بعد 42سنه حكايات زيزي

لمحة نيوز

اللي عندها نسخة من الاتفاق الأصلي.
في صباح اليوم التالي، رحنا لمكتبها.
كانت ست في أواخر الستينات، هادية وبتتكلم بدقة. أول ما شافت المفتاح ورقم الملف، طلبت من السكرتيرة تدخلنا مكتبها وتقفل الباب.
قالت
كنت مستنية اليوم ده من سنين، لكني مكنتش متأكدة إنكم هتوصلوا لي.
سألتها بقلق
حضرتك تعرفي أمي وروبرت؟
ردت
أعرف إن روبرت حاول يحافظ على اتفاق عائلي قديم، وإن والدتك ووالدة سوزان كان ليهم دور فيه. لكن قبل ما أشرح، لازم أوضح إن أي كلام عن حقوق أو بيانات شخصية لازم يتأكد من المستندات الأصلية، مش من الذكريات وحدها.
فتحت خزانة صغيرة وطلعت ملفًا قديمًا.
جواه كان فيه اتفاق موقع من أمي ووالدة سوزان، ومعاه ملحق مؤرخ بعد ولادتي أنا وسوزان بسنوات.
بدأت أقرأ الاتفاق، ولقيت إنه بيتكلم عن قطعة أرض قديمة كانت مملوكة لجدتي، وإن فيه خلاف حصل بين العيلتين بخصوص ملكيتها، وإن الطرفين وافقوا وقتها على تأجيل أي مطالبة لحد ما المستندات الأصلية تظهر.
لكن الملحق كان فيه اسم روبرت بصفته شاهدًا على استلام أوراق معينة.
سألت المحامية
يعني كل الأسرار دي بسبب أرض؟
ردت
جزء من الموضوع متعلق بالملكية، لكن فيه ورقة تانية أنا مش هقدر أفسرها من غير ما أشوف الملف الأصلي اللي معاكم. روبرت كان مقتنع إن الورقة دي هتوضح سبب الخلاف كله.
وبعدين سحبت درج مكتبها، وطلعت صورة لخطاب قديم.
قالت
الخطاب ده وصلني من روبرت قبل وفاته بشهر تقريبًا. طلب مني أحتفظ بيه، وأديه لماري لو ظهرت هي بنفسها وطلبت الاطلاع على الملف.
أخدت الخطاب بإيد مرتعشة.
كان مكتوبًا فيه
ماري، لو وصلتي لليلى، يبقى إنتِ قررتي تعرفي الحقيقة بنفسك. أنا آسف إني أجلت الكلام معاكي. كنت فاكر إن السكوت هيحميكي من مشاكل قديمة، لكني فهمت متأخر إن من حقك تعرفي كل حاجة تخصك.
وفي آخر الخطاب، كتب
اسألي نوال عن اللي حصل يوم اجتماع العيلتين، مش عن اللي اتكتب في الأوراق بعده.
رفعت عيني للمحامية.
إيه اجتماع العيلتين ده؟
قالت إنها لا تملك تفاصيله، لكنها أعطتنا عنوانًا قديمًا لبيت كانت العائلتان بتجتمع فيه زمان.
لما خرجنا من المكتب، كنت مصممة أروح لخالتي نوال فورًا.
سوزان حاولت تهديني، لكني قلت لها
المرة دي مش هقبل إجابات ناقصة. خالتي لازم تحكيلي كل حاجة.
وصلنا بيت نوال بعد الظهر.
فتحت لنا الباب، وأول ما شافت الملف اللي في إيدي، عرفت إننا وصلنا لجزء من الحقيقة.
قعدتنا في الصالة، وفضلت ساكتة شوية، وبعدها قالت
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
سألتها
ليه أمي وروبرت كانوا بيخفوا عني موضوع الأرض والاتفاق؟ وليه اسم سوزان موجود في كل ورقة؟
نوال أخدت نفسًا طويلًا وقالت
لأن أمك ووالدة سوزان كانوا أصحاب من قبل ما إنتوا تتولدوا، وكان فيه خلاف بين العيلتين على ملكية الأرض. لكن المشكلة الحقيقية بدأت يوم اجتمعنا علشان نحل الخلاف.
سألتها وإيه اللي حصل في الاجتماع؟
بصت لسوزان، وبعدها رجعت بصتلي.
في الاجتماع ده، اتضح إن فيه مستندًا قديمًا ممكن يغير كل اللي كنا فاكرينه عن ملكية الأرض. أمك رفضت تمضي على اتفاق جديد قبل ما تشوف الأصل، ووالدة سوزان أصرت إن النسخة اللي معاها صحيحة.
ديفيد سألها
طيب، والورقة الأصلية راحت فين؟
نوال قامت وراحت ناحية مكتبتها، وطلعت كتابًا قديمًا كبيرًا. فتحته من النص، وسحبت منه صورة مطوية.
قالت
دي آخر صورة عندي من يوم الاجتماع. روبرت أخد النسخة الأصلية بعدها بسنين علشان يعرضها على المحامي، لكنه اكتشف إن فيه صفحة ناقصة.
أخدت الصورة منها.
كان فيها أمي، ووالدة سوزان، وروبرت، وديفيد، وشخص خامس واقف في آخر الصورة، وشه مش واضح بسبب ظل واقع عليه.
لكن اللي لفت انتباهي كان ورقة في إيد أمي، مكتوب عليها رقم الملف نفسه الموجود في أوراق روبرت.
قلبت الصورة، ولقيت جملة قصيرة بخط أمي
الحقيقة مش في الأرض وحدها الحقيقة في اسم الشخص اللي وقّع بدلًا مني.
بصيت لخالتي نوال، وسألتها
مين الشخص اللي وقّع بدل أمي؟
نوال سكتت طويلًا، وبعدها قالت
أنا كنت عارفة مين، لكن روبرت طلب مني ما أتهمش حد قبل ما الورقة الأصلية تظهر.
سألتها بحدة
مين يا خالتي؟
فتحت درجًا صغيرًا، وطلعت ورقة قديمة عليها توقيع واضح.
ولما شفت الاسم، حسيت بصدمة شديدة.
الاسم كان اسم والد سوزان مش اسم حد من عيلتي.
سوزان حطت إيدها على بقها، وقالت
بابا؟! إزاي؟ ده مات من سنين، وأمي عمرها ما حكتلي عن أي حاجة زي دي!
لكن نوال رفعت إيدها وقالت
استنوا. وجود توقيعه مش معناه إننا عرفنا كل الحقيقة. فيه احتمال إن التوقيع اتعمل بتفويض، أو إن فيه اتفاق تاني إحنا لسه منعرفوش.
وبعدين بصتلي مباشرة وأضافت
علشان كده، لازم نلاقي الصفحة الناقصة. هي الوحيدة اللي هتوضح إذا كان التوقيع قانونيًا، ومين كان حاضر وقتها، وليه روبرت قضى سنين بيحاول يوصل للنسخة الأصلية.
في اللحظة دي، رن جرس الباب.
نوال قامت تفتح، وبعد لحظات رجعت ومعاها ظرف صغير وصلها من غير اسم مرسل.
فتحته، ولقيت جواه صفحة قديمة من نفس الملف.
لكن المفاجأة إن الصفحة كانت عليها ملاحظة مكتوبة بخط روبرت
لو وصلت الصفحة دي لماري، يبقى الشخص اللي احتفظ بيها قرر أخيرًا يقول الحقيقة.
وتحت الملاحظة، كان فيه اسم واحد بس.
اسم الشخص اللي احتفظ بالصفحة كل السنين دي
سوزان!
بصيتلها، ومقدرتش أخفي صدمتي.
سوزان إنتِ كنتِ معاكي الصفحة دي طول الوقت؟
عينيها اتمليت بالدموع، لكنها هزت راسها وقالت
لأ يا ماري، والله ما شفتها قبل النهارده. بس أنا عارفة مين ممكن يكون حطها في الظرف وعارفة كمان ليه روبرت كتب اسمي عليها.
وقبل ما تشرح، نوال قالت جملة خلتنا كلنا نسكت
لأن روبرت كان عارف إن سوزان مش مجرد صديقة ماري في الحكاية دي هي كمان شاهدة على وعد قديم، اتاخد قبل ما أي واحدة فيكم تفهم معناه.
يا ترى إيه الوعد اللي اتاخد زمان؟ وليه روبرت كان واثق إن سوزان هي اللي هتساعد ماري توصل للحقيقة؟
يتبع
نوال قفلت باب الصالة، وطلبت مننا نقعد كلنا حوالين الترابيزة.
بصت لسوزان وقالت
يا بنتي، كفاية سكوت. ماري من حقها تعرف كل حاجة، وإنتِ كمان من حقك تعرفي إيه اللي حصل بين أمهاتكم.
سوزان كانت بتعيط، وأنا قاعدة قدامها مش عارفة أواسيها ولا ألومها.
أخيرًا، اتكلمت نوال.
من سنين طويلة، أمك يا ماري ووالدة سوزان كانوا أصحاب مقربين جدًا. جدتك كانت عندها قطعة أرض كبيرة، وقررت إنها تسيبها لبناتها بالتساوي. لكن بعد وفاتها، ظهرت أوراق قديمة عملت خلاف كبير بين العيلتين.
ديفيد سألها
والد سوزان كان له علاقة بالخلاف ده؟
هزت نوال راسها.
أيوه. هو كان مسؤول عن متابعة بعض الأوراق، واكتشف إن فيه مستندًا مهمًا مش موجود. اتصرف وقتها بطريقة غلط، ووقّع على اتفاق قبل ما يتأكد إن كل الأطراف موافقة عليه. لكنه اعترف بغلطه بعد كده، وحاول يصلح الموضوع.
سألتها طيب، وإيه علاقة روبرت بكل ده؟
ردت
روبرت اكتشف القصة بعد جوازه منك، يا ماري. ولما عرف إن فيه احتمال إن حق أمك في الأرض يكون اتأثر بسبب الاتفاق القديم، قرر يدور على المستند الأصلي. كان عايز يحل المشكلة من غير ما يفتح خلافات قديمة بين العيلتين.
بصيت لديفيد، فقال
وعشان كده أخويا كان بيحاول يتواصل معايا. كان محتاج حد يساعده في مراجعة الأوراق، وأنا للأسف رفضت أسمع منه وقتها.
نوال كملت
أما الوعد اللي اتاخد بين أمهاتكم، فكان إنهم مش هيخلوا الخلاف القديم يفرق بينكم. كانوا عايزينكم تكبروا من غير ما تشيلوا ذنب مشاكل الكبار.
بصيت لسوزان، وسألتها
يعني إنتِ كنتِ عارفة إن فيه خلاف بين العيلتين، لكن مكنتيش عارفة تفاصيله؟
ردت وهي بتمسح دموعها
بالضبط. أمي قالتلي زمان إن فيه موضوع قديم لازم يفضل بين الكبار، وإن صداقتنا مش لازم تتأثر بيه. وبعد وفاة روبرت، لما لقيت الرسالة، بدأت أدور على الحقيقة. لكني مكنتش أعرف إن الموضوع وصل لكل الأوراق دي.
نوال مدت إيدها للصفحة القديمة اللي وصلت في الظرف، وبدأت تقراها.
كانت الصفحة بتوضح إن الاتفاق القديم لم يكن كافيًا لإثبات انتقال ملكية الأرض بالكامل، وإن فيه مستندًا أصليًا لازم يتراجع قبل اتخاذ أي قرار قانوني.
يعني ببساطة، مفيش دليل يثبت إن أم ماري اتنازلت عن حقها، ولا إن أسرة سوزان امتلكت الأرض كلها.
ولأول مرة من بداية الحكاية، حسيت إن الصورة بدأت تتضح.
لكن كان لسه فيه سؤال واحد بيؤلمني.
بصيت لسوزان وقلت
ليه طلبتي مني آخر صورة لينا على البحر؟ كنتِ ناوية تختفي من حياتي؟
انفجرت في العياط.
أيوه، فكرت أبعد عنك يا ماري. كنت خايفة لما تعرفي إن عيلتي كان ليها دور في المشكلة، تحمّليني ذنب حاجة أنا معملتهاش. وكنت خايفة أخسرك بعد كل السنين دي.
سكتت لحظة، وبعدين كملت
أنا عارفة إنك وثقتي فيا، وإن سكوتي وجعك. لكني مكنتش عايزة أخدعك. كنت بحاول ألاقي الحقيقة الأول، وكل ما أقرب منها، أخاف أكتر من اللحظة اللي هضطر أقولك فيها كل حاجة.
بصيتلها طويلًا.
افتكرت طفولتنا، وضحكنا، وأيام المدرسة، والليالي اللي فضلت فيها جنبي بعد وفاة روبرت.
كل الذكريات دي كانت حقيقية، حتى لو كان فيه سر فضل مستخبي بيننا.
قلت لها بهدوء
أنا مش هقدر أرجع أثق فيكي في يوم وليلة. إنتِ كان لازم تتكلمي معايا بدل ما تقرري لوحدك إني مش هقدر أتحمل الحقيقة.
هزت راسها وقالت
عندك حق. وأنا مستعدة أستنى لحد ما تقدري تسامحيني، لو ده حصل في يوم.
مديت إيدي وأخدت خطاب روبرت، اللي كنت محتفظة بيه في شنطتي.
رجعت قريته من أوله لآخره، ولقيت في آخره سطرًا صغيرًا مكنتش ركزت فيه قبل كده
يا ماري، أتمنى لما تعرفي الحقيقة، متخليش أخطاء جيلنا تسرق منك الناس اللي بتحبيهم. الحقيقة مش دايمًا بتصلح كل حاجة، لكنها بتديكي فرصة تختاري وإنتِ فاهمة.
دموعي نزلت وأنا بقرا كلماته.
روبرت كان عارف إن اكتشاف الحقيقة ممكن يوجعني، لكنه كان عايزني أعرفها علشان أقدر أقرر بنفسي.
وبعد أسبوع، رحنا مع بعض لمكتب محامٍ متخصص، وقدمنا كل الأوراق للمراجعة. وبعد فحص المستندات، اتضح إن ملكية الأرض محتاجة تسوية قانونية بين الورثة، وإن مفيش طرف يقدر يدّعي إن الأرض كلها من حقه اعتمادًا على الاتفاق القديم وحده.
بدأنا الإجراءات الرسمية، واتفقنا إن أي حق يثبت بالمستندات هيرجع لصاحبه، من غير خصام ولا اتهامات جديدة.
أما ديفيد، فقرر أخيرًا يصلح علاقته بذكرى أخوه، واحتفظ بنسخة من رسالة روبرت في بيته.
وبالنسبة لسوزان، فالعلاقة بيننا متصلحتش في يوم واحد.
احتجت وقتًا طويلًا علشان أقدر أبصلها من غير ما أفتكر كل الأسرار اللي اكتشفتها.
لكنها ما ضغطتش عليا، ولا حاولت تبرر سكوتها كل مرة.
فضلت تسأل عليا، وتساعدني، وتسيبلي المساحة اللي احتجتها.
وبعد شهور، في يوم عيد ميلادي، خبطت على باب بيتي، وكانت معاها صورة قديمة لينا وإحنا صغيرين في المدرسة.
حطتها قدامي وقالت
أنا مش جاية أطلب منك تنسي اللي حصل. أنا بس عايزاكي تعرفي إن ال سنة اللي فاتوا كانوا أغلى حاجة في حياتي.
بصيت للصورة، وافتكرت البنتين الصغيرتين اللي كانوا فاكرين إن الصداقة معناها إنهم عمرهم ما هيختلفوا، ولا هيكون بينهم أسرار.
ابتسمت بحزن وقلت لها
الصداقة مش معناها إننا عمرنا ما نغلط. معناها إننا نكون مستعدين نواجه غلطنا ونقول الحقيقة، حتى لو كانت صعبة.
قعدنا نتكلم ساعات طويلة، لأول مرة من غير أسرار ولا وعود غامضة.
ومع الوقت، بدأت الثقة ترجع بيننا، خطوة بخطوة.
أما السلسلة اللي روبرت سابهالي، ففضلت محتفظة بيها، مش باعتبارها دليلًا على سر غامض، لكن باعتبارها ذكرى لراجل حبني، وحاول يصلح أخطاء قديمة قبل ما يموت.
وفي النهاية، اكتشفت إن أخطر حاجة مش إن الناس اللي بنحبهم يكون عندهم ماضٍ منعرفوش لكن إن الخوف من الحقيقة يخلينا نعيش سنين من غير ما ندي لبعض فرصة نفهم ونسامح.
وسوزان، اللي بدأت معاها الحكاية بصورة أخيرة، رجعت بعد شهور وطلبت مني نتصور صورة جديدة.
المرة دي، ابتسمت ووقفت جنبها.
لأن الصورة الأولى كانت محاولة وداع، أما الصورة التانية فكانت بداية جديدة لصداقة اتجرحت، لكنها اختارت تواجه الحقيقة بدل ما تنتهي بسببها.

تم نسخ الرابط