بنتي اتصلت بيا حكايات زيزي
«أنا في الطريق للمستشفى يا بابا. عرفت إن إيميلي تعبانة، ولازم أتكلم معاها قبل ما الموضوع يكبر.»
صرخت من غير ما أحس:
«يكبر إيه يا يوسف؟! إنت تعرف إيه عن اللي حصل لأختك؟!»
سكت ابني ثواني، وبعدين قال:
«ماما، أرجوكي استنيني لما أوصل. أنا هشرحلك كل حاجة.»
بعد حوالي نص ساعة، يوسف دخل المكتب، وأول ما شاف إيميلي نايمة على السرير ووشها متغطي بالضمادات، عينيه اتمَلوا بالدموع.
قرب منها وقال:
«حقك عليّا يا أختي. أنا ما كنتش عايز الأمور توصل لكده.»
إيميلي بصتله بصدمة وسألته:
«إنت كنت تعرف إن فيه مشكلة في المركز؟»
يوسف نزل راسه وقال:
«أنا اللي عرّفت خالي على صاحب الشركة اللي بتتعامل مع المركز. كنت شغال معاهم فترة قصيرة في الحسابات، وعرفت إنهم بيدفعوا عمولات مقابل تحويل العملاء ليهم. لما عرفت إنك بتدوري على مركز تجميل، رشحتلك المكان بناءً على الكلام اللي سمعته عنهم، وافتكرت إنهم موثوقين.»
إيميلي ردت بوجع:
«بس إنت ما قلتليش إن ليك علاقة بالشركة!»
قال وهو بيعيط:
«لأني كنت خايف تعرفي إني كنت باخد منهم فلوس مقابل شغلي معاهم. أنا ما كنتش عارف إنهم ممكن يخفوا معلومات عن المخاطر أو إنك هتتعرضي للمضاعفات دي.»
خالي اتدخل بعصبية:
«كفاية تمثيل! إنت اللي كنت بتراجع الحسابات، وإنت اللي عرّفتنا على الشركة، وإنت اللي كنت عارف إن فيه اتفاقات مالية!»
يوسف بصله وقال:
«أيوه، أنا اشتغلت معاهم، لكن لما اكتشفت إن فيه مستندات مش مطابقة للواقع، رفضت أكمل معاهم. وأنا ما وقعتش على أي تعديل في موافقة إيميلي.»
الدكتور طلب من الكل يهدى، وقال إن الاتهامات المتبادلة مش هتثبت حاجة، وإن كل مستند لازم يتراجع رسميًا.
وفجأة، يوسف فتح شنطته وطلع فلاشة صغيرة.
قال:
«أنا جاي ومعايا حاجة ممكن تساعد في كشف الحقيقة.»
حط الفلاشة قدام مسؤول المستشفى، وشرح إن عليها نسخ من مراسلات العمل اللي احتفظ بيها قبل ما يسيب الشركة، وإنه مستعد يقدمها للجهات المختصة.
بعد مراجعة أولية للملفات المتاحة، ظهر إن فيه مراسلات بتوضح إن الدكتور سامح كان بيطلب تعديل بعض البيانات المالية بعد توقيع العملاء، وإن فيه خلافات سابقة بينه وبين الدكتور حسام بسبب طريقة شرح المخاطر للمرضى.
لكن ما كانش فيه دليل كافي وقتها يثبت مين اللي عدّل موافقة إيميلي تحديدًا، ولا مين استخدم توقيعي أنا وتوقيع محمود من غير إذن.
وده كان معناه إن الحقيقة لسه محتاجة تحقيق رسمي، مش مجرد اعترافات وانفعالات.
الدكتور حسام، اللي حضر بعد استدعائه، أكد إنه اعترض على استكمال الإجراء لما لاحظ رد الفعل الجلدي، وإنه طلب توثيق المضاعفات ومتابعة الحالة. لكنه اعترف كمان إنه ما تأكدش بنفسه إن إيميلي كانت فاهمة كل التفاصيل المتعلقة بالإجراء قبل ما يبدأ، وده خلّى دوره هو كمان يخضع للمراجعة.
أما الدكتور سامح، فأنكر إنه تعمّد تضليل إيميلي، لكن الرسائل والمستندات المتعارضة خلت الجهات المختصة تبدأ التحقيق في تصرفاته وتصرفات إدارة المركز.
وبعد أيام من مراجعة الأوراق، اتضح إن التوقيعات الموجودة على بعض المستندات محتاجة فحصًا فنيًا، وإن فيه مبالغ اتحولت لحساب الشركة الوسيطة من غير فواتير واضحة تشرح سببها.
وقتها قرر محمود يقدم بلاغًا رسميًا، وأنا أصريت إننا نطالب بنسخة كاملة من الملف الطبي لبنتنا، ونحتفظ بكل الرسائل والإيصالات.
لكن أهم معركة بالنسبة لي ما كانتش معركة الفلوس.
كانت معركة إني أشوف بنتي بتتعافى.
مرت أسابيع صعبة.
إيميلي بدأت تستجيب للعلاج، لكن التعافي كان أبطأ مما تمنيناه، والدكاترة وضحوا لنا إن تحديد النتيجة النهائية هيحتاج وقت ومتابعة منتظمة.
كنت بقعد جنبها كل يوم، أساعدها في مواعيد العلاج، وأسمعها وهي بتتكلم عن خوفها من شكلها ومن نظرات الناس.
وفي يوم، بصتلي وقالت:
«ماما، أنا كنت فاكرة إن تغيير شكلي هيخليني أحب نفسي أكتر. لكن لما حصل اللي حصل، اكتشفت إني كنت بحاول أهرب من إحساسي إني مش كفاية.»
مسكت إيديها وقلتلها:
«يا حبيبتي، إنتِ مش محتاجة تثبتي لأي حد إنك جميلة، ولا محتاجة تغيّري نفسك عشان تستحقي الحب والاحترام. ولو فيه حاجة مضايقاكي، من حقك تدوري على حل آمن، بس من غير ما حد يستغل خوفك أو يقنعك إن قيمتك متوقفة على شكلك.»
إيميلي عيطت، وحضنت إيدي بين إيديها.
«أنا آسفة إني كذبت عليكي وقلتلك إني بعمل عملية قلب.»
ابتسمت بحزن وقلت:
«أنا زعلت من الكذبة، لكن أكتر حاجة وجعتني إنك كنتِ خايفة تطلبي مساعدتي. عمري ما كنت هسيبك لو قلتيلي الحقيقة من الأول.»
وبعدها طلبت مني وعد.
قالت:
«لو في يوم حسيت إني مش راضية عن نفسي تاني، عايزاكي تسمعيني قبل ما تحكمي عليّا.»
وعدتها إني هسمعها، وإننا هنواجه أي مشكلة سوا.
بعد شهور، التحقيقات استمرت، واتراجع دور كل شخص شارك في الإجراء أو التعامل مع المستندات. بعض المخالفات ثبتت، بينما فضلت مسؤولية التوقيعات والتعديلات محل فحص رسمي، وما كانش من حقنا نعتبر أي شخص مدانًا قبل ما الإجراءات تكتمل.
أما خالي، فاعترف إنه أخفى عننا علاقته المالية بالشركة، وإنه غلط لما طلب من إيميلي تسكت بدل ما يساعدها تكشف الحقيقة من البداية.
يوسف كمان اعترف إنه كان لازم يوضح لأخته علاقته السابقة بالشركة قبل ما يرشح لها المركز، حتى لو ما كانش عارف إن فيه خطر.
علاقتنا العائلية اتأثرت بشدة، والثقة اللي اتكسرت ما رجعتش في يوم وليلة.
لكن محمود وأنا اتفقنا إننا مش هنسمح للخلافات دي إنها تمنعنا من الوقوف جنب إيميلي، وإن كل واحد مسؤول عن تصرفاته، مهما كانت صلته بينا.
وبعد فترة، بدأت إيميلي ترجع لحياتها بالتدريج، وتكمل دراستها، وتتعلم تتعامل مع آثار التجربة من غير ما تلوم نفسها على كل اللي حصل.
وفي أول يوم رجعت فيه للجامعة، وقفت قدام المراية وقت طويل.
وبعدين خرجت من أوضتها، وبصتلي بابتسامة صغيرة وقالت:
«ماما، أنا لسه بتعالج، ولسه عندي خوف من اللي حصل... بس المرة دي مش هخبي عنك حاجة.»
حضنتها وقلتلها:
«مش مطلوب منك تكوني قوية طول الوقت يا حبيبتي. المهم تعرفي إنك مش لوحدك.»
وبعد ما خرجت، رجعت أبص للمراية اللي كانت واقفة قدامها.
افتكرت اليوم اللي اتصلت بيا فيه وهي بتعيط، وقالتلي إنها محتاجة عملية قلب تنقذ حياتها.
وقتها كنت فاكرة إن الخطر كله في قلبها.
لكن الحقيقة إن بنتي كانت محتاجة حد ينقذها من الخوف، ومن الضغط، ومن الناس اللي استغلوا ثقتها.
وأكبر درس اتعلمته من الحكاية دي إن الحب مش معناه إننا نصدق أي حد من غير ما نسأل، ولا إننا نسكت عشان نحافظ على شكل العيلة قدام الناس. الحب الحقيقي إننا نحمي بعض، ونواجه الغلط، ونقف جنب اللي اتأذى لحد ما يقدر يقف على رجليه من جديد.
أما إيميلي، فبدأت تفهم إن قيمتها ما كانتش يومًا في شكل وشها، وإن أي أثر سابته التجربة مش هو اللي هيحدد مستقبلها.
لأنها في النهاية ما كانتش محتاجة وش جديد...
كانت محتاجة ترجع تثق في نفسها، وتعرف إن أمها هتفضل جنبها مهما حصل. ❤️