عربيته الفخمة حكايات زيزي
المحتويات
آخر الطريق.
العربية وقفت جنبهم، ونزل منها راجل كبير في السن، هدومه عليها بقع زيت، ووشه متجهم.
أول ما شاف جيلين واقف جنب عربية ويندل الفخمة، صرخ فيه
إنت بتعمل إيه هنا يا ولد؟! مش أنا حذرتك متقربش من الحاجة دي تاني؟!
جيلين وشه اصفر، والورقة وقعت من إيده على الأرض.
أما ويندل، فبص للراجل الكبير، وبعدين للورقة، وبدأ يفهم إن فيه سر في الورشة دي أكبر بكتير من اللي كان متوقعه.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لما الراجل لمح الرسومات على كبوت العربية، وقرب منها بخطوات سريعة، وأول ما شاف أول معادلة مكتوبة في الركن
اتراجع لورا، وكأنه شاف شبح!
وبص لجيلين وقال بصوت بيرتعش
إنت جبت المعادلة دي منين؟! دي نفس المعادلة اللي أبوك كان بيحاول يثبتها قبل ما يختفي!
يتبع
الراجل اللي دخل الورشة قفل الباب وراه بهدوء، وحط الملف الجلدي على الترابيزة، كأنه داخل اجتماع في شركة كبيرة، مش ورشة قديمة في بلدة صغيرة.
بص لجيلين وقال
إنت أكيد ابن دانيال تيت، صح؟
جيلين ضم الخطاب لصدره ورد بحذر
أيوه. إنت مين؟
الراجل ابتسم وقال
اسمي ريتشارد كول. أنا ممثل قانوني لشركة بتشتغل في مجال تكنولوجيا الطاقة، وجاي أتكلم معاكم في موضوع ممكن يغيّر حياتكم.
ويندل كان واقف ساكت، بيراقب كل حركة وكل كلمة.
أما فرانك، فأول ما سمع اسم الشركة اللي ريتشارد بيمثلها، وشه اتغير، وقال بعصبية
إنتوا لسه بتدوروا ورا الموضوع ده بعد كل السنين دي؟!
ريتشارد تجاهل سؤاله، وفتح الملف، وطلع منه ورقة عليها أرقام ومبلغ مالي كبير.
وبعدين بص لجيلين مباشرة وقال
إحنا عرفنا إنك بتشتغل على تطوير نظام جديد للبطاريات. عندنا استعداد نشتري كل الرسومات والتجارب اللي عندك، وندفع لك مبلغ يكفيك إنت وأمك تعيشوا مرتاحين طول العمر.
جيلين بص للورقة، لكنه ما مدش إيده ياخدها.
سأله
إنت عرفت منين إني بشتغل على بطاريات؟
ريتشارد رد بثقة
إحنا بنتابع الأبحاث الجديدة في المجال، وأي اختراع واعد بيكون مهم بالنسبة لنا.
ويندل اتدخل فورًا
غريبة! إزاي عرفتوا عن اختراع طفل لسه ما اتجربش في معمل متخصص، وفي بلدة صغيرة زي دي؟
ريتشارد لف ناحيته، وبص له بابتسامة رسمية.
السيد ويندل هايز! سمعت عنك كتير. وجودك هنا مصادفة مثيرة للاهتمام.
ويندل رد ببرود
وأنا كمان شايف إن وجودك هنا مثير للاهتمام، خصوصًا إنك وصلت في اللحظة اللي فتحنا فيها صندوق فيه أبحاث قديمة.
ريتشارد قفل الملف ببطء.
خلينا مانعقدش الأمور. إحنا مش مهتمين بالصندوق القديم، إحنا مهتمين باللي جيلين قدر يوصله. والولد من حقه يستفيد من موهبته بدل ما يضيّع عمره في ورشة متهالكة.
الكلام كان ظاهره منطقي، لكن طريقة الراجل في الكلام خلت جيلين يحس إن فيه حاجة مش مريحة.
بص لفرانك، فلقاه بيهز راسه رافضًا.
جيلين رجع لريتشارد وقال
أنا مش هبيع لك حاجة قبل ما أفهمها كويس، وأعرف إذا كان ليّا حق فيها أصلًا.
ريتشارد ضحك ضحكة قصيرة.
إنت لسه صغير يا جيلين. المسائل دي أكبر منك. إحنا عندنا محامين ومهندسين يقدروا يحددوا قيمة الاختراع، وهنهتم بكل التفاصيل.
جيلين رد لأول مرة بنبرة قوية
بس أنا اللي عملت التجارب، وأنا اللي تعبت فيها. مش معنى إني صغير إن حد يقرر مكاني!
ويندل ابتسم من غير ما يتكلم.
كان شايف قدامه طفل بيحاول يدافع عن شغله وكرامته، رغم إن اللي واقف قدامه شخص متعود يتعامل مع شركات ومكاتب محاماة.
ريتشارد لمح ويندل، وبعدين رجع لجيلين وقال
العرض مش هيفضل مفتوح للأبد. فكر كويس، لأن الفرص الكبيرة مش بتيجي كل يوم.
لمّ أوراقه، وقبل ما يخرج، وقف عند الباب وقال
ونصيحة أخيرة يا جيلين قبل ما تثق في أي حد، اتأكد إنه فعلًا عايز مصلحتك.
وبص لويندل نظرة طويلة، وبعدها خرج.
أول ما العربية اتحركت، فرانك قفل الباب بالمفتاح.
جيلين سأله بقلق
مين الراجل ده يا عم فرانك؟ وليه بيتكلم كأنه عارف أبويا؟
فرانك قعد على الكرسي، ومسح وشه بإيده.
الشركة اللي بيمثلها كانت من الشركات اللي حاولت تتعاون مع أبوك من سنين. في البداية عرضوا عليه تمويل أبحاثه، لكنه رفض يسلّمهم كل تفاصيل شغله قبل ما يتأكد من شروط الاتفاق.
جيلين سأله
وبعدين؟
فرانك رد بحزن
بعدها حصل خلاف كبير، وأبوك اختفى بعد فترة قصيرة.
جيلين حس إن قلبه بيدق بسرعة.
يعني الشركة دي ليها علاقة باختفاء أبويا؟!
فرانك رفع إيده بسرعة.
استنى يا ابني. أنا ما عنديش دليل يثبت إنهم تسببوا في اختفائه، ومش عايزك تتهم حد من غير دليل. كل اللي أعرفه إن أبوك كان قلقان جدًا في آخر أيامه، وإنه طلب مني أحافظ على الصندوق.
ويندل تدخل وقال
وده بالضبط السبب اللي يخلينا نتحرك بحذر. لازم نفحص المستندات، ونراجع التواريخ، ونفهم مين صاحب كل فكرة قبل ما ناخد أي قرار.
جيلين بص له وسأله
يعني إنت لسه عايز تساعدني؟
ويندل رد من غير تردد
أيوه. لكن مش هطلب منك تبيع اختراعك، ومش هخليك توقّع على أي ورقة قبل ما تفهمها. ولو قررنا نختبر فكرتك، هنبدأ بتجارب آمنة، وبمساعدة مهندسين متخصصين.
لأول مرة من بداية اليوم، جيلين حس إنه مش مضطر يدافع عن نفسه لوحده.
لكن الفرحة ما كملتش.
موبايله رن، وظهر على الشاشة اسم المستشفى.
رد بسرعة
ألو؟ أيوه، أنا جيلين تيت.
جاله صوت موظفة الاستقبال
يا جيلين، إحنا بنتصل بخصوص والدتك. لازم تيجي المستشفى في أسرع وقت، لأن فيه إجراء طبي محتاجين نناقشه معاكم.
جيلين اتجمد مكانه.
ماما حصل لها حاجة؟!
حالتها مستقرة حاليًا، لكن لازم تحضر في أقرب وقت ممكن.
قفل المكالمة، وإيده بتترعش.
ويندل سأله
إيه اللي حصل؟
جيلين حاول يتكلم، لكن صوته خانه.
وبعد ثواني قال
أمي عندها مشكلة في الكلى، وبتحتاج متابعة وعلاج مستمر. وأنا كنت بجمع فلوس عشان أدفع جزء من مصاريف علاجها. عشان كده كنت بصلّح العربيات بعد المدرسة، وبساعد العم فرانك في الورشة.
ويندل حس بحزن شديد، لكنه ما حبش يوعده بحاجة قبل ما يفهم احتياجات الأسرة الحقيقية.
قال له
تعالى، هوصلك للمستشفى. وبعد ما نطمن عليها، نشوف إزاي نساعدك بطريقة مناسبة.
جيلين لمّ أوراق أبوه وحطها في الصندوق، وطلب من فرانك يحافظ عليه لحد ما يرجع.
وبعد أقل من نص ساعة، كانوا في المستشفى.
دخل جيلين على أمه، اللي كانت نايمة على السرير ووشها مرهق، لكن أول ما شافته، ابتسمت له.
إنت اتأخرت يا حبيبي. كنت فين؟
جيلين مسك إيدها وقال
كنت بحاول أظبط شوية حاجات يا ماما. متقلقيش، أنا هنا دلوقتي.
الأم لاحظت ويندل واقف عند الباب، فسألت ابنها
مين الراجل ده؟
جيلين رد
ده السيد ويندل. عربيته عطلت، وأنا ساعدته يصلّحها، وهو عرض عليا فرصة أتعلم وأطوّر شغلي.
الأم بصت لويندل بحذر، وبعدين قالت
أنا بشكرك إنك واقف جنب ابني، بس جيلين لسه صغير، وكل اللي يهمني إنه ما يضيّعش مستقبله.
ويندل قرب منها وقال باحترام
وده اللي أنا عايزه بالضبط. مش جاي آخده من دراسته، ولا أضغط عليه عشان يشتغل عندي. أنا عايز أساعده يحصل على تعليم كويس، ولو عنده اختراع يستحق الاختبار، نختبره بطريقة صحيحة.
الأم فضلت باصة له شوية، وبعدها سألت
هو حكالك عن أبوه؟
ويندل اتفاجئ.
لسه بنحاول نفهم اللي حصل.
الأم نزلت عينها، ودمعة صغيرة نزلت على خدها.
فيه حاجات جيلين ما يعرفهاش عن أبوه. وأنا كنت مستنية اليوم اللي يبقى فيه كبير كفاية عشان أحكيله.
جيلين قرب منها بسرعة.
إنتِ تعرفي حاجة عن بابا غير اللي قلتيهولي زمان؟!
الأم سكتت لحظات، وبعدين طلبت منه يفتح درج الكومودينو اللي جنب السرير.
كان جواه ظرف أبيض قديم، عليه اسمه بخط إيد أبوه.
جيلين أخده، وفضل يتأمل الخط كأنه بيلمس جزء من أبوه بعد سنين طويلة.
الأم قالت بصوت واطي
أبوك سلّمني الظرف ده قبل اختفائه بأيام. وطلب مني ما أفتحوش إلا لو جه يوم وبقيت مضطرة أشرح لك الحقيقة.
جيلين بص لها بذهول.
وإنتِ ما فتحتيهوش طول السنين دي؟!
لأ يا حبيبي. كنت خايفة من اللي ممكن ألاقيه جواه، وخايفة عليك كمان.
فتح جيلين الظرف بحرص.
كان جواه خطاب من صفحتين، وصورة لوالده واقف قدام مبنى زجاجي ضخم، وبجواره رجل لابس بدلة رسمية.
ويندل أول ما شاف الصورة، قرب منها بسرعة.
استنى! أنا أعرف المبنى ده!
جيلين بص له.
تعرفه منين؟
ويندل أخد الصورة، وركز في اللافتة اللي فوق مدخل المبنى.
كان ده مقر شركة منافسة لشركته، شركة بتملك جزءًا كبيرًا من براءات اختراع البطاريات اللي بيستخدموها في مشروعات الطاقة الحديثة.
لكن اللي صدمه فعلًا مش المبنى.
كان الرجل الواقف جنب والد جيلين.
ويندل شاف صورته قبل كده في تقارير داخلية تخص شركته، وكان اسمه مرتبطًا بمفاوضات قديمة حول تقنية تخزين الطاقة.
همس ويندل
مستحيل الراجل ده كان مسؤول عن مشروع البطاريات اللي شركتي بتحاول تطوره دلوقتي!
جيلين سأل بقلق
يعني إيه؟ هو كان يعرف بابا؟
ويندل رجع للصورة، وبعدها بص للخطاب اللي لسه جيلين ما قرأش منه غير أول سطر.
لازم نعرف الحقيقة، لكن من غير ما نستعجل في الاستنتاجات.
جيلين بدأ يقرأ بقية الخطاب، وفجأة وقف عند جملة مكتوبة تحتها خط مرتين.
كانت بتقول
يا ابني، لو وصلت يومًا للمكان اللي بدأت فيه أبحاثي، دور على الدفتر الأزرق. الإجابة الحقيقية مش موجودة في المعادلات وحدها، لكنها موجودة في التجربة اللي محدش قدر يفسر نتيجتها.
جيلين رفع عينه لأمه.
ماما، إنتِ تعرفي الدفتر الأزرق ده فين؟
الأم غمضت عينيها، كأنها بتحاول تسترجع ذكرى قديمة، وبعد لحظات قالت
أيوه يا جيلين أنا شفته مرة واحدة بس، في آخر يوم أبوك رجع فيه البيت.
وبعدين مسكت إيده بقوة وهمست
لكنه ما كانش لوحده يومها. كان معاه شخص تاني، شخص أنا ما كنتش أتخيل أبدًا إنه ممكن يكون له علاقة باختفائه!
يتبع
ويندل حس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه!
الراجل الكبير لسه واقف قدام جيلين، وإيده بتترعش وهو ماسك الورقة، وعينيه بتتنقل بين المعادلات المكتوبة وبين وش الولد.
جيلين كان باصص له بصدمة، وكأنه لأول مرة يسمع الكلام ده في حياته.
إنت تعرف أبويا يا عم فرانك؟!
الراجل الكبير ما ردش فورًا. فضل ساكت، وبعدين بص حواليه كأنه خايف حد يكون سمعه، وقال بصوت واطي
أيوه يا جيلين، أعرفه كويس. وأعرف إنه كان أذكى ميكانيكي ومخترع شوفته في حياتي. بس أبوك اختفى من سنين، وساب وراه أسئلة محدش عرف يجاوب عليها.
جيلين قرب منه بسرعة.
طب ليه عمرك ما قلتلي؟! أنا سألتك عن أبويا ميت مرة، وكل مرة كنت بتقولي إنه سابنا ومشي!
فرانك نزل عينه للأرض، وبان عليه الندم.
عشان كنت خايف يا ابني.
خايف من إيه؟! أبويا حصل له إيه؟!
فرانك فتح بقه عشان يرد، لكنه وقف فجأة لما لاحظ ويندل واقف جنبهم.
بص للملياردير من فوق لتحت، وبعدين سأله بحذر
وإنت مين بالظبط؟
ويندل مد إيده وقال
ويندل هايز. عندي شركة متخصصة في الطاقة المتجددة، وجيلين ساعدني النهارده لما عربيتي عطلت. وإحنا كنا بنتكلم عن اختراع محتمل يخص البطاريات.
أول ما فرانك سمع اسم الشركة، وشه اتغير.
هايز للطاقة المتجددة؟!
ويندل استغرب.
أيوه. تعرف الشركة؟
فرانك ما ردش، لكنه رجع يبص للورقة، وبدأ يقلبها بعصبية.
وبعدين قال
يا جيلين، إنت وصلت للمعادلات دي لوحدك؟
الولد هز راسه.
أيوه. كنت بجرب على بطاريات قديمة، ولاحظت إن ترتيب الخلايا وطريقة توزيع الحرارة بيأثروا على كفاءة البطارية. فضلت أغير في التوصيلات وأسجل النتائج، لحد ما وصلت للشكل ده.
فرانك قعد على طرف الكبوت، وحط إيده على وشه.
يا ساتر يا رب!
ويندل بدأ يفقد صبره.
ممكن حد يفهمني إيه اللي بيحصل هنا؟!
فرانك رفع عينه له وقال
من حوالي عشر سنين، أبو جيلين كان بيشتغل على فكرة بطارية ممكن تحتفظ بالطاقة مدة أطول، وتقلل الفاقد الناتج عن الحرارة. كان مقتنع إن المشكلة مش دايمًا في المواد المستخدمة، لكن أحيانًا في طريقة إدارة الطاقة وتوزيعها جوه النظام نفسه.
ويندل حس بقشعريرة في جسمه.
ده كان قريب بشكل مخيف من المشكلة اللي شركته بتحاول تحلها حاليًا!
فرانك كمل
أبو جيلين كان بيشتغل في ورشة صغيرة، وكل اللي حواليه كانوا بيضحكوا عليه. كانوا بيقولوا إنه بيضيّع عمره في اختراعات مش هتجيب فلوس. لكن أنا كنت الوحيد اللي شاف إنه ممكن يكون اكتشف حاجة مهمة.
جيلين سأل بسرعة
طب إيه اللي حصل له؟!
فرانك سكت لحظة طويلة، وبعدين قال
قبل اختفائه بأيام، جه لي وهو متوتر جدًا. اداني صندوق حديد صغير، وطلب مني أخبيه عندي. وقال لي لو حصل له أي حاجة، أحافظ عليه لحد ما ابنه يكبر ويبقى قادر يفهم اللي جواه.
جيلين عينيه وسعت.
صندوق إيه؟! وفين الصندوق ده دلوقتي؟!
فرانك قام من مكانه، وفتح باب العربية القديمة.
تعالى معايا الورشة، وهتفهم جزء من الحكاية.
وبعدين بص لويندل وقال
بس قبل ما تيجي، لازم تعرف إن اللي هتشوفه جوه مش مجرد شغل ميكانيكا. فيه حاجة أنا فضلت مخبيها سنين، ومش متأكد إن الوقت جه عشان أطلعها.
ويندل رد بهدوء
أنا مش جاي آخد حاجة منكم. أنا عايز أفهم الحقيقة، ولو جيلين عنده فكرة تستحق الاختبار، هساعده يختبرها
متابعة القراءة