بنت عندها 8 سنين حكايات زيزي

لمحة نيوز

بنت عندها 8 سنين فضلت مستنية في مستشفى تابع للبحرية ساعتين، وكل شوية تسأل بهدوء ممكن حد يتصل ببابا؟ أبوها كان في مهمة في البحر، وعمتها كانت المفروض ترعاها. لكن لما الممرضة بصّت في موبايلها، لقت رسالة كشفت سر محدش كان يتوقعه... 
ممكن حد يتصل ببابا؟ أنا مش عايزاه يقلق عليّا.
الكلمات دي طلعت من بُق بنت صغيرة عندها 8 سنين، كانت قاعدة جنب مكتب الاستقبال في مركز هاربورفيو الطبي التابع للبحرية، في مدينة نورفولك بولاية فيرجينيا، بقالها ساعتين تقريبًا.
المكان كان زحمة بشكل غير عادي، موظفة الاستقبال كانت مشغولة بالأوراق، وفي دكتورين واقفين قريب منها بيتكلموا عن مواعيدهم.
كنت لسه راجعة من قسم الأطفال لما صوت البنت الهادي شد انتباهي.
أنا ماريان هارجروف، عندي 39 سنة، وبشتغل ممرضة بقالي 11 سنة. شفت مرضى كتير اشتكوا من طول الانتظار، لكن نادرًا ما كنت بشوف طفلة صغيرة بالشكل ده، كل اللي شاغلها إنها توصل لوالدها.
قربت منها بهدوء.
كانت لابسة بلوفر أحمر مبلول شوية، وفي رجليها صندل قديم ومصلّح بعناية، وحاضنة أرنب لعبة محشي، ناقص نص ودنه.
كان واضح عليها التعب وعدم الارتياح، وكانت ضامة الأرنب لصدرها كأنه الحاجة الوحيدة اللي مطمّناها شوية.
قعدت على ركبتي عشان أبقى في مستوى عينيها، وسألتها
ممكن تقوليلي اسمك يا حبيبتي؟
ردت بصوت واطي
لوسي برينان.
سألتها
حد جابك هنا؟
هزت راسها وقالت
لأ، بابا قالي إن المستشفى دي بتساعد عائلات البحرية.
في اللحظة دي، بصّيت ناحية مكتب الاستقبال، ولقيت لافتة مكتوب عليها مهمتنا هي تقديم الرعاية.
الكلمات دي فكرتني بسبب اختياري للمهنة من الأساس، وإن كل مريض من حقه يلاقي حد يهتم بيه، خصوصًا طفلة جاية لوحدها وبتدور على المساعدة من غير ما يكون معاها أي حد من أهلها.
روحت لمكتب الاستقبال وسألت إذا كان حد فحصها أو طلب لها كشف طبي.
موظفة الاستقبال ردت
هي معندهاش بطاقة هوية، ومفيش معاها ولي أمر. طلبنا منها تستنى هنا لحد ما نحاول نوصل لحد من أهلها.
سألتها باستغراب
طيب، حد اطمن على حالتها وشاف هي تعبانة قد إيه؟
الموظفة سكتت لحظة، وبصّت على الكمبيوتر، وبعدين قالت إن القسم كان مشغول بحالات طارئة كتير.
رديت بهدوء
أنا مقدّرة إن المكان زحمة، بس البنت دي محتاجة حد يكشف عليها ويطمن عليها.
طلبت كرسي متحرك، وتواصلت مع قسم طوارئ الأطفال.
أي طفل عنده أعراض مقلقة لازم يتفحص في أسرع وقت، حتى لو أهله مش موجودين معاه في اللحظة دي.
وأنا بساعد لوسي تركب الكرسي، مسكت في كُمّي برفق وقالت
أرجوكي متزعليش منهم، يمكن عندهم شغل كتير.
الكلمات دي فضلت ترن في ودني.
تخيّلوا طفلة تعبانة، وبدل ما تفكر في نفسها، كانت بتحاول تبرر للناس ليه محدش اهتم بيها!
وأثناء ما كنا نازلين لقسم الطوارئ، بدأت تحكيلي إنها بتكح من كام يوم، وإن حرارتها بقالها فترة مرتفعة، وكمان مبقتش عندها شهية للأكل.
أمها كانت متوفية من سنة ونص، وأبوها، كبير ضباط الصف أوين برينان، كان في مهمة بحرية، ومش بيقدر يتواصل معاها بانتظام بسبب ظروف شغله والاتصالات المتاحة في البحر.
سألتها
طيب يا حبيبتي، مين بيهتم بيكي وبيراعيكي وإنتِ باباكي بعيد؟
قالت
الست بريويت. هي اللي بتعملي الشوربة وبتساعدني في الواجب.
سألتها تاني
طيب، هي فين دلوقتي؟
نزلت عينيها ناحية الأرنب اللي في حضنها، وقالت بصوت مكسور
الإسعاف خدتها... وهي قالتلي إن طنط بيرني هتيجي تاخد بالها مني.
سألتها
وده حصل من إمتى؟
بدأت تعد على صوابعها الصغيرة، وبعدين قالت
من عشرة أيام.
في اللحظة دي، قلقت جدًا.
غياب الشخص اللي كانت متعودة عليه، واللي كان مسؤول عن رعايتها، ساب لوسي لوحدها في ظروف صعبة، ومن الواضح إن ترتيبات رعايتها كانت محتاجة تدخل عاجل.
بدأت تحكيلي إنها كانت بتحاول تعيش يومها بشكل طبيعي على قد ما تقدر، وتستخدم الحاجات الموجودة في البيت، وهي مستنية حد من أهلها ييجي يساعدها.
وقالت إنها حاولت تتصل بطنط بيرني كذا مرة، وكانت مصدقة إن المساعدة في الطريق.
لكن مع مرور الوقت، حالتها بدأت تسوء، فافتكرت المستشفى اللي باباها كان حكالها عنها، وقررت تروح بنفسها.
ركبت أتوبيسين، وكانت معاها ورقة فيها عنوان المستشفى، أبوها كان كاتبهولها على ضهر صورة.
حكتلي إنها كانت بتعدّ محطات الأتوبيس وهي ماسكة حصوة صغيرة في إيدها، عشان تفتكر الطريق ومتلخبطش.
سواق الأتوبيس سألها إذا كان معاها حد كبير، لكنها قالتله بهدوء إنها بتحاول توصل للمستشفى.
كانت مركزة في إنها تلاقي مساعدة لدرجة إنها مكانتش عارفة تشرح لحد إيه اللي بيحصل معاها في البيت.
ولما نزلت من الأتوبيس، مشت ست شوارع على رجليها، وكانت كل شوية تقف ترتاح من التعب.
اختارت المستشفى دي بالذات لأنها كانت واثقة إن الناس اللي فيها هيفهموا ظروف باباها، وإنه مش قادر يكون جنبها بسبب شغله في البحر.
أول ما وصلت لقسم الطوارئ، الدكتور المسؤول لاحظ إنها محتاجة دعم في التنفس.
الفريق الطبي اتحرك بسرعة، وبدأوا يدوها الأكسجين، ويعملوا الفحوصات اللازمة، ويتابعوا حالتها بعناية عشان يساعدوها تتحسن.
كل تركيزنا كان على معرفة سبب تعبها، والتأكد إنها بتاخد الرعاية المناسبة.
ومحدش سمح إن عدم وجود أوراق أو ولي أمر يعطّل بداية الكشف والعلاج.
وأثناء ما كنا بنظبط لها قناع الأكسجين، بصّتلي لوسي وسألتني بقلق
هو ينفع الكابتن فلَفي يفضل جنبي؟
كان ده اسم الأرنب اللعبة بتاعها.
ابتسمت وقلت لها
طبعًا يا حبيبتي، خليه جنبك هنا، مش هنبعده عنك.
لكن الحقيقة إن الموقف ده لمس جرح قديم جوايا.
بنتي أنا كمان كان عندها 8 سنين لما ماتت، وده حصل من 8 سنين.
ومن وقتها، وأنا متعمدة أحافظ على مسافة عاطفية بيني وبين المرضى، عشان مارجعش أعيش نفس الوجع كل مرة.
قبل ما أشتغل في المستشفى، كنت بخدم كمسعفة في البحرية، واتعلمت إزاي أتصرف بهدوء وقت الطوارئ، مهما كانت الظروف صعبة.
لكن بعد ظهر اليوم ده، لقيت نفسي باهتم بكل تفصيلة وأنا بظبط البطانية حوالين لوسي.
افتكرت بنتي إيلي، وهي بتقولي في الليالي اللي كانت بتتعب فيها، إن مجرد وجودي جنب سريرها كان بيخليها تحس بالأمان.
أما لوسي، فمكانش معاها حد من أهلها يديها نفس الإحساس بالأمان.
وأنا ببص على ملفها الطبي اللي كان شبه فاضي، بدأت أفهم إن مشكلتها أكبر بكتير من مجرد كحة وحرارة.
كان فيه طفلة صغيرة محتاجة رعاية واهتمام، لكنها لقت نفسها وسط ظروف عائلية معقدة، محدش لحد اللحظة دي كان فاهم حقيقتها بالكامل.
كنت مصممة أتأكد إنها تاخد العلاج اللي محتاجاه، وإنها كمان تلاقي حد مسؤول يهتم بيها ويحميها.
وبينما الفريق الطبي كان بيتابع حالتها، طلبت من الأخصائية الاجتماعية في المستشفى إنها تساعدنا نوصل لحد مسؤول من عيلتها، ونتأكد مين المفروض يتولى رعايتها في الفترة دي.
كنت بحاول أوصل لأهلها بأي طريقة، فسألتها إذا كان ممكن أبص على قائمة الأرقام الموجودة في الموبايل القديم اللي كان جوه شنطتها.
وافقت، ومدت إيدها وناولتهولي.
كانت الشاشة مكسورة، لكن قدرت أفتح الرسائل اللي كانت باعتاها لطنط بيرني خلال الأيام اللي فاتت.
بدأت أقرأ واحدة ورا التانية
الأكل في البيت قرب يخلص.
الست بريويت لسه مرجعتش.
أنا تعبانة أوي، وبقيت ألاقي صعوبة في التنفس.
قلبي اتقبض وأنا بقرأ.
لكن اللي صدمني أكتر، إن كل رسالة من دول كانت متعلّمة إنها اتقرت!
يعني طنط بيرني شافت رسائل البنت، وعرفت إنها لوحدها ومفيش أكل كفاية، وإنها تعبانة ومش قادرة تتنفس كويس!
ومع ذلك، محدش جه يساعدها.
فتحت آخر رسالة، اللي كانت وصلت الصبح بدري، وبدأت أقراها بتركيز.
اضطريت أبص فيها مرتين، لأني مكنتش قادرة أستوعب إزاي حد ممكن يبعت رسالة بالشكل ده لطفلة صغيرة كل ذنبها إنها بتطلب المساعدة.
كانت الرسالة بتقول
أرجوكي متتكلميش عن اللي بيحصل في البيت دلوقتي. أنا أكدت لأبوكي بالفعل إن كل حاجة تمام. أنا بس محتاجة وقت زيادة عشان أشرح اللي حصل...
فضلت باصة للشاشة وأنا حاسة إن فيه حاجة خطيرة جدًا مستخبية ورا الكلام ده.
ليه طنط بيرني بتطلب من طفلة عندها 8 سنين إنها تخبي الحقيقة عن أبوها؟
وإيه اللي حصل في البيت خلال العشرة أيام اللي فاتوا؟
وليه سابت لوسي من غير أكل كفاية، وهي عارفة إنها مريضة ومحتاجة مساعدة؟
لكن اللي مكنتش أعرفه وقتها، إن الرسالة دي كانت مجرد بداية لسر أكبر بكتير... سر لو أبوها عرفه، حياته كلها ممكن تتقلب في لحظة! 
فتحت الرسالة مرة تانية، وفضلت أبص فيها وأنا بحاول أسيطر على غضبي. لكن بدل ما أواجه لوسي بأي سؤال، قعدت جنب سريرها وقلت لها بهدوء
يا حبيبتي، أنا مش هزعقلك، ومش هخليكي تعملي أي حاجة تخوفك. أنا بس عايزة أفهم إيه اللي حصل، عشان أقدر أساعدك.
لوسي فضلت ساكتة، وبدأت تحرك صوابعها فوق ودن الأرنب المقطوعة. وبعد لحظات، سألتني بصوت ضعيف
هو بابا زعلان مني؟
السؤال وجعني أكتر من أي حاجة شفتها في الرسائل.
قلت لها بسرعة لأ يا حبيبتي، ليه بس تقولي كده؟
بصتلي بعينيها المليانين دموع، وهمست
عشان طنط بيرني قالتلي إن بابا عنده مشاكل كتير في شغله، وإنه لو عرف إني تعبانة، ممكن يسيب المهمة ويرجع عشاني... وساعتها ناس كتير هتزعل منه.
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
طفلة عندها 8 سنين كانت شايلة هم شغل أبوها، وبتحاول تخبي مرضها عشان متكونش سبب في تعطيل مهمته!
مسكت إيدها وقلت لها اسمعيني كويس يا لوسي، إنتِ مش مسؤولة عن مشاكل الكبار، ومش مطلوب منك تتحملي الوجع لوحدك. أبوكي من حقه يعرف إنك محتاجة مساعدة.
لكن لوسي شدت إيدي فجأة وقالت بخوف
لأ، أرجوكي متتصلّيش بيه دلوقتي!
استغربت رد فعلها، وسألتها ليه يا حبيبتي؟
بصت ناحية باب الأوضة، واتأكدت إن مفيش حد واقف بره، وبعدين قربت مني وهمست
عشان طنط بيرني قالت إن لو بابا عرف الحقيقة، ممكن ميقدرش يرجع البيت تاني.
في اللحظة دي، دخلت الدكتورة المسؤولة عشان تطمن على حالتها، فاضطريت أأجل أسئلتي.
الفحوصات الأولية كانت بتشير إن لوسي عندها التهاب تنفسي شديد، وإنها محتاجة تفضل تحت الملاحظة وتتلقى العلاج المناسب. ومع تحسن تنفسها شوية، بدأت تستعيد قدرتها على الكلام، لكن التعب كان واضح عليها.
طلبت من الأخصائية الاجتماعية إنها تبدأ إجراءات التواصل الآمن مع والدها، وإننا نتحقق من ترتيبات رعاية الطفلة، خصوصًا بعد غياب الشخص اللي كان مسؤول عن الاهتمام بيها.
وبعد حوالي نص ساعة، رجعت الأخصائية وهي ماسكة ملف صغير.
قالتلي ماريان، إحنا قدرنا نحدد هوية الست بريويت اللي البنت بتتكلم عنها.
سألتها مين دي بالضبط؟
فتحت الملف وقالت دي جارة العيلة، واسمها موجود في أوراق الطوارئ القديمة باعتبارها الشخص اللي كان بيساعد أوين في رعاية بنته أثناء غيابه. لكن مفيش أي مستند بيثبت إن عمتها بيرني عندها تفويض رسمي تتصرف لوحدها في كل الأمور الخاصة بالطفلة.
سألتها بقلق طيب، والست بريويت حصل لها إيه؟
ردت جارٍ التحقق من ظروف نقلها للمستشفى، لكن لحد دلوقتي، مفيش معلومات كفاية نعرف منها ليه لوسي فضلت لوحدها كل المدة دي.
وقبل ما أكمل كلامي، سمعت صوت لوسي من ورايا.
كانت بتقول هي مش شريرة... طنط بيرني مش شريرة.
لفيت ناحيتها، ولقيتها بتعيط وبتحاول تدافع عن عمتها رغم كل اللي حصل.
قربت منها وسألتها طب يا لوسي، إيه اللي مخليكي خايفة عليها بالشكل ده؟
مسحت دموعها بطرف البطانية، وقالت
عشان هي قالتلي إن لو حد عرف اللي حصل في البيت، هياخدني من بابا، وأنا مش عايزة أخسره هو كمان.
اتجمدت مكاني.
مين قال للطفلة إن حد ممكن ياخدها من أبوها؟ وليه كانت مقتنعة إن طلبها للمساعدة ممكن يفرقها عنه؟
وقبل ما أقدر أسألها سؤال تاني، موبايلها القديم اهتز فوق الترابيزة.
وصلت رسالة جديدة من رقم طنط بيرني.
فتحت الرسالة قدام الأخصائية الاجتماعية، وقرأناها سوا
لوسي، أنا عرفت إنك رحتي المستشفى. متقوليش لأي حد إنك كنتِ لوحدك في البيت. أنا جاية حالًا، ولازم نتفق على اللي هتقوليه قبل ما حد يكلم أبوكي.
بصيت للأخصائية، وهي بصتلي، وكل واحدة فينا فهمت إن وصول الست دي ممكن يكشف حاجات إحنا لسه منعرفهاش.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعد دقائق...
موظفة الاستقبال اتصلت بالقسم وقالت إن فيه ست واقفة عند المدخل، بتصرخ وبتطالب تشوف لوسي فورًا، وبتقول إنها عمتها وإن المستشفى ملهاش حق تحتجز البنت بعيد عنها.
الأخصائية الاجتماعية طلبت من الأمن يتعامل بهدوء، وإن محدش يسمح بأي مقابلة قبل ما نتأكد من هويتها ونقيّم الموقف.
وبعد شوية، دخلت الست الأوضة برفقة إحدى الموظفات.
كانت في أواخر الأربعينات، لابسة معطف غالي، وماسكة شنطة جلد كبيرة. أول ما شافت لوسي، ملامحها اتغيرت للحظة، لكنها رجعت تماسكت بسرعة.
قالت بنبرة حادة لوسي، إنتِ عملتي إيه؟ إزاي تسيبي البيت وتيجي هنا من غير ما تقوليلي؟
لوسي ضمت الأرنب لصدرها، وبدأت ترتعش.
أنا وقفت بينها وبين الست، وقلت بهدوء خلينا نتكلم من غير ضغط عليها. البنت مريضة، ولسه

تم نسخ الرابط