بعد 42سنه حكايات زيزي

لمحة نيوز

إن الأرض بتلف بيا.
كانت صورة لروبرت وهو شاب، واقف جنب ديفيد، وبينهم ست شابة شايلة طفلة صغيرة.
والأغرب إن الطفلة كانت لابسة سلسلة صغيرة على شكل قلب
نفس السلسلة اللي روبرت أهداها ليا في أول عيد ميلاد ليا بعد جوازنا، وقال لي وقتها إنها كانت تخص حد من عيلته، وإنه احتفظ بيها سنين طويلة قبل ما يقرر يديهالي.
رفعت عيني لديفيد، وسألته بصوت بالكاد طالع مني
مين الست دي؟ وإيه علاقة الصورة بالسلسلة اللي عندي؟
ديفيد بص لسوزان، وسوزان هزت راسها كأنها بتقوله إن مفيش مجال للتأجيل أكتر من كده.
أخد نفس طويل، وبعدها قال
الست دي اسمها إيلين وكانت السبب في الخلاف اللي خلاني أقطع علاقتي بروبرت كل السنين دي.
سألته بسرعة
وإيه علاقة إيلين بيا أنا؟
ديفيد سكت شوية، وبعدها مد إيده ناحية الصورة وأشار للطفلة الصغيرة.
وقال
لأن الطفلة دي هي السبب الحقيقي إن روبرت طلب من سوزان تخبي عنك كل حاجة لحد النهارده.
بصيت لسوزان، اللي كانت بتعيط بصمت، وبعدين رجعت بصيت لديفيد.
أنا مش فاهمة حاجة! اتكلموا معايا بوضوح!
ديفيد حط إيده في جيبه، وطلع ورقة قديمة مطوية بعناية.
وقال
الورقة دي هتشرحلك ليه أخويا فضل ساكت طول السنين دي، وليه أنا رجعت دلوقتي بعد كل اللي حصل.
لكن قبل ما يديني الورقة، سوزان قالت جملة خلتني أحس إن المفاجأة الحقيقية لسه مجتش
يا ماري فيه حاجة لازم تعرفيها عن اللي حصل يوم وفاة روبرت. حاجة أنا كنت موجودة وقتها، وشفت بعيني إزاي كل حاجة اتغيرت في آخر لحظة.
بصيتلها وأنا مش قادرة أتكلم.
إيه اللي حصل في آخر يوم من حياة روبرت؟ وليه سوزان كانت موجودة وعمرها ما حكتلي؟ والأهم إيه سر الطفلة اللي في الصورة، وإيه علاقتها بالسلسلة اللي روبرت سابهالي؟
ديفيد فرد الورقة ببطء، وبدأ يقرأ أول سطر
وفجأة، سوزان صرخت
استنى! مش دي الورقة اللي روبرت قالك تبدأ بيها!
ديفيد وقف عن القراءة، ورفع عينيه لسوزان بحدة.
أمال إنتِ عايزاني أبدأ منين؟ إحنا استنينا أكتر من اللازم!
سوزان قربت منه وخدت الورقة من إيده، وبعدها بصتلي وقالت
يا ماري، أنا عارفة إن كل كلمة بقولها دلوقتي بتخليكي تشكي فيا أكتر، بس أرجوكي اديني فرصة أشرحلك من الأول.
كنت قاعدة مكاني، حاسة إن حياتي كلها بتتفك قدامي حتة حتة.
قلت لها أنا مش عايزة فرص ولا وعود يا سوزان. أنا عايزة الحقيقة. مين الطفلة دي؟ وإيه حكاية السلسلة؟ وليه روبرت كان بيخبي عني كل ده؟
ديفيد سحب كرسي وقعد قصادي، وبعدها قال
الطفلة دي اسمها آنا. وهي بنت إيلين، الست اللي في الصورة. وإيلين كانت أقرب شخص لروبرت قبل ما يتجوزك بسنين طويلة.
سكت لحظة، وبعدين كمل
بس لازم تفهمي إن وجود إيلين في حياته مكنش زي ما إنتِ ممكن تكوني متخيلة.
بصيتله بغضب وقلت
أنا مش متخيلة حاجة! إنتوا اللي بتقولوا نص الكلام وتسكتوا!
هز ديفيد راسه وقال
عندك حق. أنا آسف.
وبعدين حكى لي إن إيلين كانت زميلة روبرت في الجامعة، وإنها كانت بنت صديق قديم لوالده. وبعد وفاة والدها، عيلتنا ساعدتها لفترة لحد ما قدرت تعتمد على نفسها.
آنا كانت لسه صغيرة وقتها، وروبرت كان متعلق بيها جدًا، لأنه كان بيعتبرها زي بنت أخوه.
لكن حصلت مشكلة كبيرة بين روبرت وديفيد بسبب أوراق تخص عيلة والدهم، وكل واحد فيهم كان مقتنع إن التاني أخد قرار غلط.
المشكلة كبرت، وديفيد سافر، والعلاقة بينهم اتقطعت تمامًا.
سألته طب وإيه علاقة ده بيا؟
ديفيد بص لسوزان، وبعدها قال
لأن بعد ما روبرت اتجوزك، حاول يرجع يتواصل معايا أكتر من مرة. وأنا كنت برفض. لحد ما حصلت حاجة خلتني أراجع نفسي.
قلت بسرعة إيه هي؟
طلع ديفيد من جيبه صورة تانية، وحطها قدامي.
كانت صورة لروبرت وهو واقف قدام بيت قديم، وفي إيده صندوق خشب صغير.
عرفت البيت فورًا.
كان بيتنا القديم، اللي بعناه من حوالي عشرين سنة.
أما الصندوق، فكان شبه صندوق صغير روبرت احتفظ بيه في دولاب مكتبه لسنين، وبعد وفاته اختفى من غير ما أعرف راح فين.
حسيت بقلبي بيدق أسرع.
الصندوق ده كان عنده لحد آخر أيامه! إنت جبت الصورة دي منين؟
ديفيد رد
روبرت بعتها لي من حوالي ست شهور قبل وفاته. كانت معاها رسالة بيطلب مني أرجع أشوفه، وإنه عايز يصلح اللي بينا قبل ما يفوت الأوان.
سألته وإنت رجعت؟
هز راسه بأسف.
لأ. للأسف، اتأخرت.
سوزان نزلت عينيها للأرض، وكأن الجملة دي وجعتها هي كمان.
لكن أنا كنت لسه عندي سؤال أهم.
بصيت لسوزان وقلت
إنتِ عرفتي ديفيد إزاي؟
سوزان أخدت نفس عميق.
بعد وفاة روبرت، وأنا بساعدك ترتبي حاجته، لقيت رسالة في درج مكتبه. كانت موجهة لديفيد، وفيها رقم تليفونه الجديد. كلمته علشان أبلغه بوفاة أخوه.
ديفيد كمل كلامها
لما عرفت إن روبرت مات، حسيت إني خسرت فرصة مش هترجع. وبعدها سوزان قالتلي إنه كان سايب أوراق مهمة، وإن فيه حاجات لازم تتفهم قبل ما تتاخد أي قرارات.
بصيت لسوزان بصدمة.
يعني إنتِ كنتِ بتقابليه من ورايا طول الفترة اللي فاتت؟
ردت بسرعة
قابلته مرتين بس يا ماري، وكان كل كلامنا عن روبرت والورق اللي سابه. والله ما كان قصدي أخبي عنك حاجة بالشكل ده.
قلت بمرارة
بس إنتِ خبيتي. وده لوحده كفاية يخليني مش عارفة أصدقك.
سوزان سكتت، ومحاولتش تدافع عن نفسها.
لأول مرة من 42 سنة، حسيت إنها عارفة إن أي كلام هتقوله مش هيقدر يمسح اللي حصل.
وفجأة، ديفيد أشار للظرف البني اللي كان على السرير.
يا ماري، لازم تفتحي جواب روبرت.
مديت إيدي وأخدته.
فتحت الظرف بحذر، ولقيت جواه ورقتين وخطاب صغير مكتوب بخط جوزي.
أول سطر كان
حبيبتي ماري، لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مقدرتش أحكيلك بنفسي عن حاجة كان لازم تعرفيها من زمان
وقفت عن القراءة للحظة، ودموعي بدأت تنزل.
كملت
أنا عارف إنك هتزعلي مني، ويمكن تحسي إني ظلمتك بسكوتي. لكن فيه وعد قطعته من سنين، وفضلت أحاول ألاقي الطريقة الصح علشان أوفي بيه من غير ما أجرحك أو أعرّض حد من الناس اللي بنحبهم للأذى.
قلبي اتقبض عند كلمة وعد.
مين الشخص اللي روبرت وعده؟ وإيه الحاجة اللي كان خايف إنها تجرحني؟
قلبت الصفحة، ولقيت سطر مكتوب لوحده
السلسلة اللي اديتهالك يوم عيد ميلادك مش مجرد ذكرى من عيلتي، يا ماري. السلسلة دي مرتبطة بحقيقة تخص حياتك إنتِ، وأنا كان لازم أقولك عليها من زمان.
رفعت عيني عن الورقة وبصيت لديفيد.
حياتي أنا؟ روبرت يقصد إيه؟
ديفيد مسح وشه بإيده، وقال
أنا كنت متوقع إنك هتوصلي للسطر ده.
وبعدين طلب مني أطلع السلسلة اللي روبرت سابهالي.
كانت في شنطتي، لأني عمري ما كنت بخلعها إلا نادرًا.
فكيتها من رقبتي وحطيتها على الترابيزة.
ديفيد قرب منها، وقلب القلب المعدني الصغير على ضهره.
وهناك، لأول مرة في حياتي، لاحظت وجود حروف دقيقة محفورة من الخلف، عمري ما أخدت بالي منها قبل كده.
كان مكتوب حرفين وتاريخ قديم.
نفس التاريخ اللي اتولدت فيه أنا.
بصيت لديفيد بعدم تصديق.
إزاي؟ إيه معنى التاريخ ده؟
ديفيد رد بصوت منخفض
لأن السلسلة دي كانت موجودة في صندوق قديم عند والد روبرت، والصندوق كان فيه مستندات وصور تخص عيلتين، مش عيلة واحدة بس.
وبعدين أشار للورقة التانية اللي كانت جوه الظرف.
والورقة دي تحديدًا هي اللي روبرت كان عايزك تقريها بعد ما تعرفي حكاية السلسلة.
فتحتها بسرعة.
لكن أول ما شفت الاسم المكتوب في أول السطر، إيدي اتجمدت.
كان اسم أمي.
أمي اللي ماتت من سنين طويلة.
وتحت اسمها، كان فيه اسم ست تانية، وبجانبه ملاحظة مكتوبة بخط اليد
الملف الأصلي موجود في صندوق الأمانات رقم ١٧ ومفتاحه مع سوزان.
رفعت راسي ببطء ناحية صاحبتي.
إنتِ معاكي مفتاح صندوق الأمانات ده؟
سوزان حطت إيدها في شنطتها، وطلعت مفتاحًا صغيرًا مربوطًا بقطعة معدنية عليها رقم ١٧.
وبصتلي بعينين مليانين دموع.
أيوه يا ماري بس فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما نروح هناك.
قربت منها وأنا حاسة إن قلبي هيتوقف.
قالت بصوت مرتعش
الملف ده مش عن روبرت وبس الملف ده فيه سر أمي وأمك كانوا مخبيينه من قبل ما إحنا الاتنين نتولد.
ولما ديفيد سمع الجملة دي، قام من مكانه فجأة وقال
استني يا سوزان! مش من حقك تحكي الجزء ده قبل ما ماري تشوف المستند الأصلي!
بصيت للاتنين، وحسيت إن كل اللي كنت أعرفه عن طفولتي وعيلتي ممكن يتغير في لحظة.
لكن السؤال اللي فضل يطاردني كان واحد
إيه السر اللي ممكن يربط أمي بأم سوزان، وليه روبرت احتفظ بيه طول عمره، واستنى لحد ما مات علشان يسيبلي خيط أوصل بيه للحقيقة؟
يتبع
فضلت واقفة في نص الأوضة، ماسكة المفتاح الصغير بإيدي، وببص لسوزان وديفيد بالتناوب.
قلت بصوت مخنوق من كتر التوتر
أنا تعبت من الأسرار! أمي ماتت من سنين، وروبرت مات، ودلوقتي إنتوا الاتنين واقفين قدامي وبتتكلموا عن حياتي كأنها لغز! أنا عايزة أعرف الحقيقة كاملة، مهما كانت.
سوزان مسحت دموعها، وقربت مني خطوة.
عارفة يا ماري، وعشان كده قررت إني مش ههرب تاني. بكرة الصبح هناخد المفتاح ونروح نفتح صندوق الأمانات، وهتشوفي كل حاجة بنفسك.
ديفيد اعترض فورًا
لأ، مش بكرة. لازم نروح دلوقتي.
بصتله سوزان بقلق.
إنت مش فاهم، فيه مستندات لازم نراجعها الأول.
رد عليها بعصبية
إحنا ضيعنا سنين في التأجيل! روبرت مات وهو مستني إن الحقيقة تظهر، وإحنا مش من حقنا ندفنها تاني.
الكلام ده خلاني أرفع إيدي وأوقفهم.
خلاص! هنروح دلوقتي. ومش عايزة أسمع اعتراض من أي حد فيكم.
وبالفعل، بعد أقل من ساعة، كنا قاعدين في عربية ديفيد، في طريقنا للمدينة اللي اتربينا فيها.
طول الطريق، كنت باصة من الشباك، وبحاول أفتكر أمي.
كانت ست هادية وحنينة، وعمرها ما حكتلي عن مشاكل مع حد، ولا عن أسرار كبيرة تخص عيلتنا.
لكن فجأة افتكرت موقف قديم حصل وأنا عندي حوالي عشر سنين.
في يوم، كنت بدور على حاجة في دولابها، ولقيتها قاعدة على السرير وبتعيط وهي ماسكة صورة قديمة.
أول ما شافتني، خبّت الصورة بسرعة.
ولما سألتها مين اللي في الصورة، قالتلي إن دي مجرد ذكرى من زمان، وإن فيه حاجات في الحياة الأفضل إنها تفضل في الماضي.
وقتها صدقتها ومفكرتش في الموضوع تاني.
لكن دلوقتي، بدأت أسأل نفسي هل الصورة دي كانت مرتبطة بالسر اللي روبرت خباه عني؟
وصلنا مبنى قديم تابع للبنك، وديفيد نزل وفتح لنا الباب.
دخلنا مع بعض، وبعد شوية إجراءات، الموظف أخد المفتاح وراح يجيب صندوق الأمانات رقم ١٧.
ولما رجع، حط الصندوق على الترابيزة قدامنا وانصرف.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الغطا.
جواه كان فيه ملف جلدي قديم، ومجموعة صور، ومظروف أبيض مكتوب عليه بخط أمي
إلى ابنتي ماري لو جه يوم وعرفتي الحقيقة، أتمنى تسامحيني.
شهقت من الصدمة.
ده خط أمي!
سوزان حطت إيدها على بقها، وديفيد رجع لورا خطوة.
فتحت المظروف بسرعة، وبدأت أقرا.
بنتي الحبيبة ماري، فيه حكاية من الماضي فضلت مخبياها عنك، مش لأني مش بحبك، لكن لأني كنت خايفة أخسرك. لما كنت صغيرة، حصل خلاف كبير بيني وبين أقرب إنسانة ليا، والموضوع انتهى بقرار غيّر حياتنا إحنا الاتنين للأبد.
وقفت عن القراءة، وبصيت لسوزان.
أمك كانت أقرب إنسانة لأمي؟
وش سوزان شحب.
همست
أنا مكنتش أعرف إن أمي سابت جواب بالشكل ده.
رجعت للرسالة.
أنا وصاحبتي كنا وقتها في أصعب مرحلة في حياتنا. كل واحدة فينا كانت بتواجه ظروف قاسية، واتفقنا على وعد كنا فاكرين إنه هيحمي عيلتينا. لكن مع مرور السنين، الوعد بقى حمل تقيل، وكل ما كبرنا، بقينا خايفين من اليوم اللي الحقيقة هتظهر فيه.
الرسالة كانت ناقصة.
آخر جزء من الورقة كان مقطوعًا، كأن حد شاله عمدًا.
قلبت الملف بسرعة، ولقيت صورة قديمة لستين شابات واقفين جنب بعض قدام مستشفى.
عرفت أمي فورًا.
أما الست التانية، فكانت والدة سوزان.
لكن اللي صدمني مش الصورة نفسها.
كان فيه طفلين في حضن الستين، وكل طفل على بطانيته علامة صغيرة مطرزة بحرف مختلف.
حرف م على بطانية، وحرف س على التانية.
رفعت الصورة قدام سوزان.
إحنا اتولدنا في نفس المستشفى؟
سوزان بصت للصورة، ودموعها بدأت تنزل تاني.
أيوه. أنا كنت عارفة إن أمهاتنا كانوا يعرفوا بعض من قبل ما إحنا نتولد، لكن أمي عمرها ما شرحتلي التفاصيل.
ديفيد فتح الملف الجلدي، وبدأ يراجع الأوراق الموجودة فيه.
وبعد لحظات، سحب مستندًا رسميًا قديمًا، وبص لتاريخه.
وبعدين رفع عينيه ليا وقال
يا ماري، لازم نبقى حذرين في الاستنتاجات. الصور والرسائل دي بتقول إن فيه سر بين العيلتين، لكنها لوحدها مش كفاية علشان نعرف إيه اللي حصل بالضبط.
هزيت راسي، رغم إن قلبي كان بيصرخ من الخوف.
طب فين باقي الأوراق؟
سوزان كانت ساكتة، لكنها فجأة مدت إيدها ناحية قاع الصندوق، ورفعت قطعة قماش قديمة كانت مغطية جزءًا منه.
تحتها كان فيه ظرف صغير مختوم بالشمع.
وعلى الظرف مكتوب
لا يُفتح إلا بحضور ماري وسوزان معًا.
بصيتلها بدهشة.
يعني أمهاتنا كانوا عارفين إننا هنكون هنا سوا؟
سوزان
تم نسخ الرابط