عربيته الفخمة حكايات زيزي

لمحة نيوز

المكتب، كان راجل في أواخر الخمسينات، شعره أبيض من الجانبين، وملامحه هادية، لكن أول ما شاف جيلين، وقف مكانه.
فضل باصص له لثواني طويلة، وبعدها قال بصوت مبحوح
يا إلهي إنت ابن دانيال فعلًا.
جيلين وقف قدامه وقال
إنت تعرف أبويا؟ وإيه اللي حصل له؟!
توماس نزل عينه، وقعد على الكرسي ببطء.
أعرف أبوك أكتر مما تتخيل يا جيلين. وأنا مستعد أحكيلك كل حاجة لكن قبل ما أبدأ، لازم أقول لك إن فيه جزء من الحقيقة أنا نفسي ما عرفتهوش غير من كام شهر.
ويندل سأله
وإيه اللي عرفته؟
توماس فتح حقيبته، وطلع منها ملف قديم، وحطه على المكتب.
لقيت مستندات بتثبت إن دانيال كان بيحاول يوصل لي قبل اختفائه، وإنه كان باعت لي رسالة مهمة جدًا. الرسالة دي ما وصلتش لي في وقتها.
جيلين قرب من الملف بسرعة.
طب فين الرسالة؟!
توماس فتح الملف، وطلع ورقة قديمة، لكن أول ما جيلين شاف التاريخ المكتوب عليها، وشه اتغير.
التاريخ كان بعد يوم واحد بس من آخر مرة أمه شافت فيها أبوه.
وفي أسفل الرسالة، كانت فيه جملة قصيرة
توماس، لو حصل لي أي حاجة، أوعى تسمح لهم ياخدوا ابني بعيد عن أمه.
جيلين رفع عينه لتوماس، وصوته بدأ يرتعش.
مين اللي كان عايز ياخدني من أمي؟!
توماس قفل عينيه للحظة، وبعدها قال
الشخص اللي لازم نوصله دلوقتي مش هو اللي عرض عليك الفلوس في الورشة الشخص ده كان مجرد وسيط.
وبعدين بص لويندل وقال جملة خلت الجو في المكتب يتغير تمامًا
لأن الشركة اللي بتضغط على جيلين دلوقتي، واللي بتدور على اختراع أبوه، مش بس عندها معلومات عن المشروع القديم دي كمان عندها نسخة من بحث دانيال، وبتستخدمها من سنين من غير ما تعلن مين صاحبها الحقيقي!
يتبع 
النهاية السر اللي غيّر حياة جيلين وويندل للأبد!
ويندل وقف من مكانه، وبص لتوماس بصدمة.
إنت بتقول إن فيه شركة بتستخدم أبحاث دانيال من سنين، وإحنا مش عارفين الحقيقة؟!
توماس هز راسه بحزن.
أيوه. لكن لازم تفهم إن اللي عندي لحد دلوقتي مستندات بتشير لكده، ولسه محتاجين نتحقق منها قانونيًا. أنا فضلت سنين أحاول أوصل للحقيقة، ولما لقيت الأوراق القديمة، قررت إني لازم أواجهكم بيها.
جيلين كان مش قادر يستوعب الكلام.
طول عمره فاكر إن أبوه سابه، وإنه لازم يكافح لوحده عشان يقدر يوفر علاج أمه ويكمل تعليمه. وفجأة، اكتشف إن أبوه كان صاحب أبحاث ممكن تغيّر مستقبل الطاقة، وإن اختفاءه وراه أسرار محدش قدر يفسرها.
سأل توماس بصوت مكسور
طب أبويا فين؟! هو عايش ولا مات؟!
توماس نزل عينه للأرض، وقال
للأسف، ما عنديش دليل يثبت إنه عايش، ولا دليل قاطع يحدد إيه اللي حصل له. كل اللي أقدر أقوله إننا لازم نراجع المستندات الرسمية وندور على أي أثر يخصه. وأنا مستعد أساعدك توصل للحقيقة.
جيلين سكت شوية، وبعدها مسح دموعه وقال
أنا مش عايز أنتقم من حد. أنا عايز أعرف أبويا كان مين، وإيه اللي حصل له، وليه كل الناس سابتني أعيش السنين دي وأنا فاكر إنه تخلى عني!
ويندل حط إيده على كتفه وقال
وده حقك. وهنمشي خطوة خطوة، من غير اتهامات من غير دليل، ومن غير ما حد يستغلك بسبب سنك أو ظروفك.
بعد شهرين...
بدأت رحلة البحث عن الحقيقة.
بمساعدة محامين مستقلين، راجعوا المستندات القديمة، وتواصلوا مع الجهات المختصة، وبدأوا يجمعوا أدلة عن أبحاث دانيال وحقوق ملكيتها.
وخلال مراجعة الملفات، ظهرت مستندات أصلية بتثبت إن دانيال كان قدّم تصميمات أولية لتقنية تحسين إدارة الحرارة داخل البطاريات قبل سنوات من تسجيل براءة اختراع مشابهة باسم شركة منافسة.
لكن إثبات التشابه وحده ما كانش كفاية، واحتاج الموضوع مراجعة فنية وقانونية دقيقة.
ويندل قرر ما يستغلش الموقف لمصلحته، رغم إن اكتشاف الحقيقة كان ممكن يساعد شركته.
قال لجيلين
أنا ممكن أساعدك في التعليم والبحث، لكن حقوق أبوك لازم تتحدد بشكل قانوني مستقل، مش على حساب مصلحتك ولا مصلحة أمك.
أما جيلين، فكان بيقضي وقته بين المدرسة والمعمل، وبدأ يتعلم أساسيات الهندسة على إيد متخصصين.
وبعد سلسلة طويلة من الاختبارات، نجح الفريق في تطوير نموذج تجريبي مستوحى من ملاحظاته، أظهر تحسنًا في كفاءة استخدام الطاقة في ظروف محددة، مع ضرورة استكمال اختبارات الأمان والتحمل قبل التفكير في أي استخدام تجاري.
الدكتور أندرو أعلن النتيجة في اجتماع داخلي، وقال
اللي عمله جيلين مش معجزة، لكنه مثال مهم على إن الملاحظة الدقيقة والفضول العلمي ممكن يفتحوا أبواب ما كناش شايفينها.
ويندل ابتسم وبص للولد.
فاكر لما صلّحت عربيتي بدولارين؟
جيلين ضحك وقال
أيوه يا بيه، وإنت كنت عايز تديني 500 دولار!
ويندل ضحك هو كمان.
ولسه مصمم إنك ما أخدتش غير حقك!
جيلين رد
عشان أنا ما كنتش ببيعك اختراع يا بيه. أنا كنت بصلّح سلك مفصول!
لكن أهم تغيير حصل ما كانش في المعمل.
المفاجأة اللي استناها جيلين طول عمره
في يوم، وصل اتصال من جهة رسمية كانت بتراجع بلاغات قديمة مرتبطة باختفاء والده.
بعد مراجعة المعلومات المتاحة، ظهرت معلومة جديدة عن آخر مكان اتسجل فيه وجود دانيال، وبدأت إجراءات إضافية للبحث عنه.
ما كانش فيه تأكيد عن مصيره، لكن للمرة الأولى بقى عند جيلين خيط حقيقي يقدر يمشي وراه، بدل الأسئلة اللي عاش معاها سنين.
راح لأمه، وقعد جنب سريرها، وقال لها
يا ماما، أنا لسه ما عرفتش بابا فين، لكن مش هبطل أدور عليه. وفي نفس الوقت، مش هسيب مستقبلي يضيع.
أمه مسكت إيده، وابتسمت وسط دموعها.
أنا مش عايزاك ترجعلي أبوك بالعافية يا حبيبي. أنا عايزاك تعيش، وتتعلم، وتبقى إنسان كويس. ولو أبوك كان سامعنا دلوقتي، أكيد كان هيفرح بيك.
ومع انتظام متابعة علاجها، ساعد ويندل الأسرة في الوصول إلى دعم طبي مناسب، من غير ما يربط المساعدة بأي اتفاق تجاري.
أما جيلين، فحصل على منحة تعليمية، ورجع يكمل دراسته بانتظام، وفضل يساعد في الورشة في أوقات فراغه، لأن المكان ده كان جزءًا من حكايته، مش مجرد وسيلة يكسب منها فلوس.
وبعد خمس سنين...
وقف جيلين على منصة في مؤتمر علمي كبير، قدامه مهندسين وباحثين من دول مختلفة.
كان عمره وقتها 18 سنة، وبيقدم نتائج مشروع تطوير أنظمة إدارة الحرارة والطاقة في البطاريات، بعد سنين من التعلم والاختبارات والعمل الجماعي.
في الصف الأول، كانت أمه قاعدة جنب العم فرانك، ودموع الفخر في عينيها.
أما ويندل، فكان واقف في آخر القاعة، وبيصفق بحرارة.
بعد المؤتمر، جيلين راح له وقال
فاكر أول سؤال سألتهولي على الطريق؟ لما قلتلي إيه رأيك تبني حاجة أكبر من مواتير العربيات؟
ويندل ابتسم.
فاكره كويس.
جيلين بص له وقال
يومها كنت فاكر إنك بتنقذني من الفقر. لكن الحقيقة إنك اديتني فرصة أتعلم، وأنا اللي كان لازم أكمل الطريق.
ويندل رد
وأنا كنت فاكر إني هساعد ولد موهوب. لكن إنت علمتني إن الخبرة والفلوس مش معناه إننا عارفين كل حاجة، وإن ساعات لازم نسمع للشخص اللي محدش بيديله فرصة يتكلم.
وبعدها جيلين أخرج من جيبه ورقة صغيرة، كانت نسخة من أول رسم عمله في ورشة العم فرانك.
احتفظ بيها طول السنين، وكتب تحتها
مش كل حاجة بايظة محتاجة تتغير من أول وجديد ساعات كل اللي ناقصها حد يكتشف مكان العطل، ويديها فرصة تشتغل تاني.
وبص للورقة وابتسم.
كان لسه ما عرفش مصير أبوه، ولسه فيه أسئلة محتاجة إجابات، لكن حياته ما بقتش متوقفة على الماضي.
أما ويندل، فغيّر طريقة إدارته لشركته، وبقى يدعم برامج تعليمية للأطفال الموهوبين اللي ظروفهم المادية بتحرمهم من المعامل والأدوات وفرص التعلم.
والأهم إنه اتعلم إن قيمة الإنسان مش في حسابه البنكي، ولا في هدومه، ولا في المكان اللي واقف فيه.
جيلين ما أنقذش شركة ويندل بمجرد إنه صلّح عربية بدولارين؛ هو فتح عينه على موهبة كانت ممكن تضيع في صمت، وخلّاه يكتشف إن أعظم استثمار مش دايمًا بيكون في الآلات والمصانع ساعات بيكون في إنك تؤمن بإنسان وتديله فرصة عادلة.
وهكذا، الطريق الترابي اللي بدأ بحادثة عربية معطلة، بقى بداية حكاية غيّرت حياة الاتنين.
والسؤال اللي فضل جيلين يسأله لنفسه طول عمره ما كانش هقدر أبقى غني قد إيه؟
لكن كان
لما أبقى قادر أساعد غيري، هعمل إيه عشان ما أخليش طفل تاني يعيش نفس الوحدة اللي عشتها؟
ودي كانت الإجابة اللي اختار يعيش بيها بقية عمره.

تم نسخ الرابط