بعد سنتين

لمحة نيوز

باب البيت.
كلنا اتلفتنا.
الباب اتفتح.
ودخلت امرأة عجوز.
أول ما شافتني، وقعت منها الحقيبة.
وقالت بصوت مرتعش
نهى؟
قربت مني خطوة.
معقول كبرتي؟
أنا ما عرفتهاش.
لكن فؤاد أول ما شافها، وشه اتغير تمامًا.
قال
مستحيل...
بصيت له.
مين دي؟
رد بصوت منخفض
أمك.
الست حطت إيدها على صدرها وقالت
أنا مش أمك يا نهى...
ثم أشارت إلى سلمى.
أنا أم البنت اللي كنتِ فاكرة إنها بنتك الست كانت واقفة قدامي، وأنا مش قادرة أستوعب كلمة واحدة من اللي قالتها.
يعني إيه مش أمّي؟
بصتلي بعينين مليانين دموع.
لأن أمك الحقيقية ماتت من زمان... وأنا كنت أختها.
فؤاد صرخ
سعاد!
الست بصت له.
خلاص يا فؤاد... مفيش فايدة من الكذب أكتر من كده.
أنا رجعت خطوة.
إنتِ سعاد؟
هزت راسها.
الاسم اللي شفته في شهادة الميلاد القديمة.
اسم أمي.
لكنها قالت إنها أختها.
بصيت لفؤاد.
إنت كنت عارف؟
قال
عرفت الحقيقة متأخر.
وإنتِ؟
سعاد قربت مني.
أنا كنت موجودة يوم ولادتك.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
يوم ولادتي؟
أيوه.
ثم بصت لسلمى.
وكنت موجودة كمان يوم ولادتها.
سألتها
إيه اللي حصل؟
سعاد سكتت لحظات، وبعدها قالت
يوم ولادتك، الدكتور قال إن فيه طفلين اتولدوا في نفس الوقت... لكن واحد منهم ماكانش المفروض يخرج من المستشفى حي.
بصيت لسلمى.
سلمى؟
هزت راسها.
لأ.
ثم أشارت لنفسها.
أنا اللي كان المفروض أموت.
اتجمدت.
إنتِ؟
قالت
أنا كنت الطفلة اللي اتكتب عليها وفاة.
ريان تدخل
وده كان أول تبديل.
سألته
أول تبديل؟
قال
أيوه... لأن بعد سنين، حصل تبديل تاني.
أحمد قال
سلمى اتبدلت بليان.
فؤاد قاطعه
لكن ليان مش بنت نهى.
بصيت له.
أمال بنت مين؟
سعاد غمضت عينيها.
ثم قالت
بنتي.
الصمت نزل على المكان.
أنا بصيت لسلمى.
يعني...
سعاد قالت
البنت اللي عاشت معاكي طول السنين، واللي افتكرتيها سلمى...
وأشارت للفتاة.
مش بنتك.
ثم بصتلي مباشرة.
لكن سلمى الحقيقية... بنتك فعلًا.
دموعي نزلت.
جريت على سلمى وحضنتها.
لكنها همست في ودني
ماما... لسه في حاجة أهم.
أبعدتها عني.
إيه؟
قالت
أنا مش آخر طفل اتبدل.
ثم أشارت ناحية الباب.
كان فيه طفل صغير واقف هناك.
الولد اللي كان مع فؤاد.
نظر لي وقال
ماما...
أنا قربت منه.
إنت كمان؟
هز راسه.
ثم قال
أنا عارف مين بدّلنا كلنا.
قبل ما أسأله مين، أشار خلفي.
الكل لف.
كان أحمد واقف عند الباب.
والولد قال
مش أحمد.
ثم أشار إلى ريان.
هو الولد أشار لريان وقال
هو اللي بدّلنا كلنا.
بصيت لريان.
لأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
إنت عملت إيه؟
ريان ما ردش.
فؤاد قرب منه.
خلاص يا دكتور... انتهى وقت السكوت.
ريان قال
أنا ما بدلتش الأطفال عشان أؤذيهم.
صرخت
أمال ليه؟!
بص لسلمى.
عشان أنقذهم.
سلمى قالت
مش كلهم.
ريان سكت.
اتنين منهم كانوا في خطر... واتنين كانوا جزء من خطة أكبر.
أحمد قال
وريان كان الوحيد اللي يعرف الحقيقة كلها.
بصيت له.
وإنت كنت شريكه؟
أحمد هز راسه.
لأ.
ريان قال
أحمد حاول يوقفني.
يبقى ليه فضلت ساكت؟
أحمد رد بصوت مكسور
لأنهم كانوا ماسكينك إنتِ.
سكت.
ريان فتح درج قديم وطلع منه ملف كبير.
حطه قدامي.
على الغلاف كان مكتوب
نهى عبدالسلام الحالة الأصلية.
فتحت الملف.
أول ورقة كانت شهادة ميلاد.
قرأت الاسم.
الأم نهى عبدالسلام.
الأب غير معلوم.
لكن تحتها كان فيه ختم أحمر
يُمنع إبلاغ الأم بوجود هذا الطفل.
قلبي دق بعنف.
الطفل مين؟
ريان قلب الصفحة.
كانت صورة لطفل رضيع.
نفس علامة الولادة اللي عند الولد اللي واقف قدامي.
رفعت عيني.
ده هو؟
الولد هز راسه.
أيوه.
ريان قال
وهو مش الطفل رقم خمسة زي ما قلنا قبل كده.
أمال إيه؟
سكت.
ثم قال
هو أول طفل.
بصيت للولد.
أول طفل؟
ريان هز راسه.
وكل اللي حصل بعده... كان محاولة لإخفاء وجوده.
فجأة، سلمى شهقت.
ماما...
بصيت لها.
كانت بتبص خلفي.
لفيت.
الرجل اللي كان مربوط على الكرسي اختفى.
والحبل واقع على الأرض.
فؤاد جري ناحية الباب.
لكن قبل ما يوصل، سمعنا صوت الرجل من الدور الأرضي
لو عايزة تعرفي مين أبو ابنك الحقيقي...
ثم سكت لحظة.
وقال
اسألي أحمد عن اللي حصل ليلة ولادتك.
أحمد شحب.
وأنا بصيت له.
أحمد...
ما ردش.
قربت منه.
إنت كنت موجود ليلة ولادتي؟
رفع عيني لي.
وقال
أيوه.
قبل ما نتجوز؟
هز راسه.
أيوه.
إنت كنت تعرفني؟
سكت.
ثم قال
كنت أعرفك قبل ما تعرفيني.
وفي اللحظة دي، انطفى نور البيت كله.
وسمعنا صوت قفل الباب الرئيسي من الخارج.
ثم صوت أحمد في الظلام
نهى...
نعم؟
قال بصوت مرتعش
لو فتحتي الباب اللي تحت السلم... هتعرفي مين أنا فعلًا فتحت الباب اللي تحت السلم.
كان وراه صندوق حديد قديم.
أحمد وقف قدامي وقال
قبل ما تفتحيه... لازم تعرفي إن كل اللي حصل من البداية كان عشان أحميكي.
فتحت الصندوق.
جواه ملفات، صور، وشهادة ميلاد قديمة.
وفي آخر الملف ورقة بخط إيدي.
قريتها وأنا مش مصدقة
أنا نهى عبدالسلام، أوافق على إخفاء حقيقة الطفل عني حتى بلوغه السن المناسب.
صرخت
أنا ما كتبتش الورقة دي!
أحمد قال
عارف.
أمال مين كتبها؟
قال
أمك.
فؤاد بص لسعاد.
سعاد بدأت تعيط.
كنت خايفة عليكي يا نهى.
ريان قال
الحقيقة إن نهى اتعرضت لتلاعب طبي وهي طفلة، واتعملت تغييرات في السجلات عشان يتم إخفاء أصل عيلتها وأصل أول طفل ارتبط بيها.
بصيت للولد.
وبعدين لسلمى.
فهمت أخيرًا إن كل عمليات التبديل والملفات المزورة كانت محاولة لإخفاء الأطفال عن أشخاص كانوا بيحاولوا يستغلوا وجودهم لإثبات نسب وحقوق وميراث.
أحمد كان عارف جزء من الحقيقة، وفضل ساكت لأنه كان بيحاول يحمي نهى والأطفال.
أما ريان، فكان هو الطبيب اللي شارك في البداية في التلاعب بالملفات، لكنه احتفظ بنسخ من كل المستندات حتى يقدر يكشف الحقيقة لو حصل لهم أي أذى.
والأهم...
سلمى الحقيقية كانت عايشة طوال الوقت.
لكن البنت اللي دفناها باسم سلمى كانت طفلة أخرى ماتت في المستشفى، وتم تسجيلها خطأً باسم سلمى بعد عملية تبديل متعمدة.
بعد أيام، ظهرت الحقيقة كاملة أمام النيابة.
تمت مراجعة ملفات المستشفى القديمة، وتحليل البصمات والعينات الطبية، وثبتت هوية الأطفال.
أما أحمد، فثبت أنه لم يقتل أحدًا، لكنه أخفى معلومات مهمة لسنوات، فكان عليه أن يتحمل مسؤولية صمته.
ريان اعترف بكل ما فعله.
وسعاد اعترفت إنها أخفت جزءًا من الحقيقة خوفًا من انهيار العائلة.
أما فؤاد، فكان يحتفظ بالمستندات الأخيرة لأنه كان عارف إن يوم كشف الحقيقة لازم ييجي.
بعد شهور...
وقفت قدام قبر الطفلة اللي عاشت سنين وأنا فاكرة إنها سلمى.
حطيت وردة على القبر.
وقلت
سامحيني... أنا ماكنتش أعرف.
ثم رجعت للبيت.
لقيت سلمى مستنياني عند الباب.
حضنتها.
ولأول مرة من سنين، حسيت إن حضن بنتي رجع لي كامل.
الولد وقف جنبها وقال
ماما... خلاص؟
ابتسمت وسط دموعي.
خلاص.
قال
يعني مفيش أسرار تاني؟
بصيت له.
وسكت لحظة.
ثم ضحكت.
لأ... مفيش.
لكن قبل ما أدخل، لمحت ظرف صغير فوق الترابيزة.
فتحته.
كان جواه صورة قديمة لنا كلنا.
وعلى ظهرها جملة واحدة
الحقيقة انتهت... لكن العيلة بدأت من جديد.
وقتها فهمت إن بعض الأسرار ممكن تدمّر بيت كامل...
لكن الحقيقة، مهما اتأخرت، تقدر ترجّع لأصحابها أسماءهم، وحقوقهم، وأهم حاجة...
ترجّع الأم لأولادها.

تم نسخ الرابط