حماتي رمتني حكايات محمد نور
المحتويات
لازم أقولك حاجة واحدة ما تثقيش في أي حد من العيلة دي، حتى لو كان أحمد نفسه!
اتسمرت مكاني.
أحمد؟! ليه؟ ده جوزي!
عم جابر قرب من الفتحة، وبصلي بنظرة مليانة خوف، وقال
لأن أحمد مش عارف الحقيقة عن أبوه، ولما يعرفها، ممكن يبقى أخطر شخص عليكي من غير ما يقصد!
وقبل ما أقدر أسأله يقصد إيه، سمعنا صوت عربية بتقف عند مدخل الجنينة القديمة.
عم جابر وشه اصفر فجأة، وهمس
يا ساتر يا رب... دي عربية أحمد بيه!
لكن أحمد كان لسه قايل إنه هيرجع بكرة الصبح!
فمين اللي وصل دلوقتي؟ وليه عم جابر أول ما سمع صوت العربية، رجع لورا وقاللي
مهما حصل، ما تقوليلوش إنك لقيتي العلبة... لأن لو شاف الورق اللي جواها، ممكن الحقيقة كلها تضيع للأبد!
يتبع...
عم جابر أول ما سمع صوت العربية، ساب الفتحة الصغيرة اللي كان بيحاول يوسعها، وبصلي برعب وقال
اسمعيني كويس يا مريم، مهما سمعتي دلوقتي، ومهما حصل، أوعي تطلعي العلبة المعدنية من مكانها!
مسكت إيده قبل ما يبعد وقلتله بصوت مبحوح
استنى! إنت مش هتسيبني هنا وتمشي، صح؟ أنا مصابة ومش قادرة أقف!
بصلي بحزن وقال
والله ما هسيبك يا بنتي، بس لو اللي بره شافني معاكي، مش هنقدر ننقذ بعض.
وفجأة، سمعنا صوت باب العربية بيتفتح، وبعده صوت خطوات سريعة فوق الحصى.
ثم صوت أحمد، جوزي، وهو بينادي بأعلى صوته
مريم! مريم، إنتِ هنا؟!
حسيت إن قلبي هيخرج من صدري.
كنت عايزة أصرخ وأقوله إني تحت رجليه، وإن أمه رمتني في البئر وسابتني أموت، لكن عم جابر حط إيده على بقي وهمس
استني! فيه حاجة مش مظبوطة.
سمعت صوت حماتي وهي بتقرب من أحمد
إنت رجعت إمتى يا ابني؟ مش قولتلي إنك هترجع بكرة؟
أحمد رد بعصبية
بطلي أسئلة يا ماما! أنا رجعت عشان مريم مش بترد على تليفونها، ولما كلمت البواب قالي إنك خرجتي معاها ناحية الجنينة القديمة.
سكتت حماتي لحظة، وبعدها قالت بثبات غريب
أيوه، خرجنا سوا، بس هي مشيت من هنا لوحدها. قلتلك إنها سابت القصر!
أحمد رد بصوت أعلى
وأنا مش مصدقك!
اتجمدت مكاني.
لأول مرة من خمس سنين، سمعت أحمد بيواجه أمه بالشكل ده.
قال لها
مريم عمرها ما تمشي من غير ما تقولي، وخصوصًا بعد ما اتفقنا إنها هتروح معايا لما أرجع من السفر. أنا عايز أعرف إنتِ مخبية إيه!
حماتي حاولت تتمالك أعصابها، وقالت
إنت اتجننت؟ دي أمك اللي بتتكلم معاها!
رد أحمد
وإنتِ مراتي اللي بتكلميني عنها كأنها عدوة! أنا تعبت من الخناقات دي، وتعبت من إن كل مرة أطلب منك تحترميها، تقوليلي إنها طمعانة في فلوسنا.
وبعدين سكت شوية، قبل ما يقول جملة خلتني أحس إن الأرض بتتهز من تحتي
على فكرة يا ماما، أنا عرفت إنك كذبتي عليَّ بخصوص وصية أبويا.
سمعت صوت حماتي وهي بتشهق.
إنت بتقول إيه؟!
المحامي اتصل بيا النهارده، وقال إن فيه مستندات قديمة في ملف التركة مش موجودة، وإن توقيع أبويا على آخر وصية مش مطابق لتوقيعه الحقيقي.
حماتي ردت بسرعة
المحامي ده عايز يوقع بينا! أبوك مات من سنين، وأنا اللي حافظت على أملاك العيلة، ولولايا كنتوا ضعتوا!
أحمد قال بمرارة
يمكن. بس فيه حاجة تانية المحامي قالهالي، وهي إن فيه أرض كبيرة اتسجلت باسمك بعد وفاة أبويا بأيام قليلة، مع إن الورق القديم بيقول إنها كانت ملك لحد تاني.
في اللحظة دي، عم جابر قرب مني وهمس
أهو ده أول الخيط يا بنتي.
بصيتله باستغراب، لكنه أشارلي إني أسكت.
فوق، حماتي كانت بتحاول ترد، لكن صوتها اتغير وبقى متوتر
الأرض دي أبوك هو اللي كتبها باسمي قبل ما يموت!
أحمد رد
يبقى مفيش مشكلة إننا نراجع الورق الأصلي، صح؟
ما ردتش.
وبعد ثواني، سمعتها بتقول
أحمد، تعالى معايا القصر. فيه حاجات لازم تعرفها، بس مش هنا.
لكنه رفض.
لأ، أنا مش ماشي من هنا قبل ما أعرف مريم راحت فين.
سمعت صوت خطواته وهو بيتحرك ناحية البئر.
عم جابر شدني من دراعي وقال بهمس
لو نادالك، ردي عليه. بس أوعي تقولي أي حاجة عن التسجيل أو الورق اللي لقيتيه.
وقبل ما أقدر أسأله ليه، سمعت أحمد بينادي تاني
مريم! لو إنتِ سامعاني، ردي عليَّ! أنا عارف إنك هنا في الجنينة!
جمعت كل قوتي، وصرخت
أحمد! أنا هنا! تحت البئر!
ساد الصمت للحظات.
وبعدين سمعت صوت خطواته بتجري ناحية الحافة.
مريم؟! إنتِ تحت إزاي؟!
صرخت وأنا بعيط
أمك هي اللي رمتني! الحقني يا أحمد، أرجوك!
ما سمعتش رد منه، لكن سمعت صوت حماتي وهي بتصرخ
ما تصدقهاش! دي بتكدب عليك! هي نزلت البئر بمزاجها عشان تدور على حاجات ملهاش فيها!
أحمد رد بصوت مرعب
إنتِ بتقولي إيه يا ماما؟!
أنا بحاول أحميك منها! مراتك عايزة تسرق ميراثك، وأنا شوفتها بعيني وهي بتحاول تفتح المكان ده!
صرخت من تحت
كدابة! هي اللي جابتني هنا، وزقتني بإيديها!
أحمد سكت، وبعدها سمعته بيقول
ماما، ابعدي عن البئر.
ردت بعصبية
إنت هتصدق واحدة غريبة وتكذب أمك؟!
قال لها
قلتلك ابعدي!
لأول مرة، حسيت إن أحمد ممكن يكون فعلًا بدأ يشوف الحقيقة.
لكن اللي حصل بعدها كان صدمة أكبر.
سمعت حماتي بتقول بصوت مكسور ومليان غضب
إنت مش فاهم حاجة يا أحمد! لو طلعت مراتك من البئر ده، هتفتح باب لو اتفتح، مش هتعرف تقفله أبدًا!
أحمد رد
وإيه اللي موجود تحت يخليكي خايفة بالشكل ده؟!
ما ردتش.
وبدل ما تجاوبه، سمعتها بتجري ناحية العربية.
أحمد صرخ وراها
ماما! استني!
لكنها ما وقفتش.
بعد لحظات، سمعت صوت العربية وهي بتتحرك بسرعة وتختفي بعيد.
أحمد رجع ناحية البئر، وبدأ يحاول يزيح الغطاء بكل قوته، لكنه كان تقيل جدًا.
نادى على عم جابر، اللي ظهر من ورا الأشجار وقاله
يا بيه، لازم نجيب عمال وأدوات. الغطا ده مش هيتحرك بسهولة.
أحمد رد بعصبية
هات أي حد يساعدنا، بسرعة!
وبعدين قرب من الفتحة ونادى عليَّ
مريم، إنتِ سامعاني؟ استحملي شوية، أنا هطلعك مهما حصل!
كنت بعيط من الفرحة، لكن في نفس الوقت كنت خايفة.
لأن كلام عم جابر لسه بيرن في ودني ما تثقيش في أي حد من العيلة دي، حتى لو كان أحمد نفسه.
ليه قال كده؟ وإيه اللي ممكن أحمد يعمله من غير ما يقصد؟
بعد حوالي نص ساعة، وصل اتنين من العمال ومعاهم حبال وأدوات حديدية. قدروا يرفعوا الغطاء جزء بسيط، وبعد محاولات طويلة، فتحوا البئر أخيرًا.
نزلوا لي حبل، وربطوه حوالين جسمي بحذر، وبدأوا يرفعوني واحدة واحدة.
أول ما خرجت للنور، أحمد جري عليَّ، وركع جنبي، وضمني وهو بيقول
سامحيني يا حبيبتي! أنا آسف، والله ما كنت أعرف إنها ممكن تعمل فيكي كده!
كنت مرهقة لدرجة إني مش قادرة أتكلم، لكني مسكت إيده وقلت
لازم تعرف الحقيقة يا أحمد. أمك مخبية حاجة كبيرة، وحاولت تقتلني عشان تمنعني أعرفها.
بصلي بصدمة، وبعدها قال
هنعرف كل حاجة، أوعدك.
لكن قبل ما نتحرك، عم جابر قرب مننا وقال
يا أحمد بيه، فيه حاجة لازم تشوفها بنفسك.
أحمد بصله باستغراب.
عم جابر طلع من جيبه ورقة قديمة، ومدها له.
كانت نسخة مصورة من مستند عليه ختم المحكمة، وتوقيع والد أحمد.
أحمد بدأ يقرا، وكل ما كان بيتقدم في السطور، وشه كان بيصفر أكتر.
وبعدين رفع عينيه لعم جابر وسأله
إنت جبت الورقة دي منين؟!
عم جابر رد بهدوء
من نفس المكان اللي الحاجة نوال بتحاول تخفيه من تلاتين سنة.
أحمد بص للورقة تاني، وبعدها قال بصوت مرتعش
الكلام ده معناه إن الأرض اللي أمي بتعتبرها ملكها... مش ملكها أصلًا!
عم جابر هز راسه.
مش بس كده يا بيه. الورق ده بيقول إن والدك كان مجرد وصي على الأملاك دي، وإن فيه صاحبة حق حقيقية اختفت في ظروف غامضة.
أحمد سأل بسرعة
مين صاحبة الحق دي؟!
عم جابر بصلي، وبعدها بص لأحمد وقال
ليلى عبد الرحمن.
أحمد رجع خطوة لورا، وكأنه مش قادر يصدق الاسم.
وبعدين همس
ليلى؟! بس ليلى دي...
سكت فجأة، وحط إيده على راسه.
سألته وأنا بحاول أقاوم الألم
بس ليلى دي إيه يا أحمد؟ إنت تعرف عنها حاجة؟
بصلي، وكانت عينيه مليانة خوف وحيرة.
وبعدين قال
أنا طول عمري فاكر إن ليلى كانت قريبة بعيدة لأبويا، وإنها ماتت قبل ما أتولد. لكن من شهر، لقيت جواب قديم في مكتب أبويا، مكتوب فيه إن ليلى سابت بنت صغيرة عند حد من العيلة، وإن البنت دي اختفت بعد وفاة أبويا بفترة قصيرة.
عم جابر قرب منه وقال
البنت دي ما اختفتش يا أحمد. الحقيقة إنها اتربت بعيد عن العيلة، ومحدش كان يعرف مكانها.
أحمد سأله
وإنت عارف هي مين؟!
عم جابر بصلي بنظرة غريبة، وبعدها قال
أيوه يا بيه. وأنا فضلت ساكت كل السنين دي، لأن الحاجة نوال هددتني لو اتكلمت.
حسيت ببرودة بتجري في جسمي.
بصيت لعم جابر، وقلت
إنت بتتكلم عن مين؟!
مد إيده لجيبه، وطلع صورة قديمة لطفلة صغيرة، كانت واقفة جنب ست شابة بتضحك.
قرب الصورة مني، وقال
البنت دي هي اللي صاحبة الحق الحقيقي في كل الأملاك دي.
بصيت للصورة، وقلبي بدأ يدق بسرعة.
الست اللي في الصورة كانت شبه ملامحي بشكل يخوف، خصوصًا عينيها وشكل ابتسامتها.
أما الطفلة، فكانت لابسة سلسلة صغيرة فيها تعليقة فضية على شكل هلال.
حطيت إيدي على رقبتي من غير ما أحس.
لأن نفس التعليقة كانت معايا من وأنا صغيرة، وأمي كانت دايمًا تقولي إنها آخر حاجة فاضلة ليا من جدتي.
رفعت عيني لعم جابر، وقلت بصوت متقطع
إنت عرفت منين إن الصورة دي تخصني؟!
عم جابر أخد نفس عميق، وقال
لأن أمك الحقيقية كانت ليلى عبد الرحمن... والطفلة اللي في الصورة هي إنتِ يا مريم!
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
أمي؟! ليلى؟!
الست اللي حماتي حاولت تدفن سرها معاها من تلاتين سنة، هي أمي الحقيقية؟!
بصيت لأحمد، لكنه كان واقف مكاني، مش قادر ينطق بكلمة.
وبعدين سأل عم جابر بصوت مخنوق
يعني مريم من أصحاب الحق في الميراث؟!
عم جابر رد
مش بس صاحبة حق يا أحمد بيه. مريم هي الوريثة الوحيدة اللي لسه عايشة من فرع ليلى، والورق الأصلي لو ظهر، كل الأراضي دي ممكن ترجع لها بالقانون.
في اللحظة دي، فهمت ليه الحاجة نوال حاولت تقتلني.
ما كانش السبب إني ممرضة من عيلة بسيطة، ولا إنها شايفاني مش مناسبة لابنها.
هي كانت عارفة إن وجودي لوحده ممكن يهد الإمبراطورية اللي بنتها على مدار سنين!
لكن لسه فيه سؤال واحد كان بيطاردني.
لو أنا بنت ليلى، وأمي اختفت من تلاتين سنة، مين اللي رباني؟ وليه عيلتي عمرها ما قالتلي الحقيقة؟
وقبل ما أقدر أسأل، موبايل أحمد رن.
بص للشاشة، ووشه اتغير.
كان اتصال من المحامي المسؤول عن تركة والده.
رد أحمد، وسمعناه بيقول
أيوه يا أستاذ سامح، أنا معاك.
فضل ساكت وهو بيسمع، وبعدها قال بصدمة
إيه؟! إنت بتقول إن فيه وصية تانية ظهرت النهارده؟!
المحامي قاله حاجة تانية، خلت أحمد يبصلي بذهول.
وبعدين رد بصوت واطي
مستحيل... يعني أمي كانت عارفة من البداية إن مريم هي صاحبة الحق، ومع ذلك خلتني أتجوزها من غير ما أعرف؟!
بصلي، وبعدها سأل المحامي
طيب، والاسم المكتوب في الوصية الجديدة إيه؟
سكت وهو بيسمع الإجابة، وبعدين قفل عينيه وقال
يا نهار أسود... يعني الشخص اللي ساعد أمي تخفي الحقيقة طول السنين دي، لسه عايش؟!
قفل المكالمة، وبصلي بنظرة مليانة خوف.
سألته
مين الشخص ده يا أحمد؟!
رد بعد تردد طويل
الشخص اللي المحامي بيقول إنه شاهد على الوصية، واللي عنده مفتاح المخزن الشرقي... هو أبوكي اللي إنتِ طول عمرك فاكرة إنه مات من عشرين سنة!
يتبع...
وقعت الكلمة على دماغي كأن حد ضربني بمطرقة!
إيه؟! أبويا؟! إنت بتقول إيه يا أحمد؟ أبويا مات وأنا عندي تمن سنين! أنا حضرت جنازته بنفسي!
أحمد مسك إيدي وقال
أنا عارف إن الكلام صعب يتصدق، بس المحامي أكدلي إن الشخص اللي مضى على الوصية شاهد، اسمه عبد الرحمن محمود، وإنه لسه عايش، وعنوانه موجود في الملف.
هزيت راسي بعنف، والدموع بدأت تنزل من عيني.
لأ، مستحيل! إنت أكيد فاهم غلط! أنا عشت عمري كله فاكرة إن أبويا مات، وإن أمي ماتت بعد ولادتي!
عم جابر اتنهد بحزن، وقعد على حجر قريب مننا وقال
يا بنتي، فيه حاجات كتير اتقالتلك وإنتِ صغيرة عشان محدش يعرف الحقيقة. أبوكي ما ماتش وقتها، لكنه اختفى بعد ما حصلت المصيبة الكبيرة اللي قلبت حياة ليلى.
قربت منه وقلت
طب ليه؟! ليه يسيبني أعيش عمري كله وأنا مش عارفة أهلي الحقيقيين؟!
رد عم جابر
لأنه كان خايف عليكي. الحاجة نوال كانت بتدور على البنت اللي اختفت بعد موت ليلى، وكانت عايزة توصل لها قبل ما تكبر وتطالب بحقها في الأرض.
أحمد بصله بحدة.
وإنت كنت عارف كل ده من زمان، وساكت؟!
عم جابر وطّى راسه وقال
أيوه يا بيه، وساكت. وده ذنب هفضل شايله طول عمري. لكن أنا كنت عامل وعد لليلى قبل ما تختفي، إني أحافظ على البنت مهما حصل.
سألته بسرعة
أمي اختفت إزاي؟ هي ماتت فعلًا ولا لأ؟!
عم جابر رفع عينيه ليا، وقال
دي بالذات الحقيقة اللي عمري ما قدرت أتأكد منها. اللي أعرفه إن في الليلة اللي اختفت فيها، الحاجة نوال قالت لكل الناس إنها ماتت في حادث، لكن محدش شاف جثتها.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
يعني حتى موت أمي كان ممكن يكون كذبة؟!
لكن قبل ما أقدر أسأله أكتر، أحمد وقف فجأة وقال
لازم نروح للمحامي حالًا. لو فيه وصية تانية ظهرت، يبقى لازم نعرف محتواها قبل ما أمي توصل لها.
عم جابر هز راسه وقال
استنى يا أحمد بيه. لو رحتوا للمحامي دلوقتي، ممكن تكون الحاجة نوال سبقتكم. هي أكيد عرفت إنك رجعت، ومش هتستنى لحد ما الورق يظهر.
سألته
طب نعمل إيه؟!
بصلي وقال
نروح المخزن الشرقي الأول. فيه حاجة هناك لازم مريم تشوفها بعينيها، وبعدها هتفهم ليه ليلى اختارت تخبي كل الأدلة تحت البئر.
أحمد رفض في البداية، خصوصًا لما شاف حالتي وإصاباتي، لكنه لما عرف إن المخزن ممكن يكون فيه دليل يثبت ملكيتي للأراضي، وافق بشرط إننا نعدي على المستشفى الأول.
وبالفعل، بعد ما الدكتور اطمن إن مفيش نزيف داخلي وإن إصاباتي محتاجة راحة ومتابعة، خرجت مع أحمد وعم جابر.
طول الطريق، كنت ببص من شباك العربية، وعقلي مش قادر يستوعب اللي حصل.
من ساعات قليلة، كنت مجرد ست بتحاول تعيش في سلام مع جوزها، وفجأة اكتشفت إن حماتي حاولت تقتلني، وإن أمي ممكن تكون لسه عايشة، وإن كل اللي اتربيت وأنا مصدقاه يمكن يكون كدبة كبيرة!
وصلنا للمخزن الشرقي قبل المغرب بشوية.
كان مبنى قديم من الطوب الأحمر، محاط بسور عالي، وبابه الحديد متآكل من الصدأ.
عم جابر نزل من العربية، وطلع مفتاح صغير من سلسلة قديمة كانت معاه.
أحمد استغرب وسأله
المفتاح ده معاك من إمتى؟!
رد عم جابر
من يوم ما ليلى اختفت. سابتلي المفتاح وقالتلي لو بنتي رجعت يوم من الأيام، سلّمها الأمانة اللي هنا.
قلبي اتقبض وأنا بسمع كلمة بنتي.
أمي كانت متوقعة إني هرجع يومًا ما!
فتح عم جابر الباب، ودخلنا.
ريحة التراب والرطوبة كانت مالية المكان، والأثاث القديم متغطي بقماش أبيض، كأن الزمن وقف هنا من سنين.
في آخر المخزن، كان فيه دولاب حديد كبير، عليه قفل معقد.
عم جابر أشار ناحيته وقال
ده هو.
أحمد حاول يفتح القفل، لكنه ما اتحركش.
عم جابر بصلي وقال
جربي التعليقة اللي في رقبتك.
طلعت السلسلة الفضية اللي كانت معايا من طفولتي، وفضلت أبص للتعليقة على شكل الهلال.
لقيت في ظهرها تجويف صغير ما كنتش واخدة بالي منه قبل كده.
ضغطت عليه، فانفتح جزء دقيق من التعليقة، وظهر جواه مفتاح صغير جدًا.
إيديا اترعشت.
المفتاح ده كان معايا طول عمري، وأنا ما كنتش أعرف إنه موجود!
عم جابر قال
ليلى هي اللي خبتهولك وإنتِ صغيرة، قبل ما تتفرقي عنها.
قربت من الدولاب، وحطيت المفتاح في القفل.
لف بسهولة.
وسمعنا صوت طقة قوية.
الباب اتفتح ببطء، وظهر جواه دفتر أزرق كبير، ومجموعة ملفات، وظرف أبيض مكتوب عليه بخط واضح
إلى ابنتي مريم... لو وصلتي لحد هنا، يبقى نوال فشلت إنها تدفن الحقيقة معاها.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
مسكت الظرف وفتحته بحذر.
كان جواه جواب طويل، مكتوب بخط ست.
بدأت أقرا بصوت مرتعش
بنتي حبيبتي مريم،
لو إنتِ بتقري كلامي دلوقتي، فده معناه إنك كبرتي، وإنك أخيرًا وصلتي للمكان اللي خبّيت فيه الحقيقة.
أنا ما سبتكيش بإرادتي، وما كانش في يوم من الأيام في قلبي إني أبعد عنك.
في الليلة اللي اتولدتِ فيها، عرفت إن فيه ناس عايزة تحرمني من حقي، وتحرمني منك كمان. ولما حاولت أواجههم، اكتشفت إن الخطر جاي من أقرب الناس لينا.
أبوك حاول يحميكي، لكنه اضطر يبعدك عني مؤقتًا. واتفقنا إنك تفضلي معاه لحد ما الخطر يختفي.
لكن بعد أيام قليلة، اختفى أبوكي هو كمان، وما قدرتش أوصل لك.
ومن يومها وأنا بدور عليكي، وبحاول أحافظ على الدليل الوحيد اللي يثبت حقك.
لو وصلتي للجواب ده، يبقى لازم تعرفي إن الحقيقة مش موجودة في الورق بس.
الحقيقة موجودة في شخص واحد، لو اتكلم، كل الأسرار هتظهر.
اسمه...
وقفت عن القراءة فجأة.
الجزء الأخير من الجواب كان مقطوعًا، وكأن حد مزقه عمدًا.
قلبت الورقة، وبدأت أدور
متابعة القراءة