي اللي استولت عليها هترجع لأصحابها، والناس اللي ظلمتهم هياخدوا حقهم.
سكتت لحظة، وبعدها كملت
لكن فيه حاجة لازم أحمد يعرفها قبل أي حد... الولد اللي بتربيه نوال طول عمره، مش هو الشخص اللي الناس فاكرة إنه أبوه!
شهقت من الصدمة.
أحمد؟!
هل كانت بتتكلم عن أحمد نفسه؟ ولا عن سر يخص والده؟
قبل ما التسجيل يكمل، سمعت صوت رنين موبايل جاي من فوق البئر.
كان موبايلي!
أيوه، موبايلي اللي وقع من جيبي وأنا بسقط، وفضلت فاكرة إنه اتكسر!
سمعت نغمة أحمد المميزة، وبعدها صوت حماتي وهي بتتكلم في التليفون
أيوه يا أحمد، حبيبي، وصلت الفندق؟
قلبي اتقبض.
أحمد كان المفروض في اجتماع شغل، لكن واضح إنه سافر فعلًا، ومراته اختفت وهو بعيد عنه!
سمعته بيقول من خلال السماعة بصوت قلق
أيوه يا ماما، وصلت، بس أنا كلمت مريم كذا مرة ومش بترد. هي فين؟
ردت حماتي بسرعة
مريم؟ دي سابت القصر من الصبح، وقالت إنها محتاجة تبعد عننا شوية.
سكت أحمد لحظات، وبعدين قال
سابت القصر من غير ما تقولي؟ ده مش طبعها! أنا حاسس إن فيه حاجة حصلت.
ردت حماتي بنبرة حاولت تخليها هادية
إنت مكبر الموضوع ليه؟ مراتك كبيرة وتقدر تتصرف لوحدها.
لكن أحمد صمم
ماما، أنا راجع بكرة الصبح. وأول ما أوصل، عايز أشوف مريم قدامي.
لأول مرة من ساعة ما وقعت في البئر، حسيت إن فيه أمل.
أحمد راجع!
يمكن لما يرجع يكتشف كذب أمه، ويمكن يقدر ينقذني قبل ما أموت هنا.
لكن حماتي قالت جملة خلت الأمل اللي جوايا يتحول لرعب
براحتك يا أحمد، ارجع. بس قبل ما تيجي، لازم تعرف إن فيه ناس بتدور على ورث أبوك، وفيه واحدة من العيلة ناوية تفتح ملف قديم محدش قرب منه من تلاتين سنة!
أحمد سألها باستغراب
ملف إيه يا ماما؟
ردت بسرعة
مفيش حاجة. لما ترجع هفهمك.
قفلت المكالمة.
وبعدها سمعت صوت خطواتها وهي بتبعد، لكن قبل ما تمشي نهائيًا، وقفت عند حافة البئر وقالت بصوت واطي، كأنها بتكلم نفسها
كنت فاكرة إن الماضي مات مع ليلى... لكن واضح إن المصايب دي مش هتخلص غير لما الورق كله يختفي!
وقتها فهمت إن حماتي مش بس خايفة من اللي اكتشفته أنا.
دي كانت خايفة من رجوع الماضي كله، ومن سر لو ظهر، ممكن يهد كل حاجة بنتها على مدار تلاتين سنة!
رجعت أبص للمستندات، وبدأت أدور على أي دليل تاني يساعدني أطلع من هنا.
وفجأة، لقيت ورقة صغيرة مطوية بعناية، ما كنتش واخدة بالي منها.
فتحتها، ولقيت مكتوب بخط مختلف عن خط ليلى
إلى الشخص اللي هيلاقي الرسالة دي... لو عايز تعرف الحقيقة كاملة، لازم تدور على البئر التاني، تحت شجرة الجميز اللي جنب السور الغربي. هناك هتلاقي الدليل اللي نوال فشلت إنها تتخلص منه.
وتحت الرسالة، كان فيه اسم واحد بس.
عبد الرحمن.
اسمي!
لكن أنا عمري ما سمعت إن عيلتي ليها أي علاقة بالعيلة دي، ولا إن جدي أو أبويا كانوا يعرفوا والد أحمد!
إزاي اسمي موجود في رسالة قديمة بالشكل ده؟ وليه حد كتبها مخصوص لحد من عيلتي؟
بدأت أحاول أقف، لكن أول ما حركت رجلي، حسيت بألم شديد خلاني أقع تاني.
كنت محتاجة مساعدة فورًا، وما كانش عندي وقت أضيعه في فك الألغاز.
وفجأة، لمحت من بعيد شعاع نور بيتحرك بين الأحجار.
في الأول افتكرت إني بتخيل من شدة التعب، لكن النور قرب أكتر، وسمعت صوت خبط خفيف على جدار البئر من الناحية التانية.
وبعدين صوت راجل غريب ناداني
يا مدام مريم... لو إنتِ لسه عايشة، ردي عليَّ!
حبست نفسي للحظة، وبعدها صرخت بكل قوتي
أنا هنا! الحقني، أرجوك!
سمعت صوت الحجر بيتحرك، وبعد ثواني ظهر جزء من فتحة صغيرة في الجدار.
الراجل بصلي من خلالها، وأول ما شاف الدم على وشي، اتصدم وقال
يا نهار أبيض! إنتِ لسه عايشة إزاي؟!
صرخت فيه
إنت مين؟ وإزاي وصلت هنا؟
بص حواليه بخوف، وبعدها قال
اسمي عم جابر، وأنا كنت شغال حارس في أرض العيلة دي من أكتر من تلاتين سنة. ولما عرفت إن الحاجة نوال رجعت للبئر النهارده، شكيت إنها عملت مصيبة جديدة.
سألته وأنا بحاول أستوعب كلامه
مصيبة جديدة؟ يعني إنت عارف اللي حصل لليلى؟
وشه اتغير، وبص للأرض قبل ما يرد
أنا عارف حاجات كتير يا بنتي... حاجات لو اتقالت، ناس كبيرة هتقع من مكانها.
وبعدين مد إيده ناحيتي وقال
بس قبل ما أطلعك،