بعد ولادتي بقلم روماني مكرم

لمحة نيوز

من الناحية التانية...
شخص صابرين عمرها ما كانت تتخيل تشوفه واقف مع معتز في نفس المكان.
وفي اللحظة اللي الشخص ده رفع وشه وبص ناحيتها...
اتسعت عينيها من الذهول.
لكنها ماقدرتش تنطق ولا كلمة...اتجمدت صابرين مكانها.
الشخص اللي نزل من العربية كان عمها فؤاد.
أخو أبوها الكبير.
الراجل اللي من يوم جوازها وهو مقاطع العيلة كلها تقريبًا، ومحدش بيشوفه إلا في المناسبات الكبيرة.
أبوها عقد حواجبه وقال باستغراب
هو فؤاد بيعمل إيه مع الواد ده؟
في نفس اللحظة، معتز لمح العربية النص نقل.
ولمح صابرين.
وشه اتغير فجأة.
واتجه ناحيتهم بخطوات سريعة.
لكن أبوها نزل قبله.
وقف قدام العربية زي الحائط.
وقال بحدة
خير؟
معتز حاول يبتسم ابتسامة مصطنعة.
يا عمي، الموضوع فيه سوء تفاهم.
أبوها رد ببرود
سوء تفاهم إزاي؟
معتز بلع ريقه.
وبص لصابرين اللي كانت ضامة ابنها لصدرها.
أنا جيت أخد مراتي.
لأول مرة، صابرين هي اللي ردت.
بصوت هادئ جدًا
دلوقتي افتكرت إن عندك مرات؟
معتز فتح بقه، لكنه ماعرفش يقول حاجة.
في الوقت ده، عمها فؤاد قرب منهم.
وكان باين عليه التوتر.
قال بسرعة
يا جماعة خلونا نتكلم بعقل.
أبوها لف له
وأنت مالك أصلًا؟
فؤاد سكت ثانية.
ثم قال
أنا اللي طلبت من معتز يجي.
الجميع بص له باستغراب.
حتى معتز نفسه بان عليه الارتباك.
صابرين حست إن في حاجة مستخبية.
حاجة أكبر من مجرد خناقة جواز.
خصوصًا لما عمها مد إيده وأخرج ملفًا بني اللون من تحت دراعه.
ملف قديم ومليان أوراق.
وقال بصوت منخفض
في موضوع لازم صابرين تعرفه... وكان المفروض تعرفه من زمان.
الصمت نزل على المكان كله.
أبوها قرب خطوة.
موضوع إيه؟
فؤاد تنهد.
وبعدين بص لصابرين مباشرة.
وقال
قبل ما تتجوزي معتز بست شهور... حصل اتفاق بيني وبين أمه.
صابرين حست بقلبها بيدق بعنف.
وأبوها صرخ
اتفاق على إيه؟!
لكن قبل ما فؤاد يجاوب...
رن موبايل معتز.
رنّة عالية قطعت التوتر كله.
معتز بص للشاشة.
وفجأة وشه اصفر.
حرفيًا اصفر.
صابرين لمحت الاسم اللي
ظهر للحظة قبل ما يخفي الشاشة.
اسم شخص ماكانش المفروض يتصل في الوقت ده أصلًا.
ومجرد رؤية الاسم خلت معتز يرتبك بالشكل ده.
معتز أبعد شوية ورد على المكالمة.
صابرين ما سمعتش الكلام كله.
لكنها سمعت جملة واحدة فقط.
جملة خلت الدم يتجمد في عروقها
إيه؟! يعني البنك بعت إنذار رسمي؟!
سكت ثواني وهو بيسمع الطرف التاني.
ثم قال بعصبية
مستحيل... محدش يعرف حاجة عن الموضوع ده.
هنا تبادل عمها فؤاد وأبوها نظرة غريبة.
نظرة مليانة قلق.
وكأنهم فهموا حاجة صابرين لسه مش فاهماها.
وبمجرد ما أنهى معتز المكالمة...
شد الملف البني من إيد فؤاد بعنف.
وتناثرت الأوراق على الأرض.
ورقة منهم طارت مع الهوا...
واستقرت عند قدم صابرين مباشرة.
انحنت بصعوبة والتقطتها.
وفي أعلى الصفحة كان مكتوب بخط واضح
عقد ضمان ورهن...
لكن الاسم المكتوب تحت العنوان هو اللي خلى أنفاسها تتسارع.
لأن الرهن ماكانش باسم معتز.
ولا باسم أمه.
كان باسم شخص أقرب بكتير مما كانت تتخيل...!صابرين ثبتت عينيها على الورقة.
حاولت تستوعب اللي مكتوب.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
لكن الاسم ماكانش بيتغير.
نفس الاسم.
اسم أبوها.
رفعت رأسها ببطء، وبصت لفؤاد.
ثم لأبوها.
ثم لمعتز.
يعني إيه؟
خرج السؤال منها شبه همسة.
أبوها خطف الورقة من إيدها بسرعة.
أول ما قرأ السطر الأول، ملامحه اتقلبت.
وشه احمر.
وعروقه برزت.
وقال بصوت مخنوق من الغضب
الورق ده جابه منين؟!
فؤاد تنهد وكأنه شايل حمل سنين.
عشان كده كنت عايز نتكلم بهدوء.
لكن الهدوء كان آخر حاجة موجودة في المكان.
معتز قرب خطوة وقال بعصبية
أنا ماليش دعوة بالكلام ده.
أبوها لف له فجأة.
مالكش دعوة؟! أومال كنت بتعمل إيه مع أمك وفؤاد؟!
صابرين كانت واقفة بينهم، حاسة إن الدنيا كلها بتلف.
هي خرجت من المستشفى من ساعات.
كانت فاكرة إن أقصى وجع هتحسه النهاردة هو جرح العملية.
لكن اللي بيحصل دلوقتي كان وجع من نوع تاني خالص.
فؤاد نزل بعينيه للأرض.
وقال
من سنتين... الحاجة صفية كانت مديونة بمبلغ كبير.

معتز صرخ
اسكت!
لكن فؤاد كمل
وكانت بتدور على أي طريقة تخرج بيها من الأزمة.
أبوها قبض على الورقة في إيده.
وبعدين؟
فؤاد بلع ريقه.
وبعدين عرفت إنك كنت محوش مبلغ محترم بعد بيع قطعة الأرض القديمة.
الصمت نزل للحظة.
صابرين بصت لأبوها.
هي فاكرة اليوم ده.
فاكرة إنه باع الأرض عشان يجهز لها ولإخواتها مستقبلهم.
فاكرة قد إيه كان حريص على كل جنيه.
فؤاد كمل بصوت منخفض
ومن هنا بدأت الحكاية.
في اللحظة دي، معتز اندفع ناحيته.
بقولك اسكت!
لكن أبوها وقف بينهم.
هيتكلم.
فؤاد رفع عينيه لصابرين وقال
في حاجات كتير مستخبية عنك... أكتر بكتير مما تتخيلي.
وصابرين حست بقشعريرة بتسري في جسمها كله.
لأنها لأول مرة تلاحظ حاجة غريبة جدًا.
من ساعة ما قابلتهم هنا...
الحاجة صفية وشيريهان مش موجودين.
العربية موجودة.
معتز موجود.
فؤاد موجود.
لكن هما فين؟
وكأن السؤال ده كان مستني يتسأل.
لأن في نفس اللحظة...
ظهر صوت فرامل حادة من آخر الشارع.
الجميع التفت.
عربية أجرة وقفت بعنف.
والباب اتفتح.
ونزلت الحاجة صفية.
لكن شكلها ماكانش طبيعي.
لا متزينة للغدا.
ولا مبتسمة.
ولا حتى متعالية زي عادتها.
كانت مرعوبة.
وشها شاحب.
وشيريهان نازلة وراها وهي بتعيط.
الحاجة صفية أول ما شافت معتز جريت عليه تقريبًا.
ومسكت دراعه بقوة.
وقالت بصوت متقطع
الحقنا... الحقنا بسرعة.
معتز اتجمد.
في إيه؟
الحاجة صفية بصت حواليها بخوف.
ثم همست حاجة في ودنه.
مجرد ثواني...
ووش معتز فقد لونه بالكامل.
أما شيريهان فكانت واقفة ترجف وهي ماسكة موبايلها.
وفجأة وقع الموبايل من إيدها على الأرض.
الشاشة نورت للحظة.
وصابرين لمحت صورة مفتوحة على الشاشة...
صورة لورقة رسمية.
وفي أعلى الورقة كان ختم أحمر كبير.
وخانة بعنوان
إخطار بالحجز والتنفيذ...
لكن قبل ما تقدر تقرأ باقي الكلام، شيريهان خطفت الموبايل بسرعة وضمته لصدرها، وكأنها بتحاول تخفي سرًا لو اتكشف... هتقلب الدنيا كلها صابرين ضيقت عينيها وهي تراقبهم.
لأول مرة تشوف الحاجة صفية
بالشكل ده.
الست اللي كانت دايمًا تتكلم بثقة وكأن الدنيا كلها تحت رجليها، واقفة دلوقتي مرتبكة، عينيها بتلف في الشارع كأنها خايفة من حد يظهر في أي لحظة.
معتز شدها من دراعها وقال بعصبية
اتكلمي عدل! حصل إيه؟
الحاجة صفية بصت حواليها مرة تانية قبل ما ترد
الناس جم البيت.
ناس مين؟
المحضرين... ومعاهم ورق.
ساد الصمت ثانية.
ثم انفجر معتز
إزاي؟! لسه فاضل وقت!
فؤاد غمض عينيه وكأنه كان متوقع الكلام ده.
أما أبو صابرين فبدأت الصورة تتضح قدامه تدريجيًا.
قال ببطء
عشان كده كنتوا مستعجلين الجوازة...
معتز لف له بسرعة
متدخلش نفسك.
لكن فؤاد رد بدلًا منه
هو لازم يعرف.
صابرين كانت حاسة إن كل كلمة بتفتح باب جديد.
باب أسوأ من اللي قبله.
فؤاد قال
من أول الجوازة، كانوا متوقعين يدخل لهم مبلغ كبير من طرف أبو صابرين.
الحاجة صفية صاحت
كفاية بقى!
لكنه أكمل
ولما المبلغ ماجاش بالشكل اللي كانوا متخيلينه... بدأوا يستلفوا ويغطوا ديون بديون.
شيريهان نزلت رأسها للأرض.
معتز قبض على إيده بقوة.
أما صابرين فافتكرت عشرات المواقف.
طلبات الفلوس المتكررة.
الزن المستمر على الشبكة.
الضغط عشان تبيع دهبها.
الاعتراض كل ما كانت تشتري حاجة لنفسها.
حاجات كانت بتعديها زمان على إنها ظروف.
لكن دلوقتي بدأت تركب جنب بعض.
وفجأة...
سمعوا صوت عربية تانية بتدخل الشارع.
عربية سوداء.
وقفت على بعد أمتار منهم.
الباب اتفتح.
ونزل منها رجل في الخمسينات تقريبًا.
أنيق.
هادي.
لكن ملامحه كانت صارمة.
أول ما شافته الحاجة صفية، شهقت.
وأول ما شافه معتز، رجع خطوة لورا من غير ما يحس.
الرجل بص لهم جميعًا.
ثم قال
كويس إني لقيتكم هنا.
محدش رد.
فكمل
كنت بدور عليكم من الصبح.
صابرين لاحظت إن فؤاد شحب هو كمان.
وكأن وجود الراجل ده مش خبر حلو لأي حد.
الرجل أخرج ملفًا أسود من عربيته.
وفتح أول صفحة فيه.
ثم قال بهدوء مخيف
أنا مش جاي أعمل مشاكل.
وسكت لحظة.
أنا جاي آخد حقي.
معتز حاول يتمالك نفسه.
حضرتك فاهم غلط.
الرجل ابتسم
ابتسامة قصيرة جدًا.
يا ريت.
ثم رفع ورقة من الملف.
ولوّح بها أمامهم.
وفي اللحظة دي، لمحت صابرين اسمًا مألوفًا مكتوبًا أكثر من مرة في الأوراق.
اسم معتز.
واسم الحاجة صفية.
لكن الاسم الثالث هو اللي شد انتباهها.
لأن الاسم ده كان اسمها هي.
صابرين.
تجمد الدم في
تم نسخ الرابط