بعد ولادتي بقلم روماني مكرم

لمحة نيوز

كان يقصد.
الكل بص له.
حتى فردا الشرطة التفتوا ناحيته.
الراجل الكبير سحب الظرف بسرعة لورا.
وقال ببرود
واضح إنك عارف كويس اللي جواه.
معتز كان بيتنفس بسرعة.
وأول مرة من بداية اليوم كله، بان عليه خوف حقيقي.
مش خوف من الفلوس.
ولا من القضايا.
ولا من الناس.
خوف من الحقيقة نفسها.
صابرين مدت إيدها.
وقالت
هات الظرف.
الحاجة صفية حاولت تتدخل.
يا بنتي اسمعي مني الأول...
لكن صابرين لفت ناحيتها.
ولأول مرة من سنين، الحاجة صفية سكتت.
لأنها شافت في عيون صابرين حاجة عمرها ما شافتها قبل كده.
شافت إن البنت اللي كانت بتسكت انتهت.
وإن اللي واقفة قدامها دلوقتي شخص تاني خالص.
أخذت الظرف.
كان قديم.
متطبق من كتر السنين.
وعليه اسمها بخط اليد.
صابرين عبد الصمد.
خطها هي عرفته فورًا.
لأن اللي كاتب الاسم كان شخصًا تعرفه جيدًا.
شخصًا من ماضيها.
شخصًا اختفى فجأة قبل جوازها بأشهر.
ارتجفت أصابعها وهي تفتح الظرف.
وخرجت منه عدة أوراق.
وفي المنتصف...
خطاب.
ورقة واحدة.
مطوية بعناية.
فتحتها ببطء.
وعيناها
بدأت تتحرك فوق السطور.
سطر.
ثم سطر.
ثم سطر آخر.
وفجأة...
اتسعت عيناها.
وتغير لون وجهها.
الجميع كان يراقبها.
أبوها تقدم خطوة.
في إيه يا بنتي؟
لكنها لم ترد.
كانت تقرأ بسرعة أكبر.
ثم رفعت رأسها فجأة.
ونظرت مباشرة إلى معتز.
نظرة جعلته يخفض عينيه للأرض.
صابرين قبضت على الخطاب بقوة.
وقالت بصوت مرتجف
إنت كنت عارف.
معتز سكت.
فصرخت
إنت كنت عارف!
الحاجة صفية بدأت تبكي.
أما فؤاد فأدار وجهه بعيدًا.
كأنه لا يستطيع النظر.
صابرين عادت تنظر إلى الورقة.
وفيها تفاصيل قديمة...
وأسماء...
وتواريخ...
وأشياء كانت كفيلة بتغيير حياتها كلها لو عرفتها وقتها.
لكن قبل أن تنطق بما قرأته...
سمع الجميع صوتًا جديدًا.
صوت سيارة أخرى تتوقف عند مدخل الشارع.
الجميع التفت تلقائيًا.
الباب فتح.
ونزل شخص يحمل ملفًا سميكًا تحت ذراعه.
وبمجرد أن رآه الرجل صاحب البدلة...
قال بدهشة
إنت هنا؟!
أما القادم الجديد فنظر إلى الجمع كله.
ثم قال
واضح إنكم لسه عرفتم جزء صغير بس.
وتوقف لحظة.
ثم رفع الملف الذي يحمله.
وأضاف
لأن
الحقيقة الكاملة موجودة هنا.
وارتفعت دقات قلب صابرين أكثر.
لأنها شعرت أن ما قرأته في الخطاب لم يكن سوى بداية سر أكبر بكثير مما تخيلت صابرين كانت حاسة إن اليوم ده أطول من عمر كامل.
الملف الجديد اتفتح.
والأوراق اتفردت قدام الجميع.
وبدأ الكلام يطلع قطعة قطعة.
وفي النهاية...
اتضح إن كل المصايب اللي حصلت كانت بسبب الديون والطمع.
الحاجة صفية كانت داخلة في التزامات مالية أكبر من قدرتها بسنين، وكل مرة كانت تحاول تغطي مشكلة بمشكلة أكبر.
ومعتز، بدل ما يوقفها، كان بيساعدها ويسكت على أخطائها.
أما الأوراق اللي صابرين مضت عليها بعد الجواز، فكانت مستندات مالية استخدمت في معاملات ماكنتش تعرف عنها حاجة، لأنها وثقت في جوزها ومقريتهاش.
الخطاب القديم اللي في الظرف كان تحذير وصل متأخر، فيه معلومات عن مشاكل مالية وعلاقات مشبوهة في الشغل بين بعض الأطراف، لكنه ضاع قبل ما يوصل لها.
ولما بدأت الجهات المختصة تراجع الملفات، ظهرت الحقيقة كاملة.
كل شخص تحمل مسؤولية أفعاله.
وكل ورقة كان عليها توقيع
أو إجراء غير قانوني تم التحقيق فيه.
أما صابرين...
فكانت قاعدة على كرسي قدام بيت أبوها، وابنها نايم في حضنها.
الدنيا حواليها كانت هادية لأول مرة من شهور.
أبوها خرج وقعد جنبها.
وبعد لحظة صمت قال
زعلانة؟
بصت لابنها الصغير.
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.
وقالت
على اللي فات؟ أيوه.
سكتت لحظة.
بس مش ندمانة إني فوقت.
هز أبوها رأسه بفخر.
وقال
أهم حاجة إن الإنسان يعرف قيمته.
رفعت صابرين عينيها للسماء.
وافتكرت يوم المستشفى.
ويوم الميكروباص.
ويوم ال جنيه.
ويوم ما حسوها إنها مالهاش قيمة.
لكنها فهمت دلوقتي حاجة مهمة.
إن اللي يستهين بإنسان مخلص، بيخسر أكتر مما يتخيل.
بعد شهور...
بدأت صابرين تبني حياتها من جديد.
رجعت تقف على رجليها خطوة خطوة.
واهتمت بابنها وبنفسها.
واتعلمت إنها ما تسكتش على الإهانة، ولا تبرر الغلط، ولا تقبل معاملة أقل من اللي تستحقها.
أما معتز...
فكان كل ما يبص وراه، يفتكر اليوم اللي وقف فيه قدام المستشفى، وحدف في إيد زوجته 200 جنيه.
ويفتكر إنه في اللحظة دي خسر زوجة كانت
واقفة جنبه بصدق، وأمًا لابنه، وشخصًا كان ممكن يكون أعظم سند في حياته.
لكن بعض الأخطاء...
ثمنها بيكون أكبر من أي اعتذار.
تمت.

تم نسخ الرابط