ابويا وامي حكايات زيزي
اليوم نفسه، في مكتب المحامي، عشان كل حاجة تبقى واضحة وموجودة قدامنا.
بعد ساعة، مارغريت وصلت.
أول ما دخلت المكتب، حطت شنطتها على الترابيزة، وبصت للصورة اللي قدامي.
قالت
دي كانت أول مرة أقابل فيها والديكي بعد ما التحقيق اتعطل.
سألتها
إنتِ كنتِ طرف في التحقيق ليه أصلًا؟
ردت
لأنني كنت واحدة من أفراد الأسرة التانية اللي اتأثروا بالخطأ في سجلات المستشفى. وكنت بتابع الإجراءات نيابة عن عيلتي، عشان نضمن إن كل طفل تتراجع بياناته بالطريقة الصحيحة.
قلت لها
طيب، ليه قابلتي أبويا وأمي لوحدكم؟ وليه اتفقتوا إن محدش يقولي حاجة؟
مارغريت بصت للمحامي، وبعدها رجعت بصتلي.
المقابلة مكانتش سرية زي ما إنتِ فاكرة. إحنا كنا بنتناقش في إزاي نكمل التحقيق من غير ما نسبب ضغط على الأطفال أو نخوفهم. لكن أبوكي طلب وقتها إننا نأجل أي كلام معاكي لحد ما المستشفى تخلص مراجعة الأوراق.
سألتها
وإنتِ وافقتي؟
وافقت على التأجيل لفترة قصيرة، مش على إن الموضوع يفضل مخفي 21 سنة.
بصيت للصورة تاني.
طيب، إيه اللي حصل في المقابلة دي وخلا أمي تكتب الجملة دي؟
مارغريت فتحت شنطتها، وطلعت منها نسخة من خطاب قديم.
في المقابلة دي، أنا طلبت من والديكي إنهم يوافقوا على استكمال المراجعة، وقلت لهم إن عيلتي مش عايزة تاخد أي قرار قبل ما تعرف النتيجة الرسمية. لكن كان فيه خلاف كبير حوالين طريقة استكمال الإجراءات.
سألتها
خلاف إزاي؟
قالت
أبوكي كان عايز المستشفى تعتمد السجلات الموجودة وتعتبر الموضوع انتهى، بينما أنا كنت شايفة إن لازم نرجع للمستندات الأصلية، لأن فيه بيانات ناقصة.
المحامي تدخل وسألها
هل عندك أي مستند يثبت إن الاجتماع انتهى باتفاق واضح بين الأطراف؟
هزت راسها.
عندي خطاب كتبته بعد الاجتماع بيومين، ولما بعتّه للمستشفى، طلبت منهم يحتفظوا بنسخة في الملف.
مدت إيدها بالخطاب للمحامي.
بدأ يقراه، وبعدها وقف عند فقرة معينة.
هنا مكتوب إن السيدة مارغريت طلبت استكمال مراجعة هوية الطفلتين، وإن السيد ديفيد ميلر وافق مبدئيًا على التعاون، بشرط ألا يتم اتخاذ أي إجراء نهائي قبل استلام نسخة من السجلات الأصلية.
بصيت لمارغريت.
يعني أبويا وافق في الاجتماع، وبعدها رجع رفض؟
قالت
ده اللي حصل حسب اللي عندي من مستندات.
لكن المحامي رفع عينه من الورقة وقال
فيه حاجة مش مفهومة هنا. الخطاب ده مؤرخ بعد تسجيل طلب نقل المستند الأصلي من الملف الأساسي.
مارغريت اتوترت.
إنت تقصد إيه؟
رد المحامي
أقصد إننا محتاجين نعرف إذا كان المستند الأصلي اتنقل قبل الاجتماع ولا بعده. لأن ترتيب الأحداث ده ممكن يفرق جدًا في فهم اللي حصل.
مارغريت سكتت.
وأنا حسيت إن فيه سؤال أهم من كل الأسئلة اللي فاتت.
مارغريت، إنتِ قلتي إنك كنتِ بتتابعي الملف نيابة عن عيلتك. هل كان عندك نسخة من المستند الأصلي قبل ما يختفي؟
بصتلي طويلًا، وبعدها قالت
لأ، مكنش عندي نسخة كاملة. لكن كان عندي رقم المستند وتاريخ تسجيله، وكنت عارفة إنه مهم جدًا عشان التحقيق يخلص.
سألتها
طيب، إنتِ تعرفي مين اللي طلب نقله؟
هزت راسها ببطء.
كنت بشك إن فيه حد من داخل المستشفى نقل المستند من غير ما يوضح السبب. لكن مكنش عندي دليل يثبت مين المسؤول.
المحامي بدأ يكتب ملاحظات، وقال إنه هيطلب من المستشفى سجل حركة المستندات بالكامل، عشان نعرف مين استلم الورقة، ومين نقلها، وإمتى حصل ده بالظبط.
لكن قبل ما الاجتماع يخلص، مارغريت بصتلي وقالت
يا ريبيكا، فيه حاجة لازم أقولها لك بعيدًا عن كل الأوراق دي. أنا طول السنين اللي فاتت مكنتش بحاول أوصلك عشان أغير حياتك أو أطلب منك تختاري عيلة على حساب عيلة. أنا كنت عايزة أتأكد إن محدش حرمك من حقك في معرفة الحقيقة.
رديت عليها
وأنا مش عايزة أخسر أهلي. أنا عايزة أعرف ليه فضلوا يضحكوا عليّا ويخلوني أحس إني غريبة وسطهم، مع إنهم كانوا يقدروا يتكلموا معايا بصراحة.
مارغريت هزت راسها وقالت
وده حقك.
بعد ما خرجت من مكتب المحامي، رحت بيت أهلي.
كنت محتاجة أواجه أمي، لكن المرة دي من غير ما أسيب لها فرصة تغير الموضوع أو تقول إنني مكبرة الحكاية.
لقيتها قاعدة في المطبخ، قدامها فنجان قهوة بارد.
أول ما شافتني، عرفت من وشي إنني عرفت حاجة جديدة.
قالت بهدوء
قابلتي مارغريت؟
هزيت راسي.
أيوه. وعرفت إنك قابلتيها هي وبابا في المستشفى بعد ولادتي بشهرين.
أمي غمضت عينيها.
كنت عارفة إن الصورة هتوصلك في يوم من الأيام.
قعدت قدامها وسألتها
ماما، إنتِ كنتِ عارفة النتيجة النهائية من وقتها؟
فتحت عينيها بسرعة.
لأ يا ريبيكا! أنا مكنتش عارفة النتيجة النهائية.
سألتها
طب ليه طلبتي نقل المستند من الملف الأساسي؟
اتصدمت، وبعدها بصتلي بذهول.
مين قالك إني طلبت نقله؟
قلت لها إن المحامي لقى سجل الأرشيف، وإن اسمها مكتوب فيه.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قامت وراحت ناحية دولاب المطبخ، وفتحت درجًا صغيرًا كانت بتحط فيه الأوراق القديمة.
طلعت ظرفًا أبيض، ورجعت قعدت قدامي.
قالت
أنا مش هقدر أشرحلك كل حاجة من غير ما أوريكي الورقة دي.
فتحت الظرف وطلعت منه خطابًا قديمًا، عليه ختم المستشفى.
كان الخطاب موجهًا لأمي، وبيطلب منها الحضور لاستلام نسخة مصححة من السجلات بعد مراجعة إضافية.
بصيت للتاريخ.
كان نفس تاريخ اليوم اللي اتسجل فيه طلب نقل المستند.
سألتها
يعني إنتِ رحتي المستشفى اليوم ده؟
هزت راسها.
أيوه.
وقابلتي مين؟
أمي أخدت نفسًا عميقًا، وقالت
قابلت مسؤول السجلات، وطلبت منه يوقف إرسال النسخ القديمة لأي حد لحد ما يراجعوا الملف من البداية. كنت خايفة إن أي ورقة ناقصة تتفهم غلط، أو إن حد ياخد قرار بناءً على معلومات مش مؤكدة.
بصيتلها وقلت
بس ليه طلب النقل اتسجل باسمك؟ ليه محدش كتب إن ده إجراء مؤقت للمراجعة؟
ردت بحزن
معرفش ليه اتسجل بالشكل ده. أنا طلبت منهم يوقفوا تداول النسخ غير المكتملة، لكن مكنتش أعرف إن المستند الأصلي هيتنقل لملف منفصل.
سكتت لحظة، وبعدها قالت
ولما رجعت البيت، أبوكي كان غاضب جدًا. قاللي إننا لازم نقفل الموضوع، وإننا مش هنفضل عايشين تحت رحمة المستشفى.
سألتها
وإنتِ وافقتي؟
أمي بصتلي، وعينيها مليانة دموع.
للأسف، أيوه. كنت خايفة أخسر البيت اللي بنيناه، وخايفة إن كل حاجة تتغير. وبدل ما أواجه خوفى، سكت.
حسيت بغصة في حلقي.
وسكوتك ده خلاني أعيش 21 سنة وأنا فاكرة إنكم مش بتحبوني زي إخواتي.
أمي مدت إيدها ناحيتي.
أنا عارفة إني غلطت يا بنتي. ومفيش أي مبرر يخلي اللي عملناه صح.
لكن قبل ما أرد، دخل أبويا المطبخ.
كان واضح إنه سمع آخر جزء من الكلام.
بص لأمي وقال
إنتِ وريتيها الخطاب؟
ردت عليه
أيوه يا ديفيد. خلاص، مفيش فايدة من إخفاء أي حاجة تاني.
أبويا قعد على الكرسي المقابل ليا، وفضل ساكت وقت طويل.
وبعدين قال
فيه حاجة أنا لازم أعترف بيها. نكتة المستشفى مكنتش مجرد هزار بالنسبة لي. أنا كنت بحاول أحول الخوف اللي جوايا لحاجة أقدر أضحك عليها.
بصيتله وقلت
طب وأنا ذنبي إيه؟!
هز راسه، ودموعه بدأت تظهر في عينيه.
مفيش ذنب ليكي يا ريبيكا. أنا كنت غلطان، وكل مرة كنت بشوفك بتضحكي معانا، كنت بقنع نفسي إنك مش متأذية. وبدل ما أسألك إذا كنتِ زعلانة، فضلت أكرر نفس الكلام.
لأول مرة، أبويا اعترف إن النكتة كانت بتوجعني.
لكن ده مكانش كفاية عشان يمسح السنين اللي فاتت.
قمت من مكاني وقلت
أنا محتاجة وقت. ومش هقدر أرجع أتعامل معاكم كأن مفيش حاجة حصلت.
أبويا هز راسه.
فاهم.
خرجت من المطبخ، ورجعت للاستوديو.
كنت محتاجة أقعد لوحدي، وأفكر في كل اللي عرفته.
لكن في المساء، المحامي اتصل بيا.
قال إن المستشفى ردت على طلب المراجعة، وإنهم لقوا سجلًا إضافيًا مرتبطًا بالملف القديم.
سألته بسرعة
هل لقوا النتيجة النهائية؟
قال
لسه بنراجع المستندات. لكن لقينا محضرًا بيأكد إن فيه مراجعة تانية حصلت بعد إلغاء الموعد الأول.
قلبي دق بسرعة.
مين اللي حضر المراجعة دي؟
المحامي سكت لحظة، وبعدها قال
المحضر فيه أسماء الأشخاص اللي حضروا، وتوقيعاتهم. لكن فيه اسم واحد مكتوب في خانة الشهود، ومش موجود في أي ورقة تانية عندنا.
سألته
مين؟
قال الاسم.
وكان اسم شخص أنا أعرفه كويس جدًا... شخص كان موجود في حياتي من وأنا صغيرة، لكن عمره ما حكى لي إنه حضر أي إجراء يخص يوم ولادتي.
قفلت المكالمة، وفضلت باصة للموبايل.
لأن الشخص ده كان آخر واحد أتوقع إنه يكون له علاقة بالسر اللي عيلتي مخبياه عني طول السنين دي.
والأغرب من كده، إن المحامي قال إن الشخص ده هو الوحيد اللي وقّع على المحضر، وكتب بخط إيده جملة قصيرة تمت مراجعة البيانات، لكن لم يتم إبلاغ الأسرة بالنتيجة.
فضلت باصة للموبايل، مش قادرة أصدق الاسم اللي المحامي قالهولي.
عمّي جون... أخو أبويا الأصغر!
الراجل اللي كان بيزورنا كل أسبوع، واللي كنت بحكيله أسراري وأنا صغيرة، واللي كان دايمًا بيوقف أي حد يحاول يضايقني بسبب نكتة المستشفى.
إزاي يكون هو كمان عارف؟
اتصلت بالمحامي تاني وطلبت منه عنوان عمّي، وروحتله في نفس الليلة.
أول ما فتح الباب وشافني، وشه اتغير. ولما قلتله إني عرفت موضوع محضر المستشفى، رجع خطوتين لورا وقال بصوت واطي
كنت عارف إن اليوم ده هييجي، بس كنت بتمنى أكون موجود لما تعرفي.
دخلني وقعد قصادي، وبعد شوية صمت قال
يا ريبيكا، أنا حضرت المراجعة التانية بناءً على طلب أبوكي. وقتها كنت فاكر إن الموضوع هيتحل في يومين، وإن محدش هيحتاج يعرف تفاصيل أكتر من كده.
سألته وأنا بحاول أتماسك
طب إيه النتيجة؟ أنا بنت مين؟
بصلي في عيني وقال
إنتِ بنت ديفيد وسوزان، ودي حقيقة عمري ما شكيت فيها. لكن اللي حصل في المستشفى كان خطأ في تسجيل بيانات طفلتين اتولدوا في نفس اليوم. ولما الخطأ اتكشف، المستشفى اكتشفت إن فيه ورق ناقص، وإن بعض البيانات اتسجلت بطريقة محتاجة مراجعة.
حسيت إن نفسي رجعلي شوية، لكن سألته
يعني إيه؟ هو حصل تبديل بيني وبين بنت تانية ولا لأ؟
عمّي سكت، وبعدها طلع من درج مكتبه ظرف قديم.
ده تقرير المراجعة اللي استلمته وقتها. أنا احتفظت بنسخة منه لأنني كنت خايف الأوراق تضيع.
فتح الظرف واداني التقرير.
كان واضح فيه إن فيه خطأ إداري في السجلات، لكن البيانات الموجودة وقتها ما كانتش كفاية لإثبات إن طفلة اتسلمت لأسرة غير أسرتها البيولوجية. التقرير أوصى باستكمال مراجعة المستندات الأصلية، لكن المراجعة ما اكتملتش.
رفعت عيني ليه وسألته
يعني كل السنين دي، محدش كان عنده دليل إني البنت الغلط؟
رد بحزن
بالظبط. لكن أبوكي وأمك كانوا خايفين من الاحتمال، وبدل ما يواجهوا خوفهم ويكملوا التحقيق، قرروا يدفنوا الموضوع. وبعدها حوّلوا خوفهم لنكتة سخيفة، وكأن الضحك هيخلي المشكلة تختفي.
سألته
وإنت ليه سكت؟
نزل عينه للأرض.
لأنني وعدت أخويا إني مش هتكلم لحد ما نعرف الحقيقة كاملة. وبعد ما الموضوع اتقفل، فضلت أقول لنفسي إن الكلام مش هيفيدك. لكن الحقيقة إني كنت غلطان، وكان لازم أساعدك تعرفي من زمان إن المشكلة كانت في الأوراق، مش فيكي.
أخدت التقرير، وقمت من مكاني من غير ما أقول حاجة.
كنت محتاجة أعرف الحقيقة النهائية، مش أفضل طول عمري عايشة بين احتمالات.
تاني يوم، رجعت لمكتب المحامي، وطلبت منه يبدأ الإجراءات الرسمية لاستكمال المراجعة. جمعنا كل الأوراق المتاحة، وقدمنا طلبًا للمستشفى والجهات المختصة عشان نعرف إذا كان ممكن الوصول لسجلات أصلية أو أدلة موثوقة تحسم الموضوع.
وبعد أسابيع من المراسلات، وصل الرد.
النتيجة كانت واضحة في نقطة واحدة مفيش دليل موثوق يثبت إن حصل تبديل بيني وبين الطفلة التانية، ومفيش أساس يسمح لأي حد يجزم إنني اتسلمت للأسرة الغلط. أما خطأ السجلات، فكان حقيقيًا، لكنه لم يُحسم وقتها بالشكل الصحيح.
ولأول مرة، فهمت إنني مش مضطرة أختار بين عيلتي وبين احتمال مش مثبت.
اتصلت بمارغريت وبلغتها بالنتيجة.
قالتلي
أنا آسفة إنك اضطرّيتي تعيشي كل ده.
رديت عليها
وأنا كمان آسفة إن الحقيقة اتدفنت بالشكل ده. بس أنا مش هفضل أدور على عيلة بديلة عشان أحس إن ليّا قيمة. أنا كنت محتاجة أعرف الحقيقة، وده حقي.
اتفقنا نفضل على تواصل، من غير وعود كبيرة ولا محاولات لتغيير حياة بعض. وبعد فترة، قابلتها مع بنتها، وقضينا ساعة بنتكلم عن حياتنا وشغلنا وذكرياتنا. ما كانتش مقابلة بين عيلتين بيتخانقوا على بنت؛ كانت مقابلة بين ناس اتأذوا من سر قديم، وقرروا إنهم مش هيورّثوا أذاه لحد تاني.
أما أبويا وأمي، فالمصالحة معاهم ما حصلتش في يوم وليلة.
قلت لأبويا بوضوح إن اعتذاره مهم، لكنه مش هيمسح السنين اللي قضيتها وأنا حاسة إني أقل من إخواتي. وطلبت منه يبطل تمامًا نكتة المستشفى، سواء قدامي أو قدام أي حد من العيلة.
ولأول مرة، هو اللي وقف قدام العيلة كلها وقال
أنا ظلمت ريبيكا. كنت بكرر كلام جارح وأسميه هزار، مع إنني كنت شايف إنه بيوجعها. واللي عملته ملوش أي مبرر. من النهارده، محدش هيكرر الكلام ده تاني.
أمي كمان اعتذرتلي، واعترفت إنها اختارت السكوت خوفًا من تغيير حياتنا، وإن اختيارها ده خلاني أدفع تمن خوفها سنين طويلة.
سامحتهم بالتدريج، لكنني ما رجعتش أتعامل مع الماضي كأنه ما حصلش. بقيت أحط حدودًا واضحة، وأتكلم لما حاجة توجعني بدل ما أضحك مجاملة.
بعد شهور، رجعت للوحة اللي رسمتها في حفلة عيد جوازهم.
اللوحة القديمة كانت بتصور عيلتي جوه البيت، وأنا واقفة برّه الإطار، كأنني مش واحدة منهم.
قررت أعيد رسمها.
رسمت البيت نفسه، والباب مفتوح، وأبويا وأمي وإخواتي قاعدين جوه، وأنا واقفة عند المدخل، لكن المرة دي ماسكة فرشاتي وببص لقدام. ما كنتش برسم نفسي عشان أطلب منهم يدخلوني؛ كنت برسم نفسي عشان أقول إن مكاني مش محتاج موافقة حد.
وسميت اللوحة الجديدة
مش البنت الغلط... البنت اللي كان من حقها تعرف.
عرضتها في معرض صغير، وكنت واقفة بشرحها للزوار لما دخل أبويا وأمي.
أبويا وقف قدام اللوحة فترة طويلة، وبعدين قال
كنت فاكر إن أسوأ حاجة ممكن تحصل إننا نكتشف إن فيه خطأ في المستشفى. دلوقتي فهمت إن أسوأ حاجة كانت إننا خليناكي تشكي في مكانك وسطنا.
بصيتله وقلت
أنا مش محتاجة منكم تثبتوا لي كل يوم إني بنتكم. أنا محتاجة بس تحترموني كإنسانة، ومتخلونيش أبدًا أحس إني نكتة وسط الناس.
هز راسه وقال
هحاول أصلح اللي أقدر عليه.
ابتسمت ابتسامة بسيطة.
لأول مرة، ما كنتش مستنية منه وعدًا يطمني، ولا اعترافًا يحدد قيمتي.
كنت عارفة إن بعض الجروح بتحتاج وقت طويل عشان تخف، وإن فيه حاجات مش هترجع زي الأول. لكنني كمان عرفت إن الحقيقة مش دايمًا بتكون اسمًا في شهادة ميلاد أو نتيجة تقرير؛ ساعات الحقيقة بتكون إنك تستوعب إنك ما كنتش السبب في أذى حد ليك، وإنك مش مطالب تقضي عمرك تثبت إنك تستحق الحب.
أما نكتة المستشفى، فاختفت من بيتنا للأبد.
ومش لأننا لقينا دليلًا يثبت إنني كنت البنت الغلط...
لكن لأنهم أخيرًا فهموا إن مفيش بنت تستحق تكبر وهي حاسة إنها غلطة، حتى لو كانت الحكاية كلها مجرد شك وخوف وسكوت.
ومن يومها، كل ما حد يسألني عن اللوحة، بحكيله الحكاية، وبختم كلامي بنفس الجملة
أنا قضيت 21 سنة بحاول أعرف إذا كنت البنت الغلط... لحد ما فهمت إن الغلط الحقيقي كان إنهم خلّوني أشك في نفسي من الأساس.