باع أرضه حكايات زيزي

لمحة نيوز

إنت كنت بتسمع كلامنا؟
راميرو ما اهتمش بالسؤال، وكمل
يا بابا، أنا مش بعترض إنك تساعد تيريزا، لكن إحنا التلاتة ولادك. ليه هي بالذات؟!
باتريا بصت له بغضب.
إنت لسه مش فاهم حاجة؟! تيريزا استقبلت بابا وهي مش عارفة إنه معاه فلوس أصلًا!
راميرو رد بعصبية
وأنا اعترفت بغلطتي! هو معنى كده إن مستقبلي كله يتدمر؟!
دون أوريليو قام من مكانه، وبص لابنه بحزن شديد.
محدش قال إن مستقبلك هيتدمر يا راميرو. لكنك لازم تفهم إن ثروتي مش حق مضمون ليك لمجرد إنك ابني، وأنا كمان مش مطالب أثبت حبي ليك بإنّي أديك فلوس.
سكت لحظة، وبعدها قال
عندك فرصة تصلّح علاقتك بيا، وتصلّح أخطاءك، وتبني حياتك من جديد. لكن مش هسمح إن الخوف على الفلوس يكون أهم عندك من الحقيقة.
راميرو ماعرفش يرد.
وبينما الكل كان ساكت، تليفون مارتن رن مرة تانية.
رد، وسمع الطرف التاني بيتكلم، وبعد ثواني وشه اتغير.
قال بسرعة
إنت متأكد من الاسم؟ وراجعت شهادة الوفاة بنفسك؟
سكت يسمع الرد، وبعدها قفل المكالمة وبص لدون أوريليو.
يا سيد راميريز... وصلنا أخيرًا لوريث شقيقك خافيير، وفيه معلومة مهمة جدًا عن الاتفاق القديم.
دون أوريليو مسك طرف الترابيزة.
قول يا مارتن. مين هو؟
مارتن بص ناحية راميرو وباتريا وتيريزا، وقال
ابن أخوك مش شخص غريب عن العيلة. هو شخص أنتم التلاتة تعرفوه كويس جدًا، لكن واضح إن محدش فيكم كان يعرف علاقته الحقيقية بالأرض!
وفي اللحظة اللي مارتن نطق فيها الاسم، دون أوريليو وقف مكانه مصدوم، وباتريا شهقت، أما راميرو فبص للأرض وكأنه افتكر سرًّا كان فاكر إنه محدش هيكتشفه أبدًا!
يتبع...
النهاية الأخيرة الحقيقة اللي كشفت معادن ولاد دون أوريليو!
مارتن بص لدون أوريليو وقال بصوت هادي
ابن أخوك يا فندم هو إرنستو... شريك راميرو القديم في شركة التطوير العقاري!
دون أوريليو رجع خطوة لورا، وكأنه مش مصدق اللي سمعه.
إرنستو؟! ابن خافيير؟! هو اللي كان شريك راميرو طول السنين دي؟!
راميرو رفع راسه بسرعة، وقال بارتباك
أيوه يا بابا، هو ابن عمي. بس أنا ماكنتش أعرف إن الورقة القديمة دي ليها علاقة بالموضوع الحالي بالشكل ده!
مارتن رد بحزم
اللي اتأكدنا منه إن فيه اتفاق قديم محتاج مراجعة، وإن فيه خلافات مالية بين الشركاء. لكن لسه لازم نراجع المستندات الأصلية عشان نحدد الحقوق والالتزامات بدقة.
دون أوريليو قعد على الكرسي، وحط إيده على صدره، مش من المرض، لكن من الصدمة.
كان فاكر إن إرنستو دخل شراكة مع ابنه عشان يبنوا مشروع ناجح، وماكانش يعرف إن خلافاتهم وصلت للدرجة دي.
سأل راميرو
إنت ليه ماجيتليش من الأول وقلت لي إن مشروعك بيتعثر؟
راميرو نزل عينيه وقال
كنت خايف تشوفني فاشل يا بابا. طول عمري كنت عايزك تفتخر بيا، ولما المشروع خسر، حاولت أصلّح كل حاجة لوحدي. وبعدها بقيت كل ما أغرق أكتر، أخبي أكتر.
دون أوريليو هز راسه بحزن.
يا ابني، أنا ماكنتش محتاج منك تبقى أغنى مني. كنت محتاج منك تكون صريح معايا. الفشل مش عيب، لكن إنك تخبي الحقيقة وتعرّض حقوق غيرك للخطر، ده اللي بيكبر المشكلة.
راميرو عينيه دمعت.
سامحني يا بابا.
أبوه رد
أنا مسامحك، لكن لازم تصلّح اللي تقدر عليه، وتتحمل مسؤولية أخطائك. المسامحة مش معناها إننا نمسح اللي حصل كأنه ماكانش.
وبعدين بص لمارتن وطلب منه يتواصل مع إرنستو، عشان كل الأطراف تقعد مع بعض، ويحلّوا الخلاف بالقانون ومن غير ما حد ياكل حق حد.
تيريزا عملت حاجة محدش توقعها! 
بعد ما الاجتماع خلص، دون أوريليو رجع مع تيريزا لأوضتها الصغيرة.
كانت ساكتة طول الطريق، ولما وصلوا، عملت له كوباية الشاي اللي بيحبها، وقعدت قدامه.
قال لها
مالك يا بنتي؟ من ساعة ما خرجنا وإنتِ ساكتة.
ابتسمت وقالت
بفكر في إخواتي يا بابا. أنا زعلانة من اللي عملوه، بس مش عايزاهم يفضلوا طول عمرهم ندمانين ومقطوعين عنك.
دون أوريليو بص لها باهتمام.
يعني إيه؟
تيريزا ردت
يعني لو إنت قررت تساعدهم، ساعدهم عشان إنت أبوهم وعايزهم يقفوا على رجليهم، مش عشان هما مستنيين فلوسك. ولو مش قادر تثق فيهم دلوقتي، ادّيهم فرصة يثبتوا إنهم اتغيروا بأفعالهم.
دون أوريليو فضل يبص لها، وبعدها ابتسم.
عارفة يا تيريزا؟ أنا قضيت شهور بفكر إزاي أختبر ولادي، لكن إنتِ النهارده بتعلميني درس أهم من الاختبار كله.
إيه هو يا بابا؟
إن الإنسان ممكن يكون مظلوم، ومع ذلك مايسمحش للظلم إنه يحوّله لإنسان قاسي.
تيريزا مسحت دموعها، وقالت
أنا مش عايزاك تظلم نفسك عشان ترضي حد، ولا عايزاك تحرم حد من فرصة إنه يتغير. بس عايزاك تعيش مرتاح، وتحس إنك مش لوحدك.
دون أوريليو مسك إيدها وقال
وده اللي هعمله يا بنتي.
وفي اللحظة دي، أخد قرارًا مهمًا.
قرر إنه يخصص جزءًا من أمواله لتأمين معيشته وعلاجه، وإنه يساعد تيريزا في امتلاك بيت صغير تعيش فيه هي وعيالها مستقبلًا، بعد مراجعة كل الالتزامات القانونية المتعلقة بالثروة.
أما باقي الأموال، فقرر تنظيمها في ترتيبات قانونية واضحة، تضمن حقوق أي طرف يثبت إن له حق، وتحدد كيفية التصرف في أمواله وفقًا للقانون ورغبته الشخصية.
لكنه أكد لمارتن على شرط واحد
مش عايز الفلوس تبقى سبب في إن ولادي يكرهوا بعض. كل واحد لازم يبقى مسؤول عن حياته، ومحدش فيهم ياخد حاجة لمجرد إنه صوته أعلى أو طلب أكتر.
بعد شهرين... راميرو رجع لباب أبوه! 
في صباح يوم هادي، كان دون أوريليو قاعد قدام بيته القديم، بيشرب القهوة، لما شاف عربية راميرو بتقف قدام البوابة.
نزل ابنه، لكن المرة دي ماكانش لابس أغلى هدومه، ولا جاي ومعاه كلام كتير.
كان شايل كيس فاكهة صغير، وواقف متردد قدام الباب.
لما شاف أبوه، قال
صباح الخير يا بابا.
دون أوريليو بص له، ورد
صباح النور يا ابني. اتفضل.
راميرو قعد جنبه، وسكت شوية، وبعدها قال
أنا مش جاي أتكلم عن الفلوس، ولا عن الأرض. أنا جاي أسألك إذا كنت تسمح لي أزورك كل أسبوع، وأحاول أعوّض جزء من الوقت اللي ضيعته.
دون أوريليو بص له طويلًا.
يا راميرو، أنا مش محتاج منك هدايا ولا وعود كبيرة. لو عايز ترجع تقرّب مني، تعالى حتى لو إيدك فاضية. اسأل عليّا، اقعد معايا، واسمعني زي ما أنا هسمعك.
راميرو عيط، وحط راسه بين إيديه.
أنا كنت فاكر إن النجاح معناه أملك بيت كبير وفلوس كتير. لكن لما حسيت إنك ممكن تبعد عني فعلًا، فهمت إن فيه حاجات خسارتها ما تتعوضش.
أبوه ربت على كتفه وقال
المهم إنك فهمت قبل ما يفوت الأوان.
وبعدها، بدأ راميرو يصلّح مشاكله المالية واحدة واحدة، ويتعاون مع المحامين لحل الخلافات المتعلقة بالشركة، من غير ما يطلب من أبوه يخفي أي مستند أو يتحمل عنه مسؤولية أخطائه.
وباتريا... رجعت تصلّح اللي كسرته! 
أما باتريا، فبدأت تزور أبوها بانتظام.
في الأول كانت بتيجي كل أسبوع ومعاها أكل وهدايا، لكن دون أوريليو كان دايمًا يقول لها
يا بنتي، اقعدي معايا شوية. أنا مش ناقصني أكل ولا هدايا، أنا ناقصني الكلام الحلو والوقت اللي كنتوا بتكسلوا تدوهولي.
وبعد فترة، بقت تقعد معاه ساعات، تسمع حكايات زمان، وتطلب منه يحكيلها عن أمها وعن أيام طفولتها.
وفي زيارة من الزيارات، قالت له
يا بابا، أنا لسه مكسوفة من نفسي كل ما أفتكر اليوم اللي وقفت فيه قدامي وإنت محتاج مكان تنام فيه، وأنا ما دخلتكش.
دون أوريليو رد بهدوء
ماتفضليش تعاقبي نفسك طول العمر يا باتريا. اتعلمي من اللي حصل، وخليكي جنب الناس اللي بتحبيهم قبل ما تحتاجي تسألي نفسك إذا كنت قصّرت معاهم.
باتريا حضنته، ووعدته إنها مش هتخلي الخوف من المصاريف أو كلام الناس يخليها تنسى واجبها ناحية أهلها.
أما تيريزا... فكانت أكبر مكافأة ليها مش الفلوس! 
بعد ما الإجراءات القانونية اتنظمت، اشترى دون أوريليو لتيريزا بيتًا متواضعًا في حي هادي، قريب من شغلها ومدارس عيالها.
ولما أخدها تشوفه لأول مرة، وقفت عند الباب، وبصت له وهي مش مصدقة.
يا بابا، ده بجد بيتي؟!
ابتسم وقال
أيوه يا بنتي. بيت صغير، لكنه هيبقى ملكك، وتعيشي فيه إنتِ وعيالك بأمان.
تيريزا عيطت وقالت
أنا مش عارفة أشكرك إزاي!
أبوها رد
ماتشكرينيش على البيت. أنا اللي بشكرك لأنك يوم ما افتكرتي إني فقير ومحتاج، ما بصيتيش لجيبي. بصيتي لوشي وعرفتي إني أبوكي.
وبعدها، تيريزا ما بطلتش شغلها، وما اعتبرتش البيت سببًا إنها تتخلى عن تعبها وطموحها. بالعكس، وسّعت مشروع الفطائر والشوربة بتاعها، وبقت تشغّل ستات محتاجين شغل، وتساعدهم يلاقوا مصدر رزق ثابت.
وكان أبوها كل ما يشوفها وهي بتشتغل، يبتسم بفخر.
لأن الفلوس اللي ورثتها عن تعب السنين ما كانتش مجرد سقف فوق راسها، لكنها بقت فرصة إنها تساعد غيرها كمان.
وآخر اختبار... كان من غير فلوس! 
بعد سنة، دون أوريليو قرر يعمل غدا عائلي في بيته.
راميرو وصل بدري وساعد في تجهيز الترابيزة، وباتريا جابت الأكل اللي بتحبه العيلة، وتيريزا وصلت مع عيالها.
لما الكل قعد، دون أوريليو بص لولاده التلاتة وقال
فاكرين اليوم اللي جيت فيه لكم بهدوم قديمة وقلت لكم إني خسرت كل حاجة؟
التلاتة نزلوا عينيهم.
كمل
اليوم ده علّمني حاجة عمري ما هنساها. الفقر الحقيقي مش إن الإنسان يبقى معهوش فلوس. الفقر الحقيقي إن يبقى عنده القدرة يساعد، لكنه يقفل بابه في وش اللي محتاجه.
وبعدين بص لراميرو وباتريا وقال
أنا مش هفضل أفكّركم بغلطكم كل يوم، لكن مش عايزكم تنسوا الدرس. الحب مش كلام بيتقال وقت الراحة. الحب بيبان وقت ما تكون المساعدة صعبة، والظروف ضيقة، ومفيش أي مقابل مستنيينه.
راميرو مسك إيد أبوه وقال
أوعدك إني مش هنسى اليوم ده طول عمري.
وباتريا قالت وهي بتعيط
وأنا كمان يا بابا.
أما تيريزا، فابتسمت وقالت
خلاص بقى يا بابا، إحنا اتعلمنا. يلا ناكل قبل ما الأكل يبرد!
ضحكوا كلهم، وكانت دي أول مرة من سنين يجتمعوا من غير ما يكون فيه كلام عن الفلوس أو الميراث أو المصالح.
دون أوريليو بص لكرسي مراته الفاضي، اللي كان بيحط صورتها عليه في كل مناسبة عائلية، وهمس
يا ميرسيدس، أتمنى تكوني شايفانا دلوقتي. يمكن أخيرًا فهموا إن العيلة أغلى من أي أرض وأي ثروة.
وفي آخر اليوم، رجع دون أوريليو يقعد في حديقته الصغيرة، وسط أشجار الكاكاو اللي زرعها بإيده.
كانت ثروته أكبر من اللي كان يتخيله في شبابه، لكن أكتر حاجة فرحته ماكانتش الملايين اللي دخلت حسابه، ولا البيت اللي اشتراه لبنته.
كانت إنه بدأ يشوف ولاده بيتعلموا إن العلاقة بين الأب وأولاده مش صفقة، وإن المحبة مش ميراث بيتقسم بعد الموت.
والدرس اللي سابه دون أوريليو لولاده كان بسيطًا
ماتستناش لما تخسر كل حاجة عشان تعرف مين بيحبك، وماتستناش لما أبوك يعجز عشان تفتكر إنه هو اللي تعب عشان تبقى واقف على رجليك. لأن الفلوس ممكن تتعوض، والأرض ممكن تتباع، لكن عمر الأب لما يخلص... مفيش ثروة في الدنيا تقدر ترجّعه.

تم نسخ الرابط