عربيته الفخمة حكايات زيزي
المحتويات
بطريقة علمية وآمنة.
جيلين بص لويندل، ولأول مرة من ساعة ما قابله، حس إن الراجل ده ممكن يكون فعلًا مختلف عن الناس اللي قابلهم قبل كده.
لكن قبل ما يركبوا، موبايل ويندل رن.
كان مدير العمليات بيتصل للمرة الرابعة.
ويندل رد بعصبية
إيه اللي حصل دلوقتي؟
جاله صوت المدير متوتر
يا فندم، عندنا مشكلة أكبر. الفريق اكتشف إن نتائج البطاريات في المصنع بتتدهور أسرع من المتوقع، والاختبارات الجديدة فشلت بالكامل. المستثمرين طالبين تفسير خلال 48 ساعة، وإلا العقد هيتلغي!
ويندل بص لجيلين، اللي كان واقف ماسك رسوماته القديمة.
وبعدين قال للمدير
جمّدوا أي قرار نهائي لحد ما أوصل.
وقفل المكالمة.
جيلين سأله بقلق
شركتك ممكن تخسر العقد يا بيه؟
ويندل ابتسم ابتسامة متعبة.
ممكن نخسر عقد كبير فعلًا، لكن أنا مش هراهن على مستقبل شركة كاملة بفكرة لسه متجربتش. هنفحصها الأول، ونشوف الحقيقة.
جيلين هز راسه، وبعدها قال بتردد
أنا عندي ملاحظة تانية عن البطاريات بتاعتك.
ويندل اتلفت له فورًا.
ملاحظة إيه؟
الولد طلع ورقة أصغر من جيبه، كانت مليانة أرقام مكتوبة بقلم رصاص.
أنا مشفتش بطاريات شركتك بنفسي، لكن من وصفك للمشكلة، ممكن يكون فيه خلل في نظام مراقبة الحرارة، مش في خلايا البطارية نفسها. لو النظام بيقرأ درجات الحرارة غلط، ممكن يخلي البطارية تشتغل بطريقة مش مناسبة.
ويندل سكت.
دي كانت فرضية ممكن تتفحص، لكنها محتاجة بيانات حقيقية وأجهزة قياس، مش مجرد تخمين.
ومع ذلك، طريقة جيلين في الربط بين الأعراض والاحتمالات خلت ويندل ياخد كلامه بجدية.
وصلوا الورشة بعد حوالي عشر دقايق.
كانت عبارة عن مبنى قديم من الطوب الأحمر، سقفه الصاج فيه فتحات، وعلى الباب لافتة باهتة مكتوب عليها
ورشة فرانك لتصليح المحركات.
جوه، كان فيه رفوف مليانة قطع غيار، ومحركات مفكوكة، وأجهزة قياس قديمة، وطرابيزة خشب كبيرة عليها آثار لحام وزيوت.
لكن جيلين ما راحش ناحية أدوات التصليح المعتادة.
مشى لآخر الورشة، ووقف قدام خزانة حديد قديمة، وبص لفرانك.
هو الصندوق جوه دي؟
فرانك أومأ برأسه.
طلع مفتاح صغير من سلسلة معلقة في رقبته، وفتح الخزانة.
كان جواها صندوق حديد أسود، عليه صدأ من الأطراف، ومقفول بقفل قديم.
فرانك شاله وحطه على الطرابيزة.
جيلين قرب منه ببطء، ومد إيده يلمس الغطا، لكن فرانك مسك إيده برفق.
استنى يا ابني. قبل ما نفتحه، فيه حاجة لازم تعرفها عن أبوك.
الولد رفع عينه له.
فرانك خد نفس عميق وقال
أبوك ما اختفاش لأنه زهق منكم، ولا لأنه قرر يبدأ حياة جديدة بعيد عنكم، زي ما الناس قالتلك. قبل اختفائه بيومين، كان جاي لي ومعاه مستندات مهمة جدًا. كان خايف إن حد يحاول ياخد شغله منه وينسبه لنفسه.
ويندل قرب من الطرابيزة.
حد مين؟
فرانك بص له بنظرة غريبة.
دي بالذات هي المشكلة. أنا ما كنتش أعرف اسم الشخص، لكن أبو جيلين قال لي إنه اكتشف إن فيه شركة كبيرة بتحاول توصل لنفس النتيجة اللي وصل لها، وإن فيه ناس مستعدة تعمل أي حاجة عشان تسبق غيرها.
ويندل حس بقلق شديد، لكنه رفض يستنتج حاجة من غير دليل.
طيب، هل عندك أي مستندات تثبت الكلام ده؟
فرانك أشار للصندوق.
كل اللي عندي موجود هنا.
جيلين بص للصندوق، وعينيه مليانة أمل وخوف في نفس الوقت.
طول عمره كان فاكر إن أبوه سابه بإرادته، وإنه لازم يعتمد على نفسه من غير ما يستنى رجوعه.
دلوقتي، لأول مرة، فيه احتمال إن الحقيقة مختلفة تمامًا.
فرانك أدخل المفتاح في القفل، ولفه.
تك!
الصندوق اتفتح.
كان جواه دفتر أسود، وصورة قديمة لراجل شاب شايل طفل صغير، وفلاشة إلكترونية، ومظروف بني مكتوب عليه بخط واضح
إلى ابني جيلين لما يكبر ويبقى مستعد يعرف الحقيقة.
جيلين مسك الصورة بإيدين بتترعش.
كان ده أبوه فعلًا!
لكن المفاجأة الأكبر كانت في الدفتر.
أول صفحة كان مكتوب فيها عنوان المشروع، وتحته اسم المخترع.
ويندل قرب عشان يقرا الاسم، وأول ما شافه، رجع خطوة لورا!
الاسم ما كانش غريب عليه.
كان اسم شخص قرأه قبل كده في ملف قديم متعلق بأحد أكبر المنافسين لشركته!
رفع ويندل عينه لفرانك وسأله بصوت منخفض
إنت متأكد إن الدفتر ده كان مع أبو جيلين قبل اختفائه؟
فرانك رد
متأكد. وأنا مستعد أحلف على ده.
ويندل رجع يبص للاسم، وبدأ يفكر في احتمال مقلق جدًا.
ماذا لو كانت التقنية التي تحاول شركته تطويرها حاليًا مرتبطة باختراع قديم لم يُنسب لصاحبه الحقيقي؟
وقبل ما يقدر يقول أي حاجة، جيلين فتح المظروف البني، وطلع منه خطاب قصير.
قرأ أول سطر، وفجأة حط إيده على بقه، والدموع نزلت من عينيه.
بابا كان عارف إني هكبر وأدور عليه!
فرانك قرب منه، لكن جيلين رجع خطوة لورا، وفضل يكمل القراءة بصوت متقطع
يا جيلين، لو الخطاب ده وصل لك، فمعناه إنك بقيت كبير كفاية تفهم إن فيه حاجات في الدنيا أكبر من الفلوس، وإن الحقيقة ساعات بتحتاج صبر عشان تظهر
وقف عند السطر اللي بعده.
وشه شحب تمامًا.
ويندل سأله بقلق
مكتوب إيه يا جيلين؟
الولد رفع عينه من الورقة، وقال بصوت بالكاد مسموع
بابا كاتب إنه لو اختفى، ما أثقش في أي حد ييجي يعرض عليا فلوس مقابل الاختراع!
وفي اللحظة نفسها، سمعوا صوت عربية سوداء بتقف قدام الورشة.
الباب اتفتح، ودخل راجل لابس بدلة غامقة، وماسك ملف جلدي.
بص لفرانك، وبعدها لويندل، وبعدين ثبت عينيه على الصندوق المفتوح.
ابتسم ابتسامة باردة وقال
واضح إنكم فتحتوا الصندوق أخيرًا كنت متوقع إن اليوم ده هييجي.
يتبع
جيلين حس إن قلبه هيقف من شدة التوتر، وفضل ماسك إيد أمه وهو بيسألها
مين يا ماما؟ مين الشخص اللي كان مع بابا آخر يوم شوفتيه فيه؟!
أمه بصت لويندل، وبعدها رجعت بصت لابنها، وكأنها بتفكر إذا كان ينفع تحكي كل اللي تعرفه قدام شخص غريب.
ويندل فهم نظرتها، فقام وقال بهدوء
أنا ممكن أخرج بره لو حابين تتكلموا لوحدكم.
لكن أم جيلين هزت راسها وقالت
لأ، خليك يا أستاذ ويندل. يمكن وجودك يساعدنا نفهم اللي حصل.
أخدت نفس طويل، وبدأت تحكي.
آخر يوم شفت فيه أبوك، رجع البيت متأخر جدًا. كان مرهق، وهدومه عليها آثار زيت، وكان شايل شنطة صغيرة. أول ما دخل، طلب مني أقفل الشبابيك والأبواب، وقال لي إنه لازم يسيب عندي حاجة مهمة.
جيلين سألها
كانت الدفتر الأزرق؟
أيوه. كان دفتر صغير، غلافه أزرق غامق، وفيه رسومات ومعادلات، لكن أبوك ما كانش بيعتبره مجرد دفتر. كان بيقول إن أهم حاجة فيه هي نتائج تجربة واحدة، لو قدر يثبتها بشكل صحيح، هتغيّر طريقة تخزين الطاقة في البطاريات.
ويندل اتقدم خطوة.
هل قال لك اسم الشركة اللي كان بيتعامل معاها؟
الأم هزت راسها.
ما قالش اسمها صراحة. لكنه قال إن فيه شخص كان بيثق فيه، وساعده في بداية أبحاثه، وبعد كده بدأ يضغط عليه عشان يسلّم له كل النتائج.
جيلين قبض إيده بغضب.
يعني الشخص ده سرق اختراع بابا؟!
أمه مسكت إيده وقالت
ما تتسرعش يا حبيبي. أبوك ما قالش إنه سرق منه حاجة، لكنه كان خايف إن مجهوده يضيع، وإن الناس تنسى مين صاحب الفكرة الأصلية.
وبعدين كملت
قبل ما يمشي، خبّى الدفتر في مكان، وقال لي لو اضطر يغيب فترة طويلة، ما أقولش لحد مكانه إلا لما ييجي الوقت المناسب.
جيلين سألها بسرعة
طب الدفتر فين دلوقتي؟!
الأم سكتت شوية، وبعدها قالت
في بيتنا القديم.
جيلين اتصدم.
البيت اللي اتباع من سبع سنين؟!
أيوه. لكن فيه حاجة إنت ما تعرفهاش. قبل ما نسيب البيت، أبوك كان عامل تجويف صغير ورا لوح خشب في المخزن الخلفي. أنا ما فتحتوش بنفسي، لكن متأكدة إن الدفتر كان هناك آخر مرة شوفته فيها.
ويندل فكر لحظات، وبعدها قال
لازم نتأكد إن البيت لسه موجود، وإننا نقدر ندخله بإذن صاحبه الحالي. ولو الدفتر موجود، نحافظ عليه من غير ما نغيّر أو نلمس أي حاجة ممكن تكون مهمة.
جيلين كان عايز يتحرك فورًا، لكن أمه نادته قبل ما يقوم.
استنى يا حبيبي. فيه حاجة تانية لازم تعرفها.
رجع وقعد جنبها.
الأم بصت له بعينين مليانين دموع، وقالت
أبوك كان بيحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا. قبل ما يختفي، سجل لك رسالة صغيرة. قال لي أشغّلهالك لما تبقى كبير وتقدر تفهم كلامه.
جيلين حس إن نفسه اتسحب منه.
رسالة؟! فين يا ماما؟!
أمه أشارت للشنطة الصغيرة اللي كانت تحت السرير.
جيلين فتحها، وبدأ يدور بين الأوراق القديمة لحد ما لقى جهاز تسجيل صغير، ومعاه شريط عليه ورقة مكتوب فيها اسمه.
إيده كانت بتترعش وهو بيحط الشريط في الجهاز.
ضغط على زر التشغيل.
في الأول، ما سمعوش غير صوت تشويش خفيف، وبعدها ظهر صوت راجل هادي، لكنه مرهق.
جيلين يا ابني لو إنت بتسمع الرسالة دي، فمعناه إنك كبرت، وإن أمك قدرت تحافظ عليك وعلى الأمانة اللي سبتها عندها.
جيلين غطى بقه بإيده، والدموع بدأت تنزل من غير ما يحس.
كان ده صوت أبوه!
الصوت اللي ما سمعوش من سنين، واللي كان بيحاول يفتكره كل ليلة قبل ما ينام.
التسجيل كمل
أنا مش عارف هقدر أرجع إمتى، لكن عايزك تعرف حاجة مهمة. إياك تفتكر إن قيمتك في الفلوس اللي معاك، أو في المكان اللي الناس شايفاك فيه. قيمتك الحقيقية في عقلك، وفي ضميرك، وفي الطريقة اللي بتعامل بيها الناس.
ويندل نزل عينه للأرض، متأثر بالكلام.
وبعدين صوت الأب بقى أكثر جدية
وفيه سر لازم تعرفه لما تلاقي الدفتر الأزرق. آخر تجربة عملتها أثبتت إننا ممكن نحسّن كفاءة البطارية من غير ما نعرّضها لدرجات حرارة خطيرة، لكن النتائج كانت محتاجة اختبارات أكتر. ما تسمحش لأي حد يقنعك إن النجاح معناه إنك تبيع شغلك لأول شخص يعرض عليك فلوس.
جيلين كان بيعيط في صمت.
وفجأة، التسجيل دخل في جزء تاني.
وآخر حاجة يا ابني الشخص اللي ساعدني في بداية المشروع، واللي كنت فاكره أخويا، هو نفسه الشخص اللي اكتشفت إنه بيخبي عني معلومات مهمة. لو قابلته في يوم، ما تحكمش عليه من كلامه. دور على الحقيقة بنفسك.
وبعد الجملة دي، التسجيل وقف فجأة.
جيلين ضغط على زر التشغيل مرة تانية، لكن الشريط ما كملش.
بص لويندل وسأله
مين الشخص ده؟!
ويندل ما كانش عنده إجابة.
لكنه افتكر فجأة حاجة حصلت من سنين، لما كان لسه بيبني شركته.
كان فيه مهندس كبير اشتغل معاه في مشروع تجريبي، وبعد خلاف على حقوق تطوير تقنية تخزين الطاقة، ساب الشركة واختفى من المجال لفترة.
اسمه كان توماس ريد.
والمفاجأة إن اسم توماس ظهر في الصورة القديمة اللي لقاها جيلين في الظرف، مكتوب على ظهرها بخط يد والده.
ويندل قال ببطء
أعتقد إننا لازم نعرف مين توماس ريد، وإيه علاقته بأبوك.
في صباح اليوم التالي، ويندل رجع لمقر شركته في نيويورك، وجيلين راح معاه بعد ما أمه وافقت، بشرط إنه يفضل متابع دراسته وما يشتغلش ساعات طويلة.
ويندل رتّب مقابلة مع فريق هندسي متخصص، لكنه رفض في البداية يوريهم رسومات جيلين كاملة قبل ما يتأكد من حقوق ملكيتها.
طلب من المستشار القانوني للشركة يساعد في توثيق تاريخ الأوراق، ومن الفريق يجهز اختبارات آمنة للبطاريات، من غير أي تعديل غير مدروس.
أما جيلين، فكان واقف في المعمل لأول مرة في حياته.
قدامه أجهزة قياس حديثة، وكمبيوترات، وطاولات عليها نماذج بطاريات صغيرة.
فضل يبص لكل حاجة بانبهار، لكن لما أحد المهندسين سأله عن فرضيته، رجع تركيزه بسرعة وبدأ يشرح اللي لاحظه في تجاربه.
المهندس المسؤول، واسمه الدكتور أندرو ميلر، سمعه للآخر، وبعدها قال
الفكرة تستحق الدراسة، لكن لازم نفرّق بين ملاحظة ظهرت في تجربة واحدة ونتيجة ممكن نكررها. عندك سجلات لدرجات الحرارة ومدة التشغيل؟
جيلين فتح شنطته وطلع كشكول قديم، أطرافه متقطعة من كتر الاستخدام.
كل تجربة عملتها مسجلها هنا، حتى التجارب اللي فشلت.
الدكتور أندرو قلب الصفحات، وكل شوية كان يقف عند رقم أو رسم، ويسأل جيلين عن الطريقة اللي وصل بيها للنتيجة.
وبعد ساعة كاملة، رفع راسه وقال لويندل
الولد عنده ملاحظة مهمة، لكن لسه بدري نحكم على الاختراع. محتاجين نعيد التجارب تحت ظروف مختلفة، ونقيس الحرارة والفقد في الطاقة بدقة.
ويندل هز راسه.
ده اللي هنعمله.
بدأ الفريق تجهيز الاختبار الأول، لكن بعد ساعات، ظهرت نتيجة غريبة.
البطارية اللي اتجرب عليها التعديل احتفظت بطاقة أكتر من النموذج المرجعي في ظروف معينة، لكن لما زادت الأحمال، ظهر ارتفاع في الحرارة ما كانش موجود في سجلات جيلين القديمة.
الدكتور أندرو وقف الاختبار فورًا، وشرح إن النتيجة دي مش فشل نهائي، لكنها علامة إن التصميم محتاج تعديل واختبارات إضافية قبل أي استخدام حقيقي.
جيلين بص للشاشة بحزن.
يعني فكرتي مش نافعة؟
أندرو رد بحزم وهدوء
لأ. معناها إننا لسه ما وصلناش للحل. العالم الحقيقي مش زي الورق، والاختراع الجيد لازم يثبت إنه آمن، ويشتغل بشكل متكرر، مش مرة واحدة بس.
الكلام ريّح جيلين شوية.
لكن قبل ما يخرجوا من المعمل، دخلت السكرتيرة وقالت لويندل إن فيه زائر مستنيه في مكتبه، ورفض يحدد سبب الزيارة على التليفون.
ويندل سألها عن اسمه.
ردت
الأستاذ توماس ريد.
ويندل وجيلين بصوا لبعض في نفس اللحظة.
توماس ريد وصل بنفسه!
ولما دخل
متابعة القراءة