بعد ولادتي بقلم روماني مكرم
المحتويات
عروقها.
مدت رقبتها تحاول تقرأ أكتر.
لكن الرجل أغلق الملف بسرعة.
ونظر إليها مباشرة.
وقال
واضح إنك آخر واحدة تعرف الحقيقة.
الحاجة صفية صرخت
متقولش حاجة!
أما الرجل فثبت عينيه على صابرين وأكمل
في حاجات اتعملت باسمك... من غير ما تعرفي.
وفي اللحظة نفسها...
حست صابرين إن الأرض بتميد تحت رجليها.
لأنها تذكرت شيئًا قديمًا جدًا.
ورق كتير معتز خلاها تمضي عليه بعد الجواز بأشهر.
وقتها قال لها
إجراءات روتينية للبنك.
وهي صدقته.
ووقعت.
من غير ما تقرأ سطرًا واحدًا.
وحينها فقط...
بدأ الخوف الحقيقي يتسلل إلى قلبها صابرين حست ببرودة بتسري في جسمها كله.
الورق...
افتكرت اليوم ده كويس.
كانت لسه عروسة جديدة.
مبهورة بمعتز.
مصدقاه في كل كلمة.
جاب لها ملف كبير وقال بابتسامة
شوية إجراءات بسيطة عشان الحساب المشترك.
وقتها وقعت في أكتر من مكان.
من غير ما تسأل.
ومن غير ما تقرأ.
ومن غير ما تتخيل إن الأيام ممكن توصلها للحظة زي دي.
رجعت للواقع على صوتها وهي بتسأل الراجل
إيه اللي اتعمل باسمي؟
قبل ما يرد، الحاجة صفية اندفعت خطوة لقدام.
متسمعيش كلامه!
لكن الراجل تجاهلها.
فتح الملف بهدوء.
وأخرج نسخة من ورقة.
ومدها لصابرين.
إيديها كانت بترتعش وهي بتاخدها.
قرأت أول سطر.
ثم الثاني.
ثم الثالث.
وفجأة اتسعت عينيها.
مش لأنها فهمت كل التفاصيل القانونية.
لكن لأنها شافت توقيعها.
توقيعها هي.
واضح وصريح.
في آخر الصفحة.
رفعت رأسها ببطء.
وبصت لمعتز.
إيه ده؟
معتز ما ردش.
فكررت السؤال بصوت أعلى
إيه ده يا معتز؟!
المرة دي رد.
لكن صوته خرج ضعيف.
كنت هقولك.
ضحكت صابرين.
ضحكة قصيرة ومكسورة.
هتقولي إمتى؟ بعد ما أولد؟ ولا بعد ما أتبهدل في المحاكم؟
أبوها خطف الورقة من إيدها.
بدأ يقرأ بسرعة.
ومع كل سطر، ملامحه كانت بتسود أكتر.
لحد ما فجأة رفع رأسه.
وبص لمعتز نظرة لو كانت نار كانت ولعت الشارع كله.
أنت جننت؟!
معتز حاول يتكلم.
لكن فؤاد سبقه.
هو ماكنش لوحده.
الحاجة صفية صاحت
اسكت!
لكن فؤاد لأول مرة ما سكتش.
سنين طويلة وهو بيشوف ويسكت.
يجامل.
يتغاضى.
يقول مش شغلي.
لكن واضح إن حاجة جواه انكسرت.
قال بصوت ثابت
الحق لازم يطلع.
صابرين كانت حاسة إن أنفاسها بتضيق.
كل دقيقة بتعدي بتكشف حاجة أسوأ.
لكن الغريب...
إنها ما بقتش عايزة تهرب.
بالعكس.
عايزة تعرف كل حاجة.
مهما كانت موجعة.
وفجأة...
رن موبايل الرجل الأنيق.
بص للشاشة.
ثم رد بسرعة.
استمع ثواني قليلة.
لكن تعبيرات وشه اتغيرت فورًا.
قال
إنت متأكد؟
سكت.
ثم
طيب... ابعتلي الصورة حالًا.
وقفل المكالمة.
بعد ثواني وصلته رسالة.
فتحها.
وبمجرد ما شاف الصورة...
رفع عينيه ناحية معتز.
ثم ناحية الحاجة صفية.
ثم قال جملة واحدة خلت التوتر ينفجر من جديد
واضح إن المشكلة أكبر مما كنت فاكر.
معتز ابتلع ريقه.
يعني إيه؟
الرجل قلب شاشة موبايله ناحيتهم.
لكن كان بعيد شوية عن صابرين.
ماقدرتش تشوف التفاصيل.
كل اللي شافته كان صورة مستند رسمي.
عليه أختام كتير.
والرجل قال ببطء
في حد النهاردة الصبح حاول يسحب أوراق من الملف الأصلي.
الصمت نزل على الجميع.
ثم أكمل
والمفاجأة...
وتوقف للحظة.
كانت كافية تخلي الكل يترقب.
ثم قال
إن الشخص ده استخدم توكيل باسم صابرين.
صابرين شهقت.
إيه؟!
أبوها قبض على طرف العربية بقوة.
أما فؤاد فغمض عينيه كأنه كان خايف من اللحظة دي.
لكن الصدمة الحقيقية حصلت بعدها بثواني.
لأن شيريهان فجأة بدأت تبكي بشكل هستيري.
مش دموع عادية.
ولا خوف عادي.
كانت منهارة بالكامل.
والكل بصلها.
لحد ما صرخت وسط بكائها
أنا قولت لكم بلاش!
الحاجة صفية جرت عليها بسرعة
اسكتي!
لكن شيريهان زقتها بعيد لأول مرة.
وقالت بصوت مرتفع
أنا تعبت! كفاية كدب!
وساعتها...
عرفت صابرين إن شيريهان على وشك تقول السر اللي الكل بيحاول يدفنه.
سر لو خرج للنور...
مش هيغير يومهم بس.
هيغير حياتهم كلها شيريهان كانت بتنهج من كتر العياط.
وشها احمر.
وشعرها اتفك من تحت الطرحة.
والكل واقف مستني.
حتى العربيات اللي كانت معدية في الشارع بدأت تهدي سرعتها، والناس بقت تبص من بعيد.
الحاجة صفية مسكت دراع بنتها بعنف.
هتفضحينا؟!
لكن شيريهان زعقت لأول مرة في حياتها
إحنا
الصمت نزل كأنه حجر تقيل.
معتز قرب منها بسرعة.
انتي هبلة؟!
لكنها رجعت خطوة لورا.
وعينيها كانت مليانة دموع وندم.
بصت لصابرين.
ثم قالت
أنا آسفة.
صابرين ما ردتش.
مجرد الكلمة دي لوحدها كانت مرعبة.
لأن الاعتذار الحقيقي بييجي لما يكون فيه ذنب كبير.
كبير جدًا.
شيريهان مسحت دموعها بطرف كمها.
وقالت بصوت متقطع
يوم ما مضيتي على الورق... ماكانش حساب مشترك.
صابرين حست قلبها وقع.
لكنها سكتت.
وشيريهان كملت
كان قرض.
أبوها شهق.
وفؤاد نزل رأسه.
أما معتز فصرخ
اخرسي!
لكن المرة دي محدش قدر يوقفها.
وأكتر من قرض كمان.
صابرين كانت سامعة الكلمات كأنها جاية من بعيد.
كل ما كانوا يدخلوا في أزمة... كانوا يستخدموا الورق اللي عليه توقيعك.
الحاجة صفية انهارت على الرصيف وهي تصرخ
خلاص بقى!
لكن الحقيقة كانت خرجت.
وماكانش فيه رجوع.
صابرين بصت لمعتز.
بصت للراجل اللي حبته.
اللي وقفت جنبه.
اللي دافعت عنه قدام أهلها.
اللي استحملت عشانه سنين.
وقالت بهدوء غريب
الكلام ده صحيح؟
معتز ما ردش.
بس سكوته كان أوضح من أي اعتراف.
وفي اللحظة دي...
وصلت عربية شرطة إلى أول الشارع.
وقفت.
نزل منها فردان.
ومعهم شخص لابس بدلة رسمية.
الحاجة صفية أول ما شافتهم، غطت وشها بإيديها.
أما الرجل صاحب الملف الأسود، فهز رأسه وقال
وصلوا أسرع مما توقعت.
صابرين حست إن الأحداث بتجري أسرع من قدرتها على الاستيعاب.
البدلة الرسمية قرب منهم.
فتح حقيبته.
وأخرج مجموعة أوراق.
ثم نظر إلى الأسماء الموجودة أمامه.
وقال
معتز عبد الحميد؟
معتز بلع ريقه.
أيوه.
الرجل هز رأسه.
ثم أخرج ورقة أخرى.
وقال
والسيدة صفية عبد الحميد؟
الحاجة صفية ماقدرتش ترد.
لكنها كانت ترتجف.
صابرين ضمت ابنها أكثر إلى صدرها.
وقلبها بيدق بعنف.
لأنها أدركت أن السر اللي خرج قبل دقائق لم يكن نهاية الحكاية...
كان مجرد أول الخيط.
وفي اللحظة التي بدأ الرجل يقلب بقية الأوراق...
لمح فؤاد اسمًا في الصفحة التالية.
اسمًا جعله يندفع للأمام فجأة ويقول بصدمة
لا... مستحيل!
كل الأنظار اتجهت نحوه.
أما هو فكان محدقًا في الورقة كأنها شبح خرج من الماضي.
ثم رفع رأسه ببطء.
ونظر مباشرة إلى أبو صابرين.
وقال
في حد تاني داخل في الموضوع ده من سنين...
وتوقف.
ثم أكمل بصوت مرتجف
وإحنا كلنا ماكناش عارفين أبو صابرين عقد حواجبه بقوة.
مين؟
فؤاد فضل ماسك الورقة بإيد مرتعشة.
وعينيه بتتحرك بين السطور كأنه مش مصدق اللي بيقراه.
الرجل صاحب البدلة قال
حضرتك تعرف الاسم؟
فؤاد رفع رأسه ببطء.
وبص لأبو صابرين.
ثم لمعتز.
ثم للحاجة صفية.
وللحظة قصيرة جدًا...
بان على وش الحاجة صفية خوف حقيقي.
الخوف اللي بيظهر لما الإنسان يحس إن آخر حائط كان مخبي وراه أسراره خلاص وقع.
فؤاد قال
الاسم ده... مش غريب عليا.
صابرين كانت حاسة إن قلبها هيقف.
كل شوية سر.
كل شوية مصيبة.
كل شوية حقيقة أسوأ من اللي قبلها.
فؤاد أخذ نفسًا عميقًا.
وقال
الاسم ده ظهر قبل كده في ورق قديم من أكتر من خمس سنين.
الرجل سأله
مين؟
فؤاد رد
محسن الجمال.
ساد الصمت.
صابرين ماعرفتش الاسم.
لكن رد فعل الجميع كان كافيًا.
معتز شحب.
الحاجة صفية أغمضت عينيها.
أما أبو صابرين فثبت مكانه للحظة.
ثم قال بذهول
محسن؟!
وكأن الاسم رجعه لزمن بعيد.
فؤاد هز رأسه.
أيوه.
الرجل صاحب الملف قلب بعض الأوراق.
وقال
واضح إنه شريك في أكتر من معاملة مالية.
صابرين بصت لأبوها.
مين محسن ده؟
لكن قبل ما يجاوب...
جاء صوت من آخر الشارع.
صوت عربية قديمة.
الجميع التفت.
العربية وقفت.
والباب اتفتح.
ونزل رجل كبير في السن.
شعره أبيض.
وخطواته بطيئة.
لكن أول ما شافه أبو صابرين...
تغيرت ملامحه تمامًا.
أما فؤاد فتمتم
يا ساتر...
والرجل الكبير وقف على بعد أمتار منهم.
ثم قال
واضح إنكم أخيرًا فتحتوا الملف.
صابرين حست إن المكان كله اتجمد.
لأن واضح جدًا إن الراجل ده يعرف كل حاجة.
لكن ماحدش كان مستعد يسمع اللي هيقوله بعد كده.
خصوصًا لما أخرج من جيبه ظرفًا قديمًا أصفر اللون.
وقال وهو ينظر مباشرة إلى صابرين
الظرف ده كان المفروض يوصلك من زمان...
ثم رفعه قليلًا.
... ولو كنتِ قريتي اللي جواه وقتها، ماكنتيش
وتجمدت الأنفاس في الشارع كله صابرين حسّت إن الدنيا سكتت حواليها.
حتى صوت العربيات البعيد، وحتى بكاء طفلها الخافت، بقوا كأنهم جايين من عالم تاني.
عينها كانت معلقة بالظرف الأصفر.
الراجل الكبير مد إيده ناحيتها.
لكن قبل ما تاخده...
اندفع معتز فجأة.
لا!
الصوت خرج منه أعلى مما
متابعة القراءة