انا اخترت بناتي حكايات زيزي

لمحة نيوز

النسخة الأصلية.
وبعدها سكتت ثواني، وسمعتها بتتنهد.
ثم قالت جملة خلت عيني تتملي دموع
نفسي أحكي لجوزي كل حاجة، وأقوله إني خايفة... بس كل ما أبص في عينيه، ألاقيه فرحان ببناتنا، ومش عايزة أخلي أيامنا الأخيرة كلها خوف.
انتهى التسجيل.
فضلت واقف مكاني، حاسس إني سامع صوتها لأول مرة من يوم ما ماتت.
لكن عماد قال
ده مش آخر تسجيل. فيه واحد تاني، بس أنا مكنتش عايز أسمعه لوحدي.
فتح الملف التاني.
المرة دي، صوت ماري كان متوترًا شوية.
أنا النهارده قابلت الشخص اللي وعدني إنه هيراجع الورق. قاللي إن كل حاجة هتكون واضحة قبل الولادة، لكن لسه مستني نسخة من المستند الأصلي. أنا مش عارفة أصدقه ولا أقلق أكتر.
وبعدها سمعت صوت حركة، كأنها كانت بتقفل شنطتها.
ثم قالت
لو حصل لي أي حاجة، أرجوكم ما تحكمشوا على حد من التسجيل ده. أنا لسه معرفش الحقيقة كاملة.
التسجيل وقف.
بصيت لعماد وقلت
يعني حتى ماري نفسها ما كانتش متأكدة إن فيه حد ارتكب خطأ؟
رد
أيوه. وده أهم شيء لازم نفتكره وإحنا بندور على الإجابة.
تاني يوم، رحنا المستشفى.
الدكتور سامح استقبلنا في مكتبه، ولما عرف إن معانا الخطابات والتسجيلات، طلب يشوف كل حاجة.
فضل يقلب في الأوراق حوالي عشر دقايق من غير ما يتكلم.
وبعدين قال
أنا فاكر ماري كويس. كانت حريصة جدًا على متابعة حالتها، وكانت بتسأل عن كل تفصيلة. لكن لازم أوضح لكم إن الملف اللي عندي دلوقتي مش بالضرورة يكون فيه كل المستندات الورقية القديمة.
سألته
يعني إيه؟
قال
بعض المستندات كانت بتتحفظ في الأرشيف، وبعضها بيتسجل إلكترونيًا. عشان نعرف سبب اختلاف التاريخ، لازم نطلب النسخة الأصلية وسجل إدخال البيانات.
قلتله
طيب، نقدر نعمل ده؟
رد
أيوه، وأنا هساعدكم في طلب المراجعة.
لأول مرة من شهور، حسيت إن فيه طريق واضح بدل ما أفضل أدور وسط الاحتمالات.
لكن وأنا بجمع الورق، لاحظت إن الدكتور سامح بيبص لصورة ماري اللي كانت جوه الملف.
سألته
حضرتك كنت تعرف إنها سابت كل الرسائل دي؟
هز راسه.
لا. أنا كنت أعرف إنها قلقة من اختلاف التاريخ، لكن مكنتش أعرف إنها احتفظت بكل الملاحظات دي.
وبعدين فتح درج مكتبه، وطلع ورقة قديمة.
فيه حاجة كنت محتفظ بيها، وكنت فاكر إنها مجرد ملاحظة إدارية. لكن بعد ما شفت كلام ماري، أعتقد إنها تستحق المراجعة.
حط الورقة قدامنا.
كانت عبارة عن سجل لاستلام مستند، وعليه توقيع شخص وتاريخ محدد.
بصيت للاسم المكتوب، وقلبي بدأ يدق بسرعة.
الاسم كان اسم موظف في المستشفى، مش اسم الدكتور سامح.
عماد قرب من الورقة، وقال
أنا أعرف الاسم ده... ده كان مسؤول الأرشيف وقتها.
الدكتور سامح هز راسه.
بالضبط. وهو الشخص الوحيد اللي نقدر نعرف منه إمتى وصلت النسخة الأصلية، وإمتى اتضافت للملف.
سألته
وهو لسه شغال هنا؟
رد
لأ، خرج على المعاش من فترة. لكن المستشفى عندها بيانات التواصل الخاصة بيه، ونقدر نطلب منه إفادة رسمية.
خرجنا من مكتبه ومعانا نسخة من السجل، وبدأنا إجراءات طلب المراجعة.
كنت فاكر إن الخطوة دي هتخليني أرتاح، لكن وأنا واقف في الممر، موبايل عماد رن.
رد، وسمعناه بيقول
أيوه يا أمي... إحنا في المستشفى.
سكت شوية، وبعدها وشه اتغير.
إنتِ متأكدة؟ لقيتيه فين؟
قفل المكالمة وبصلي.
سألته بقلق
فيه إيه؟
قال
مامتنا كانت بترتب حاجات ماري القديمة، ولقت ظرفًا صغيرًا مخبيًّا جوه كتاب كانت بتحبه.
وبعدين طلع صورة بعتها له أمه على الموبايل.
كان الظرف مكتوب عليه
لزوجي... بعد ما يعرف الحقيقة كاملة.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
عماد كمل
أمي بتقول إن الظرف ده كان جوه كتاب ماري المفضل، والكتاب ده كان معاها في المستشفى يوم الولادة.
بصيت للصورة كويس، ولاحظت إن الظرف عليه تاريخ أحدث من كل التواريخ اللي شفناها قبل كده.
يعني ماري كتبته قبل الولادة بيوم واحد بس.
اتصلت بحماتي فورًا، وطلبت منها ما تفتحش الظرف لحد ما أوصل.
وبعد أقل من ساعة، كنا كلنا قاعدين في بيت حماتي، والظرف قدامنا على الترابيزة.
فتحته بإيدي، وطلعت منه ورقة واحدة.
كانت الرسالة قصيرة، لكن أول جملة فيها خلتني أحبس نفسي
حبيبي، أنا عرفت أخيرًا مين كان المفروض يقولك الحقيقة... لكن الشخص ده مش اللي إنت فاكره.
وتحت الجملة، ماري كتبت اسمًا.
اسم شخص كان موجود في حياتي كل يوم تقريبًا بعد وفاتها، وكان بيساعدني في تربية البنات، وبيحاول يخفف عني حزني.
رفعت عيني ببطء ناحية حماتي.
لأن الاسم المكتوب في الرسالة كان...
اسم أختي!
فضلت باصص للورقة، مش قادر أتكلم.
وأمي، اللي كانت قاعدة جنب حماتي، حطت إيدها على إيدي وقالت
يا ابني، قبل ما تظلم أختك، لازم تعرف هي عملت إيه فعلًا... لأن ماري كانت كاتبة في آخر الرسالة إنها سامحتها.
يتبع...
فضلت باصص للرسالة اللي في إيدي، ومش قادر أستوعب اللي قريته.
أختي؟! إيه علاقة أختي بموت مراتي؟ وليه ماري كتبت إنها سامحتها؟
بصيت لأمي وقلت بصوت مهزوز
أنا مش هتهم حد، بس لازم أفهم. أختي عملت إيه؟
حماتي مسحت دموعها وقالت
اقرأ باقي الرسالة يا ابني، ماري سايبة لك الحقيقة كلها.
فردت الورقة، ولقيت باقي الكلام مكتوب بخط ماري اللي كنت بحبه.
حبيبي، لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا مقدرتش أحكيلك بنفسي. عارفة إنك هتدور على سبب، ويمكن تلوم نفسك، ويمكن تلوم ناس تانية، بس أرجوك اسمعني للآخر.
أختك عرفت قبل الولادة إني كنت خايفة من نتيجة بعض الفحوصات، وإن فيه اختلاف في تاريخ مكتوب في الملف الطبي. هي عرفت بالصدفة، لما كانت بتساعدني أرتب أوراقي، وطلبت مني ما أخبيش عنك حاجة.
أنا اللي طلبت منها تستنى، مش لأنها كانت عايزة تضرني، لكن لأني كنت مستنية مراجعة المستندات، ومكنتش عايزة أخوفك بحاجة لسه مش مفهومة. ولما عرفت إنك ممكن تعرف جزء من الموضوع وتفهمه غلط، اتكلمت معاك أختك، لكنك كنت وقتها منهار من القلق على الولادة، فقررت إنها تستنى لحد ما يكون عندنا تفسير واضح.
وقفت عن القراءة، وبصيت لأختي اللي كانت واقفة عند باب الأوضة ودموعها بتنزل.
قلت لها
إنتِ كنتِ عارفة؟
قربت مني وهي بتعيط.
كنت عارفة إن ماري قلقة، لكن مكنتش عارفة إنها هتموت. والله يا أخويا ما كنت أعرف إن الولادة هتنتهي بالشكل ده. أنا حاولت أقنعها تقولك، وهي قالتلي إنها هتشرح لك بنفسها بعد ما تطمن على البنات.
صوتها اتكسر وهي بتكمل
بعد وفاة ماري، فضلت ساكتة عشان هي طلبت مني ما أقولش حاجة قبل ما نعرف الحقيقة، وعشان كنت خايفة أزود وجعك. بس كل يوم كنت بحس إني بخون ثقتها.
قعدت على الكرسي، وحطيت إيدي على وشي.
سنين وأنا بسأل نفسي لو كنت اخترت مراتي بدل بناتي، كان ممكن تعيش؟
السؤال ده كان بيقتلني كل ليلة.
لكن الرسالة كانت لسه مكملة.
أنا مش بلومك على اختيارك يا حبيبي. إنت كنت في أصعب لحظة ممكن إنسان يعيشها، وكنت بتحاول تنقذ أسرتك. محدش يقدر يضمن لنا إن اختيارًا تاني كان هيغيّر النتيجة. أنا مش عايزاك تقضي عمرك تعاقب نفسك على قرار اتاخد وسط الخوف والألم.
انهرت في العياط.
كنت فاكر إن ماري ماتت وهي شايلة جواها عتاب ليا، وإن آخر لحظاتها كانت مليانة غضب مني.
لكن الحقيقة إنها كانت بتحاول تحميني من ذنب أنا اللي صنعته لنفسي.
حماتي قربت مني وقالت
بنتي كانت بتحبك، وكانت عارفة إنك هتفضل تلوم نفسك. عشان كده سابت لك الكلام ده.
مسحت دموعي وكملت قراءة آخر جزء من الرسالة.
أما موضوع اختلاف التاريخ في الملف، فأنا طلبت مراجعته لأن عندي أسئلة محتاجة إجابات. مش عشان أتهم الدكتور سامح، ولا عشان أقول إن حد تسبب في اللي حصل. عايزة أعرف الحقيقة، حتى لو كانت مجرد غلطة في التسجيل أو تأخير في وصول معلومة.
لو لسه فيه فرصة تعرف الحقيقة بعدي، اعرفها بهدوء. ولو اكتشفت إن حد أخطأ، خليه يتحاسب بالطريقة الصح، مش بالشك والاتهامات.
وأهم حاجة يا حبيبي، خلي بناتنا يكبروا وهم عارفين إن أبوهم حب أمهم، وإن أمهم كانت بتحبهم أكتر من أي حاجة في الدنيا.
ما تخليش موتي يحرمهم من أبوهم وهو عايش.
بحبك.
ماري.
بعد أسبوعين، وصلت نتيجة مراجعة الملف الطبي.
المراجعة وضحت إن فيه اختلافًا في تسجيل أحد التواريخ، وإن نسخة من المستند اتضافت للملف الإلكتروني بعد تاريخ كتابتها الأصلي. لكن الأدلة المتاحة ما أثبتتش إن الاختلاف ده كان سببًا في وفاة ماري، ولا إن فيه حد تعمد إخفاء معلومة عننا.
طلبنا مراجعة إضافية للسجلات، وقدمت المستشفى تقريرها الرسمي، واحتفظنا بكل المستندات لو احتجنا نرجع لها قانونيًا.
أما الدكتور سامح، ففضل متعاون معانا، وأكد إنه مستعد يجاوب عن أي سؤال في حدود السجلات الموجودة.
مقدرتش أعرف كل تفصيلة كانت في عقل ماري قبل ما تموت، لكن عرفت حاجة أهم مش كل سؤال من غير إجابة معناه إن فيه شخص مذنب، ومش كل خطأ في ورقة دليل على إن الخطأ ده هو اللي تسبب في الفاجعة.
وأختي؟ سامحتها، مش لأنها كانت معصومة من الخطأ، لكن لأنها اعترفت إنها خافت واتخذت قرارًا ما كانش المفروض تاخده لوحدها. واتفقنا إن أي حاجة تخص البنات أو تخص الأسرة، لازم نتكلم فيها بصراحة من غير ما نخبي عن بعض.
مرت شهور، والبنات كبروا شوية، وبقوا يسألوني عن مامتهم كل يوم تقريبًا.
وفي يوم عيد ميلادهم، طلعت صور ماري القديمة، وقعدنا نتفرج عليها سوا.
واحدة من بناتي سألتني
بابا، ماما كانت بتحبنا؟
ابتسمت وسط دموعي وقلت
كانت بتحبكم أكتر ما تتخيلوا.
سألتني التانية
طب هي راحت فين؟
حضنتهم وقلت
ماما مش موجودة معانا بجسمها، بس حبها لينا هيفضل عايش جوانا. وكل ما نعمل حاجة حلوة، هنفتكر إنها كانت هتفرح بينا.
في الليلة دي، بعد ما ناموا، فتحت رسالة ماري للمرة الأخيرة.
كنت محتفظ بيها جنب صورها، وكل ما الذنب يرجع يخنقني، أقرأ كلماتها.
ولأول مرة، قدرت أقول لنفسي من غير ما أحس إني بخون ذكراها
أنا عملت اللي قدرت عليه في لحظة كنت فاكر فيها إني بحمي عيلتي. ومش هقدر أرجع الزمن، لكن أقدر أحافظ على البنات اللي ماري ضحت بكل حاجة عشانهم.
قفلت الرسالة، وبصيت لصورتها.
سامحيني يا ماري إني اتأخرت أفهم إنك كنتِ بتسامحيني من البداية.
وبعدها دخلت أطمن على بناتي، وقررت إني مش هربيهم على الحزن، ولا هخليهم يحسوا إن وجودهم كان سبب في غياب أمهم.
هحكيلهم عن ضحكتها، وطيبتها، وعن حبها ليهم، وعن البيت اللي كانت بتحلم إنهم يكبروا فيه وهما حاسين بالأمان.
ومن يومها فهمت إن أصعب حاجة في الفقد مش إنك تودّع الشخص اللي بتحبه، لكن إنك تفضل تعاقب نفسك بعد رحيله، وتنسى إن اللي راح كان نفسه يشوفك بتكمل حياتك.
ماري سابت لي بنتين، ورسالة، وأسئلة ملهاش كلها إجابات.
لكنها سابت لي كمان وصية واضحة أحب بناتي، وأحافظ عليهم، وما أسمحش للندم إنه يسرق مني العمر اللي لسه باقي.
وده كان الوعد اللي قدرت أوفيه لها.

تم نسخ الرابط