عربيته الفخمة حكايات زيزي
عربيته الفخمة عطلت في طريق ترابي، وطفل غلبان صلّحها بدولارين بس واللي حصل بعدها غيّر حياة الاتنين للأبد!
الملياردير كان خسر طيارة، وقميصه الأبيض الغالي اتبهدل، وموبايله فصل ومبقاش فيه شبكة، وهو من كتر عصبيته فضل يزعق فيه لحد ما اكتشف الحقيقة اللي عمره ما كان يتخيلها!
أغنى وأقوى راجل في عالمه، واقف عاجز ومش عارف يعمل أي حاجة، في طريق ترابي مقطوع في ولاية ألاباما الأمريكية!
كان ويندل هايز واقف جنب عربيته السودا الفخمة، في حر نار، ورافع الكبوت وباصص للموتور، كأنه مستني الفلوس تتحول فجأة لخبرة في تصليح العربيات!
بس طبعًا ده محصلش!
الموتور مات خالص.
التابلوه مطفي.
التكييف فصل.
الموبايل مفيهوش شبكة.
الطريق اللي وراه فاضي، والطريق اللي قدامه فاضي، ومفيش بني آدم واحد باين في المكان.
وكل اللي كان بيتحرك على امتداد الطريق هو التراب الأحمر اللي الهوا بيطيره وسط الحشائش الناشفة.
ويندل كان راجل عصامي، بدأ شركة هايز للطاقة المتجددة من الصفر، بمساعدة شخص واحد بس، في مكتب صغير في بروكلين.
ومع السنين، شركته كبرت لحد ما بقت قيمتها أكتر من 3 مليارات دولار!
بقى عنده مكاتب في نيويورك ودالاس ولندن وسنغافورة.
وشقة فخمة بتطل على سنترال بارك.
وبيت على شاطئ ماليبو.
وشيف خاص حافظ هو بيحب قهوته إزاي بالظبط.
لكن هنا، في طريق مقطوع بره بلدة باين هولو في ألاباما، كل الفلوس دي ما كانتش نافعة في أي حاجة!
عربيته مش راضية تدور.
السواق بتاعه بعيد عنه 3 ساعات.
مساعده مش بيرد عليه.
ولأول مرة من سنين، ويندل هايز يلاقي نفسه قدام مشكلة مش عارف يحلها بمكالمة تليفون، ولا حتى بشيك بمليون دولار!
وفجأة، سمع صوت خطوات جاية من بعيد.
لف، فشاف ولد صغير ماشي وسط الحر، وشايل كيس بلاستيك في إيده.
كان نحيف، وعنده حوالي 13 سنة.
لابس تيشيرت رمادي باهت، وبنطلون جينز لونه رايح من عند الركب، وشبشب مطاط رخيص مداس من كتر المشي.
أما إيديه، فكانت مليانة شحم وزيوت، كأنها عمرها ما هتنضف مهما غسلها.
الولد وقف على بُعد كام متر من العربية، وبص للكبوت المفتوح.
وبعدين قال بأدب
بعد إذنك يا بيه، العربية فيها مشكلة؟
ويندل بص له وقال بضيق
أيوه، الموتور وقف خالص. تعرف حد هنا بيفهم في تصليح العربيات؟
الولد هز راسه وقال بكل هدوء
أنا اللي بصلّح الحاجات يا بيه.
ويندل كان هيضحك من كلامه.
يعني إيه عيل صغير هو اللي هيصلّح العربية دي؟!
العربية اللي واقفة قدامه تمنها أغلى من بيوت كتير في المنطقة كلها!
لكن الغريب إن الولد ما اهتمش بفخامة العربية، ولا بالكراسي الجلد، ولا بأي حاجة من الحاجات اللي الناس عادةً بتنبهر بيها.
كل اللي كان شاغل باله هو الموتور.
فضل يبص عليه ويركز في تفاصيله، من غير ما يلمس حاجة.
كأنه بيحاول يفهم العربية بتقوله إيه!
ويندل سأله
اسمك إيه يا ابني؟
جيلين تيت يا بيه.
وإنت متأكد إنك تقدر تعرف مالها؟
جيلين حط الكيس البلاستيك على الأرض بالراحة، وقرّب من العربية.
في الأول، ما لمسش أي حاجة.
فضل يتأمل الموتور، ويتابع الأسلاك بعينيه، ويركز في كل تفصيلة صغيرة.
ويندل كان شاف النظرة دي قبل كده
مش في عيون الأطفال، لكن في عيون المهندسين الشاطرين اللي اشتغلوا معاه في شركته!
وفجأة، الولد رفع راسه وسأل
يا بيه، لما العربية وقفت، كل لمبات التحذير نورت مرة واحدة؟
ويندل بص له باستغراب.
أيوه!
جيلين كمل أسئلته
وقبل ما الموتور يفصل، سمعت صوت طحن؟ وبعدها العربية بطلت فجأة، كأن الكمبيوتر هو اللي أمرها تقف؟
ويندل اتعدل في وقفته، وبص للولد بتركيز شديد.
أيوه بالظبط! إنت عرفت إزاي؟!
جيلين هز راسه وقال بثقة
أنا مش شايف إن الموتور نفسه بايظ يا بيه. أنا شايف إن العربية فاكرة إن فيه مشكلة في الموتور!
ويندل عقد حواجبه وقال
يعني إيه الكلام ده؟!
الولد رد ببساطة
يعني فيه حساس بيدي معلومات غلط، فالعربية بتفصل نفسها عشان تحمي الموتور!
بعد 3 دقايق بس، جيلين رجع ومعاه كيس قماش صغير.
ولما فتحه، ويندل شاف جواه شوية حاجات بسيطة جدًا قطعة سلك نحاس، ووصلة عاملها الولد بإيده، وورق صنفرة، وشريط كهربا، وفرشة سلك صغيرة.
كل الأدوات دي تمنها ما يكملش دولارين!
جيلين قرّب من الجزء الخلفي للموتور، ومد إيده ناحية سلك صغير، وقال
أهو، حساس موضع عمود الكرنك. لو الإشارة اللي طالعة منه قطعت، العربية ممكن تفصل خالص.
ويندل فضل باصص له بعدم تصديق.
وبعدين سأله
إنت اتعلمت الكلام ده كله فين؟!
جيلين رد وهو بيشتغل
من الكتب، ومن الفيديوهات اللي بتشتغل لما أروح المكتبة وألاقي واي فاي. وأغلب الوقت بتعلم لما أكسر حاجة وأحاول أصلّحها تاني.
بدأ الولد ينضف السلك، واكتشف مكان التوصيلة اللي فيها قطع.
قشّر طرف السلك، ووصل الأجزاء ببعض، ولف عليها شريط الكهربا، وثبّت كل حاجة بإيد ثابتة وهادية.
كان بيتصرف كأنه بيصلّح لعبة صغيرة، مش عربية فخمة تمنها بمئات الآلاف!
وبعد 8 دقايق بس، رجع خطوة لورا وقال
جرّب تدورها دلوقتي يا بيه.
ويندل ركب العربية، وضغط على زر التشغيل.
وفجأة
الموتور اشتغل!
التكييف رجع ينفخ هوا ساقع.
التابلوه نور.
والموسيقى اشتغلت من السماعات، كأن مفيش أي حاجة حصلت من الأساس!
ويندل نزل من العربية ببطء، وبص للولد وهو مش مصدق نفسه.
إنت صلّحتها فعلًا؟!
جيلين هز راسه وقال
أيوه يا بيه، كان مجرد سلك مفصول وتوصيلة وحشة.
ويندل بص له بذهول.
مجرد سلك؟!
الولد هز كتافه وقال جملة فضلت ترن في ودن ويندل فترة طويلة
أغلب الحاجات اللي بتبوظ، بيكون ناقصها توصيلة واحدة سليمة عشان ترجع تشتغل تاني!
ويندل سكت لحظة، وبعدين طلع محفظته من جيبه.
طيب، حقك كام يا ابني؟
جيلين اتكسف شوية، وبعدين قال
دولارين يا بيه.
ويندل افتكر إنه مسمعش كويس.
إيه؟! دولارين بس؟!
أيوه، تمن الشريط والسلك اللي استخدمتهم.
ويندل فتح محفظته وطلع 500 دولار، ومد إيده بيهم للولد.
لكن جيلين رجع لورا فورًا وقال
لأ يا بيه، مش عايز!
ويندل استغرب.
إنت صلّحت عربية تمنها أكتر من اللي ميكانيكيين كتير هنا ممكن يشوفوه في حياتهم كلها، ورافض تاخد الفلوس دي؟!
جيلين بص للكيس البلاستيك اللي كان حاطه على الأرض، وقال بإصرار
أنا قلتلك دولارين يا بيه.
ويندل سأله
طب ليه مصرّ على دولارين بس؟!
الولد رد ببساطة
عشان ده تمن اللي استخدمته!
ويندل فضل يتأمله، وبعدين عينه وقعت على الكيس البلاستيك.
كان جواه رغيف عيش، وعلبة فاصوليا، وزجاجة دوا صغيرة.
وكان فيه إيصال مشتريات، والمبلغ الإجمالي متعلم عليه بدائرة حمرا.
جيلين حاول يلم الإيصال بسرعة ويحطه جوه الكيس، لكن بعد فوات الأوان.
ويندل كان لمح كلمتين مكتوبين عليه
المبلغ مستحق إنذار أخير.
في اللحظة دي، الملياردير بطل يشوف جيلين باعتباره مجرد طفل فقير بيعرف يصلّح العربيات.
بدأ يشوف قدامه عقل عبقري، محدش اهتم يساعده، ولا اداله فرصة حقيقية يثبت نفسه.
طفل عنده موهبة ممكن تساوي ملايين، لكنه واقف في طريق ترابي، وبيحاول يدبّر تمن أكله ودواء بيته!
ويندل بص للولد، ولما جيلين لف عشان يمشي، ناداه وقال له الجملة اللي غيّرت حياتهم هما الاتنين
يا جيلين، إيه رأيك تيجي تبني حاجة أكبر بكتير من مجرد مواتير العربيات؟!
جيلين وقف مكانه، ولف له ببطء.
ما كانش يعرف إن السؤال ده ممكن يكون بداية حياة جديدة تمامًا.
لكن ويندل نفسه ما كانش يعرف إن الولد اللي قدامه هيكتشف سر هيخلّيه يعيد التفكير في كل حاجة كان فاكر إنه فاهمها عن النجاح والفلوس والعبقرية!
يا ترى إيه حكاية الدوا اللي كانت أم جيلين محتاجاه؟ وليه الولد الصغير كان مضطر يصلّح حاجات في ورشة متهالكة عشان يساعد أسرته؟ وإيه الاختراع اللي كان بيطوّره في الورشة دي، واللي ممكن ينقذ شركة ويندل كلها من كارثة كبيرة؟! ووو
حكايات_زيزي
ويندل فضل باصص لجيلين، مستني يسمع منه أي رد، لكن الولد كان واقف متردد، كأنه خايف يصدق إن فيه حد ممكن يفتح له باب كان طول عمره مقفول في وشه.
جيلين سأل بصوت واطي
يعني إيه أبني حاجة أكبر من مواتير العربيات يا بيه؟
ويندل ابتسم وقاله
يعني أنا عندي شركة كبيرة، وفيها مهندسين بيصرفوا ملايين الدولارات عشان يحلوا مشاكل ساعات بتكون أبسط مما نتخيل. وإنت قدرت تصلّح عربيتي بأدوات تمنها دولارين. أنا عايز أفهم إنت بتفكر إزاي، وعايز أديك فرصة تثبت فيها نفسك.
جيلين نزل عينه للأرض، وفضل ساكت شوية، وبعدها قال
أنا مقدّر كلامك يا بيه، بس مينفعش أمشي معاك دلوقتي.
ويندل استغرب.
ليه؟ عندك حاجة مستعجلة؟
الولد مسك الكيس البلاستيك وقال
أمي مستنياني في البيت، ولازم أرجع لها الدوا قبل ما الصيدلية تقفل.
ويندل بص للزجاجة الصغيرة اللي كانت باينة من الكيس، وسأله
أمك تعبانة؟
جيلين هز راسه، وحاول يغير الموضوع.
هي محتاجة ترتاح بس يا بيه.
لكن ويندل لاحظ إن عينيه اتمَلوا بالدموع، وإنه بيحاول يخبيها بكل قوته.
ما ضغطش عليه بأسئلة، لكنه فتح باب العربية وطلع زجاجة مية باردة، وادهاله.
خد، اشرب الأول. الحر النهارده مش طبيعي.
جيلين أخد المية وشكره، وشرب كام رشفة، وبعدين رجّع الغطا بإحكام، وحط الزجاجة في الكيس جنب الدوا، كأنه بيحافظ على كل حاجة عنده مهما كانت بسيطة.
التصرف ده لفت نظر ويندل.
حتى المية اللي اتقدمت له مجانًا، كان بيتعامل معاها كأنها حاجة غالية لازم يحافظ عليها.
ويندل سأله
إنت ساكن بعيد من هنا؟
حوالي ميلين يا بيه، ورا التل اللي هناك.
وبتشتغل في تصليح العربيات طول اليوم؟
جيلين ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
مش طول اليوم. أنا بساعد في ورشة قديمة بتاعة واحد اسمه العم فرانك. بس لما مبيكونش فيه شغل، بروح المكتبة أقرأ.
وإنت في المدرسة؟
الولد سكت لحظة، وبعدين رد
كنت بروح.
ويندل حس إن فيه حكاية ورا الكلمتين دول، لكنه قبل ما يسأله، جيلين بص لساعته القديمة وقال بسرعة
لازم أمشي يا بيه، اتأخرت على أمي.
ويندل مد إيده وطلع كارت من محفظته.
خد الكارت ده. عليه رقمي الشخصي. لو احتجت أي حاجة، كلمني بنفسك.
جيلين أخد الكارت، وقلبه بين صوابعه، وبعدين حطه في جيبه بحرص.
لكن قبل ما يمشي، وقف فجأة ولف لويندل.
يا بيه، ممكن أسألك سؤال؟
طبعًا.
إنت عندك مصانع بتستخدم بطاريات كبيرة، صح؟
ويندل عقد حواجبه باستغراب.
أيوه، عندنا مصانع ومشروعات لتخزين الطاقة. إيه علاقة ده بالموضوع؟
جيلين بص حواليه، وكأنه بيتأكد إن مفيش حد سامعهم، وبعدها قال
لو عندك بطارية بتسخن زيادة، وبتفقد طاقتها بسرعة، وبتحتاج تتغير قبل معادها بكتير إنت بتعمل فيها إيه؟
ويندل رد
بنبعت تقارير للفريق الهندسي، وبيحددوا سبب المشكلة. ليه بتسأل؟
الولد اتردد، وبعدها قال جملة خلت ابتسامة ويندل تختفي تمامًا
عشان أنا عندي طريقة ممكن تخلي البطارية تعيش وقت أطول بكتير، بس محدش راضي يسمعني!
ويندل قرب منه خطوة.
إنت بتقول إيه يا جيلين؟!
جيلين طلع من جيبه ورقة مطوية بعناية، أطرافها متكرمشة من كتر ما فتحها وقفلها.
فردها على كبوت العربية.
كانت الورقة مليانة رسومات، وأرقام، وحسابات مكتوبة بخط صغير، ومعاها رسمة لتوصيلات كهربائية وترتيب مختلف لخلايا البطارية.
ويندل بص للورقة في البداية على إنها مجرد محاولات طفل بيحب يفك ويركب الأجهزة.
لكن بعد ثواني، ملامحه اتغيرت.
كان فيه تفصيلة في الرسم شبه مشكلة شركته بتحاول تحلها من شهور!
رفع عينه لجيلين وسأله
مين اللي رسم الكلام ده؟
الولد رد
أنا.
وإنت فاهم كل الأرقام دي؟
أيوه يا بيه. جربت الفكرة على بطاريات قديمة في الورشة. مش كل التجارب نجحت، بس فيه طريقة منهم خلت البطارية تحتفظ بشحنتها مدة أطول.
ويندل رجع يبص للورقة، وبدأ يسأله عن طريقة التوصيل، وعن الحرارة، وعن سبب فقد الطاقة.
والأغرب إن جيلين ما كانش بيرد بكلام محفوظ من فيديو شافه على الإنترنت.
كان بيشرح فكرته، ويعترف بالأجزاء اللي لسه مش فاهمها، ويقول إيه اللي نجح وإيه اللي فشل في تجاربه.
ويندل كان عنده عشرات المهندسين اللي بيقدموا له عروض بمئات الصفحات، لكن قليل جدًا منهم كان بيعرف يشرح فكرته بالوضوح ده.
وفجأة، موبايله رجع اشتغل بعد ما العربية دارت، ووصلت له مكالمات ورسائل كتير متراكمة.
من بينها رسالة من مدير العمليات في شركته، مكتوب فيها
محتاجين حضرتك ترجع فورًا. نتائج اختبار البطاريات الأخير أسوأ من المتوقع، وفيه خطر إننا نخسر عقد التوريد الجديد لو ملقيناش حل خلال أسبوعين.
ويندل قرأ الرسالة مرتين.
وبعدين بص للرسمة اللي قدامه.
وبعدين بص لجيلين.
هل ممكن يكون الطفل اللي واقف قدامه هو نفسه الشخص اللي شركته محتاجة تسمعه قبل فوات الأوان؟
ويندل رفع راسه وقال بحسم
يا جيلين، أنا عايز أشوف الورشة اللي بتشتغل فيها، وعايز أشوف البطارية اللي جربت عليها فكرتك.
جيلين اتوتر فورًا.
لأ يا بيه، الورشة مش بتاعتي، ومش هينفع أدخلك من غير ما أستأذن العم فرانك.
تمام، نستأذنه. أنا مش هعمل أي حاجة من غير موافقته.
لكن جيلين فضل واقف مكانه، وباين عليه القلق.
ويندل سأله
فيه إيه؟ إنت مش عايزني أشوف تجاربك؟
الولد ضم الورقة لصدره وقال
مش دي المشكلة يا بيه المشكلة إن فيه حاجة في الورشة محدش يعرف عنها حاجة، ولو العم فرانك اكتشف إني لمستها، ممكن يطردني ومخلينيش أرجع تاني!
ويندل حس إن الموضوع أكبر من مجرد رسمة وبطارية قديمة.
وقبل ما يقدر يسأله عن التفاصيل، سمعوا صوت عربية قديمة جاية من