وانا واقف جنب الاسعاف

لمحة نيوز

تفضلي مخبية الحقيقة عنه للأبد. الراجل اللي في المستشفى ممكن مايبقاش عنده وقت كتير.
أمي حطت إيديها على ودانها وقالت
كفاية! أرجوك كفاية!
أنا ماقدرتش أستحمل أكتر من كده.
روحت ناحية الباب، لكن أمي جريت ومسكَت دراعي.
إنت رايح فين؟!
هفتح وأفهم منه هو عايز إيه!
صرخت في وشي
لأ! إنت مش فاهم الراجل ده ممكن يعمل إيه!
بصّيت لها بذهول.
إنتِ بتخوفيني منه ليه؟ هو عمل إيه لأبويا؟!
سكتت.
وفي اللحظة دي، فهمت إن سكوتها أخطر من أي إجابة ممكن تقولها.
رجعت للترابيزة، أخدت الظرف والمفتاح والصورة، وحطيتهم في جيبي.
قلت لها بحزم
أنا رايح المستشفى أطمن على بابا. ولما أرجع، هتقعدي وتحكي لي كل حاجة من الأول للآخر. مش هقبل إجابة ناقصة تاني.
أمي حاولت تمنعني، لكنها في الآخر سابت إيدي.
وقبل ما أخرج، قالت جملة وقفتني مكاني
لو عرفت ليه أبوك اختار يربيك بالطريقة دي، ممكن تكرهنا إحنا الاتنين!
لفّيت لها ببطء.
إحنا الاتنين؟ يعني إنتِ كمان مخبية عني حاجة؟
نزلت عينيها للأرض، وهمست
أكتر مما تتخيل.
وصلت المستشفى وأنا مش قادر أبطل تفكير.
كنت بحاول أقنع نفسي إن كل اللي بيحصل مجرد سوء تفاهم، وإن أبويا عنده سر قديم مالوش علاقة بحياتنا الحالية.
لكن كلام أمي كان بيطاردني.
ليه أبوك اختار يربيك بالطريقة دي؟
إيه المقصود بالطريقة دي؟!
أنا طول عمري فاكر إن أبويا وأمي هما أهلي الحقيقيين، وإن حياتنا عادية، حتى لو كان عندهم مشاكل وخناقات زي أي بيت.
دخلت الاستقبال، وسألت عن حالة أبويا.
بعد شوية، خرج دكتور من القسم، وقال لي إن حالة أبويا مستقرة نسبيًا، لكنه محتاج يفضل تحت الملاحظة لحد ما يحددوا سبب اضطراب ضربات القلب، خصوصًا مع تاريخه المرضي وعدم انتظامه في تناول العلاج.
حسيت براحة كبيرة، وطلبت أشوفه.
لما دخلت الأوضة، لقيته نايم، وفيه أجهزة متابعة متوصلة بجسمه.
أول ما سمع صوتي، فتح عينيه بصعوبة.
قربت منه ومسكت إيده.
همست له
الظرف معايا يا بابا.
بص لي، وملامحه اتغيرت.
وأمك؟
عرفت إنك طلّعته من الشنطة، وفيه راجل اسمه فؤاد جه البيت وطلب يشوفني.
أبويا حاول يقوم من السرير، لكن الألم والتعب منعوه.
قال بانفعال
فؤاد جه البيت؟!
أيوه. إنت تعرفه منين؟ وإيه حكاية المفتاح والصورة؟!
أبويا غمض عينيه، وأخد نفس طويل.
وبعدها قال
كنت عارف إنه هيظهر في يوم من الأيام... بس ماكنتش متوقع إنه يستعجل بالشكل ده.
قربت منه أكتر.
يستعجل على إيه؟!
بص لي مباشرة، وقال
على إنه ياخدك للمكان اللي في العنوان.
طلعت المفتاح من جيبي ووريته له.
أول ما شافه، دموع اتجمعت في عينيه.
كنت فاكر إني مش هشوف المفتاح ده تاني طول عمري.
سألته
المكان ده فيه إيه يا بابا؟
سكت شوية، وبعدين قال
فيه إجابة السؤال اللي كان لازم أجاوبك عليه من زمان... بس كنت جبان.
الكلمة وجعتني.
أبويا عمره ما وصف نفسه بالجبن قبل كده.
مسكت إيده وقلت
مهما كانت الحقيقة، أنا محتاج أعرفها منك إنت.
فضل باصص لي للحظات، وبعدها قال بصوت ضعيف
اسمعني كويس. العنوان اللي في الورقة هيوصلك لبيت قديم. لما تدخل، هتلاقي أوضة مقفولة في آخر الطرقة. المفتاح اللي معاك هيفتحها.
وهلاقي إيه جوه؟
أبويا بلع ريقه، وبص ناحية باب الأوضة كأنه خايف حد يسمعنا.
وبعدين همس
هتلاقي ملف فيه أوراق تثبت إن حياتك بدأت قبل اليوم اللي إحنا قلنا لك عليه طول عمرك.
حسيت إن قلبي وقف لحظة.
يعني إيه حياتي بدأت قبل اليوم ده؟!
أبويا شد على إيدي، وقال
إنت اتولدت في يوم إحنا ماحكيناش لك عنه الحقيقة كاملة... وفيه شخص تاني كان موجود من أول لحظة في حياتك، وأنا ظلمته لما قررت أسكت.
قبل ما أقدر أسأله أي سؤال تاني، دخلت الممرضة وقالت إن الزيارة انتهت، وإنه لازم يرتاح.
قمت من مكاني وأنا حاسس إن عندي أسئلة أكتر من أي وقت فات.
لكن قبل ما أخرج، أبويا ناداني.
لفّيت له.
قال لي
فيه حاجة واحدة لازم توعدني بيها.
إيه هي؟
بص لي بعينين مليانين دموع.
لما تفتح الملف، ماتصدقش أول ورقة تقراها... دور على الورقة اللي عليها إمضتي. لأن فيها السبب الحقيقي اللي خلاني أخبي عنك كل ده.
خرجت من الأوضة، ودماغي بتلف من كتر الأسئلة.
لكن أول ما وصلت للممر، لقيت موبايل أمي بيرن.
كانت باعتالي رسالة قصيرة
ارجع البيت فورًا. فؤاد ساب لك حاجة قدام الباب، ولما شفتها فهمت إن السر أخطر بكتير مما كنت فاكرة.
وبعدها بعتت صورة.
كانت صورة لطفل رضيع ملفوف في بطانية بيضا، واقف جنبه أبويا وهو أصغر بسنين طويلة.
وعلى ضهر الصورة، كان مكتوب بخط واضح
اليوم اللي رجع فيه الابن لأبوه... مش اليوم اللي اتولد فيه.
بصّيت للصورة مرة واتنين.
الطفل كان لابس سوار مستشفى عليه تاريخ ميلادي أنا.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الشخص اللي واقف جنب أبويا.
كان راجل شبهّي لدرجة مرعبة... كأنه صورتي بالظبط، بس أكبر مني بحوالي عشرين سنة!
يتبع...
فضلت باصص للصورة وأنا مش قادر أستوعب اللي شايفه.
الراجل اللي واقف جنب أبويا كان شبهّي بشكل مستحيل. نفس شكل العينين، نفس الأنف، وحتى العلامة الصغيرة اللي عند الحاجب الشمال، اللي عندي من وأنا طفل.
قلّبت الصورة يمكن ألاقي تاريخ تاني أو اسم يفسر اللي بيحصل، لكن مفيش غير الجملة المكتوبة على ضهرها.
اليوم اللي رجع فيه الابن لأبوه... مش اليوم اللي اتولد فيه.
رجعت اتصلت بأمي فورًا.
ردت من أول رنة، وصوتها كان مبحوح من العياط.
إنت شفت الصورة؟
أيوه يا ماما! مين الراجل ده؟ وليه شبهّي كده؟!
سكتت لحظات، وبعدين قالت
ارجع البيت، وماتروحش العنوان اللي في الظرف لوحدك.
ليه؟!
لأنك لو رحت هناك قبل ما تعرف باقي الحقيقة، ممكن تفهم كل حاجة غلط.
صرخت فيها
طب احكي لي الحقيقة! أنا ابن مين بالظبط؟!
سمعت صوت شهقتها، وبعدها قالت
إنت ابني يا حبيبي... وعمري ما شكّيت في ده يوم واحد. لكن فيه حاجة أبوك خبّاها عنك، وأنا وافقت أسكت عنها سنين طويلة.
قفلت المكالمة من غير ما أقول حاجة.
مش عشان مش مصدقها، لكن لأن كل إجابة كانت بتفتح قدامها عشر أسئلة جديدة.
رجعت البيت بعد حوالي ساعة.
لقيت أمي قاعدة في الصالة، وقدامها صندوق خشب قديم، عليه تراب كأنه متفتحش من سنين.
أول ما شافتني
فضلت ساكت ، وبعدين بعدت عنها وقلت
أنا مش هسيب البيت قبل ما أعرف كل حاجة.
هزت راسها، ومسحت دموعها.
حقك تعرف.
فتحت الصندوق، وطلعت منه مجموعة صور قديمة، وشهادات ميلاد، وظرف بني أكبر من الظرف اللي أبويا اداهولي.
حطت قدامي شهادة ميلاد، وقالت
دي شهادة ميلادك الأصلية.
مسكت الورقة.
اسمي موجود، وتاريخ ميلادي هو نفسه اللي أعرفه طول عمري.
لكن خانة اسم الأب كانت مختلفة.
فضلت أعيد قراءة الاسم كذا مرة، وأنا بحاول أقنع نفسي إني فاهم غلط.
اسم الأب المكتوب كان فؤاد محمود عبدالسلام.
رفعت عيني لأمي.
فؤاد ده هو الراجل اللي جه البيت؟!
هزت راسها ببطء.
أيوه.
حسيت إن نفسي ضاق.
يعني هو أبويا الحقيقي؟!
أمي ما ردتش على طول.
قعدت جنبي، ومسكت إيدي، وقالت
فؤاد كان أقرب صاحب لأبوك من أيام الشباب. كانوا بيعتبروا نفسهم إخوات، وكانوا بيشاركوا بعض في كل حاجة. لكن حصلت بينهم مشكلة كبيرة قبل ما تتولد، ومحدش فيهم قدر يسامح التاني بسهولة.
وإيه علاقتي أنا بالمشكلة دي؟
أمي بصت للصندوق، وكأنها بتدور على الشجاعة جواه.
يوم ما اتولدت، حصلت ظروف صعبة جدًا. أبوك كان موجود في المستشفى، وفؤاد كان موجود هو كمان. وبعدها حصلت حاجة غيّرت حياتنا كلنا.
إيه هي؟!
ردت بصوت مكسور
أبوك أخدك من المستشفى، وقال لي إنك ابنه، وإنه مش هيسمح لأي حد ياخدك منه. وأنا كنت مصدقاه، لأننا كنا متجوزين فعلًا، وكنت فاكرة إن كل الأوراق سليمة.
وقفت فجأة من مكاني.
استني! إنتِ بتقولي إن أبويا أخدني من المستشفى؟!
أمي قامت هي كمان، وقالت بسرعة
ما تقاطعنيش، أرجوك. أنا مش بقول إنك اتخطفت، ولا إن كل اللي حصل كان بالشكل اللي إنت متخيله. أنا نفسي ماكنتش أعرف الحقيقة كاملة وقتها.
أمال عرفتيها إمتى؟!
نزلت عينيها للأرض.
بعد سبع سنين.
حسيت ببرودة في أطرافي.
سبع سنين!
يعني طول طفولتي، وأنا بلعب وبروح المدرسة وبنادي على أبويا باسمه، كان فيه سر محدش فكر يقولي عليه.
سألتها
وإنتِ عملتي إيه لما عرفتي؟
قالت
واجهت أبوك. اتخانقنا أيام، وهددته إني همشي من البيت. لكنه وراني أوراق، وحلف لي إن سكوته كان علشان يحميك. وأنا... صدقته.
تحميني من مين؟ من فؤاد؟!
أمي هزت راسها.
مش من فؤاد لوحده. كان فيه شخص تالت داخل في الموضوع، والشخص ده هو السبب اللي خلّى أبوك يخاف إن الحقيقة تظهر.
قبل ما أقدر أتكلم، موبايل أمي رن.
بصت للشاشة، ولما شافت الاسم، وشها اتبدل تمامًا.
كانت مكالمة من المستشفى.
ردت بسرعة
أيوه، أنا مراته... إيه؟!
سكتت، وبعدها حطت إيدها على بقها.
طب هو فاق؟ أقدر أكلمه؟!
سمعت صوت الدكتور من الناحية التانية، لكن ماقدرتش أميّز كلامه.
أمي قفلت المكالمة، وبصت لي.
أبوك عايزك تروح له حالًا.
حصل له حاجة؟!
لأ، حالته مستقرة، لكنه مصر إنه يكلمك قبل ما تعمل أي حاجة.
جريت أجيب مفاتيحي، لكن أمي مسكت دراعي.
استنى. فيه حاجة لازم تعرفها قبل ما تمشي.
طلعت من الصندوق ورقة مطوية، ومدتهالي.
دي آخر رسالة فؤاد بعتها لأبوك قبل ما يختفي من حياتنا سنين طويلة.
فتحت الورقة.
كان مكتوب فيها
أنا مش هطلب منك ترجع لي ابني، ومش هاجبره يعرفني قبل ما يكون مستعد. لكن لازم تفهم إن اللي حصل يوم ولادته ماكانش قرارك لوحدك، وإن فيه حد تاني شارك في كل حاجة.
لو قررت تفضل ساكت، فأنا هحترم اختيارك لحد يوم ما ابني يسأل عن الحقيقة بنفسه.
لكن لما اليوم ده ييجي، لازم يعرف إن فيه شخص واحد بس يقدر يشرح له ليه اسمه اتكتب في الأوراق بالشكل ده.
وهو الشخص اللي إنت طول عمرك بتثق فيه أكتر من أي حد.
قرأت آخر سطر مرتين.
وبعدين رفعت عيني لأمي وسألتها
مين الشخص اللي أبويا بيثق فيه أكتر من أي حد؟!
أمي فتحت بقها عشان ترد، لكن صوتها ماطلعش.
وفجأة، سمعنا صوت مفتاح بيلف في باب البيت.
الباب اتفتح.
دخل أبويا!
وقفت مكاني مصدوم، لأن المفروض إنه لسه في المستشفى.
كان واقف مستند على الحيطة، وشكله مرهق جدًا، وإيده ماسكة كيس فيه أوراق طبية.
صرخت أمي
إنت إيه اللي جابك من المستشفى؟! إنت لسه تعبان!
أبويا ما بصّش لها.
فضل باصص لي أنا، وقال بصوت ضعيف
مكنش ينفع أسيبك تعرف الحقيقة من حد غيري.
قربت منه بسرعة وسندته لحد ما قعد على الكنبة.
وبعدين طلعت شهادة الميلاد من إيدي ورفعتها قدامه.
الاسم ده حقيقي؟ فؤاد هو أبويا؟!
أبويا غمض عينيه، وسكت طويلًا.
ولما فتحهم، قال جملة واحدة قلبت كل حاجة كنت فاكرها عن حياتي
فؤاد مش أبوك البيولوجي... لكنه الشخص الوحيد اللي كان مستعد يضحّي بكل حاجة علشانك، وأنا اللي حرمتك منه.
بصيت له بعدم تصديق.
تم نسخ الرابط