رحت الزباله حكايات زيزي
صغيرة.
خدي دي يا مايا. عليها التسجيل التاني، اللي يقدر يثبت إني ماكنتش السبب في اللي حصل.
أخدت الذاكرة، وسألته
إيه اللي فيها؟
رد
تسجيل لمكالمة بين فيكتور وشخص تاني، قبل غرق المركب بساعات. التسجيل ده هيكشف مين اللي أصدر الأمر الحقيقي.
وفجأة، اتكسر زجاج الشباك، وسمعنا صوت ارتطام قوي في الصالة.
رافائيل صرخ
ابعدوا عن الشبابيك!
جرينا ناحية الممر الداخلي، لكن قبل ما نوصل، انطفأت الأنوار كلها.
وفي وسط الظلام، سمعت صوت مارتن بينادي باسمي
مايا! الذاكرة معاكي؟!
رديت
أيوه!
قال بصوت مرتفع
مهما حصل، ماتخليش فيكتور يوصل لها لأن التسجيل مش بيثبت بس إنه غيّر تقرير الحادث، ده كمان بيكشف اسم الشخص اللي ساعده من داخل المستشفى!
وبعدها سمعنا صوت خطوات بتجري ناحية الباب الخلفي.
ولما رجعت الأنوار بعد دقائق، اكتشفنا إن مارتن اختفى!
أما الذاكرة الصغيرة، فكانت لسه في إيدي.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لما رافائيل فحص محتوياتها، ولقى ملفًا صوتيًا واحدًا، مدته 4 دقائق.
شغّل التسجيل.
في البداية، سمعنا صوت فيكتور بيقول
جابرييل لازم يفضل بعيد عن الشركة، وإلا كل حاجة هتتكشف.
وبعدها جاء صوت رجل تاني، واضح جدًا.
صوت عرفته من أول كلمة.
كان صوت الطبيب اللي أعلن رسميًا إن جابرييل مات!
لكن قبل ما نسمع بقية التسجيل، ظهر تنبيه على شاشة الكمبيوتر
الملف تالف، والجزء الأخير مش قابل للتشغيل.
رافائيل بص لنا بقلق وقال
لازم نلاقي النسخة الأصلية قبل ما تختفي.
وفي اللحظة دي، وصلتنا رسالة من رقم مجهول
لو عايزين جابرييل يرجع لعيلته، قابلوني بكرة الساعة 10 صباحًا وتعالوا من غير شرطة. أنا عارف مكانه.
يتبع
الجزء الخامس والأخير رجوع جابرييل والحقيقة اللي قلبت كل الموازين!
فضلنا طول الليل بنحاول نعرف مين صاحب الرسالة، لكن الرقم كان مجهول، وكل محاولات رافائيل لتحديد مكانه باءت بالفشل.
كنت حاسة إن جابرييل قريب مني جدًا، وفي نفس الوقت خايفة أفقده مرة تانية قبل ما أشوفه.
أما ليو ولونا، فكانوا بيسألوني كل شوية
ماما، هو بابا فعلًا عايش؟ وإمتى هنشوفه؟
كنت بحاول أطمنهم، رغم إني أنا نفسي ماكنتش عارفة إيه اللي مستنينا.
في صباح اليوم التالي، قرر رافائيل إنه ينسق مع الجهات المختصة قبل ما نتحرك، لأن الرسالة ممكن تكون فخًا.
وبالفعل، اتفقنا إننا نروح للمكان المحدد، بينما فريق من الشرطة يراقب المنطقة من بعيد.
الساعة عشرة بالضبط، وصلنا لمخزن قديم خارج المدينة.
الباب كان مفتوحًا، وفي الداخل لقينا راجلًا كبيرًا في السن، قاعد قدام مكتب خشبي.
أول ما شافني، قال
أنا الدكتور سامح، الطبيب اللي كان مسؤول عن حالة جابرييل بعد الحادث.
بصيت له بصدمة.
إنت اللي ظهر صوتك في التسجيل؟!
هز راسه بحزن.
أيوه. وأنا جاي النهارده عشان أصلح الغلط اللي عملته من 3 سنين.
رافائيل سأله بحدة
ليه غيّرت بيانات المريض؟
الدكتور سامح نزل عينيه، وبعدها بدأ يحكي.
فيكتور جه لي بعد الحادث، وقال إن جابرييل متورط في اختفاء مستندات الشركة، وإن وجوده ممكن يسبب مشكلة كبيرة. طلب مني أسجله باسم مختلف لحد ما التحقيق يخلص. أنا وافقت في البداية، بحجة إني بحمي المريض من الضغط، لكن لما اكتشفت إن الموضوع أكبر من كده، حاولت أتراجع.
سألته
وليه ما بلغتوش الشرطة؟ وليه ما حاولتش توصلني بجوزي؟
رد بصوت مليان ندم
لأني خفت من التهديدات. وبعد فترة، جابرييل خرج من المستشفى قبل ما أقدر أساعده. كان فاقد جزءًا من ذاكرته، ومعاه أوراق باسم مختلف. حاولت أدور عليه، لكن ماوصلتش له.
رافائيل قال
الكلام ده لازم يتسجل رسميًا، وكل مستنداتك لازم تتسلّم للتحقيق.
الدكتور سامح أومأ، وبعدها أشار لباب جانبي.
جابرييل موجود هنا. هو اللي طلب مني أرتب المقابلة، لأنه افتكر أخيرًا تفاصيل مهمة عن حياته.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
الباب اتفتح ببطء.
وظهر جابرييل!
كان واقفًا قدامي، وشكله اتغير عن آخر مرة شفته فيها، لكن عينيه كانوا نفس العيون اللي فضلت أفتكرها 3 سنين كاملة.
بص لي طويلًا، وبعدها قال بصوت مرتعش
مايا؟
ماقدرتش أرد في البداية.
وبعدين نطقت اسمه
جابرييل إنت عايش فعلًا!
دموعي نزلت وأنا ببص له، وهو كمان كان بيحاول يتمالك نفسه.
قال
أنا آسف على كل يوم عيشتيه وإنتِ فاكرة إني مت. أنا ماكنتش فاكر كل حاجة، لكن اسمك واسم ولادي كانوا بيرجعوا لي في أحلامي. وكل ما كنت أفتكر جزءًا من الحقيقة، كنت أكتشف إن فيه حد غيّر أوراقي وخلاني أضيع الطريق ليكم.
سألته وأنا بحاول أهدى
طب إنت افتكرت كل حاجة إزاي؟
رد
لما شفت الصورة القديمة اللي كانت في الملف الأزرق، افتكرت آخر يوم في الميناء. افتكرت إني اعترضت على خروج الشحنة، وإن فيكتور كان بيحاول يمنعني من تسليم المستندات للجهات المختصة. وبعدها افتكرت الحادث، والمستشفى، والاسم اللي سجلوني بيه.
سكت لحظة، ثم قال
لكن فيه حاجة أهم من كل ده. أنا ماكنتش عارف إنكم لسه عايشين في نفس البيت، ولا إن عندي طفلين. لما بدأت أفتكر أسماءكم، فضلت أدور عليكم لحد ما وصلت لإيزابيلا.
سألته
وليه اختفيت تاني؟
قال
لأن فيكتور عرف إني بدأت أفتكر، وحاول يوصل للمستندات قبل ما أسلمها. كنت محتاج أتأكد إن الأدلة هتفضل محفوظة، وإنكم مش هتتعرضوا للخطر.
رافائيل تدخل وقال
دلوقتي الأدلة بقت مع الجهات المختصة، ومش هنسمح لأي حد يعبث بيها تاني.
لكن جابرييل بص لي وقال
لسه فيه خطوة لازم أعملها. لازم أشوف ليو ولونا.
رجعنا القصر، وكان ليو ولونا قاعدين في الصالة مع إيزابيلا.
أول ما دخلنا، ليو رفع عينيه، وبص لجابرييل طويلًا.
ماما مين الراجل ده؟
جابرييل نزل لمستوى نظره وقال بهدوء
أنا بابا يا ليو.
الطفل فضل ساكت، وبعدها بص لي كأنه مستني مني أأكد له الكلام.
قلت له والدموع في عيني
أيوه يا حبيبي، ده بابا. بابا رجع.
لونا قربت منه بحذر وسألته
إنت مش هتسافر وتسيبنا تاني؟
جابرييل رد بصدق
أنا مش هقدر أوعدكم إن الدنيا مش هيحصل فيها مشاكل، لكن أوعدكم إني هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أفضل موجود في حياتكم، ومش هسيبكم من غير ما أحاول.
ليو فضل باصص له شوية، وبعدها بدأ يسأله عن حاجات بسيطة، عن شغله، وعن الأماكن اللي سافر لها.
وجابرييل جاوب على قد ما قدر.
كانت بداية صعبة، لأن الأطفال كانوا محتاجين وقت عشان يستوعبوا إن أبوهم اللي سمعوا عنه إنه مات رجع فجأة لحياتهم.
لكن أهم حاجة إن الحقيقة بقت قدامهم، وإنهم أخيرًا قدروا يعرفوا إن اختفاءه ماكانش اختيارًا منه.
سقوط فيكتور سالفادور
في الأيام اللي بعدها، اتسلمت التسجيلات والمستندات للجهات المختصة.
الدكتور سامح أدلى بأقواله، ومانويل قدّم شهادته عن إنقاذ جابرييل، واتراجعت سجلات المستشفى والميناء من جديد.
أما فيكتور، فحاول ينكر كل الاتهامات، لكن المستندات والتسجيلات وشهادات الشهود كشفت تلاعبه في أوراق الشركة ومحاولته إخفاء الحقيقة عن التحقيق.
وبعد تحقيقات طويلة، تمت إحالته للمحاكمة، وصدر حكم بإدانته في الجرائم اللي ثبتت بالأدلة.
أما مارتن، فأخيرًا ظهر بعد اختفائه من بيت جدتنا.
اتضح إنه كان بيحاول يبعد عن الناس اللي بتراقبه، وإنه احتفظ بنسخة إضافية من المستندات عشان ما تضيعش لو حصل أي شيء للنسخة الأصلية.
اتحقق معاه بخصوص توقيعه اللي ظهر في أوراق المستشفى، لكن الفحص أثبت إن التوقيع الموجود في السجل لم يكتبه بنفسه.
لما قابلته بعد كده، سألته
ليه ماحكتليش كل حاجة من الأول؟
رد بحزن
كنت فاكر إني لو سكت، هحميكي من الخطر. ماكنتش فاهم إن سكوتي هيخليكي تعيشي في حيرة وألم كل السنين دي.
قلت له
الحماية مش معناها إنك تخبي الحقيقة عني. أنا
أختك، وكان من حقي أعرف.
اعتذر لي، وبدأنا نحاول نصلح علاقتنا من جديد، خطوة بخطوة.
بعد مرور 6 شهور بداية حياة جديدة
عدّت 6 شهور، وبدأت حياتنا تستقر تدريجيًا.
جابرييل رجع يشتغل في مجال الشحن، لكن المرة دي اختار شركة جديدة، بعيدة تمامًا عن الأشخاص اللي تسببوا في أزمته.
وأنا بدأت مشروعًا صغيرًا من البيت، أقدر من خلاله أشتغل وأهتم بليو ولونا.
الأطفال احتاجوا وقت عشان يتعودوا على وجود أبوهم، وهو كمان احتاج وقت عشان يرجع يعرف تفاصيل حياتهم اليومية، من واجبات المدرسة لحد الحكايات اللي بيحبوها قبل النوم.
وفي مساء هادئ، كنا قاعدين كلنا على مائدة العشاء.
ليو كان بيحكي لجابرييل عن موقف حصل له في المدرسة، ولونا كانت بتوريه رسوماتها.
وفجأة، ليو سأل سؤالًا خلّى الكل يسكت
بابا، إنت كنت فاكرنا وإنت بعيد؟
جابرييل بص له، وقال
ماكنتش فاكر كل حاجة، لكن كان فيه إحساس جوايا إني لازم ألاقي عيلتي. حتى لما كنت مش عارف اسمي الحقيقي، كنت بحس إن فيه ناس مستنياني.
لونا سألت
طب وإنت هتفضل معانا؟
جابرييل ابتسم وقال
هفضل أحاول كل يوم أكون الأب اللي تستحقوه. ومهما حصل، مش هخبي عنكم الحقيقة.
بصيت له، وافتكرت الأيام اللي كنت فيها بفتش على أكل لولادي، والليالي اللي كنت بعيط فيها لوحدي، واللحظة اللي سمعت فيها إنه مات.
ماكانش سهل أنسى الوجع، ولا أقدر أرجع السنين اللي ضاعت.
لكنني فهمت إن الرجوع مش معناه إن كل حاجة هترجع زي الأول، وإن الثقة محتاجة وقت وأفعال، مش مجرد وعود.
بعد العشاء، وقفت عند الشباك وبصيت للبحر البعيد.
جابرييل وقف جنبي وقال
عارف إنك اتأذيتي كتير بسببي، حتى لو ماكنتش أنا السبب في اللي حصل.
رديت بهدوء
اللي حصل غيّر حياتنا كلنا. بس اللي يهمني دلوقتي إننا نعيش بصدق، وما نسمحش للخوف أو الأسرار إنها تفرّقنا تاني.
بص ناحية ليو ولونا، اللي كانوا بيضحكوا وهما بيرتبوا ألعابهم، وقال
هنبدأ من جديد، مهما احتاج الموضوع وقت.
ابتسمت، ولأول مرة من سنين، حسيت إن بكرة مش لازم يكون مليان خوف.
واتعلمت إن الحقيقة ممكن تتأخر، وإن الظلم ممكن يسرق مننا سنين، لكن أهم حاجة إننا ما نسمحش للأكاذيب إنها تسرق باقي عمرنا.
النهاية