جارنا الجديد حكايات زيزي

لمحة نيوز

لكنه رجع قال بغضب
أنا مش جاي أتكلم عن العربيات بس! أنا عايز الجنينة دي تتشال بالكامل. أنا اشتريت بيت في حي محترم، مش عشان أبص كل يوم على أرض زراعية!
أبويا ما ردش عليه فورًا.
بدل كده، أشار للست الكبيرة اللي كانت واقفة جنب الميني فان.
وقال يا أم محمود، ممكن تحكيله إنتِ بتيجي هنا ليه كل أسبوع؟
الست اترددت لحظة، وبعدين قربت من برينت.
أنا عندي 74 سنة يا ابني، وجوزي مات من سبع سنين. معاشي بالعافية بيكفيني الإيجار والدواء، وفي شهور كتير بيبقى الاختيار بين إني أشتري الأكل أو أشتري علاجي. عم ليندكفيست عمره ما سألني عن فلوس، ولا حتى طلب مني أشرح له ظروفي. من خمس سنين، يوم ما عرف إني كنت باكل عيش وجبنة طول الأسبوع عشان أوفّر تمن الدوا، قال لي كل جمعة، تعالي خدي اللي يكفيكي من الجنينة.
برينت بص لها، لكنه ما اتكلمش.
كملت وهي بتشاور على الخضار
وأنا مش لوحدي. فيه أسر كتير هنا بتعتمد على المكان ده. فيه ناس فقدت شغلها، وفيه أرامل، وفيه كبار سن أولادهم بعيد عنهم. الراجل ده بيزرع لنا أكلنا بإيده، وبيخلينا نحافظ على كرامتنا بدل ما نضطر نقف نطلب المساعدة من حد.
أنا بصيت لأبويا، وحسيت إن فيه حاجات كتير ما كنتش أعرفها عن الراجل اللي رباني طول عمري.
لكن المفاجأة الحقيقية لسه ما حصلتش.
المفتش رجع بص في الملف، وبعدين رفع عينه لأبويا وسأله
حضرتك بتقول إن الموضوع مستمر من خمس سنين؟
أبويا هز راسه.
المفتش سكت شوية، وبعدها قال
طيب، هل عندك أي سجلات أو مستندات تثبت طبيعة النشاط ده؟ لأن وصف الشكوى اللي وصلنا مختلف تمامًا عن اللي أنا شايفه قدامي دلوقتي.
أبويا بص ناحية المخزن الخشبي الصغير الموجود في آخر الجنينة.
وقال بهدوء عندي حاجة أحسن من المستندات.
ومشي ناحية المخزن، وفتح الباب، وطلع صندوق خشب قديم، كان عليه تراب كتير.
حطه على الترابيزة الصغيرة اللي جنب السور، وفتح الغطا.
كان جواه عشرات الدفاتر، وكل دفتر عليه سنة مختلفة.
المفتش قرب، وبدأ يقلب الصفحات.
وفي كل صفحة كان فيه أسماء، وتواريخ، وكميات الخضار اللي اتوزعت كل أسبوع.
لكن في آخر دفتر، لقى ورقة متثبتة بدبوس، مكتوب عليها بخط أبويا
لو جه يوم واضطرّيت أقفل الجنينة، لازم الشخص اللي ييجي بعدي يعرف الحقيقة كاملة.
المفتش رفع عينه ببطء وسأل
تقصد إيه يا أستاذ ليندكفيست؟ مين الشخص اللي المفروض ييجي بعدك؟
أبويا ما جاوبش.
بدل كده، طلع من جيبه ظرف بني قديم، وناوله للمفتش.
وقال افتح الظرف، واقرأ أول سطر بس بصوت عالي.
المفتش فتحه، وسحب الورقة اللي جواه.
وأول ما عينه وقعت على السطر الأول، وشه اتغير تمامًا.
رفع عينه لأبويا، وبعدين بص ناحية برينت، وقال بصوت متردد
مستحيل... هو الاسم ده حقيقي؟!
برينت قرب خطوة، ولما سمع الاسم، ساب فنجان القهوة من إيده، ووقع على الأرض واتكسر.
لأنه كان اسم شخص من عيلته... شخص كان فاكر إن قصته انتهت من سنين طويلة!
والأغرب إن أبويا كان محتفظ بالظرف ده من قبل ما برينت يشتري البيت أصلًا... 
يتبع...
المفتش فضل ماسك الورقة، وباصص للاسم المكتوب عليها كأنه مش قادر يصدق اللي شايفه.
أما برينت، فكان واقف قدام أبويا، وشه شاحب، وصوته اتغير تمامًا وهو بيسأله
إنت جبت الورقة دي منين؟ وإيه علاقتها بعيلتي؟!
أبويا رجّع الكرسي لورا وقعد بهدوء، وقاله
قبل ما أقولك الورقة دي معناها إيه، لازم تعرف إنك مش أول واحد من عيلتك يقف قدام الجنينة دي ويطلب إنها تختفي.
برينت هز راسه بعصبية.
إنت بتتكلم عن إيه؟ أنا أول مرة أسمع الكلام ده!
أبويا فتح واحد من الدفاتر القديمة، وقلّب صفحاته لحد ما وصل لتاريخ مكتوب من أكتر من عشرين سنة.
وبعدين أشار على اسم في نص الصفحة.
اسم جد برينت!
برينت قرب من الدفتر، وقرأ الاسم مرتين، وبعدها قال
جدي مات من سنين طويلة... إيه علاقته بيك؟
أبويا أخد نفس عميق، وبدأ يحكي.
قال إن من أكتر من عشرين سنة، المنطقة دي ما كانتش بالشكل اللي إحنا شايفينه دلوقتي. كانت فيها أراضي واسعة، وبيوت قليلة، وعائلات بسيطة عايشة من شغلها.
وفي السنة دي، حصلت أزمة كبيرة في المنطقة. مصنع كان بيوظف عدد كبير من الأهالي قفل أبوابه فجأة، وعائلات كتير بقت مش قادرة توفر الأكل لأولادها.
أبويا وقتها كان لسه أصغر، وأمي كانت عايشة، والجنينة كانت بتنتج أكتر من احتياجاتنا بكتير.
فقرر يزرع مساحة أكبر، ويوزع جزء من المحصول على الناس اللي فقدت شغلها.
لكن المشكلة إن عدد الأسر المحتاجة كان بيزيد كل أسبوع.
لحد ما في يوم، جه له راجل كبير في السن، ومعاه شاب صغير.
الراجل ده كان جد برينت.
أبويا بص لبرينت وقال
جدك يومها ما جاش يشتكي من الجنينة، ولا قال إنها بتشوّه شكل المنطقة. بالعكس، جه وطلب مني أساعده في حاجة عمرها ما فارقت ذاكرتي.
برينت سأله بسرعة
طلب منك إيه؟
أبويا رد
طلب مني أسمح له يزرع جزء من الأرض بإيده، عشان يساعد العائلات اللي كانت بتمر بنفس الأزمة. وقال لي وقتها الأرض اللي بتطعم الناس عمرها ما تبقى أرض مالهاش لازمة.
الناس اللي حوالينا بدأت تتبادل النظرات.
أنا نفسي كنت أول مرة أسمع الحكاية دي!
أبويا كمل
ومن اليوم ده، جدك بقى ييجي كل أسبوع. كان بيساعدني في الزراعة، ويجيب معاه بذور وأدوات، وأحيانًا كان بيدفع تمن شتلات جديدة من جيبه. وبعد فترة، اتفقنا إن الجنينة تفضل مفتوحة للناس المحتاجة، حتى لو إحنا مش موجودين.
برينت هز راسه، لكنه قال بعناد
حتى لو الكلام ده حقيقي، إيه علاقة الورقة اللي في إيد المفتش بالموضوع؟!
المفتش رفع الورقة قدامه، وبدأ يقرأ بصوت مسموع
إلى كل من يتولى مسؤولية هذه الأرض بعدنا... أتعهد بأن يظل جزء من محصولها متاحًا للعائلات التي تحتاج إليه، وألا يتحول المكان إلى مشروع هدفه الربح على حساب الناس.
وتحت الكلام كان فيه توقيع جد برينت، وتوقيع أبويا، وتاريخ قديم.
برينت فضل ساكت.
وبعدين قال بصوت منخفض
أنا عمري ما شفت الورقة دي.
أبويا رد عليه من غير ما يرفع صوته
يمكن لأنك ما سألتش عنها أبدًا.
الجملة دي وجعته أكتر من أي خناقة كانت ممكن تحصل.
لكن قبل ما برينت يرد، الست الكبيرة، أم محمود، طلعت من شنطتها صورة قديمة بالأبيض والأسود.
مدّتها لأبويا وقالت
أعتقد إن الوقت جه إنك توريهم الصورة دي كمان.
أبويا مسك الصورة، وبص لها طويلًا، وبعدها ناولها للمفتش.
الصورة كانت لثلاثة رجالة واقفين قدام الجنينة.
واحد منهم أبويا وهو أصغر بكتير، والتاني جد برينت، أما الراجل الثالث...
فكان والد المفتش نفسه!
المفتش اتجمد مكانه.
بابا؟! إيه اللي جابه هنا؟!
أبويا بص له وقال
أبوك كان أول موظف في الحي وقف معانا لما حد حاول يمنع توزيع المحصول. هو اللي ساعدنا نرتب المكان، ونحدد مواعيد استلام الخضار، عشان ما نضايقش الجيران ولا نقفل الطريق.
المفتش رجع بص للصورة، وبعدين للدفاتر.
وفجأة، بدأ يفهم ليه أبويا طلب منه ييجي الساعة ستة الصبح تحديدًا.
لأن الساعة دي كانت ميعاد تجمع الناس في الجنينة من أكتر من عشرين سنة، والناس فضلت محافظة على العادة دي حتى بعد
تم نسخ الرابط