بعد ولادتي بقلم روماني مكرم
بعد ولادتي، جوزي معتز حدف في إيدي 200 جنيه، وشاورلي على موقف الميكروباصات اللي في أول الشارع، وقال لي خدي ابننا الجديد ده وروحي البيت لوحدك.
وورا ضهره بالظبط، كانت واقفة عربية كيا سبورتيدج زيرو، مكنتها دايرة وبتطلع ريحة الفابريقة.
بس العربية دي مكنتش عشاني..
ولا عشان ابنه اللي لسه حبل السُرّة بتاعه منشفش.
دي كانت عشان أمه وأخته.
كنت واقفة على بوابة المستشفى، شايلة الكاريكات والبيبي جواها، ومش قادرة أصلب طولي، كل خطوة بمشية كانت بتفكرني بوجع غرز القيصرية اللي لسه طرية.
أنسيال المستشفى البلاستيك كان لسه ملفوف حوالين معصم إيدي.
وشريط شيل الكيتوفان والمسكنات في شنطتي.
ومع كل ده، الباشا معتز كان واقف ينفخ ومتغاظ إني بمشي براحة وبجر في رجلي.
بص في ساعته وقال لي ببرود
إخلصي يا صابرين، الميكروباص مبيقفش وبيمشي بسرعة.
بصيت له ودموعي محبوسة في عيني..
في الأول افتكرته بيهزر، يعني مين يعمل كده؟
لقيته بيطبق الفلوس ويحطها في جيب جلابيتي بالعافية، وقال
خدي بس ومتعمليش حوار.
هنا بس الصدمة خبطت في دماغي.. ده بيتكلم جد!
على بعد خطوتين، كانت أمه، الحاجة صفية، بتركب في الكرسي القدامي وهي بتعدل عبايتها السيرما.
وأخته الصغرى شيريهان قاعدة ورا، مأنتخة وبتلعب في الآيفون بتاعها.
محدش فيهم حتى قال لي هاتي أشيل عنك الواد، ولا حد قال لي حمد الله على سلامتك يا بنتي.
كل اللي عملته أمه، إنها نزلت زجاج العربية وقالت بلوية بوز
يلا يا معتز، هنتأخر على حجز المحشي والبط في المطعم، الشوربة هتبرد.
يعني حجز الغدا كان أهم بكتير من السِت اللي شالت ابنه تسع شهور في بطنها وتبهدلت في غرف العمليات.
عدلت الكوفرتة الشاش حوالين وش ابني وقلت له بصوت مخنوق
أنتوا بجد هتسيبونا هنا في الشارع وتمشوا؟
معتز ضرب كف على كف وقال بزهق
هو أنتِ ليه دايماً غاوية نكد وبتصعبي الأمور؟
بتصعب الأمور...
الكلمة
يعني مش الحمل اللي كان صعب؟
ولا الولادة وفتح البطن؟
ولا الليالي اللي مشفتش فيها النوم؟
لأ.. أنا اللي كنت صعبة وتقيلة على قلبهم.
أخته شيريهان ضحكت من ورا بخبث وقالت
سيبك منها يا أبيه، دي بتعمل شو كعادتها عشان تلوي دراعك.
بصيت لها.. وبعدين بصيت له.. وبعدين بصيت للعربية الزيرو اللي واقفة على بعد مترين.
طول ثلاث سنين جواز، كنت بكدب على نفسي وأقول معلش، الكلمة التجرح دي طيش ولاد، الإهانة دي عشان مضغوط في الشغل، التطنيش ده قلة فهم منه.
بس وأنا واقفة في الشمس دي، شايلة حتة اللحمة الحمراء دي بين إيديا، الغشاوة شالت من على عيني وشفت الحقيقة واضحة زي الشمس.
ده مكنش يوم وحش.. ده أصلهم وطبعهم الندل.
قرب مني معتز وقال بقلة ذوق
روحي البيت بقى من سكات، أمي مش ناقصة طاقة سلبية ونكد على الغدا النهاردة.
طاقة سلبية..
ده الوصف الجديد للأم اللي لسه قايمة من الولادة وبتنزف!
هزيت راسي براحة..
مش عشان موافقة، لأ، عشان الكلام مع اللي زي دول خسارة.
لفيت ضهري ومشيت قبل ما يشوفوا دموعي وهي بتغرق وشي.
دقيقتين والميكروباص جه، وسبحان الله، السواق وكان راجل شهم وأصيل شافني تعبانة، نزل بنفسه من على الدريكسيون، وأخد مني الكاريكات ووسع لي الكرسي القدامي وقال لي براحتك يا ست الكل، خطوة عزيزة.
غريب وعابر سبيل..
أظهر لي في تلاتين ثانية من الجدعنة والرحمة، أكتر من اللي شفته من جوزي وعيلته في سنين.
والميكروباص بيتحرك، بصيت من الشباك..
كان معتز بيضحك على نكتة، وأمه متبسمة على الآخر، وأخته بتظبط الطرحة وبتتصور سيلفي.
محدش فيهم حتى كلف خاطره يبص ورا العربية يشوفني ركبت ولا اتكلفت.
فجأة موبايلي اتهز في إيدي..
إشعار من الفيس بوك.
أخته شيريهان نزلت صورة ستوري.
كاتبة عليها أحلى غدوة مع الناس اللي تهمنا وبتحبنا بجد
الصورة فيها تلاتتهم رافعين كبايات العصير وبيضْحكوا
مفيش أي سيرة ليا، ولا للبيبي اللي لسه واصل الدنيا.
مجرد غل وفرحة إنهم استقردوني.
بح لقت عيني في الشاشة لحد ما زغللت، وبعدين بصيت لابني اللي نايم زي الملاك على صدري ومطمن في حضني.
في اللحظة دي، حسيت بنار قايدة جوايا انطفت، وحل مكانها برود ويقين.
طول سنتين كنت بتهرب من مكالمة واحدة..
عشان المكالمة دي معناها إني هعترف قدام نفسي إن جوازتي طلعت فاشلة، ومعناها إني هقول لأبويا حقك عليا، أنت كان عندك حق وأنا اللي مشيت ورا قلبي، ومعناها إني بطلب النجدة.
الميكروباص وقف في إشارة العتبة.
فتحت الأسماء.. وجبت رقم مكلمتوش من شهور..
ودوست اتصال.
الخط رن أول مرة.. التانية.. التالتة..
ألو.. إزيك يا صابرين يا بنتي؟
أول ما سمعت بحة صوت أبويا الحنينة، السد اللي جوايا انهار، وعيطت بحرقة وهمست
أبويا.. ينفع تيجي تاخدني أنا وحفيدك؟
الكاتب_رومانى_مكرم
الدنيا سكتت ثانية.. وفجأة سمعت صوت كرسي أبويا الخشب وهو بيتهبد في الأرض من لفته السريعة، وقال بصوت هز الأرض
أنتِ فين بالظبط يا بت الصاوي؟
وصفة له المكان، فرد عليا بكلمة واحدة ريحت قلبي
اقفي مكانك ومتتحركيش، مسافة السكة. وقفل السكة.
في الوقت ده، كانت السماء فوق القاهرة بتغيم وهوا المغربية بيدخل من شباك الميكروباص.. ولأول مرة من يوم ما دخلت المستشفى، شميت ريحة حاجة كنت نسياها من زمان..
ريحة الأمان، وريحة إن ليا ضهر يتسند عليه.
وفجاء لقيت... وفجأة لقيت عربية نقل صغيرة بتقف جنب الميكروباص، والسواق بينادي على حد بصوت عالي، فكل الركاب بصوا ناحية الشارع للحظة.
لكن صابرين ماكانتش مركزة مع أي حاجة حوالينها.
كل تركيزها كان على التليفون اللي لسه ماسكاه بإيد مرتعشة.
أبوها عمره ما خذلها.
وعشان كده أول ما قال مسافة السكة، كانت عارفة إنه بالفعل جاي.
بعد عشر دقايق تقريبًا، الميكروباص وصل لمحطة كبيرة، والسواق بص لها في
هتنزلي هنا يا بنتي؟
هزت راسها بالإيجاب.
نزل بنفسه مرة تانية وشال الكاريكات وحطه على الرصيف، وقال لها بابتسامة بسيطة
ربنا يقومك بالسلامة ويباركلك فيه.
تمتمت شكراً يا عم الحج.
ومشي.
فضلت واقفة تحت مظلة صغيرة، والهواء بيحرك أطراف الكوفرتة اللي ملفوف فيها البيبي.
وفجأة...
سمعت صوت فرامل عربية.
رفعت راسها بسرعة.
عربية نص نقل قديمة وقفت قدامها.
الباب اتفتح.
ونزل أبوها.
أول ما شافها، وشه اتغير.
عينه نزلت على شحوبها.
على مشيتها البطيئة.
على الكاريكات.
على كيس الأدوية اللي في إيدها.
وعلى الدموع اللي كانت بتحاول تخبيها.
قرب منها بخطوات سريعة وقال
مين اللي جابك لهنا لوحدك؟
صابرين حاولت ترد، لكن صوتها خانها.
فهم من سكوتها أكتر مما كان هيفهم من ألف كلمة.
مد إيده وشال حفيده بحنية، وبعدين لف ناحيتها وقال
اركبي.
بس قبل ما تركب...
موبايلها رن.
اسم المتصل ظهر على الشاشة.
الحاجة صفية.
بصت للاسم ثواني.
ثم ضغطت رفض.
بعدها بثانية واحدة، وصلت رسالة.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها
ماتعمليش فيلم الضحية. لما توصلي البيت اعملي حسابك العشا جاهز بدري، لأن عندنا ضيوف.
صابرين فضلت باصة للشاشة.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
وبعدين لأول مرة من سنين...
ماحستش بالقهر.
بالعكس.
حست إن حاجة جواها اتكسرت للأبد.
وحاجة تانية أقوى منها اتولدت مكانها.
ركبت جنب أبوها.
والعربية اتحركت.
بعد ربع ساعة تقريبًا، كانوا داخلين الشارع اللي فيه بيت أهلها.
لكن قبل ما يوصلوا للبيت...
أبوها فجأة وقف العربية على جنب.
وكان باصص قدامه بتركيز شديد.
صابرين استغربت.
في إيه يا بابا؟
ما ردش.
فضل باصص لنفس الاتجاه.
لحد ما قالت بقلق
مالك؟
ساعتها رفع إيده وشاور لقدام.
ولما بصت...
قلبها وقع.
لأن العربية الكيا السبورتيدج الزيرو كانت واقفة هناك...
ومعتز نفسه كان واقف جنبها.
وملامح وشه ماكنتش شبه الراجل اللي سابها
كان متوتر...
ومتعصب...
وكأنه بيدور على حد بجنون.
لكن الصدمة الحقيقية ماكنتش في وجوده.
الصدمة كانت في الشخص اللي نزل من العربية