في جنازة طفل حكايات زيزي

لمحة نيوز

لكنه رافض يتكلم عن اللي حصل في الكوخ.
الأب استأذن الشرطة وجرى على المستشفى، والأم كانت مستنياه قدام غرفة ابنها.
أول ما شافته، مسكت إيده وقالت
هو عايزك إنت بالذات بيقول إن فيه حاجة لازم تعرفها قبل ما الشرطة تسأله.
دخل الأب الغرفة بهدوء.
ابنه كان نايم على السرير، ووشه شاحب، لكن أول ما شاف أبوه، ابتسم ابتسامة صغيرة.
بابا
الأب قرب منه ومسك إيده بحنان.
أنا هنا يا حبيبي. محدش هيقدر يأذيك تاني.
الطفل بص ناحية الباب، وبعدها همس
بابا، عمو سامح ماكانش لوحده.
الأب اتجمد.
تقصد إيه يا حبيبي؟
الطفل بلع ريقه بصعوبة وقال
يوم ما تعبت، سمعت عمو بيتكلم مع حد في التليفون. كان بيقول له إن الصندوق لازم يفضل مستخبي، وإن جدتي عارفة المكان.
الأب حس بصدمة جديدة.
جدتك؟! إنت متأكد من اللي بتقوله؟
الطفل هز راسه، وبعدها كمل
وفي الليلة اللي قالوا فيها إني مت، شوفت جدتي واقفة بره أوضتي في المستشفى. كانت بتعيط، ولما شافتني فاتح عيني، قالت للدكتور لو الولد فاق، كل حاجة هتضيع.
الأب رجع لورا خطوة.
كان نفسه يرفض الكلام، يقول إن ابنه تعبان وبيتلخبط، لكن الطفل مسك إيده وقال
بابا، أنا مش بكدب عليك جدتي سابتلي حاجة قبل ما أمشي مع عمو.
الأب قرب منه بسرعة.
سابتلك إيه؟
الطفل أشار ناحية جيب صغير في شنطة ملابسه اللي جابوها من الكوخ.
الأب فتح الشنطة، ولقى ظرفًا بنيًا صغيرًا، مكتوب عليه بخط جدته
إلى حفيدي الحبيب لو وصل الظرف ده لأبوك، يبقى أنا فشلت أحميكم من الحقيقة.
إيد الأب بدأت تترعش وهو بيفتح الظرف.
جواه صورة قديمة لأبوه المتوفى، واقف قدام البيت العائلي، وبجانبه جدته وسامح لكن كان فيه شخص رابع واقف في الخلفية، وشه متشطب بقلم أسود.
وعلى ظهر الصورة، كانت فيه جملة قصيرة
الشخص اللي بتدوروا عليه مات من عشرين سنة أو ده اللي كل الناس فاكره.
الأب رفع الصورة قدام النور، وفجأة لاحظ تفصيلة صغيرة في إيد الشخص اللي وشه متشطب.
كان ماسك نفس المفتاح الحديدي اللي الشرطة لقيته مع سامح!
وقبل ما يقدر يستوعب معنى الصورة، باب الغرفة اتفتح.
دخلت جدته، ووشها شاحب، وإيديها بتترعش.
بصت للحفيد، وبعدها لأبوه، ولما شافت الصورة في إيده، غطت وشها وبدأت تعيط.
الأب وقف قدامها وسألها بصوت مليان وجع
قوليلي الحقيقة يا أمي مين الشخص اللي مات من عشرين سنة، وليه أخويا كان عايز يخفي ابني؟!
جدته فضلت ساكتة للحظات طويلة، وبعدها رفعت عينيها وقالت
لأن أبوك قبل ما يموت، اكتشف إن فيه حد من العيلة عايش بهوية مش هويته الحقيقية والشخص ده رجع دلوقتي عشان ياخد حقه.
الأب حس ببرودة تسري في جسمه.
مين هو؟!
جدته فتحت بقها عشان تجاوب، لكن فجأة سمعوا صوت ضابط الشرطة من الممر
محدش يتحرك! فيه شخص دخل المستشفى باسم مزيف، وطلب يشوف الطفل!
وبعد ثواني، ظهر ضابط تاني عند باب الغرفة، وفي إيده صورة حديثة للرجل المجهول.
الأب بص للصورة
وساعتها عرف إن الشخص اللي الشرطة بتدور عليه مش مجرد غريب عن العيلة ده الراجل اللي كان واقف جنب قبر ابنه من أول الجنازة، واللي الكل افتكره مجرد واحد من المعزين! 
لكن مين الراجل ده؟ وإيه علاقته بالذئاب التلاتة؟ وليه اختار جنازة الطفل بالذات عشان يرجع؟
يتبع
النهاية السر اللي خبّته الغابة عشرين سنة!
الأب خطف الصورة من إيد الضابط، وفضل باصص فيها وهو مش قادر يصدق.
الراجل اللي ظهر في الصورة كان اسمه فؤاد، صديق قديم لأبوه، والكل كان فاكر إنه مات في حريق حصل في مخزن العيلة من عشرين سنة!
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
جدته قعدت على الكرسي، وغطت وشها بإيديها، وقالت بصوت مكسور
أنا لازم أحكيلكم كل حاجة كفاية أسرار بقى!
وبدأت تحكي.
من عشرين سنة، أبو الطفل اكتشف إن فؤاد كان بيزوّر أوراق ملكية أرض كبيرة في الغابة، وبيحاول يستولي عليها بمساعدة سامح. ولما اتكشف أمره، حصل حريق في المخزن، واختفى فؤاد، والكل افتكر إنه مات.
لكن فؤاد كان عايش، ورجع بعد السنين دي كلها عشان يسترد الأوراق الأصلية اللي تثبت ملكيته المزعومة للأرض.
المشكلة إن الأوراق كانت مستخبية في مكان محدش يعرفه غير والد الطفل، وأخوه سامح، والجدّة.
ولما الطفل خرج يلعب جنب الغابة، اكتشف بالصدفة مدخل مخبأ قديم، وشاف فؤاد وسامح وهما بينقلوا صناديق مليانة مستندات مسروقة.
الطفل خاف وجري، لكن فؤاد لاحظه، وبدأ يخطط لإسكاته.
أما سامح، فكان عارف إن أخوه لو اكتشف الحقيقة، مش هيسامحه أبدًا، فقرر يساعد فؤاد مقابل إنه ياخد نصيب كبير من الأرض.
لكن اللي محدش توقعه إن الطفل كان اتعرض لتسمم شديد بعد ما شرب عصير كان متساب في الكوخ.
الدكتور اكتشف إن حالته خطيرة، لكنه اتعرض للتهديد، وبدل ما يبلغ الشرطة فورًا، ساعد في تزوير شهادة الوفاة وإخفاء الطفل في مخبأ تحت الكوخ، بعد ما حالته استقرت نسبيًا.
كانوا فاكرين إن الطفل مش هيقدر يفتكر اللي حصل، وإن اختفاءه هيخلي السر يفضل مدفون.
لكنهم نسوا حاجة مهمة
الطفل ماكانش لوحده في الغابة!
سر الذئاب الثلاثة 
قبل ما الطفل يمرض بأسابيع، كان بيحط بقايا الأكل عند حافة الغابة، لحد ما اتعودت عليه ثلاث ذئاب كانت بتظهر كل يوم تقريبًا.
ومع الوقت، بقى الطفل يعرف مواعيد ظهورها، وكان بيراقبها من بعيد، من غير ما يحاول يقرب منها.
وفي اليوم اللي اتاخد فيه للكوخ، قدر يسيب قطعة من بطانيته عند فتحة التهوية، وفضل ينادي بصوت خافت كل ما سمع الذئاب قريبة.
الذئاب شمّت ريحته، وفضلت تلف حوالين الكوخ، لحد ما اكتشفت مدخل المخبأ.
أما يوم الجنازة، فكان اللي حصل أغرب مما أي حد تخيل.
الذئاب اتبعتت ريحة الطفل لحد المقبرة، وبدأت تحفر في القبر، لكن مش لأنها كانت عارفة إن فيه جثة أو إن الطفل مدفون هناك.
هي كانت بتدور على ريحته اللي علقت في البطانية والتابوت!
ولما اكتشف الأب إن التابوت فاضي، فهم إن فيه جريمة اتعملت، وإن ابنه ممكن يكون لسه عايش.
وبالفعل، الذئاب قادته للمكان اللي كان ابنه محتجز فيه.
القبض على المجرمين
الشرطة تحركت فورًا بعد اعتراف الجدة.
اتقبض على فؤاد قبل ما يقدر يهرب من المستشفى، واتقبض على سامح والدكتور، وبدأ التحقيق في التسمم وتزوير شهادة الوفاة واحتجاز الطفل.
أما الجدة، فاعترفت إنها كانت عارفة جزءًا من الحقيقة، لكنها سكتت خوفًا من تهديدات فؤاد، ووافقت تسلّم الشرطة كل الأوراق اللي كانت مخبياها.
وبعد فحص المستندات، اتضح إن الأرض ملك للعيلة بالفعل، وإن الأوراق اللي حاول فؤاد يزوّرها كانت هتضيع حق الأب وأولاده.
لكن الأب ماكانش مهتم بالأرض ولا بالفلوس.
كل اللي كان عايزه إن ابنه يرجع لحضنه، ويعرف إنه في أمان.
بعد ستة شهور
الطفل تعافى تدريجيًا، ورجع يلعب في جنينة البيت، لكن المرة دي أبوه وأمه كانوا دايمًا قريبين منه.
وفي صباح شتوي، خرج الأب مع ابنه يتمشوا عند حافة الغابة.
الولد وقف فجأة، وشاور ناحية الأشجار.
كانت الذئاب الثلاثة واقفة بين الشجر، زي أول مرة شافها فيها.
ابتسم الطفل وقال
بابا، هما جم يطمنوا عليّا!
الأب ابتسم، وحط إيده على كتف ابنه.
يمكن يا حبيبي يمكن الغابة نفسها كانت بتحاول ترجعك لينا.
فضلوا واقفين من بعيد، لحد
ما الذئاب اختفت وسط الأشجار.
وقبل ما يمشوا، الطفل لقى شريطًا أزرق صغيرًا متعلقًا في غصن شجرة، نفس لون الشريط اللي كان مع الذئب الأكبر يوم الجنازة.
أخده وحطه في جيبه، وقرر يحتفظ بيه طول عمره، عشان يفتكر اليوم اللي اكتشف فيه إن الشجاعة ممكن تيجي من أماكن محدش يتوقعها.
ومن يومها، اتعمل سياج حوالين المخبأ القديم، واتحول المكان لذكرى بتفكّر أهل المنطقة إن الطمع ممكن يدمّر عيلة كاملة، وإن السكوت عن الظلم ممكن يخلي المأساة أكبر.
أما الأب، فكان كل ليلة قبل ما ابنه ينام، يقعد جنبه ويحكيله حكاية الذئاب الثلاثة اللي رفضت تسيبه يضيع في الغابة.
وكان الطفل دايمًا يختم الحكاية بنفس الجملة
يا بابا، هما ماكانوش بيحرسوا القبر هما كانوا بيحاولوا يرجّعوني للبيت! 
تمت النهاية.

تم نسخ الرابط