وانا واقف جنب الاسعاف

لمحة نيوز

وأنا واقف جنب الإسعاف اللي كان بياخد أبويا المستشفى، دسّ في إيدي ظرف وهمسلي خبّيه عن أمك. ولما فتحته، اكتشفت إني عمري ما عرفت أبويا بجد! 
أبويا عنده مشاكل في القلب بقاله فترة، لكن مستحيل تعرف ده من طريقة حياته.
هو عنده 55 سنة بس، وأعتقد إن دي جزء من المشكلة. هو في دماغه إن سن 55 لسه صغير جدًا على إنه يبقى شخص لازم يقلق على قلبه وصحته.
الدكاترة قالوا له يغيّر نظام أكله، لكنه ماعملش كده.
وكتبوا له أدوية، وشرحوا له قد إيه مهم ياخدها بانتظام، لكنه نص الوقت بينساها، والنص التاني بيقرر إنه حاسس إنه كويس ومش محتاج ياخدها أصلًا.
أمي بقالها سنين بتتخانق معاه بسبب الموضوع ده.
وفي الفترة الأخيرة، بقوا بيتخانقوا تقريبًا على كل حاجة تانية كمان.
أنا مبقتش أروح بيت أهلي بنفس الكثرة اللي كنت بروح بيها زمان. من فترة قصيرة بدأت شغل جديد، وبين الشغل والمشاوير وقضاء المصالح ومحاولتي إني أبني حياة مستقرة لنفسي، ساعات بتعدّي أسابيع قبل ما آخد بالي إني مازرتهمش.
وعشان كده، لما أمي عزمتني على العشا، عملت حكاية كبيرة جدًا من الموضوع.
طبخت كل الأكل اللي أبويا المفروض مايقربلوش أصلًا فراخ مقلية، وبطاطس مهروسة بالزبدة، وصوص لحمة، وعيش طازة، وحلو غريب بتعمله من وأنا طفلة.
بصيت للسفرة وقلت بهزار
دكتور القلب بتاعك ممكن يجيله أزمة قلبية لو شاف السفرة دي بس!
أبويا ضحك.
لكن أمي ما ضحكتش.
قالت بحدة
يمكن لو سمع كلام دكتور القلب مرة واحدة في حياته، ماكنتش هفضل قلبي مقبوض كل ما يطلع السلم!
أبويا قلّب عينيه بضيق وقال
أهو ابتدينا بقى!
ردت عليه
أنا بتكلم بجد.
قال لها
عارف، إنتِ طول عمرك بتتكلمي بجد!
وده تقريبًا كان جو العشا كله.
أي كلمة بيقولها واحد فيهم كانت بتستفز التاني.
ولما أمي جابت سيرة إن فيه طلبية تانية هتوصل الصبح، أبويا تمتم بضيق
طبعًا، ما هو لازم!
سمعته أمي وردت عليه فورًا
على الأقل أنا بصرف من فلوسي أنا!
قال لها
إنتِ هتخلّصي فلوس المعاش بتاعك قبل ما توصلي أصلًا لسن المعاش!
ردت عليه
وإنت هتفضل تاكل لحد ما تلاقي نفسك في المستشفى قبل ما تلحق تستفيد بمعاشك!
الأوضة كلها سكتت.
فضلت باصص في طبقي ومش عارف أقول إيه.
كنت عارف إن علاقتهم مش أحسن حاجة من ساعة ما سبت البيت، لكن ماكنتش متخيل إن الأمور وصلت للسوء ده.
أبويا كان اشتكى لي قبل كده من مصاريف أمي، ومن مشترياتها أونلاين، وخروجاتها للكازينو مع صاحباتها، وحاجات غريبة كانت بتظهر في البيت كل يوم تقريبًا.
أما أمي، فكانت بتشتكي إن أبويا مش بياخد أي حاجة بجدية، لا صحته، ولا فلوسه، ولا حتى جوازهم.
وعادةً كنت بحاول ما أدخلش نفسي في مشاكلهم.
لكن الليلة دي، ماكانش فيه أي مكان أهرب له من الخناقات دي.
أبويا زق طبقه بعيد عنه وقال
هو مفيش عشا نقدر ناكله من غير ما تعملي لي محاضرة؟!
ردت أمي
وهو مفيش شهر واحد يعدّي من غير ما أضطر أسألك إذا كنت بتاخد حبوبك ولا لأ؟!
قال لها
أنا أخدتها.
سألته فورًا
إمتى؟
أبويا ما ردش.
أمي ضحكت ضحكة صغيرة، لكن كانت مليانة مرارة وقالت
أهو، بالظبط!
فتح بقه عشان يرد عليها...
لكن فجأة، ملامح وشه اتغيّرت.
في الأول افتكرت إنه اتعصب، لأن وشه اتشد وحط إيده على الناحية الشمال من قميصه.
لكن بعدها لاحظت طريقة تنفسه.
كان بيتنفس بسرعة وبصعوبة.
صرخت
بابا؟!
ما ردش عليّا.
ضغط بإيده على صدره، وسند ضهره لورا على الكرسي.
وشه بقى شاحب جدًا، وكان في عينيه نظرة رعب غريبة خوفتني فورًا.
قربت منه وسألته
بابا، إنت كويس؟!
رد بصعوبة
قلبي... قلبي بيدق بسرعة أوي.
بلع ريقه بالعافية، وبعدها قال إنه حاسس بدوخة.
مسكت موبايلي بسرعة، وفي نفس اللحظة كانت أمي وصلت لجنبه.
نبضه كان غريب وغير منتظم، وفي خلال ثواني بدأ يعرق بغزارة رغم إن الجو ماكانش حر.
فضل يقول إن قلبه حاسس كأنه بيرفرف جوا صدره، وفي نفس الوقت بيدق بسرعة جنونية.
ده كان كفاية بالنسبة لي.
اتصلت بالطوارئ فورًا.
ولما المسعفين وصلوا، كان أبويا لسه واعي، لكن حالته كانت سيئة جدًا.
بدأوا يفحصوه على طول، وثبّتوا أقطاب كهربائية على صدره، وفضلوا يسألوه عن الأدوية اللي بياخدها، وتاريخه المرضي، وإذا كان حاسس بألم في صدره.
وأثناء ما كانوا بيشتغلوا عليه، أمي جريت على فوق.
رجعت وهي شايلة شنطة سفر صغيرة.
قالت له
جهزت لك هدومك، وفرشة أسنانك، ومحفظتك، والشاحن، وكل أدويتك.
واحد من المسعفين ساعد أبويا يطلع على الترولي.
كل حاجة كانت بتحصل بسرعة رهيبة، لدرجة إني ماكنتش قادر أستوعب اللي بيحصل حواليا.
أمي كانت واقفة على بُعد خطوات، بتتكلم مع مسعف تاني وبتجاوب على أسئلته بخصوص الأدوية اللي أبويا بياخدها.
وفجأة، أبويا مد إيده ناحية شنطة السفر الصغيرة.
افتكرت إنه عايز محفظته.
لكنه فتح السوستة، ومد إيده في جيب البنطلون الإضافي اللي أمي كانت حطاهوله في الشنطة، وطلع ظرف صغير مقفول.
وبعدين مسك رسغي بقوة.
قربت منه أكتر، لأن صوته كان واطي جدًا وسط كل الدوشة اللي حوالينا.
حط الظرف في كف إيدي وهمس لي
خبّيه عن أمك طول ما أنا في المستشفى.
اتجمدت مكاني.
بصيت له بصدمة وسألته
إيه؟!
لكنه كان ساب إيدي خلاص.
المسعفون بدأوا يحرّكوا الترولي ناحية الباب.
أمي لفتت وشها في اللحظة دي.
ومن غير حتى ما أفكر، دسّيت الظرف ورا حزام البنطلون بتاعي، وغطيته بالهودي اللي كنت لابسه.
وبعد دقيقة واحدة، أبواب الإسعاف اتقفلت.
أمي وقفت جنبي عند مدخل البيت، بتعيط وبتتابع بعينيها أضواء الإسعاف وهي بتختفي في آخر الشارع.
بعدها مسحت دموعها، وبصت لشنطة السفر اللي اتنسيت مفتوحة على البلكونة الأمامية للبيت، وقطّبت حواجبها باستغراب.
فجأة، قالت
استنى كده!
وبصت لي مباشرة في عيني.
وسألتني سؤال خلّى قلبي يقع في رجلي
حكايات_زيزي 
أبوك طلع أي حاجة من الشنطة دي؟! ووو
بصّيت لأمي وأنا بحاول أبان طبيعي، رغم إن الظرف اللي أبويا دسّه في إيدي كان حاسس إنه بيحرق جلدي من ورا ضهري.
قلت لها بتوتر لا يا ماما، هو كان بيدوّر على محفظته بس.
فضلت باصة لي من غير ما ترمش، وكأنها بتحاول تقرأ أفكاري.
قالت غريبة... أنا حطيت المحفظة في الجيب الخارجي للشنطة، وهو عمره ما بيحط إيده في جيب الهدوم الإضافية.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
حاولت أضحك وقلت يا ماما، الراجل كان تعبان ومش في وعيه. أكيد كان بيدوّر على أي حاجة وخلاص.
لكنها ما اقتنعتش.
قربت مني خطوة، ومدّت إيدها ناحية الهودي بتاعي، وقالت بصوت هادي بشكل خوّفني أكتر من عصبيتها
طيب، وريني إيدك.
بصّيت لها باستغراب مصطنع إيدي؟ مالها؟
قالت إيدك اللي كان أبوك ماسكها قبل ما يمشي.
حسّيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
أبويا كان فعلًا مسك إيدي بقوة، لكن إزاي أمي لاحظت التفصيلة دي وسط كل الفوضى اللي كانت بتحصل؟
رجعت خطوة لورا وقلت إنتِ بتقولي إيه يا ماما؟
وفجأة، ملامحها اتغيّرت.
الدموع اللي كانت في عينيها اختفت، وحل مكانها خوف حقيقي.
قالت بصوت مبحوح اسمعني كويس... لو أبوك اداك أي حاجة، لازم أعرف هي إيه.
سألتها وأنا بحاول أسيطر على صوتي ليه؟ هو إيه اللي ممكن يكون في الظرف ويخوفك بالشكل ده؟
ما ردتش.
بدل ما تجاوب، بصّت ناحية الشارع اللي الإسعاف اختفت فيه، وبعدها رجعت بصّت لي وقالت
لأن أبوك مش المفروض يكون محتفظ بالحاجة دي لحد دلوقتي.
اتسمرت مكاني.
يعني إيه مش المفروض يكون محتفظ بيها؟
وقبل ما أقدر أسألها، موبايلها رن.
بصّت للشاشة، وفجأة وشها شحب.
المكالمة كانت من رقم مش مسجل عندها.
ردّت بتردد ألو؟
سمعت صوت شخص بيتكلم من الناحية التانية، لكن ماقدرتش أميّز كلامه.
كل اللي شفته إن إيد أمي بدأت ترتعش، وإنها فضلت باصة لي طول المكالمة.
وبعد ثواني، قالت جملة واحدة
لا... هو ماقالوش حاجة. أنا متأكدة.
قفلت المكالمة، وحطت الموبايل في جيبها بسرعة.
سألتها مين ده يا ماما؟
قالت محدش.
صرخت فيها لأول مرة محدش إزاي؟ إنتِ بتعيطي، وأبويا في الإسعاف، وفيه ظرف خبّاه عنك، وإنتِ بتقولي إنك مش المفروض تعرفي عنه حاجة! إيه اللي بيحصل هنا؟!
أمي غمّضت عينيها للحظة، ولما فتحتهم، كان واضح إنها بتحاول تقرر تقول لي الحقيقة ولا لأ.
وبعدين قالت تعالى جوه. فيه حاجة لازم تعرفها عن أبوك... بس أوعدني إنك مش هتحكم عليه قبل ما تسمعني للآخر.
دخلنا البيت، وقفلت الباب بالمفتاح.
طلعت الظرف من ورا حزام البنطلون، وحطيته على الترابيزة بيننا.
أمي أول ما شافته، حطت إيدها على بقها، ورجعت لورا كأنها شافت شبح.
همست يا نهار أبيض... هو لسه محتفظ بيه!
بصّيت لها بصدمة إنتِ عارفة الظرف ده؟!
هزّت راسها ببطء، وقالت أنا اللي حطيته في إيده من سنين... وكنت فاكرة إنه خلّص منه للأبد.
فتحت الظرف بإيدين بيترعشوا.
جواه كان فيه مفتاح صغير، وصورة قديمة لأبويا وهو شاب، واقف قدام بيت ما شفتوش في حياتي، وورقة مطوية عليها عنوان مكتوب بخط إيده.
لكن اللي خلّى نفسي يتسحب من صدري، كان السطر المكتوب تحت العنوان
لو ابني عرف الحقيقة، لازم يروح للمكان ده قبل ما يعرف أي حاجة تانية.
رفعت عيني لأمي.
حقيقة إيه يا ماما؟ وإيه المكان ده؟
قعدت على الكرسي، وبدأت تعيط من غير صوت.
وبعد لحظات، قالت
أبوك طول عمره قال لك إن حياته بدأت يوم اتجوزني... وإنه ماكانش عنده أسرار قبل جوازنا.
سكتت شوية، وبعدين كملت
لكن الحقيقة إنه كان عنده حياة كاملة قبل ما يعرفني... حياة أنا نفسي ماكنتش أعرف عنها كل حاجة.
مسكت الصورة وقلّبتها.
على ضهرها كان فيه تاريخ قديم، وبعده جملة مكتوبة بقلم أزرق
إلى ابني... لو اضطريت تعرفني من جديد، ابدأ من هنا.
وتحت الجملة كان فيه اسم شخص.
اسم عمري ما سمعته قبل كده.
لكن أمي أول ما شافته، قامت من مكانها فجأة، وخطفت الصورة من إيدي.
صرخت لأ! الاسم ده بالذات ماينفعش تعرفه!
وفي اللحظة دي، سمعنا صوت خبط عنيف على باب البيت.
ثلاث خبطات ورا بعض.
وبعدين صوت راجل من بره قال
افتحي يا مدام... أنا عارف إن الظرف وصل لابنك.
أمي بصّت لي برعب، وهمست
إوعى تفتح الباب... الراجل ده هو آخر شخص أبوك كان عايزك تقابله!
بصّيت لأمي وأنا حاسس إن كل حاجة حواليا بتنهار، وسألتها بصوت واطي
مين الراجل ده يا ماما؟ وإزاي عرف إن الظرف وصل لي؟!
أمي ما ردتش. فضلت واقفة مكانها، عينيها معلقة بالباب، وإيديها بتترعش لدرجة إنها مش قادرة تمسك الصورة كويس.
الخبط اتكرر، المرة دي بعنف أكتر.
يا مدام، أنا مش جاي أعمل مشاكل! أنا محتاج أتكلم مع ابنك قبل ما الأوان يفوت!
صرخت أمي من جوه البيت
امشي من هنا يا فؤاد! إحنا مالناش دعوة بيك، ومش عايزين نشوفك تاني!
أول ما سمعت الاسم، حسيت بصدمة.
فؤاد!
ده نفس الاسم المكتوب على ضهر الصورة.
يعني الراجل اللي واقف بره هو الشخص اللي أبويا كان بيحذرني منه؟
لكن الغريب إن فؤاد ما مشيش. بالعكس، صوته بقى أهدى، وقال
إنتِ عارفة كويس إنك مش هتقدري

تم نسخ الرابط