جارنا الجديد حكايات زيزي
المحتويات
لقيناه؟
أبويا سكت شوية، وبعدها قال
لأنه في آخر سنة قبل ما يسيب شغله، حصل خلاف كبير بينه وبين جدك. وبعدها اختفى من حياتنا تمامًا.
المفتش رجع بص للصورة، ولاحظ حاجة غريبة.
وراهم، كان فيه مبنى صغير، وعلى بابه لافتة خشبية مكتوب عليها اسم مكتب قديم لتسجيل الأراضي.
قال المفتش
لو الأرشيف ده لسه موجود، ممكن نلاقي فيه نسخة من الاتفاق الأصلي.
برينت رد فورًا
أنا مستعد أروح معاك بنفسي.
لكن قبل ما حد يتحرك، تليفون أبويا رن.
رقم مجهول.
أبويا رد، وسمعنا صوت راجل بيقول بنبرة هادية
يا ليندكفيست، واضح إنك قررت تفتح ملفات كان المفروض تفضل مقفولة.
أبويا وقف من مكانه.
مين معايا؟
الراجل تجاهل السؤال وقال
أنا بنصحك توقف اللي بتعمله. الجنينة دي مش هتفضل زي ما هي، سواء وافقت أو رفضت.
أبويا رد بحزم
لو عندك حق، تعالى اتكلم قدام الناس. أنا معنديش حاجة أخبيها.
الراجل ضحك ضحكة قصيرة، وقال
إنت متأكد إن مفيش حاجة مخبيها؟
وبعدين قفل الخط.
فضلنا ساكتين لثواني.
أنا كنت متوترة، لكن أبويا حط التليفون على الترابيزة وقال
خلاص. بكرة الصبح هنروح الأرشيف، وهنعرف مين اللي خايف من الحقيقة.
تاني يوم، أنا وأبويا وبرينت والمفتش رحنا للمبنى القديم اللي كان فيه أرشيف الأراضي.
بعد بحث طويل، موظف الأرشيف قدر يوصل لملف قديم خاص بالأرض.
كان الملف مليان خرائط، وعقود، ومراسلات بين أصحاب الأراضي والحي.
لكن أهم ورقة كانت في آخر الملف.
نسخة من اتفاق مكتوب من خمسة وعشرين سنة، وموقّع من جد برينت وأبويا والسيد هاريسون.
الورقة كانت بتوضح إن فيه جزءًا من الأرض مخصصًا لزراعة المحاصيل وتوزيعها على الأسر المحتاجة، مع تنظيم استخدامه ومراعاة حقوق أصحاب الأراضي والجيران.
المفتش بدأ يراجع المستندات، وبعدين وقف عند ورقة تانية.
فيه حاجة مش طبيعية هنا!
برينت سأله
إيه؟
المفتش أشار إلى مستند مؤرخ بعد الاتفاق الأصلي بسنوات قليلة.
فيه طلب لتغيير حدود قطعة الأرض، لكن التوقيع الموجود عليه مختلف عن التوقيع في المستندات الأصلية.
أبويا قرب من الورقة، وفضل يبص لها طويلًا.
وبعدين قال
أنا ما مضيتش على الورقة دي أبدًا.
برينت وشه شحب.
يعني إيه؟ مين اللي قدمها؟
المفتش قلب الصفحة، وقرأ اسم مقدم الطلب.
وبمجرد ما نطق الاسم، برينت رجع خطوة لورا.
لأن الاسم كان اسم شخص يعرفه كويس جدًا، شخص كان بيساعده في شراء البيت، وكان بيؤكد له طول الوقت إن كل أوراق الملكية سليمة.
كان اسم المحامي اللي تولّى إجراءات شراء بيت برينت!
برينت طلع تليفونه فورًا، واتصل بالمحامي.
رد عليه بعد رنتين.
أيوه يا برينت، خير؟
برينت حاول يتحكم في صوته، وقال
محتاج أقابلك النهارده. فيه مستندات قديمة ظهرت، ولازم تشرحلي حاجة تخص حدود الأرض.
سكت المحامي لحظات، وبعدين رد بسرعة
مش وقته يا برينت. أنا مسافر، ولما أرجع نتكلم.
برينت سأله
إنت مسافر فين؟
المحامي قفل المكالمة من غير ما يجاوب.
برينت فضل باصص للتليفون، وبعدها قال
أنا مش فاهم حاجة. الراجل ده هو اللي أكد لي إن كل حاجة قانونية!
أبويا حط إيده على كتفه وقال
ما تستعجلش في الحكم عليه. لازم نعرف إذا كان عارف حقيقة الورق، ولا حد تاني استغله.
المفتش طلب نسخة رسمية من المستندات، وأكد إنه هيقدّمها للمراجعة القانونية قبل اتخاذ أي قرار بخصوص الجنينة.
كنت فاكرة إننا كده وصلنا لنهاية المشكلة.
لكن وإحنا خارجين من المبنى، موظف الأرشيف نادى علينا.
يا جماعة، استنوا! فيه ملف تاني مرتبط بالقطعة دي، لكنه محفوظ تحت اسم مختلف.
رجعنا له بسرعة.
فتح درجًا حديديًا، وطلع ملفًا أصغر، عليه اسم والدي.
أنا اتجمدت مكاني.
اسم بابا؟ ليه فيه ملف باسمه هنا؟
أبويا نفسه بدا عليه الذهول.
الموظف فتح الملف، وطلع منه خطاب قديم، وصورة لمستند موقّع بخط إيد أمي.
أبويا مسك الخطاب، وأول ما شاف التاريخ، قعد على الكرسي اللي جنبه.
كان الخطاب مكتوبًا قبل وفاة أمي بسنتين.
قرأ أول سطر بصوت منخفض
إلى زوجي العزيز، لو جه يوم واضطريت تختار فيه بين الحفاظ على الأرض والحفاظ على سلامة عيلتنا، افتكر إن الأرض عمرها ما كانت أهم من الحقيقة.
أنا حسيت إن رجلي مش شيلاني.
ماما كانت تعرف كل ده يا بابا؟
أبويا رفع عينه ليا، وكانت مليانة دموع.
أيوه يا بنتي... أمك كانت تعرف إن فيه مستندات ناقصة، وإن فيه شخص بيحاول يغيّر حدود الأرض. لكنها ما كانتش عايزة تدخلكم في مشاكل، فطلبت مني أستنى لحد ما تظهر الحقيقة كاملة.
برينت بص للخطاب، وبعدين سأل
طب إيه المستند اللي أمي... أقصد زوجتك، كانت موقّعة عليه؟
أبويا قلب الورقة التانية.
كانت شهادة قديمة بتوضح إن أمي شهدت بنفسها على اتفاق بين أصحاب الأرض، وإنها احتفظت بنسخة من خريطة أصلية للحدود.
لكن الخريطة نفسها ما كانتش موجودة في الملف.
كان فيه مكانها ورقة صغيرة مكتوب عليها
الخريطة الأصلية محفوظة في المكان الذي بدأت منه الحكاية.
المفتش قال
لازم نعرف المكان ده إيه.
أبويا فضل ساكت لحظات، وبعدها رفع رأسه ببطء.
وقال
أنا عارف المكان.
كلنا بصينا له.
المكان ده مش في الجنينة، ولا في بيت برينت... المكان ده في البيت القديم اللي عشت فيه أنا وأمكم قبل ما نبني بيتنا الحالي.
وبعدين وقف، وحط الخطاب في جيبه، وقال
طول السنين اللي فاتت، كنت فاكر إن أمكم أخفت الخريطة عشان تحمي العيلة من المشاكل. لكن دلوقتي بدأت أفهم إنها كانت مستنيا اليوم اللي نحتاج فيه نعرف الحقيقة.
ولما رجعنا البيت القديم، وفتح أبويا الدولاب اللي أمي كانت محتفظة فيه بأغراضها، لقينا ظرفًا صغيرًا عليه صورتي وأنا طفلة... وتحته مباشرة كان فيه جواب مكتوب بخط أمي، موجّه ليا أنا شخصيًا!
لكن أول جملة في الجواب خلت أبويا يطلب مني ما أكملش القراءة قبل ما يسمعني الحقيقة اللي أخفاها عني طول عمري...
يتبع...
مسكت جواب أمي بإيد بتترعش، وفضلت أبص على خطها اللي كنت مفتقداه من سنين طويلة.
أمي ماتت وأنا لسه صغيرة، وكل اللي فاكرّاه عنها إنها كانت ست طيبة، بتحب تساعد الناس، وكانت دايمًا تقول لي إن الخير اللي بتعمليه لغيرك بيرجع لك في وقت إنتِ نفسك بتكوني محتاجاه فيه.
لكن عمري ما تخيلت إنها سايبة لي جواب تخبي فيه سر بالشكل ده!
بصيت لأبويا وسألته
بابا، إنت عارف ماما كاتبة لي إيه؟
هز راسه وقال
لأ يا بنتي. أنا عارف إنها احتفظت بالجواب ده، لكن ما عرفتش محتواه. كانت بتقول لي إنها كتبته ليكي عشان تقريه لما تكبري وتبقي مستعدة تفهمي حكاية الأرض دي.
فتحت الجواب، وبدأت أقرأ.
بنتي حبيبتي...
لو إنتِ بتقري كلامي دلوقتي، يبقى غالبًا حصل اللي كنت خايفة منه، وبقت الجنينة مهددة إنها تضيع.
عايزاكي تعرفي إن أبوكي مش مجرد راجل عجوز بيزرع خضار، وإن الأرض دي مش مجرد شوية زرع ممكن أي حد يشيلهم في يوم وليلة.
الأرض دي كانت سبب في إن عائلات كتير تقدر تكمل حياتها، وكانت المكان اللي أبوكي عرف فيه إن مساعدة الناس مش محتاجة فلوس كتير، لكنها محتاجة قلب ما يقفلش بابه في وش حد.
لكن فيه حاجة أبوكي ما حكاهالكِش...
وقفت عن القراءة، وبصيت لأبويا.
كان قاعد قدامي، عينيه في الأرض، وإيده بتتحرك بتوتر فوق ركبته.
سألته
إيه الحاجة اللي إنت ما حكتهاليش يا بابا؟
أبويا رفع عينه ليا،
متابعة القراءة