وانا واقف جنب الاسعاف
عاطفي. أنا عايز إجابات واضحة.
هز راسه باحترام.
ومن حقك.
قعدنا، وبدأ يحكي لي عن مريم، وعن خطوبتهم، وعن اختفائها، وعن السنين اللي قضاها بيدور عليها.
وبعدين فتح درج مكتبه، وطلع ملف صغير.
قال
ده كل اللي قدرت أجمعه بنفسي. مش هو الملف الأصلي، لكنه فيه نسخ من بعض المستندات والصور.
بدأت أقلب الأوراق.
لقيت صورة لمريم وهي واقفة قدام مشغل الخياطة اللي كانت بتشتغل فيه، ورسالة قديمة بخط إيدها، وصورة تانية ليها وهي حامل.
لكن فجأة، لقيت ورقة مختلفة عن الباقي.
كانت إفادة مكتوبة بخط موظف في المستشفى، وعليها تاريخ يوم ولادتي.
قرأت أول سطر، وحسيت إن إيدي بتترعش.
تم تسليم الطفل إلى السيد محمود بناءً على طلب مكتوب من والدة الطفل، بعد موافقتها على ترتيب مؤقت لرعايته.
رفعت عيني لفؤاد.
يعني أمي وافقت إن بابا يربيني؟
قال
ده اللي الورقة بتقوله. لكن فيه حاجة مش مفهومة.
وأشار لآخر الصفحة.
كان فيه توقيع باسم مريم، وتحته توقيع شاهد.
اسم الشاهد كان عادل.
سألته
هل ده معناه إن عمي كان موجود يوم ولادتي؟
رد فؤاد
أيوه، وده اللي خلاني أشك إنه يعرف أكتر مما قاله لنا.
قلبت الورقة، فلاحظت إن فيه سطر مكتوب بالقلم الرصاص في الخلف.
كان قصيرًا، لكنه خلاني أنسى نفسي وأنا بقرأه
تُسلَّم الرسالة الثانية إلى الطفل عند بلوغه الثامنة والعشرين، بشرط التأكد من هوية المستلم.
الثامنة والعشرين!
ده عمري الحالي بالظبط!
بصيت لفؤاد وقلت
فيه رسالة تانية؟!
فؤاد هز راسه ببطء.
أنا ما شفتهاش، لكن المحامي سامح قال لي من سنين إن مريم سابت رسالة إضافية، وإنها طلبت ما تتفتحش إلا لما تتم تمانية وعشرين سنة.
والرسالة دي فين؟!
فؤاد سكت لحظة، وبعدين فتح درج تاني وطلع ظرفًا أبيض صغيرًا.
كان عليه اسمي كاملًا، وتاريخ ميلادي، وتحتهم جملة بخط إيد مختلف
إلى ابني الذي لم أتوقف يومًا عن انتظاره.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
مديت إيدي عشان آخد الظرف، لكن فؤاد حطه على المكتب وقال
قبل ما تفتحه، لازم تعرف إن الرسالة دي وصلت لي من مجهول الصبح. ومفيش أي دليل عندي يثبت مين اللي بعتها أو إذا كانت فعلًا من مريم.
بصيت للظرف، وبعدها بصيت له.
يعني ممكن تكون مزورة؟
ممكن. وممكن تكون حقيقية. علشان كده لازم نتحقق من مصدرها قبل ما نصدق أي كلمة فيها.
قعدت قدام الظرف، وأنا مش عارف أعمل إيه.
وفجأة، موبايل فؤاد رن.
بص للشاشة، ورد.
ما اتكلمش غير ثوانٍ قليلة، وبعدها وقف من مكانه وقال
إنت متأكد من العنوان؟!
سكت يسمع الرد، وبعدين قفل المكالمة وبص لي.
كان وشه متغيرًا تمامًا.
سألته
فيه إيه؟!
قال بصوت واطي
المحامي سامح اتصل. الشرطة وصلت لمعلومة جديدة عن اختفاء مريم، وفيه سجل قديم اتلاقى في أرشيف المستشفى.
وإيه اللي فيه؟!
فؤاد بص للرسالة الموجودة على المكتب، وقال
السجل بيقول إن مريم خرجت من المستشفى بعد ولادتك بيومين، وإنها كانت عايشة وقتها.
حسيت بدموعي بتنزل من غير ما أحس.
يعني أمي ممكن تكون لسه عايشة؟!
فؤاد رد بحذر
ممكن. لكن فيه تفصيلة أخطر من كده.
قرب مني، ووراني صورة للسجل على موبايله.
في خانة عنوان الإقامة، كان فيه عنوان قديم لدار رعاية خارج المحافظة.
وتحت العنوان مباشرة، كانت فيه ملاحظة أضيفت بعد سنوات من اختفاء مريم.
تم تحديث بيانات صاحبة الملف منذ ثلاثة أشهر، بناءً على طلب شخص حضر بنفسه وقدم بطاقة هويته.
أما اسم الشخص اللي حضر، فكان...
محمود عبدالسلام، أبويا!
بصيت لفؤاد، مش قادر أصدق.
إزاي بابا حدّث بيانات أمي من تلات شهور، وهو طول السنين دي بيقول إنه مش عارف مكانها؟!
فؤاد ما ردش.
وفي اللحظة دي، فهمت إن الظرف اللي أبويا اداهولي مش مجرد مفتاح لسر قديم.
كان دليلًا على إن أبويا عرف مكان أمي قبل ما يسلمني الظرف بوقت طويل... وإنه كان فيه سبب خلىّه يستنى لحد النهارده بالذات عشان يخليني أعرف الحقيقة.
والسبب ده، مهما كان، لازم أواجهه بيه.
لكن قبل ما أتحرك، وصلتني رسالة من رقم مجهول
لو عايز تقابل أمك، تعالى لوحدك بكرة الساعة خمسة. وماتقولش لفؤاد. هو مش عارف إن مريم خرجت من دار الرعاية من أسبوع... وإنها سابت لك رسالة أخيرة قبل ما تمشي.
وتحت الرسالة كان فيه عنوان، وصورة حديثة لست شعرها أبيض، واقفة قدام بوابة دار الرعاية... وعلى إيدها نفس الساعة الفضية اللي أمي شافتها مع عمي عادل من سبعة وعشرين سنة!
يتبع...
النهاية السر اللي اتخبّى 28 سنة!
فضلت باصص للصورة اللي وصلتني، مش قادر أصدق إن الست دي ممكن تكون أمي الحقيقية، وإنها كانت قريبة مني طول الوقت من غير ما أعرف عنها أي حاجة.
قررت ماستناش لبكرة. اتصلت بأبويا وطلبت منه يقابلني في عنوان دار الرعاية، لكنه أول ما سمع العنوان، سكت تمامًا.
قلت له بعصبية
إنت عارف المكان ده، صح يا بابا؟!
رد بصوت مكسور
أيوه... وعارف إنك وصلت للحقيقة اللي حاولت أهرب منها سنين.
أمي كانت هناك؟! وإنت كنت بتزورها من تلات شهور؟!
تنهد وقال
أيوه. مريم كانت عايشة، وأنا عرفت مكانها من فترة. لكن قبل ما أشرح لك، لازم أكون موجود وأنا بواجهك بالحقيقة كاملة.
اتفقنا نتقابل هناك، وبعد أقل من ساعة كنت واقف قدام بوابة دار الرعاية، وفؤاد جنبي، وأبويا جاي في عربية أجرة، رغم إن الدكتور كان موصيه بالراحة.
دخلنا، وبعد ما شرحنا للمسؤولين إحنا مين، موظفة كبيرة في السن طلبت مننا نستناها في الصالة.
رجعت بعد دقائق، وفي إيدها صندوق صغير.
قالت
مدام مريم سابت الصندوق ده قبل ما تمشي. قالت لو ابنها جه يسأل عنها، يتسلم له بنفسه.
فتحت الصندوق بإيدين مرتعشتين.
جواه كان فيه صورة ليا وأنا رضيع، وقلادة صغيرة، وخطاب طويل مكتوب بخط إيد أمي.
بدأت أقرأ
ابني الحبيب،
لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى أخيرًا عرفت إني موجودة، وإن اختفائي ماكانش معناه إني نسيتك أو تخليت عنك.
يوم ولادتك، كنت تعبانة جدًا، وخفت ماقدرش أربيك لوحدي. فؤاد كان بعيد عني، وأنا كنت في خلافات كبيرة مع عيلتي. عادل، عم محمود، عرض يساعدني ويوصلني لمكان آمن لحد ما أقدر أرجع أقف على رجلي.
لكن بعد ولادتك، حصلت مشكلة غيرت كل حاجة.
عادل قال لي إن فيه خلافًا كبيرًا بين فؤاد ومحمود، وإن محمود أقدر واحد يوفر لك بيت مستقر، وإنك هتكون في أمان معاه لحد ما أرجع.
وافقت على رعايتك مؤقتًا، ووقّعت الأوراق وأنا فاكرة إننا متفقين على ده.
لكن بعد يومين، لما حاولت أرجع لك، اكتشفت إن الأمور اتغيرت، وإن محمود أخدك البيت وبدأ يعاملك كأنك ابنه.
حاولت أرجع لك، لكن عادل أقنعني إن ظهوري وقتها ممكن يدخلك في خلافات ومشاكل أكبر، وإن الأفضل أستنى لحد ما تكبر.
أنا ماكنتش موافقة على إنك تتحرم مني، لكني كنت ضعيفة وخايفة، وفضلت أصدق الوعود إنك هتعرف الحقيقة لما تكبر.
مرت السنين، وكل مرة كنت أقرر أرجع، كان الخوف يرجعني خطوة لورا.
أنا مش بكتب لك علشان ألوم حد أو أطلب منك تكره أبوك اللي رباك. أنا بكتب علشان تعرف إنك كنت محبوبًا من أول يوم، وإن غيابي كان نتيجة قرارات وخوف وأسرار، مش لأنك ماكنتش مهم عندي.
لو لسه عايز تشوفني، هتلاقيني في العنوان المكتوب في آخر الرسالة.
ولو قررت ما تجيش، هحترم قرارك، وهفضل أدعيلك من بعيد.
أمك، مريم.
خلصت القراءة وأنا بعيط.
رفعت عيني لأبويا.
ليه يا بابا؟ ليه ما رجعتنيش لأمي لما عرفت إنها عايشة؟!
أبويا قعد على الكرسي، وغطى وشه بإيده.
في البداية، كنت فاكر إنك هترجع لها قريب. لكن لما كبرت، بقيت ابني بكل معنى الكلمة. كنت خايف أخسرك، وكل سنة كانت بتعدي كانت بتخليني أجبن أكتر. ولما عرفت مكانها من تلات شهور، قابلتها وطلبت منها تسامحني.
فؤاد بص له بغضب
وإنت ماقولتلناش ليه؟!
رد أبويا
لأنها طلبت مني أسيب القرار لابنها. قالت إنها مش عايزة حد يضغط عليه أو يجبره يرجع لها.
بصيت لأبويا، وقلت
يعني إنت كنت ممكن تخليني أقابلها من غير ما أعرف كل ده؟
هز راسه.
أيوه. وكنت ناوي أقول لك الحقيقة، لكني كنت محتاج شجاعة ماكنتش عندي طول السنين اللي فاتت.
في اللحظة دي، فهمت إن أبويا ماكانش شريرًا بيخطط يدمّر حياتي، لكنه ارتكب خطأ كبيرًا بدافع الخوف والتعلق، واستمر في إخفائه لحد ما بقى أكبر من قدرته على إصلاحه.
لكن لسه كان فيه سؤال واحد.
وعمي عادل؟ إيه حقيقة الساعة اللي كانت معاه؟
أبويا بص لفؤاد، وبعدها قال
عادل احتفظ بالساعة بعد ما مريم سابتها عنده يوم ولادتك. كانت أمانة عنده، لكنه ماقالش الحقيقة كاملة وقتها، وكان خايف يعترف إنه ساهم في إبعادها عنك وعن فؤاد.
فؤاد أضاف
ولما واجهته مؤخرًا، اعترف إنه غلط لما أقنع مريم تستنى، لكنه أكد إنه ماكانش عايز يحرمك من أمك. هو كان فاكر إن التأجيل هيحل المشكلة، لكنه خلّى السنين تعدي.
ماقدرتش أسامح عمي فورًا، لكني قررت أسمع منه الحقيقة بنفسي بدل ما أحكم عليه من ورق ناقص ورسائل مجهولة.
في اليوم التالي، رحت العنوان المكتوب في الرسالة.
كان بيت صغير في شارع هادي، قدامه شجرة ياسمين.
خبطت على الباب.
فتحته ست شعرها أبيض، وملامحها فيها تعب السنين.
أول ما شافتني، حطت إيدها على بقها، ودموعها نزلت.
همست
ابني؟
ماقدرتش أرد.
فضلت باصص لها، بحاول أشوف في ملامحها أي حاجة من ملامحي.
مدت إيدها بتردد، وقالت
مش هطلب منك تناديني ماما، ومش هطلب منك تسامحني النهارده. أنا بس كنت محتاجة أشوفك مرة قبل ما العمر يفوت.
قربت منها خطوة.
وبعدين خطوة تانية.
ولما بقيت قدامها، سألتها
إنتِ فعلًا كنتِ بتدوري عليّا؟
أخرجت من درج قريب مجموعة خطابات قديمة، كلها باسمي، بعضها من أيام طفولتي، وبعضها من سنين المراهقة.
قالت
كنت بكتب لك كل سنة في عيد ميلادك. ماكنتش عارفة عنوانك، وماقدرتش أوصل لك. لكن عمري ما نسيت يوم ميلادك.
مسكت الخطابات، وبدأت أعيط.
ماقدرتش أرجع السنين اللي ضاعت، ولا أغيّر القرارات اللي اتاخدت من غير ما يكون ليا صوت فيها.
لكن قدرت، لأول مرة، أسمع حكاية أمي من غير ما حد يتكلم بدلًا منها.
وهمست
أنا مش عارف هقدر أسامح كل اللي حصل إمتى، لكن مش عايز أخسر الوقت اللي فاضل لينا.
أمي انهارت في العياط، وفضلت تكرر
الحمد لله إنك جيت... الحمد لله إنك جيت.
مرت شهور.
بدأت أزور أمي بانتظام، واتعرفت عليها من جديد، واكتشفت إنها بتحب الزرع، وبتحتفظ بالصور القديمة، وبتفتكر تفاصيل صغيرة عن يوم ولادتي محدش غيرها كان يعرفها.
أما أبويا، فبدأ يواجه أخطاءه بدل ما يهرب منها. اعتذر لفؤاد، واعتذر لأمي، وبدأ يهتم بصحته ويلتزم بعلاجه تحت إشراف طبيبه.
علاقتنا ما رجعتش زي الأول بسرعة، لكننا بدأنا نتكلم بصراحة لأول مرة.
وعمي عادل اعترف بدوره في اللي حصل، وطلب مني أسامحه. ماوعدتوش إني هنسى، لكن وافقت إننا نبدأ من جديد بالتدريج.
وفي يوم عيد ميلادي الثامن
والعشرين، اجتمعت العيلة كلها لأول مرة من سنين، من غير أسرار ولا خطابات مخبأة.
أمي جابت لي هدية صغيرة إطار خشبي فيه الصورة القديمة اللي كانت شايلاني فيها وأنا رضيع.
وتحت الصورة كتبت
الحب ممكن يفضل موجود رغم الغياب، لكن الحقيقة لازم تلاقي طريقها للنور.
وقفت قدامهم كلهم، وقلت
أنا خسرت سبعة وعشرين سنة من معرفة أمي، لكن مش هسمح للسر ده يسرق بقية عمري كمان. مش هقدر أغيّر الماضي، لكن أقدر أختار إني ما أكررهوش.
أبويا ، وأمي مسكت إيدي، وفؤاد وقف جنبنا في صمت، وعينيه مليانة دموع.
في اللحظة دي، فهمت إن العيلة مش مجرد اسم مكتوب في شهادة ميلاد، وإن الحب وحده مش كفاية لو اتحول لخوف وكتمان وقرارات بتتاخد بدلًا من الآخرين.
وأكبر درس اتعلمته كان إن الحقيقة ممكن توجعنا، لكنها بتدينا فرصة نبدأ من جديد... أما السر، فكل ما نخبيه أكتر، كل ما يسرق من عمرنا أكتر.
تمت النهاية.