حماتي كانت بتلحس حكايات زيزي
للأوراق، وقال له إن فيه مستندًا واحدًا ناقصًا، وإن من غيره مش هيقدر يحدد إذا كان المبلغ اللي دفعته ديان حقًا دينًا مستحقًا، ولا دفعة اتعملت بناءً على معلومات غير صحيحة.
مارك سأل المحامي وإيه المستند ده؟
المحامي رد العقد الأصلي بين والدك ويوسف، ولازم نلاقي نسخة منه.
مارك قفل المكالمة، وبص لأمه.
ماما، إنتِ فاكرة إن بابا كان محتفظ بنسخة من العقد فين؟
ديان فضلت ساكتة لحظات، وبعدين رفعت عينيها وقالت
أيوه... بس لو العقد لسه موجود في المكان اللي فاكره، فإحنا هنكتشف إن فيه شخص تاني كان عارف بكل اللي حصل من البداية.
مارك قرب منها وسألها مين الشخص ده؟
ديان فتحت بقها علشان ترد، لكن جرس الباب رن فجأة.
ولما فتحت الباب، لقينا راجل كبير في السن واقف قدامنا، ماسك ملف جلدي قديم.
بص لمارك وقال
إنت ابن محمود؟ أنا جيت علشان أسلّمك حاجة أبوك كان سايبها عندي... وتأخرت كتير في تسليمها.
وبمجرد ما ديان شافت الراجل، همست باسمه في صدمة
يوسف؟!
أول ما ديان نطقت اسم يوسف، الراجل وقف مكانه وبصلها بنظرة طويلة، وبعدها قال
أيوه يا ديان، أنا يوسف. وعارف إن وجودي هنا بعد السنين دي هيعمل صدمة، بس المرة دي لازم الحقيقة تظهر.
مارك وقف قدام أمه، وبص للراجل بحذر.
اتفضل، ادخل. بس قبل أي حاجة، عايز أعرف إنت اختفيت كل السنين دي ليه، وإيه حكاية الفلوس اللي أمي دفعتها لك بعد وفاة أبويا؟
يوسف دخل وقعد على الكنبة، وحط الملف الجلدي على الترابيزة.
قال بهدوء أنا مش جاي أبرر لنفسي قبل ما أشرحلك اللي حصل. أبوك كان راجل محترم، وكان بينا مشروع كبير. لكن قبل وفاته، حصل خلاف على الحسابات، واتفقنا نراجع كل حاجة بعد ما ظروفه الصحية تستقر.
مارك سأله يعني كان فيه دين عليه فعلًا؟
يوسف هز راسه وقال الموضوع ماكانش بالبساطة دي. كان فيه مبلغ متبادل بين الطرفين، وكل واحد فينا كان فاكر إن ليه مستحقات عند التاني. أبوك كان محتفظ بالعقد الأصلي، وأنا كنت محتفظ بنسخة من المراسلات.
ديان قاطعته بعصبية بس إنت جيت لي بعد وفاته وقلتلي إن لازم أدفع فورًا! وقلتلي إن البيت ممكن يتعرض لمشاكل لو ما دفعتش!
يوسف نزل عينيه وقال أنا قلتلك إن الموضوع محتاج تسوية، لكن لو كلامي وصلك إنك مجبرة تدفعي فورًا، فأنا آسف. كان المفروض أشرحلك كل حاجة بوضوح، وأسيب للمحامي يراجع الحسابات.
مارك سأله بحدة طيب، والمبلغ اللي أمي دفعته لك؟ راح فين؟
يوسف فتح الملف وطلع مجموعة أوراق قديمة.
المبلغ اتسجل عندي كدفعة تحت الحساب، مش كتسوية نهائية. ودي نسخة من الإيصال، ومعاها المراسلات اللي تثبت ده.
مارك أخد الأوراق، وبدأ يقارن التواريخ بالأوراق اللي لقيناها في الصندوق.
وفجأة، وقف عند مستند معين.
استنى... إيه الورقة دي؟
يوسف بص للمستند وقال دي ورقة كان أبوك موقّع عليها قبل وفاته. كان طالب إن أي تسوية نهائية للمشروع تتم بعد مراجعة مستقلة للحسابات.
مارك رفع عينيه وقال يعني أمي دفعت المبلغ من غير ما تكون التسوية النهائية اتعملت؟
يوسف رد أيوه، وده معناه إن لازم محامي يراجع الحسابات كاملة قبل ما أي حد يقرر إذا كان فيه مبلغ مستحق لأي طرف.
ديان كانت قاعدة ساكتة، ودموعها بتنزل على خدودها.
قالت بصوت مكسور أنا كنت فاكرة إني بحمي البيت وذكريات أبو مارك. ماكنتش أعرف إن الموضوع لسه مفتوح بالشكل ده.
مارك قرب منها وقال إحنا هنراجع كل حاجة يا ماما. ولو ليكي حق، هنحافظ عليه. لكن مش هنعرف الحقيقة غير لما نبطل نخبي الورق عن بعض.
يوسف هز راسه موافق، وبعدها فتح الجيب الداخلي للملف وطلع ظرفًا صغيرًا.
قال فيه حاجة تانية. أبوك سلّمني الظرف ده قبل وفاته بفترة قصيرة، وطلب مني ما أسلّموش غير لما تتجمع كل المستندات الخاصة بالمشروع.
مارك مد إيده وأخده.
كان مكتوب عليه اسمه بالكامل.
فتح الظرف، ولقى رسالة قصيرة من والده، بيطلب فيها منه إنه لو اضطر يومًا يتولى مراجعة المشروع، ما يعتمدش على كلام أي طرف لوحده، وإنه يطلب كشف حساب مستقل ويجمع كل المستندات قبل ما ياخد أي قرار.
مارك قرأ الرسالة مرتين، وبعدها ابتسم ابتسامة حزينة.
حتى في آخر أيامه، بابا كان عايزنا نحل مشاكلنا بالعقل، مش بالاتهامات.
ديان مسحت دموعها، وبصت لمارك وقالت أنا آسفة إني خليتك تشك فيا وفي مراتك، وآسفة إني حاولت أتمسك بيك بطريقة غلط.
أنا قربت منها وقلت المهم إننا نصلح اللي نقدر عليه، ونبدأ نحترم بعض من جديد.
يوسف قام من مكانه، وقال إنه مستعد يسلّم كل المستندات للمحامي، ويتعاون في مراجعة الحسابات، وبعدها مشي.
للحظة، حسيت إن كل الأسرار أخيرًا بدأت تتكشف، وإن المشكلة هتتحل بالعقل.
لكن مارك، وهو بيرتب الأوراق، لاحظ إن فيه صفحة ناقصة من العقد الأصلي.
بص ليوسف اللي كان لسه عند الباب، وناداه
استنى يا أستاذ يوسف! العقد اللي معاك مش كامل. فيه صفحة ناقصة من النص.
يوسف رجع وبص للملف، وبعدها قال غريبة... أنا كنت متأكد إن النسخة كاملة.
ديان قامت فجأة وقالت أنا عارفة الصفحة دي راحت فين.
كلنا بصينا لها.
مارك سألها فين يا ماما؟
ديان ترددت، وبعدين قالت
أنا اللي شلت الصفحة دي من العقد من خمس سنين... لكن مش علشان أخبي فلوس، ولا علشان أضر حد. شلتها لأن فيها اسم شخص كنت بحاول أحميه.
مارك اتصدم، ويوسف بص لها بقلق.
أما أنا، فحسيت إننا رجعنا لنقطة البداية من جديد.
مارك قرب من أمه وسألها
مين الشخص اللي كنتِ بتحاولي تحميه يا ماما؟
ديان بصت له، وبعد لحظات قالت اسمًا ماكنّاش نتوقعه أبدًا...
اسم حد من العيلة نفسها!
والأغرب إن مارك، أول ما سمع الاسم، عرف إن الموضوع مش مجرد خلاف مالي قديم، وإن فيه حكاية لازم تتقال من أولها للآخر.
مارك فضل باصص لأمه، مستنيها تكمل، لكن ديان نزلت عينيها وقالت الاسم بصوت واطي
أخوك يا مارك... عمك ديفيد.
مارك اتجمد مكانه.
عمي ديفيد؟! إيه علاقته بمشروع بابا؟ ده من سنين وهو بعيد عننا، وإحنا أصلًا ما بنتكلمش معاه!
يوسف اتحرك في مكانه، وبص لديان بقلق واضح.
ديان، أعتقد إن مارك لازم يعرف الحقيقة كاملة دلوقتي.
ديان هزت راسها ببطء، وقالت عارفة... بس كنت خايفة أخسره هو كمان.
أنا بصيت لمارك باستغراب، وبعدين سألتها هو إيه اللي حصل بالضبط؟
ديان سحبت نفسًا طويلًا، وبدأت تحكي.
قبل وفاة محمود بسنة، ديفيد كان بيمر بأزمة مالية صعبة. كان دخل في مشروع وخسر فيه مبلغ كبير، وكان مهدد إنه يخسر بيته. محمود قرر يساعده، وحوّل له مبلغ من فلوس المشروع، على أساس إن ديفيد يرجعه لما ظروفه تتحسن.
مارك قاطعها طيب، وإيه علاقة ده بالصفحة اللي شيلتيها من العقد؟
ردت الصفحة دي كان مكتوب فيها إن المبلغ اللي أخده ديفيد سلفة، وإنه لازم يتخصم من نصيبه في أي تسوية مستقبلية للمشروع. بعد وفاة أبوك، ديفيد كلمني وطلب مني ما أقولش حاجة، لأنه كان لسه بيحاول يقف على رجليه.
مارك حط إيده على جبينه وقال يعني إنتِ شيلتي الصفحة علشان تحمي عمي من إنه يتحاسب على الفلوس؟
ديان بدأت تعيط.
كنت فاكرة إن الموضوع هيتحل، وإنه هيرجع الفلوس من نفسه. ماكنتش عايزة العيلة تتفرق بعد وفاة محمود.
يوسف تدخل وقال أنا كنت أعرف إن فيه مبلغ اتصرف لمصلحة ديفيد، لكن ماكنتش أعرف إن الصفحة اختفت من العقد. وده سبب إن الحسابات فضلت معلقة كل السنين دي.
مارك قام من مكانه، ومشي خطوتين بعيد عن الترابيزة، وبعدها رجع وقال
يا ماما، إنتِ حاولتي تحمي عمي، لكن في المقابل خليتي الموضوع كله من غير مستند كامل، ودفعتي فلوس ليوسف من غير مراجعة، وبعدين احتفظتي بالسر ده لوحدك.
ديان ردت بصوت مكسور عارفة إني غلطت. بس أنا كنت خايفة إن محمود يكون زعلان مني لو عيلته اتفرقت بسببي.
مارك بص لها وقال بابا كان عايزنا نكون صريحين مع بعض، مش نخبي الحقيقة علشان نتجنب الزعل.
سكتت ديان، وما قدرتش ترد.
بعدها مارك قرر يتصل بعمه ديفيد، رغم إنهم ما اتكلموش من شهور طويلة.
ديفيد رد بعد رنتين.
مارك؟ خير يا ابني، فيه حاجة؟
مارك قاله مباشرة عمي، إحنا بنراجع أوراق مشروع بابا، وظهر موضوع المبلغ اللي أخدته منه قبل وفاته. محتاج أسمع منك الحقيقة.
الصمت اللي جه بعد السؤال كان طويلًا.
وبعدين ديفيد قال مين قالك الكلام ده؟
مارك رد ده مش مهم دلوقتي. المهم إن فيه مستند ناقص، وإننا عايزين نفهم الحسابات قبل ما ناخد أي قرار.
ديفيد تنهد وقال أنا ما نسيتش الفلوس دي يوم واحد. وكنت ناوي أرجعها، لكن الظروف اتعقدت، وبعد وفاة أخويا حسيت بالخجل إني أواجهكم.
مارك سأله طيب، هل عندك أي أوراق تثبت المبلغ والاتفاق اللي كان بينك وبين بابا؟
ديفيد رد أيوه، عندي نسخة من تحويل بنكي قديم، ورسالة من أخويا بتوضح إن الفلوس كانت سلفة. هبعتهملك، ومستعد أقابل المحامي ونراجع كل حاجة.
مارك وافق، وقفل المكالمة.
ديان كانت بتعيط بهدوء، وأنا حسيت إن الخلاف بدأ يتحول من اتهامات شخصية لمحاولة حقيقية لفهم اللي حصل.
لكن مارك ما اكتفاش بكده.
قال لأمه أنا هساعدك في موضوع الشقة، وهفضل جنبك، لكن من النهارده مفيش أسرار مالية أو قرارات تخص العيلة تتاخد من غير ما أصحاب الحق يعرفوا.
ديان وافقت، ووعدت إنها هتلتزم بموعد انتقالها لشقتها.
وبعد يومين، المحامي راجع المستندات الأولية، وطلب من كل الأطراف يجمعوا ما عندهم من أوراق قبل ما يحدد أي مستحقات أو التزامات.
كنت فاكرة إن ديان أخيرًا فهمت الدرس، وإننا هنقدر نعيش الفترة الباقية في هدوء.
لحد ما حصل موقف ماكنتش أتوقعه أبدًا.
كنت بجهز الغدا، ولقيت ديان داخلة المطبخ وهي شايلة طبق سلطة، ومعاها معلقة تقديم جديدة.
حطت الطبق على الترابيزة، وبعدين بصتلي وقالت
ممكن أطلب منك حاجة؟
قلتلها اتفضلي.
قالت أنا عايزة أتعلم أعتذر لنوح عن اللي كنت بعمله. مش عايزة يكبر وهو فاكر إن جدته ما بتحترمش كلام أمه.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقلت دي خطوة كويسة يا ديان.
لكن قبل ما أكمل كلامي، نوح دخل المطبخ، وبص للطبق، وبعدين بص لجدته وقال بعفوية
تيتا، إنتِ المرة دي هتاكلي بمعلقتك إنتِ، صح؟
ديان نزلت لمستواه، وهزت راسها وقالت أيوه يا حبيبي، كل واحد هيكون له معلقته وطبقه.
نوح ابتسم، وحضنها.
وللحظة، حسيت إن كل حاجة ممكن تتصلح فعلًا.
لكن في نفس الليلة، مارك رجع من مقابلة المحامي، وحط قدامي ورقة جديدة وقال
فيه تطور مهم في موضوع بابا... والمحامي اكتشف إن المبلغ اللي دفعته أمي ليوسف مش هو المشكلة الوحيدة. فيه معاملة مالية تانية لازم نفهم سببها قبل ما نقدر نقفل الملف.
بصيتله بقلق وسألته معاملة تانية؟ مع مين؟
مارك بص للورقة وقال
المرة دي، التحويل اتعمل باسم شخص ما حدش فينا كان متوقع إنه يكون له علاقة بالمشروع أصلًا.
والاسم اللي كان مكتوب في الورقة خلّى مارك يشك إن فيه جزء من القصة لسه ما اتكشفش... لكن قبل ما يحكيلي التفاصيل، تليفونه رن، وكان المتصل هو عمه ديفيد، اللي قاله جملة واحدة
مارك، لازم نتقابل فورًا... أنا افتكرت حاجة مهمة عن آخر أسبوع في حياة أبوك.
النهاية السر اللي غيّر حياة العيلة كلها!
مارك رد على مكالمة عمه ديفيد، واتفق معاه يتقابلوا تاني يوم في مكتب المحامي، علشان يعرفوا إيه الحكاية اللي لسه مستخبية.
تاني يوم، ديفيد وصل ومعاه ملف قديم، وقعد قصاد مارك وديان ويوسف.
فتح الملف وطلع منه صورة تحويل بنكي، وبعدها قال بصوت متردد
أنا افتكرت أخيرًا حكاية المبلغ التاني. الفلوس دي ما كانتش ليا، وما كانتش ليوسف كمان. أبوك حوّلها لجمعية خيرية كان بيساعدها في السر، وطلب إن الموضوع يفضل بعيد عن الإعلام.
مارك استغرب وسأله طيب، ليه التحويل اتسجل بطريقة مختلفة؟
ديفيد رد علشان الحساب اللي اتدفعت منه الفلوس كان حساب المشروع، وكان لازم تتراجع المعاملة مع باقي الحسابات. أنا كنت عارف بالتحويل، لكن ماكنتش أعرف إن فيه أوراق ناقصة.
المحامي راجع المستندات، وبعد أسابيع من الفحص، اتضح إن التحويل كان موثقًا، وإنه ما فيش دليل على وجود مخالفة مالية أو استيلاء على أموال. أما المبلغ اللي دفعته ديان ليوسف، فكان محتاج تسوية مستقلة، وبعد مراجعة الحسابات اتفق الطرفان على إنهاء الخلاف رسميًا من غير اتهامات متبادلة.
مارك أخيرًا حس إن الحمل اللي كان على قلبه بدأ يخف.
لكن كان لسه فيه شخص لازم يسمع منه اعتذار حقيقي.
أمه.
في المساء، قعد مارك مع ديان في الصالة، وقالها
يا ماما، أنا بحبك، وعمري ما هتخلى عنك. لكن اللي حصل خلاني أفهم إن حبنا لبعض مش كفاية لو مفيش ثقة واحترام.
ديان دموعها نزلت، وقالت أنا عارفة إني غلطت. كنت خايفة أخسرك، فبدل ما أقرّب منك، خليتك تبعد عني. وآذيت مراتك، وكمان ما احترمتش طلباتها في بيتها.
وبعدين لفت ناحيتي، وقالت
أنا آسفة على كل مرة اتكلمت معاكي باستهزاء، وعلى كل مرة استخدمت معلقة بعد ما لحستها ورجعتها في الأكل. كنت فاكرة إن اعتراضي على كلامك معناه إني بفرض شخصيتي، لكن الحقيقة إني كنت بتجاهل حقك في إنك تحافظي على سلامة ابنك.
أنا بصيتلها وقلت أنا قبلت اعتذارك يا ديان، لكن الثقة بترجع بالأفعال، مش بالكلام بس.
هزت راسها وقالت وعندك حق.
وبالفعل، ديان التزمت بقواعد البيت، وبقت تستخدم أدوات التقديم بشكل منفصل، ولو تعبت كانت بتبعد عن تجهيز الأكل لحد ما تتحسن.
وبعد أسبوع، شقتها الجديدة بقت جاهزة.
يوم انتقالها، مارك ساعدها تنقل حاجتها، وأنا جهزتلها شوية أكل في علب منفصلة علشان أول يوم ليها في الشقة يعدي بسهولة.
قبل ما تمشي، حضنت نوح وقالتله خلي بالك من ماما يا حبيبي، واسمع كلامها.
نوح ضحك وقال حاضر يا تيتا، بس إنتِ كمان اسمعي
كلام بابا!
ضحكنا كلنا، وحتى ديان ضحكت من قلبها.
وبعدين قربت مني وقالت عارفة إيه اللي اتعلمته من الست أسابيع دول؟ إني كنت بحاول أثبت إني أهم واحدة في حياة ابني، ونسيت إن الحب مش مسابقة، وإن وجودك في حياته مش معناه إن مكاني اختفى.
الكلام ده لمس قلبي، لأن دي كانت أول مرة تعترف بغلطها من غير ما تلومني أو تبرر تصرفاتها.
بعد ما مشيت، مارك حضني وقال أنا آسف إني اتأخرت في إني أحط حدود واضحة. كان المفروض أسمعك من أول مرة.
ابتسمت وقلتله المهم إنك سمعتني في الآخر.
وبعد شهور، علاقتنا بديان اتحسنت فعلًا. ما بقيناش أصحاب مقربين بين يوم وليلة، لكن بقينا بنتعامل باحترام، وهي بدأت تفهم إن احترام حدودنا مش معناه إننا بنبعدها عن حياتنا.
أما مارك، فاحتفظ برسالة أبوه في درج مكتبه، علشان تفضل تفكره إن العيلة مش بتتحافظ عليها بالأسرار ولا بالسيطرة، لكن بالصراحة والرحمة والاحترام.
وفي يوم، وأنا بحضر الغدا، دخل نوح المطبخ وبصلي وأنا بحط السلطة في طبق التقديم، وقال ببراءة
ماما، هو ينفع تيتا تيجي تتغدى معانا بكرة؟ أنا وحشتني!
ابتسمت، وبصيت لمارك اللي كان واقف عند الباب، وقلت
طبعًا يا حبيبي، البيت بيتها، طول ما إحنا بنحترم بعض.
ومن يومها، بقت ديان تيجي تزورنا، تقعد مع أحفادها، وتشاركنا الأكل من غير مشاكل.
والدرس اللي اتعلمناه كلنا كان واضح
صلة الرحم مش معناها إننا نقبل كل تصرف، والحفاظ على كرامتنا مش معناه إننا نقاطع اللي بنحبهم. نقدر نحب أهلنا، ونحط حدود في نفس الوقت.
أما حكاية المعلقة، فبقت ذكرى بنفتكرها ونضحك عليها أحيانًا، لكن ديان عمرها ما رجعت تعملها تاني!