وانا واقف جنب الاسعاف

لمحة نيوز

أمال مين أبويا الحقيقي؟!
أبويا مد إيده ناحية الصندوق، وطلب مني أطلع آخر صورة موجودة تحته.
كانت صورة قديمة لست شابة شايلة طفل رضيع، وواقفة جنب راجل ملامحه مش واضحة قوي.
لكن على ضهر الصورة كان فيه اسم وتاريخ.
أبويا شاف الصورة، وبدأت دموعه تنزل.
وقال
دي الصورة الوحيدة اللي فضلت عندي من اليوم اللي اتغيرت فيه حياتنا كلنا... والست اللي شايلة الطفل دي هي السبب اللي خلاني أخبي عنك الحقيقة سبعة وعشرين سنة.
وبعدين بص لي وقال
يا ابني، الست دي مش أمك... لكنها كانت آخر شخص شاف أمك الحقيقية قبل ما تختفي.
يتبع...
فضلت واقف قدام أبويا، مش عارف أستوعب كلمة واحدة من اللي قالها.
أمي الحقيقية اختفت؟! يعني إيه اختفت يا بابا؟! أمي عايشة ولا ماتت؟!
أبويا حط إيده على صدره، وأخد نفس طويل، وأمي جريت تجيب له كوباية مية.
شرب شوية، وبعدين بص لي وقال
أنا عارف إنك من حقك تسأل، وعارف إن كل كلمة هقولها مش هتكفي تعوضك عن السنين اللي عشتها وإنت مش عارف الحقيقة. بس لازم تسمع الحكاية من أولها.
قعدت قصاده، وحطيت الصورة على الترابيزة.
أمي قعدت جنبنا، وفضلت باصة للأرض.
أبويا بدأ يحكي...
من سبعة وعشرين سنة، كنت لسه شاب، وكنت شغال مع فؤاد في ورشة صغيرة. فؤاد كان صاحبي من أيام المدرسة، وكنا قريبين لدرجة إن كل واحد فينا كان بيعتبر التاني أخوه.
وماله هو بالموضوع؟
أبويا كمل
في الفترة دي، فؤاد اتعرف على بنت اسمها مريم. كانت بنت طيبة، وبتشتغل في مشغل خياطة، وكانت بتساعد أهلها على قد ما تقدر. فؤاد حبها، واتفقوا إنهم يتجوزوا، لكن قبل ما يتمموا جوازهم، حصلت مشكلة كبيرة في عيلتها، واضطروا يسافروا من البلد فترة.
سألته
ومريم دي هي أمي الحقيقية؟
هز راسه.
أيوه. مريم هي أمك البيولوجية.
حسيت إن قلبي اتقبض.
أبويا كمل
بعد فترة، مريم رجعت لوحدها، وكانت حامل في شهورها الأخيرة. فؤاد كان مسافر وقتها في شغل، ومكنش عارف إنها رجعت. أنا اللي قابلتها أول واحد، وساعدتها تروح المستشفى لما بدأ عليها التعب.
بصيت له بصدمة.
يعني إنت كنت موجود يوم ما اتولدت؟
أيوه.
سكت شوية، وبعدين كمل
يوم ولادتك، حصلت مشكلة كبيرة. مريم تعبت جدًا بعد الولادة، والدكاترة قالوا إن حالتها محتاجة متابعة دقيقة. وفي وسط اللخبطة دي، وصلني خبر خلاني أسيب المستشفى ساعات. ولما رجعت، لقيت مريم اختفت.
قمت من مكاني.
اختفت إزاي؟! إنت سايبها في المستشفى وهي تعبانة، ولما رجعت ملقتهاش؟!
أبويا نزل عينيه.
عارف إنك شايفني مقصر، وحقك. لكن أنا دورت عليها في كل مكان. سألت المستشفى، وسألت أهلها، وحتى الشرطة وقتها ماقدرتش توصل لحاجة واضحة.
والطفل؟ أنا كنت فين؟
بص لي، ودموعه بدأت تتجمع في عينيه.
إنت كنت معايا.
إزاي؟!
واحدة من الممرضات سلمتني إياك، وقالت لي إن فيه تعليمات اتسابت بخصوصك، وإن الشخص المسؤول عنك مش هيقدر يرجع في الوقت ده. كنت خايف يسيبوك لوحدك، فأخدتك معايا لحد ما أعرف أوصل لأمك.
أمي دخلت في الكلام لأول مرة
لما رجع أبوك البيت ومعاه طفل رضيع، قال لي إن أمه اختفت، وإنه مش هيقدر يسيبه من غير رعاية. وأنا وافقت أساعده لحد ما نوصل لأهله.
بصيت لها.
يعني إنتِ كنتِ عارفة من البداية إني مش ابنك؟!
هزت راسها والدموع على خدودها.
أيوه. لكننا ماكناش متفقين نخبي عنك الحقيقة للأبد. كنا فاكرين إننا هنلاقي أمك، وإنك هترجع لها بمجرد ما نعرف مكانها.
وأمال ليه ماحصلش كده؟!
أبويا حط إيده على جبينه، وقال
لأن بعد كام شهر، ظهر فؤاد.
أبويا حكى إن فؤاد رجع من سفره، وأول ما عرف إن مريم اختفت وإن طفلها مع أبويا، قلب الدنيا عليها.
فضل يدور عليها، وكان بيزورهم باستمرار عشان يطمن عليّا.
لكن بعد شهور من البحث، وصلتهم رسالة غريبة من شخص مجهول، بيقول فيها إن مريم سافرت بإرادتها، وإنها مش عايزة أي حد يدور عليها.
فؤاد رفض يصدق الرسالة.
أما أبويا، فكان شايف إن وجودي معاه مؤقت، وإنهم لازم يستنوا لحد ما تظهر الحقيقة.
لكن الأيام اتحولت لشهور، والشهور بقت سنين.
وبدأت الخلافات بين أبويا وفؤاد تكبر.
لحد ما جه اليوم اللي فؤاد طلب فيه ياخدني يعيش معاه.
أبويا رفض.
قال لي وهو بيعيط
كنت خايف أخسرك. بعد ما عشت معانا، بقيت متعلق بيك كأنك ابني فعلًا. كنت بصحى بالليل أطمن إنك بتتنفس، وكنت بخاف من فكرة إنك تمشي من البيت ومترجعش. ومع الوقت، خوفي عليك اتحول لخوف من إني أفقدك.
صرخت فيه
بس إنت كده حرمتني من حقي أعرف أمي!
هز راسه.
أيوه. وده أكبر غلط عملته في حياتي.
أمي مسكت إيدي وقالت
وأنا غلطت لما سكت. كان لازم أصر إنك تعرف الحقيقة، حتى لو كنا هنخسرك.
بصيت لهم، وحسيت إن كل الذكريات اللي عشتها معاهم بقت محتاجة تفسير جديد.
لكن كان فيه سؤال أهم من كل ده.
طب فؤاد كان بيقول في الرسالة إنه فيه شخص تالت شارك في اللي حصل. مين الشخص ده؟
أبويا بص لأمي.
أمي وشها اتغير، وقامت من مكانها بسرعة.
كفاية يا محمود. هو لسه تعبان، ومش لازم يعرف كل حاجة مرة واحدة.
أبويا رد عليها بحزم رغم ضعفه
لأ. المرة دي مش هنسكت.
وبعدين مد إيده ناحية الظرف الصغير اللي كان لسه على الترابيزة، وطلب مني أطلّع الورقة اللي عليه إمضته.
فتحت الظرف، ولقيت ورقة مطوية بعناية، عليها اسم محامي وعنوان مكتب قديم، وتحت الاسم جملة مكتوبة بخط أبويا
الملف الأصلي موجود عند الأستاذ سامح. لا تفتحوه إلا في وجود فؤاد.
سألته
مين الأستاذ سامح؟
أبويا رد
المحامي اللي كتب الأوراق وقتها، والوحيد اللي حضر الاتفاق اللي حصل بعد اختفاء أمك.
أي اتفاق؟!
أبويا بص لي بحزن.
الاتفاق اللي خلاني أقدر أربيك، لكنه ماكانش معناه إن فؤاد تنازل عن حقه في معرفة مصيرك.
قبل ما أقدر أسأله أكتر، موبايله رن.
بص للشاشة، وسكت تمامًا.
سألته
مين بيتصل؟
مد لي الموبايل.
كان اسم فؤاد ظاهر على الشاشة.
رديت أنا.
ألو؟
جالي صوته متوترًا
الحمد لله إنك رديت. أبوك عندك؟
أيوه. إحنا كلنا هنا.
سكت لحظات، وبعدين قال
اسمعني كويس. أنا مش عايز أخوفك، لكن فيه حاجة اكتشفتها النهارده لازم تعرفها قبل ما تروح للمحامي.
إيه هي؟
قال بصوت منخفض
الملف اللي أبوك فاكر إنه موجود عند الأستاذ سامح اختفى من مكتبه من تلات أيام... واللي أخده كان عارف بالظبط هو بيدور على إيه.
بصيت لأبويا، فلقيته فقد لونه تمامًا.
وفؤاد كمل
وفيه ورقة واحدة بس كانت متصورة قبل ما الملف يختفي... الورقة اللي عليها اسم الشخص المسؤول عن اختفاء أمك.
وبعدين قال الاسم.
الاسم اللي خلاني أبص لأمي من غير ما أقدر أنطق حرف واحد.
لأن الاسم اللي قاله فؤاد كان اسم أقرب شخص لينا في العيلة... الشخص اللي كان بيدخل بيتنا كل يوم تقريبًا، واللي عمرنا ما شكّينا فيه ولو للحظة!
يتبع...
فضلت ماسك الموبايل ومش قادر أتكلم.
فؤاد قال الاسم بوضوح، وأنا سمعته كويس جدًا، لكن عقلي رفض يصدقه.
عمي عادل!
أخو أبويا الأصغر، الراجل اللي كان بيزورنا كل أسبوع، واللي كان بيجيب لي هدايا في أعياد ميلادي، واللي وقف جنبي يوم ما اتخرجت من الجامعة، واللي كنت باعتبره أقرب لي من أي حد في العيلة!
بصيت لأبويا، وسألته بصوت مرتعش
بابا... عمي عادل له علاقة باختفاء أمي الحقيقية؟!
أبويا حط إيده على وشه، وفضل ساكت.
أما أمي، فكانت واقفة جنب الشباك، وشها شاحب بشكل عمري ما شفته قبل كده.
صرخت فيها
إنتِ كمان كنتِ عارفة؟!
لفت لي بسرعة وقالت
لأ! والله ما كنت أعرف إنه هو بالذات!
أمال كنتِ تعرفي إيه؟!
قبل ما تجاوب، سمعت صوت فؤاد من الموبايل
اسمعني يا ابني. أنا مش بقول لك إن عمك خطف أمك، ولا عايزك تتهم حد من غير دليل. اللي عندنا دلوقتي مجرد ورقة فيها اسمه، ولازم نعرف معناها قبل ما نظلم أي حد.
الكلام ده هداني شوية، لكنه ما شالش الشك اللي بدأ يكبر جوايا.
سألته
طيب، ليه اسم عمي موجود في الملف أصلًا؟
فؤاد رد
لأن عادل كان الشخص اللي رتّب سفر مريم قبل ولادتك، وهو اللي كان مسؤول عن توصيل رسالة لأبوك في المستشفى. لكن الرسالة ماوصلتش، ومحدش عرف وقتها إيه اللي حصل بالظبط.
أبويا رفع رأسه فجأة.
استنى يا فؤاد... إنت بتقول إن عادل هو اللي رتّب سفر مريم؟!
أيوه يا محمود. ودي أول حاجة عرفتها بعد ما رجعت من السفر. ولما واجهته، قال لي إنه كان بيساعدها تهرب من مشكلة عائلية، وإنه ماكانش يعرف إنها هتختفي.
أبويا قام من مكانه بعصبية، لكنه اضطر يسند على الكنبة بسبب تعبه.
إنت عمرك ما قلت لي الكلام ده!
فؤاد رد بمرارة
وإنت عمرك ما قلت لي إنك أخدت ابني وربّيته من غير ما تعرفني الحقيقة كاملة!
سكت الاتنين.
ولأول مرة، بدأت أفهم إن السر ده مش مجرد حكاية عن طفل اتربى بعيد عن أمه. كان فيه سلسلة من القرارات والأسرار، وكل واحد فيهم كان بيخبي جزءًا من الحقيقة عن التاني.
لكن السؤال الأهم فضل من غير إجابة
مريم راحت فين؟ وهل هي لسه عايشة؟
بعد المكالمة، قررت إني لازم أقابل فؤاد.
أبويا حاول يمنعني في البداية، لكنه في الآخر وافق بشرط إنه ييجي معايا بعد ما الدكتور يسمح له بالخروج.
أما أمي، فطلبت مني حاجة غريبة.
قالت
قبل ما تقابل عادل، اسأله عن الساعة الفضية.
بصيت لها باستغراب.
ساعة إيه؟
راحت لأوضتها، ورجعت بصورة قديمة لعمي عادل، وكان لابس ساعة فضية في إيده اليمين.
قالت
الساعة دي كانت بتاعة مريم. شفتها في إيده بعد اختفائها بحوالي شهر، ولما سألته جاب لي حكاية وقال إنها هدية من واحد صاحبه. وقتها ماكنتش أعرف إن فيه حاجة غلط.
بصيت للصورة كويس.
وليه ماقولتيش لبابا؟
ردت بحزن
قلت له، لكنه قال لي إن عادل يمكن يكون اشتراها من حد، وإننا ماينفعش نتهمه لمجرد إنه لابس ساعة شبهها. وبعدها الموضوع اتنسي وسط المشاكل اللي حصلت.
أخدت الصورة، وحطيتها في جيبي.
وقبل ما أمشي، أمي مسكت إيدي وقالت
مهما حصل، افتكر إن أبوك هو اللي رباك وسهر على تعبك وخاف عليك. مش معنى إن فيه أسرار إنه ماحبكش.
بصيت لها وقلت
أنا مش عارف هقدر أسامحهم ولا لأ، بس لازم أعرف الحقيقة.
في اليوم التالي، وبعد ما اطمنت إن حالة أبويا مستقرة وتحت متابعة الدكاترة، قابلت فؤاد في مكتبه.
كان راجل في أواخر الخمسينات، ملامحه هادية لكن عينيه كان فيها حزن قديم.
أول ما شافني، قام من مكانه.
فضل باصص لي طويلًا، وبعدين قال
كنت بتخيل اللحظة دي من سنين، لكن ماكنتش متخيل إنها هتيجي بالشكل ده.
مد إيده يصافحني، لكني ماقدرتش أبادله نفس الحماس.
قلت له
أنا مش جاي أسمع كلام
تم نسخ الرابط