كنت هحرر مخالفة حكايات مشيرة محمد
وصلتنا رسالة جديدة من الرقم المجهول.
كانت صورة حديثة للحاجة فاطمة، قاعدة في شباك بيتها.
وتحت الصورة مكتوب
لو قابلتوها، مش هتعرفوا الحقيقة أبدًا... لأنها مش هتقدر تحكيلكم كل حاجة.
بصيت لمروان، ولأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
مش خوف على نفسه.
خوف من إننا نكون قربنا من الحقيقة أخيرًا...
لكن الشخص اللي مخبيها مستعد يعمل أي حاجة عشان تفضل مدفونة.
وفي اللحظة دي، جالنا اتصال من المستشفى.
كانت الممرضة بتتكلم بسرعة
أستاذ مروان، لازم ترجع فورًا! فيه سيدة وصلت بتقول إنها قريبة ليلى، وبتطلب تشوفها، ومعاها مستندات بتخص والدتها.
مروان سألها
اسمها إيه؟
الممرضة ردت
بتقول إن اسمها نورهان عادل منصور.
مروان اتجمد.
لأن نورهان، أم ليلى، ماتت من سبع سنين.
فمين الست اللي دخلت المستشفى باسمها؟
رجعت أنا ومروان المستشفى بأقصى سرعة، وعقله مش قادر يستوعب اللي سمعه.
نورهان ماتت من سبع سنين!
إزاي فيه واحدة داخلة المستشفى باسمها، وبتطلب تشوف ليلى؟
أول ما وصلنا، لقينا مسؤول الأمن واقف قدام مكتب الاستقبال، وجنبه ست في أواخر الخمسينات، لابسة إسدال كحلي، وحاطة نظارة كبيرة على عينيها.
كانت ماسكة شنطة جلد قديمة، وإيديها بتترعش.
مروان قرب منها وقال بحدة
إنتِ مين؟ وإيه حكاية إنك جاية باسم مراتي؟
الست شالت النظارة ببطء، وبصت له.
أنا مش نورهان يا مروان... أنا أمها.
مروان رجع خطوة لورا.
الحاجة فاطمة؟!
هزت راسها، والدموع بدأت تنزل من عينيها.
أيوه يا ابني. أنا الحاجة فاطمة، أم نورهان، والست اللي سابت بنتها تواجه مصيرها لوحدها، وسكتت سنين عن حق كان لازم أقوله من زمان.
مروان كان غضبان لدرجة إن صوته بقى بيرتعش.
إنتِ كنتِ فين طول السنين دي؟! بنتي كانت بتتعب قدامي، وأنا بلف بيها على المستشفيات، وإنتِ عايشة وعارفة إن فيه أسرار تخص أمها وأبوها!
الحاجة فاطمة وطت راسها وقالت
عارفة إن مفيش عذر للي عملته. بس أنا كنت خايفة... والخوف خلاني أعمل غلطة عمري.
وبعدين طلعت من شنطتها ظرفًا قديمًا، ومدته لمروان.
ده فيه شهادة الميلاد الأصلية، وصورة من أوراق المستشفى، وخطاب كتبته نورهان قبل ما تموت.
مروان فتح الظرف، وبدأ يقلب الأوراق.
وفجأة وقف عند شهادة الميلاد.
كانت بتوضح إن نورهان أنجبت طفلًا قبل زواجها من مروان بسنين، وإن اسم الأب في النسخة الأصلية كان مختلفًا عن الاسم اللي اتسجل بعد كده في بعض الأوراق.
لكن مفيش مستند موثوق يثبت إن الطفل ده هو نفسه الشخص اللي اتكلم عنه المجهول، أو إن فيه تبديل متعمد للهوية.
مروان رفع عينيه للحاجة فاطمة.
أنا مش عايز تلميحات تاني. عايز أعرف الحقيقة كاملة.
الست مسحت دموعها وقالت
الحقيقة إن عادل كان بيحاول يحمي طفل من مشكلة كبيرة حصلت بين عيلتكم، وإن أبوك وفؤاد الشربيني اتدخلوا عشان يمنعوا الفضيحة من الخروج. لكن أنا ماعرفش كل التفاصيل، وعادل اختفى قبل ما يقدر يحكيلي كل حاجة.
سألتها وأنا واقفة جنب مروان
طيب ليه اسم آية مكتوب في المخزن؟ وليه فؤاد كان بيدور عليها؟
الحاجة فاطمة بصتلي طويلًا، وبعدها قالت
لأن آية كانت آخر شاهدة شافت عادل ليلة الحريق، وكان ممكن شهادتها تثبت إنه خرج من العمارة ومعاه طفل تاني.
حسيت إن كل الذكريات القديمة رجعت مرة واحدة.
الدخان.
النار.
إيد عادل اللي كانت ماسكة إيدي.
والصوت اللي سمعته بينادي على مروان.
سألتها
هو عادل مات فعلًا؟
الست سكتت، وبعدها قالت
أنا ماعنديش دليل إنه مات، ولا عندي دليل إنه عايش. كل اللي أعرفه إنه اختفى، وإن فيه ناس كانت مصممة تخلي اختفاؤه يبدو كأنه وفاة مؤكدة.
مروان قعد على الكرسي وحط وشه بين إيديه.
كل اللي كان محتاجه هو إجابة واحدة أخوه مات ولا لسه عايش؟
لكن بدل الإجابة، اكتشف إن حياته كلها مليانة أسئلة.
في اللحظة دي، خرج الدكتور من غرفة ليلى.
مروان قام بسرعة.
بنتي عاملة إيه يا دكتور؟
الدكتور طمنه إن ليلى مستقرة في الوقت الحالي، وإن الفريق الطبي بيستكمل الفحوصات المطلوبة لتحديد أنسب خطة علاج، وإن أي حديث عن متبرع لازم يعتمد على نتائج طبية موثقة، مش على أوراق قديمة أو مكالمات مجهولة.
وبعدين قال
وفيه حاجة مهمة لازم تعرفها. مفيش أي دليل طبي عندنا يثبت إن الرجل اللي اتصل بيك هو والد ليلى، ولا إن الملف اللي لقيته له علاقة مباشرة بعلاجها.
مروان تنفس بعمق.
لأول مرة من ساعات، بدأ يفهم إن اللي بيحصل حواليه ممكن يكون محاولة لتشتيته واستغلال خوفه على بنته.
بص للحاجة فاطمة وقال
أنا هسلّم كل الأوراق للجهات المختصة، وهطلب مراجعة رسمية لكل حاجة. لكن من النهارده، محدش هيهدد بنتي، ومحدش هيستخدم مرضها عشان يجبرني أعمل حاجة.
هزت الست راسها، وقالت
معاك حق يا ابني.
وبعدين مدت إيدها ليا، ومسكَت إيدي بإيديها المرتعشة.
وإنتِ يا آية، سامحيني. كان لازم أتكلم من زمان.
بصيت لها وقلت
أنا مش هقدر أسامح حد قبل ما أعرف الحقيقة كاملة. لكن هساعد إن الحقيقة تظهر، ومش هسمح إن ليلى تدفع تمن أخطاء الكبار.
مرت أيام، وبدأ التحقيق الرسمي في الأوراق القديمة، والتهديدات اللي وصلت لمروان، والملفات المتعلقة بحريق شبرا.
وبمراجعة المستندات وسجلات المستشفى القديمة، ظهرت مخالفات فعلية في بعض البيانات، واتضح إن فيه أوراق اتعدلت من غير تفسير واضح.
أما فؤاد الشربيني، فتم استدعاؤه لسماع أقواله بخصوص المستندات، لكنه أنكر إنه شارك في إخفاء أي شخص أو تغيير هويته، وطلب فحص الأوراق قبل اتهامه.
وفي وسط كل ده، مروان ما سابش ليلى لحظة.
كان بيروح شغله لما يقدر، ويرجع يقعد جنبها، ويتابع مواعيدها وفحوصاتها.
ومع الوقت، الأطباء قدروا يحددوا خطة العلاج المناسبة لحالتها بناءً على نتائج الفحوصات، من غير ما يعتمدوا على الادعاءات اللي ظهرت في الملف القديم.
أما أنا، فكنت بتابع التحقيق بصفتي شاهدة على الحريق، وبحاول أساعدهم أفتكر كل تفصيلة من الليلة اللي اتغيرت فيها حياتي.
لحد ما جه اليوم اللي وصل فيه خطاب رسمي لمروان.
كان فيه تقرير موثق بيأكد إن المستندات اللي لقيناها مش كفاية لإثبات مصير عادل، وإن التحقيق لسه مفتوح.
مروان قرا التقرير، وبعدها طواه وحطه في درج مكتبه.
سألته
مش هتكمل تدور عليه؟
بص من الشباك وقال
هكمل، بس مش هعيش عمري كله مستني إجابة يمكن تيجي ويمكن لأ. عندي بنت محتاجاني، وعندي حياة لازم أعيشها.
وبعدين بصلي وابتسم ابتسامة صغيرة.
على فكرة، أنا عمري ما شكرتك على اللي عملتيه يوم المخالفة.
ضحكت وقلتله
إنت اللي أنقذت حياتي من 12 سنة. أنا بس حاولت أردلك جزء من الجميل.
هز راسه وقال
يمكن إحنا الاتنين اتقابلنا في الوقت اللي كنا محتاجين فيه حد يقف جنبنا.
بعد شهور، بدأت حالة ليلى تتحسن تدريجيًا مع العلاج والمتابعة الطبية.
وفي يوم، كنت داخلة أزورها، لقيتها قاعدة على السرير بترسم.
رفعت الرسمة ناحيتي وقالت
بصي يا طنط آية، دي رسمة بابا، ودي رسمة عمو عادل، ودي إنتِ.
ضحكت وسألتها
طب هو عمو عادل شكله عامل إزاي؟
ليلى أشارت للرسمة.
مش عارفة، أنا رسمته زي ما تخيلته.
قرب مروان مننا، وبص للرسمة طويلًا.
وبعدين قال
يا رب تكون بخير، في أي مكان.
في اللحظة دي، الممرضة دخلت وسلمت مروان ظرفًا صغيرًا، وقالت إن مندوبًا تركه عند الاستقبال من غير ما يسيب اسمه.
مروان فتح الظرف.
جواه صورة حديثة لراجل واقف قدام محطة قطار، ووشه مش واضح بالكامل.
لكن عند صدغه الشمال كانت فيه ندبة رفيعة.
وفي ضهر الصورة، مكتوب بخط اليد
أنا لسه فاكر ليلة الحريق... ولسه فاكر وعدي ليك.
مروان فضل باصص للصورة، وإيده بتترعش.
قلبها مرة تانية، يمكن يلاقي اسم أو عنوان أو أي دليل.
لكن مفيش حاجة.
بصلي وقال
آية... تتخيلي يكون عادل؟
بصيت للصورة، وبعدها لليلى اللي كانت بتضحك وهي بتلوّن رسوماتها.
وقلتله
مش هقدر أقولك إنه هو من غير دليل. لكن لو فيه احتمال، هنحاول نعرف الحقيقة بالطريقة الصح.
مروان حط الصورة في الظرف، وابتسم ابتسامة فيها أمل وخوف في نفس الوقت.
وبعدين رجع قعد جنب بنته.
في اللحظة دي فهمت إن رد الجميل مش معناه إننا ننقذ حد مرة واحدة ونمشي، لكنه معناه إننا نقف جنبه لما الدنيا تضيق عليه، ونساعده يلاقي طريقه حتى لو الإجابات مش كاملة.
أنا أنقذت مروان من مخالفة في يوم كان خايف فيه على بنته، وهو من 12 سنة أنقذني من حريق كان ممكن ينهي حياتي.
أما سر عادل، ففضل مفتوحًا، لحد ما يظهر دليل حقيقي يكشف مصيره.
لأن مش كل حكاية لازم تنتهي بإجابة... أحيانًا النهاية الحقيقية بتكون إننا نختار نعيش، ونحمي اللي بنحبهم، ونسيب باب الحقيقة مفتوحًا لحد ما ييجي وقتها.