حماتي رمتني حكايات محمد نور

لمحة نيوز

أبويا رفع عينيه ليه وقال بهدوء مخيف
يمكن تكون أول مرة تشوف الورقة، لكن مش أول مرة توافق على اللي مكتوب فيها...
يتبع...
النهاية السر اللي دفنته نوال تلاتين سنة... رجع يهدم إمبراطوريتها في ليلة واحدة!
فضلت باصة لأحمد، مش قادرة أستوعب اللي سمعته.
توقيعه كان موجود على ورقة بتتكلم عن إخفاء الحقيقة عني، وأبويا واقف قدامي وبيقول إنه وافق على اللي مكتوب فيها!
صرخت وأنا بعيط
أنا مش فاهمة حاجة! إنتوا كلكم بتقولوا كلام مختلف! مين فيكم اللي بيكدب؟!
أحمد قرب مني، لكنه وقف لما شافني برجع لورا.
قال بصوت مكسور
مريم، بصي في عيني. أنا عمري ما كنت أعرف إن أمي هتحاول تقتلك. والله لو كنت أعرف، كنت وقفت قدامها حتى لو خسرت كل حاجة.
أبويا اتنهد، وحط الورقة على الترابيزة، وقال
اسمعوني للآخر، وبعدها احكموا بنفسكم.
وقعد يحكي.
من أكتر من تلاتين سنة، كانت ليلى عبد الرحمن الوريثة الوحيدة لمساحة ضخمة من الأراضي والعقارات اللي جدها سابهالها. ولأنها كانت صغيرة وقت وفاة والدها، اتعين والد أحمد وصيًّا على جزء من أملاكها بموجب اتفاق قانوني.
لكن الحاجة نوال كانت شايفة إن الثروة دي لازم تفضل تحت سيطرتها.
ومع مرور السنين، بدأت تتدخل في إدارة الممتلكات، لحد ما اكتشفت إن ليلى ناوية تطالب بحقها وتراجع الحسابات القديمة.
في الوقت ده، كان أبويا، عبد الرحمن، محاسبًا بيشتغل مع العيلة، واكتشف إن فيه مستندات اتغيرت، وأراضي اتسجلت بأسماء أشخاص مالهمش حق فيها.
لما حاول يبلغ عن التلاعب، اتعرض للتهديد.
أما ليلى، فكانت جمعت نسخًا من المستندات الأصلية، وقررت تقدمها للجهات المختصة.
لكن قبل ما تعمل كده، اختفت في ظروف غامضة.
الحاجة نوال أعلنت إنها ماتت، من غير ما حد يشوف جثتها، واستغلت الفوضى اللي حصلت بعدها عشان تسيطر على الممتلكات.
أبويا حاول يوصل لليلى، لكنه اتعرض للتهديد هو كمان، واضطر يبعد عني لفترة قصيرة، بعد ما اتفق مع شخص موثوق إنه يحميني.
لكن الشخص ده سلّمني لعيلة بسيطة، وقال لهم إني طفلة فقدت أهلها، وإن الأفضل يربوني بعيد عن المشاكل.
كبرت وأنا فاكرة إن أبويا مات، وإن أمي ماتت بعد ولادتي.
أما نوال، فكانت بتراقب الأخبار من بعيد، ومستنية اللحظة اللي تقدر فيها تتخلص من آخر دليل يربطها بالقضية.
ولما اتجوزت أحمد، ما كانتش تعرف في البداية إن أنا بنت ليلى.
لكن بعد فترة، شافت التعليقة الفضية اللي كانت في رقبتي، وبدأت تشك.
ولما قدرت توصل لملف قديم، اتأكدت من هويتي.
ومن يومها، بدأت تحاول تخوفني وتخليني أسيب القصر، لكنها فشلت.
لحد ما قررت ترميني في البئر.
بعد ما أبويا خلص كلامه، بصيت للورقة اللي عليها توقيع أحمد وسألته
طب وتوقيعك ده؟!
أبويا رد قبل ما أحمد يتكلم
الورقة دي مش اتفاق على قتل مريم. دي ورقة قديمة كان أحمد مضى عليها من غير ما يعرف حقيقتها.
أحمد عقد حواجبه وقال
أنا فعلًا مضيت على ورقة من حوالي سنة، أمي قالتلي إنها تفويض إداري عشان أقدر أراجع حسابات الشركة وأنا مسافر.
أبويا هز راسه.
نوال استغلت التفويض، وأضافت توقيعه على مستندات تانية، وحاولت تستخدمها عشان تثبت إن أحمد وافق على نقل بعض الممتلكات. لكن التوقيع لوحده مش كفاية لإثبات صحة التصرف، خصوصًا إن فيه مستندات أصلية وشهود بيكشفوا اللي حصل.
أحمد حط إيده على راسه، وقال بألم
يعني أمي استغلت اسمي أنا كمان؟
أبويا رد
هي كانت مستعدة تستخدم أي حد عشان تحافظ على سيطرتها.
بصيت لأحمد، ولأول مرة من بداية المصيبة، حسيت إني بدأت أفهم ليه كان دايمًا خايف يعترض على أمه.
لكن ده ما كانش معناه إن كل حاجة بقت سهلة.
قلتله بوضوح
أنا مش هقدر أرجع أعيش في القصر، ولا هقدر أتعامل مع اللي حصل كأنه مجرد خلاف عائلي.
أحمد مسك إيدي برفق وقال
مش هطلب منك ترجعي للمكان ده أبدًا. أهم حاجة عندي إنك تبقي بخير، وإن كل واحد يتحاسب على اللي عمله.
في صباح اليوم التالي، توجهنا لمكتب المحامي سامح، اللي قدر يتواصل معانا بعد ما اختفى لساعات، واتفقنا على تسليم كل المستندات للجهات المختصة.
الدفتر الأزرق كان فيه حسابات مفصلة، وتواريخ تحويلات، وأرقام عقود، وأسماء أشخاص شاركوا في نقل ملكية الأراضي بطرق غير قانونية.
أما التسجيل اللي لقيته في البئر، فكان فيه شهادة ليلى عن التهديدات اللي اتعرضت لها، لكنها ما كانتش كافية لوحدها لإثبات كل تفاصيل اختفائها.
عشان كده، المحامي طلب فحص المستندات، ومراجعة السجلات الرسمية، وسماع شهادة أبويا وعم جابر.
وفي نفس الوقت، قدمنا بلاغًا عن محاولة قتلي، واتفتح تحقيق في الواقعة.
الحاجة نوال حاولت في البداية تنكر كل حاجة، وقالت إنني سقطت في البئر بالخطأ، وإنها كانت بتحاول تساعدني.
لكن شهادتي، وشهادة عم جابر، وآثار المكان، وتناقض أقوالها، خلت المحققين يراجعوا روايتها بدقة.
وبعد أيام، ظهرت مفاجأة جديدة.
واحد من العاملين السابقين في القصر تقدم بشهادته، واعترف إنه ساعد نوال تقفل غطاء البئر، وإنها وعدته بفلوس مقابل إنه يفضل ساكت.
كمان اعترف إنه كان موجود ليلة اختفاء ليلى، وإنه شاف نوال وهي بتاخد منها ملفًا كبيرًا قبل ما تختفي من القصر.
الشهادة دي فتحت باب تحقيق جديد في قضية ليلى.
وبعد مراجعة السجلات القديمة، اكتشف المحققون إن إعلان وفاتها ما كانش مدعومًا بالمستندات اللي المفروض تثبت الوفاة، وإن فيه أوراق اتقدمت وقتها بمعلومات غير صحيحة.
لكن هل ليلى كانت لسه عايشة؟
فضل السؤال ده معلقًا لحد ما وصل للمحامي جواب قديم من مستشفى خارج المحافظة، كان محفوظًا ضمن أوراق قضية مختلفة.
الجواب ذكر اسم سيدة اتعالجت هناك من إصابات خطيرة قبل سنين طويلة، وكانت مسجلة باسم مختلف.
وبعد مراجعة البيانات، ظهرت مؤشرات قوية إن السيدة دي ممكن تكون ليلى.
بدأت الجهات المختصة إجراءات التحقق من هويتها، وبعد فترة من البحث، وصلت لنا معلومة ما كناش نتخيلها.
أمي كانت عايشة!
بعد حوالي شهرين، كنت قاعدة في شقة صغيرة استأجرناها بعيد عن القصر، وبحاول أتعافى من إصاباتي.
في عصر يوم هادي، اتصل بيا المحامي سامح وقال
يا مدام مريم، فيه خبر لازم تعرفيه. السيدة اللي لقيناها اتأكدت هويتها، وهي فعلًا ليلى عبد الرحمن.
الموبايل وقع من إيدي.
فضلت أبكي وأنا مش قادرة أتكلم.
أحمد كان قاعد جنبي، ولما شافني، فهم إن فيه حاجة حصلت.
قلتله بصوت مخنوق
أمي عايشة يا أحمد... أمي عايشة!
ما استناش لحظة.
اتفقنا مع المحامي على زيارة أمي في المكان اللي كانت بتتعالج فيه، وبعد أيام، دخلت الأوضة وأنا قلبي بيدق بعنف.
كانت ست كبيرة، شعرها أبيض، وملامحها مرهقة، لكن عينيها كان فيهم نفس النظرة اللي شفتها في الصورة القديمة.
أول ما شافتني، مدت إيديها وهي بتعيط.
مريم؟! إنتِ مريم بنتي؟!
جريت عليها، وحضنتها بكل قوتي، وفضلت أكرر
أنا هنا يا ماما... أنا رجعتلك!
كانت بتبوس وشي وإيديا، وتعيط وهي بتقول
سامحيني يا بنتي... سامحيني إني ما قدرتش أرجعلك.
قعدت جنبها، ومسكت إيديها وقلت
إنتِ ما تعرفيش أنا استنيت اللحظة دي قد إيه. أنا عشت عمري كله فاكرة إني لوحدي في الدنيا.
ليلى بدأت تحكيلي إنها نجت من اللي حصل لها في الليلة دي، لكنها اتعرضت لإصابات خطيرة، وفقدت جزءًا من ذاكرتها لفترة طويلة.
ولما بدأت تستعيد وعيها وتفتكر تفاصيل حياتها، اكتشفت إن أوراقها اختفت، وإن فيه أشخاص بيحاولوا يوصلوا لها.
خافت إن رجوعها يعرّضني للخطر، خصوصًا إنها كانت فاكرة إن نوال لسه بتدور عليَّ.
عشان كده، فضلت بعيدة، لحد ما قدرت تجمع معلومات تساعدها تكشف الحقيقة.
لكنها ما قدرتش توصل لي، وما كانتش تعرف إني اتجوزت أحمد.
بصت لأحمد، وقالت
أنا مش عايزة أكون سبب في خراب بيت بنتي.
أحمد رد باحترام
حضرتك مش سبب في أي حاجة حصلت. مريم مالهاش ذنب في اللي حصل لعيلتها، وأنا هفضل جنبها طول ما هي عايزاني.
أمي مسحت دموعها وقالت
أنا مش عايزة منكم غير إنكم تعيشوا في سلام، وإن حقي يرجع بالقانون، من غير ظلم ولا انتقام.
وعدتها إن ده اللي هيحصل.
مرت شهور من التحقيقات والمراجعات القانونية.
وفي النهاية، أثبتت المستندات الأصلية إن جزءًا كبيرًا من الأراضي اتنقل بطريقة غير قانونية، وإن نوال استخدمت أوراقًا وتفويضات لا تبرر التصرفات اللي قامت بها.
كمان ثبت تورطها في محاولة قتلي، وصدرت ضدها أحكام بعد انتهاء الإجراءات القانونية وسماع الشهود.
أما الممتلكات، فبدأت إجراءات رد الحقوق لأصحابها الشرعيين، تحت إشراف المحكمة، بعد مراجعة العقود والأنصبة.
الإمبراطورية اللي نوال بنتها على مدار سنين بدأت تنهار، مش لأنني انتقمت منها، لكن لأن الأدلة كشفت الحقيقة، والقانون حاسبها على أفعالها.
وبالنسبة لأحمد، فقد قرر يبعد عن إدارة ممتلكات العيلة لفترة، وبدأ يبني شغله بعيد عن سيطرة أمه.
ما طلبش مني أسامحها، وما حاولش يبرر اللي عملته.
أما أنا، فقررت أستخدم جزءًا من حقي في تأسيس مركز صغير لرعاية المرضى غير القادرين، بمساعدة أطباء وممرضين كنت أعرفهم من شغلي القديم.
كنت عايزة أعمل حاجة مفيدة من غير ما أعيش طول عمري أسيرة للماضي.
وفي يوم افتتاح المركز، كانت أمي واقفة جنبي، وأبويا قاعد في الصف الأول، وعم جابر وسط الناس، بيبكي من الفرحة.
أحمد قرب مني، وقال
فاكرة أول مرة قولتلك إننا هنسيب القصر ونعيش بعيد عن أمي؟
ابتسمت بحزن وقلت
فاكرة. خمس سنين وأنا مستنية الوعد ده.
مسك إيدي وقال
أنا آسف إني اتأخرت كل ده. كان المفروض أحميكي من أول يوم.
بصيتله وقلت
اللي حصل مش هيتنسي بسهولة، لكن اللي يهمني إننا ما نرجعش نعيش تحت سيطرة حد تاني، مهما كان.
هز راسه وقال
أوعدك.
وبعدها بصيت لأمي، اللي كانت بتضحك وهي بتتكلم مع الأطفال الموجودين في المركز.
لأول مرة في حياتي، حسيت إن عندي عيلة حقيقية، وإن الماضي مش لازم يفضل يتحكم في مستقبلي.
بعد سنة، رجعت للمكان اللي كان فيه البئر.
كان الغطاء اتشال، والمنطقة اتأمنت، والبئر نفسه اتردم تحت إشراف المختصين بعد انتهاء الفحوصات اللازمة.
وقفت هناك شوية، وافتكرت اللحظة اللي كنت فيها تحت الأرض، فاكرة إن دي نهايتي.
لكنني خرجت من المكان ده وأنا شايلة الحقيقة اللي غيّرت حياة عيلة كاملة.
عم جابر وقف جنبي وقال
تعرفي يا مريم، أنا كنت فاكر إن السر لو فضل مدفون، الناس هتنسى. لكن الحقيقة عمرها ما بتموت.
بصيت للمكان وقلت
الحقيقة ممكن تتأخر، وممكن ناس تحاول تخبيها، لكن مش من حق حد يدفنها عشان يحافظ على قوته.
رجعنا للعربية، وأمي كانت مستنيانا، وأحمد واقف جنبها.
مسكت إيد أمي، وبصيت للسما.
أنا مريم عبد الرحمن، الممرضة اللي حماتها رمتها في بئر عشان تتخلص منها.
لكنها ما كانتش تعرف إن البئر اللي اختارته عشان يكون قبري، هيكون المكان اللي هتبدأ منه نهايتها.
والدرس اللي اتعلمته من كل اللي حصل إن الفلوس ممكن تشتري النفوذ، والسلطة ممكن تخوّف الناس، لكن مفيش ثروة في الدنيا تقدر تضمن إن الحقيقة تفضل مدفونة للأبد.
تمت بحمد الله.

تم نسخ الرابط