جارنا الجديد حكايات زيزي

لمحة نيوز

وقال بصوت مبحوح
كمّلي يا بنتي. لازم تعرفي كل حاجة.
رجعت للجواب.
من سنين طويلة، قبل ما تتجوزي وتبني حياتك، كان فيه خلاف بين أصحاب الأرض على تقسيمها. بعض الناس كانوا عايزين يبيعوا كل حاجة، وغيرهم كانوا عايزين يسيبوا جزء منها لخدمة الأهالي.
وفي وسط الخلاف ده، اختفت خريطة مهمة جدًا، خريطة بتوضح الحدود الأصلية للأرض، وبتثبت إن المكان المخصص للجنينة كان متفق عليه من زمان.
أبوكي حاول يحافظ على الاتفاق، لكن المستندات اللي كانت معاه ما كانتش كفاية.
وعشان كده، احتفظت بنسخة من الخريطة في مكان آمن، وكتبت لك الجواب ده عشان لو جه يوم واضطرّيتي تدافعي عن الحقيقة، تعرفي تبدأي منين.
قلّبت الورقة، ولقيت في آخرها جملة قصيرة
دوري على الساعة اللي وقفت يوم وفاة جدك، وهتلاقي تحتها أول دليل.
رفعت رأسي بسرعة.
ساعة مين يا بابا؟!
أبويا قام من مكانه، وراح ناحية رف قديم في الصالة، كان عليه ساعة خشب كبيرة متوقفة من سنين.
قال
دي ساعة أبويا. بعد وفاته، نقلتها من البيت القديم، واحتفظت بيها زي ما هي.
قربنا من الساعة، وأبويا فك الغطاء الخلفي بحذر.
كان فيه تجويف صغير، جواه مفتاح نحاسي وورقة مطوية.
فتحت الورقة، فوجدت رسمًا بسيطًا لخزانة حديدية، وتحت الرسم عنوان مكتب قديم كان موجودًا في المنطقة قبل ما يتقفل من سنين.
لكن اللي خلاني أرتعش فعلًا كان الاسم المكتوب في آخر الورقة.
اسم أمي.
وتحته توقيع شخص تاني.
السيد هاريسون، المسؤول القديم عن ملفات الأراضي!
المفتش، اللي كان لسه معانا، قال بدهشة
لو هاريسون كان طرفًا في الاتفاق، يبقى لازم نعرف إذا كانت عنده نسخة من المستندات الأصلية.
برينت أخرج تليفونه وقال
أنا هحاول أوصل لأي حد من عيلته. يمكن نعرف هو راح فين بعد ما ساب شغله.
لكن أبويا طلب منه يستنى.
قبل ما نروح لأي مكان، لازم نفهم ليه أمكم احتفظت بالمفتاح ده، وليه ما سلمتهوش لحد من زمان.
وبعدين بص ليا وقال
أنا آسف يا بنتي. كنت فاكر إن السكوت هيحميكي من المشاكل، لكن واضح إن الحقيقة لازم تظهر دلوقتي.
مسكت إيده وقلت له
إنت مش محتاج تعتذر يا بابا. إحنا هنكمل الموضوع سوا.
لأول مرة من بداية الأزمة، أبويا ابتسم ابتسامة حقيقية.
تاني يوم الصبح، رحنا للعنوان المكتوب في الورقة.
كان مبنى قديم في شارع جانبي، أبوابه مقفولة، وعلى واجهته لافتة باهتة مكتوب عليها اسم مكتب أرشيف خاص.
المفتش استخدم بياناته الرسمية عشان يتواصل مع الجهة المسؤولة عن المبنى، وبعد مراجعة سجلاته، قدرنا نعرف إن المكتب اتقفل من سنين، لكن بعض الملفات القديمة اتنقلت لمخزن تابع للأرشيف المحلي.
الموظف المسؤول طلب يشوف المفتاح النحاسي.
أخده، وراح ناحية خزانة حديدية قديمة موجودة في غرفة جانبية.
جرّب المفتاح في القفل.
ولما الباب اتفتح، لقينا جوه مجموعة ملفات مربوطة بخيوط، وصندوقًا صغيرًا عليه اسم أمي.
أبويا قرب من الصندوق، لكنه ما قدرش يفتحه من أول مرة.
إيده كانت بتترعش.
أنا فتحت الغطاء بدلًا منه.
جوه كان فيه مستندات قديمة، وخريطة كبيرة مطوية بعناية، وصورة لأمي واقفة في الجنينة مع جد برينت ووالدي.
لكن كان فيه كمان ظرف أخير.
الظرف ده كان مختلفًا عن كل اللي شفناه قبل كده.
عليه ختم رسمي قديم، ومكتوب في أوله
نسخة محفوظة من اتفاق تخصيص جزء من الأرض للمنفعة المجتمعية، لحين استكمال الإجراءات القانونية اللازمة.
المفتش بدأ يراجع الورق، وطلب من الموظف يصور المستندات ويحفظها للمراجعة.
وبعد دقائق، قال لنا
الخريطة دي ممكن تكون مهمة جدًا في مراجعة حدود الأرض، لكن لازم نتأكد من صحتها ونقارنها بالسجلات الرسمية الحالية. لو ثبت إنها أصلية، هتساعدنا نفهم إيه اللي اتغير وإمتى.
برينت كان واقف ساكت، وبعدين قال
يعني ممكن الجنينة تفضل موجودة؟
المفتش رد
ممكن، لكن ما ينفعش أوعدك بقرار قبل ما المراجعة تخلص. اللي أقدر أقوله إن الشكوى لازم تتراجع في ضوء المستندات الجديدة، وأي مخالفة فعلية لازم تتعالج بالطريقة القانونية.
أبويا هز راسه وقال
ده كل اللي أنا عايزه. محدش ياخد حاجة مش من حقه، وفي نفس الوقت محدش يهدم حاجة نافعة من غير ما يعرف حقيقتها.
كنا خلاص بنستعد نمشي، لما الموظف نادانا تاني.
استنوا، فيه ورقة كانت ملزوقة في ضهر الخريطة!
فكها بحذر، وطلع ورقة صغيرة عليها تاريخ حديث نسبيًا، مقارنة بباقي المستندات.
المفتش قرأها، وبعدها بص لبرينت.
الورقة كانت عبارة عن طلب رسمي للاستعلام عن وضع الأرض وحدودها، مقدم قبل شراء برينت للبيت بفترة قصيرة.
لكن اسم مقدم الطلب ما كانش اسم برينت، ولا اسم المحامي اللي تولى إجراءات الشراء.
كان اسم شخص تالت.
شخص كان على صلة مباشرة بالشركة اللي باعت الأرض لبرينت.
المفتش قال
لازم نعرف مين الشخص ده، وليه كان بيسأل عن الخريطة قبل البيع.
برينت أخد نسخة من الاسم، وبص له طويلًا.
وفجأة، قال
أنا أعرفه... ده المدير اللي كان مسؤول عن مشروع البناء كله!
اتبدلت ملامح وشه، وبدأ يراجع في دماغه كل الكلام اللي اتقال له وقت شراء البيت.
كان المدير ده أكد له إن قطعة الأرض المجاورة مجرد أرض زراعية مهجورة، وإن مفيش أي اتفاقات قديمة ممكن تأثر على المشروع.
لكن دلوقتي، بقى فيه سؤال واضح
لو كان عارف بوجود مستندات قديمة تخص الأرض، ليه ما قالش لبرينت عنها قبل ما يشتري البيت؟
المفتش طلب الاحتفاظ بنسخ من كل المستندات، وقال إنه هيحيل الموضوع للجهة المختصة لمراجعة قانونية.
أما برينت، فقرر يتواصل مع محامٍ مستقل عشان يراجع عقد شرائه للبيت وكل الأوراق المتعلقة بحدود الأرض.
وقبل ما نفترق، رجع بص لأبويا وقال
أنا مش عارف إذا كنت أقدر أصلح كل اللي حصل، لكن أوعدك إني مش هقف ضد الجنينة لمجرد إني مش فاهمها.
أبويا رد بابتسامة هادية
ابدأ بأنك تعرف الحقيقة، وبعدها قرر.
بعد يومين، حصلت مفاجأة جديدة.
أبويا كان في الجنينة بيسقي شتلات الطماطم، وأنا بساعده أجمع المحصول، لما عربية سوداء وقفت قدام البيت.
نزل منها راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رسمية، وماسك ملف جلدي.
قرب من السور وسأل
مين فيكم الأستاذ ليندكفيست؟
أبويا رفع رأسه.
أنا. خير؟
الراجل طلع بطاقة تعريف، وقال إنه ممثل عن الشركة اللي كانت مسؤولة عن تطوير المنطقة، وإنه جاي يتكلم بخصوص المستندات القديمة اللي ظهرت.
قلبي انقبض.
لأن الشركة دي كانت مرتبطة بالشخص اللي اسمه ظهر في طلب الاستعلام القديم.
الراجل فتح الملف، وطلع ورقة، وقال
إحنا راجعنا جزءًا من المستندات، وعايزين نحل الموضوع بهدوء قبل ما يحصل أي تصعيد.
أبويا سأله
نحل أنهي موضوع بالظبط؟
الراجل اتردد لحظة، وبعدها قال
فيه عرض رسمي ممكن ينهّي الخلاف كله. لكن قبل ما أقدمه، لازم تعرف إن الشركة مش مستعدة تسيب الأرض بالشكل الحالي من غير اتفاق واضح.
أبويا بص له، وبعدها بص للجنينة اللي وراه.
وسأله بهدوء
وإيه هو العرض؟
الراجل فتح الملف على الصفحة الأخيرة، وحطها قدام أبويا.
كان العرض عبارة عن مبلغ مالي كبير مقابل موافقة أبويا على إزالة الجنينة والتنازل عن أي مطالبات مرتبطة بالاتفاق القديم.
أنا شهقت من الصدمة.
لكن أبويا ما بصش حتى على الرقم المكتوب.
قفل الملف، ورده للراجل، وقال جملة واحدة
قبل ما نتكلم في الفلوس، عايز أعرف حاجة إنتوا ليه مستعجلين أوي إن الجنينة دي تختفي؟
الراجل سكت.
وأول ما أبويا سأله
تم نسخ الرابط