جارنا الجديد حكايات زيزي
المحتويات
مهددة، وإن فيه شخص شايف إن قيمتها الحقيقية مجرد منظر من شباك بيته.
برينت وقف عن القراءة، ووشه احمر من الإحراج.
لكن أبويا ما بصّلوش بشماتة، ولا قال كلمة تعاتبه.
اكتفى إنه قال
كمّل يا ابني. الرسالة دي مش مكتوبة عشان تكسفك، دي مكتوبة عشان تفهم.
برينت أخد نفسًا عميقًا، وكمل القراءة.
أول شخص زرع الأرض دي عشان يطعم غيره كان راجل بسيط فقد ابنه في شتاء قاسٍ، بعدما عجزت أسرته عن توفير الطعام والدواء.
بعدها قرر إن مفيش أسرة في المنطقة لازم تواجه نفس الوجع وهي لوحدها.
الراجل ده كان والد ليندكفيست... وكان هو كمان الشخص اللي ساعدني أنا وعيلتي لما كنا في أصعب أيامنا.
أنا بصيت لأبويا بصدمة.
بابا... إنت عمرك ما حكيتلي إن جدي كان بيعمل كده!
أبويا نزل عينه وقال
لأن الحكاية ما كانتش بتاعتي لوحدي. أنا كملت اللي بدأه أبويا، وجد برينت ساعدنا، وبعده ناس تانية كتير شاركتنا.
برينت رجع يبص للخطاب، لكن الصفحة الأخيرة كانت مطوية بطريقة مختلفة.
فتحها، وقرأ آخر فقرة.
وفجأة، رفع راسه وقال
استنوا... هو فيه اتفاق مكتوب هنا بين جدي والحي!
المفتش أخد الورقة منه، وبدأ يراجعها بعناية.
كانت ورقة قديمة بتوضح إن العائلات اللي شاركت في تأسيس مشروع الجنينة اتفقت على تنظيم توزيع المحصول، والحفاظ على منفعة الأرض للمجتمع، مع ضرورة الالتزام بالقواعد المحلية وعدم التسبب في إزعاج السكان.
لكن في أسفل الورقة، كان فيه ملحق منفصل، وتوقيع لموظف قديم من الحي.
المفتش فضل يقلب الورقة بين إيديه، وبعدين قال
لازم أراجع المستندات دي في مقر الحي. مش هقدر أقول إن الورق ده لوحده يمنع أي إجراء قانوني، لكن أكيد لازم يتراجع قبل ما يصدر قرار نهائي بإزالة الجنينة.
لأول مرة من ساعة وصوله، حسيت إن فيه أمل حقيقي.
لكن برينت كان لسه باصص للصورة القديمة اللي لقيناها جوه الصندوق.
في الصورة، كان فيه طفل صغير واقف جنب جدّه، ماسك شتلة طماطم بإيده.
برينت قرب الصورة من عينيه، وبعدين بص لأبويا.
الطفل ده... مين؟
أبويا سكت شوية، وبعدها قال
ده أبوك، يا برينت.
برينت اتفاجئ.
أبويا؟! بس هو عمره ما حكى لي عن المكان ده!
أبويا رد
يمكن لأنه نسي تفاصيل كتير مع الوقت. لكنه كان بييجي هنا وهو صغير، وكان أول واحد يساعدني في جمع المحصول بعد جدك.
برينت بص للصورة طويلًا، وكأنه بيحاول يفتكر أبوه من خلال وش الطفل اللي فيها.
وبعدين قال جملة محدش فينا كان متوقع يسمعها
أنا عايز أساعدكم.
المفتش بص له باستغراب.
تساعدهم إزاي؟
برينت رد وهو بيبص ناحية بيته
أنا اشتكيت من الجنينة عشان كنت شايفها منظر مش مناسب. لكن دلوقتي عرفت إن المشكلة مش في الجنينة... المشكلة إني ما كنتش أعرف قصتها. لو فيه حاجات محتاجة تنظيم، نقدر نصلحها بدل ما نهدم كل حاجة.
أبويا ابتسم ابتسامة بسيطة، لكنه ما استعجلش يصدقه.
قال له
الكلام سهل يا برينت. اللي يفرق هو اللي هتعمله بعد ما الناس تمشي.
برينت هز راسه وقال
عندك حق.
وبعدين لف ناحية المفتش وسأله
ممكن أعرف إيه المطلوب عشان المكان يفضل مفتوح بشكل قانوني ومنظم؟
المفتش بدأ يشرح له إن لازم يراجعوا تصنيف الأرض، وطريقة توزيع المحصول، ومكان وقوف العربيات، وأي اشتراطات خاصة بالمنطقة السكنية.
والناس بدأت ترجع تجمع الخضار بتاعها، لكن المرة دي كان فيه إحساس مختلف في الجو.
أم محمود قربت من أبويا، وحطت إيدها على كتفه وقالت
ربنا يديك الصحة يا عم ليندكفيست. إنت عملت لنا أكتر ما تتخيل.
أبويا ابتسم وقال
أنا ما عملتش حاجة لوحدي. الأرض دي عاشت بالناس اللي حافظت عليها.
كنت فاكرة إن اليوم انتهى على كده، وإن الشكوى هتتحل بعد مراجعة الورق.
لكن قبل ما برينت يمشي، المفتش ناداه وقال له
فيه حاجة أخيرة لازم تعرفها. وإحنا بنراجع الخريطة، لاحظت إن حدود أرض بيتك الحالية مختلفة عن الحدود المرسومة في المستند القديم.
برينت عقد حواجبه.
يعني إيه؟
المفتش أشار إلى خط أحمر على الخريطة.
يعني إن جزءًا من السور اللي اتبنى مؤخرًا محتاج مراجعة، لأن مكانه الظاهر على الطبيعة مش مطابق للمخطط الموجود في الملف.
برينت بص ناحية السور الفاصل بين بيته وجنينة أبويا، ووشه اتغير.
لأنه افتكر إن المقاول اللي بنى البيت قال له وقتها إن السور اتعمل حسب القياسات المتاحة، وإن كل حاجة سليمة.
لكن لو القياسات القديمة صحيحة، فالموضوع مش مجرد شكوى على جنينة...
ممكن يكون فيه خطأ في حدود الأرض نفسها، والخطأ ده ممكن يغيّر كل اللي برينت كان فاكره عن ملكية المكان!
وفي اللحظة دي، أبويا طلب من المفتش حاجة أخيرة
قبل ما تراجعوا الحدود، عايزك تشوف صورة تانية موجودة عندي في البيت. الصورة دي اتصورت يوم ما اتبنى أول سور بين الأرضين، والشخص اللي واقف فيها هو الوحيد اللي يقدر يفسر ليه الحدود اتغيرت بالشكل ده.
المفتش سأله
ومين الشخص ده؟
أبويا بص لبرينت، وقال
والدك.
برينت وقف مكانه، وحس إن الحكاية اللي كان فاكرها مجرد جنينة قديمة بدأت تكشف أسرارًا من تاريخ عيلته هو نفسه.
لكن لما رجعنا بيت أبويا عشان نجيب الصورة، لقينا ظرفًا جديدًا تحت باب البيت، عليه اسم أبويا، وجواه ورقة واحدة بس... مكتوب فيها تحذير غريب عن الجنينة، وعن شخص مش عايز الحقيقة تظهر أبدًا!
يتبع...
أبويا مسك الظرف اللي لقيناه تحت الباب، وفضل يبص لاسمه المكتوب عليه كأنه بيحاول يعرف مين اللي بعته.
الظرف ما كانش عليه عنوان، ولا اسم المرسل، لكن الورقة اللي جواه كانت مكتوبة على الكمبيوتر، وفي آخرها جملة واحدة متسطرة مرتين
لو عايز تحافظ على الجنينة، ما تدورش على الحقيقة في أوراق جد برينت... دور عليها في أوراق ابنك.
أول ما قرأت الجملة، بصيت لأبويا باستغراب.
بابا، هو يقصد إيه بأوراق ابنك؟ إنت معندكش غيري!
أبويا ما ردش.
فضل ماسك الورقة، وملامحه اتغيرت بطريقة عمري ما شفتها قبل كده.
برينت لاحظ ده، فسأله
يا عم ليندكفيست، فيه حاجة إنت مخبيها عننا؟
أبويا طوى الورقة وحطها في جيبه، وقال
فيه حاجات حصلت من سنين طويلة، وكنت فاكر إنها انتهت. واضح إن فيه حد لسه مش عايزها تتكشف.
المفتش اتدخل وقال بجدية
لازم نعرف مين بعت الجواب ده، خصوصًا إن فيه شكوى رسمية اتقدمت، ودلوقتي ظهر تهديد واضح مرتبط بنفس المكان.
لكن أبويا هز راسه وقال
مش عايز أظلم حد قبل ما أعرف الحقيقة.
وبعدين دخل أوضته، وخرج بعد دقائق ومعاه ألبوم صور قديم.
قعدنا كلنا حوالين الترابيزة، وبدأ يقلب الصفحات واحدة واحدة، لحد ما وصل لصورة كان واضح إنها متصورة من حوالي خمسة وعشرين سنة.
الصورة كانت لأبويا وأمي وجد برينت، ومعاهم راجل رابع واقف بعيد شوية عنهم.
المفتش قرب من الصورة، وضيّق عينيه.
استنى... أنا أعرف الراجل ده!
برينت بص له بسرعة.
مين؟
المفتش رد
ده السيد هاريسون، كان مسؤول عن ملفات الأراضي في الحي من سنين طويلة. والدي كان بيحكي عنه، لأنه هو اللي أشرف على تسجيل عدد من الأراضي في المنطقة.
أبويا هز راسه.
أيوه، هاريسون. الراجل ده كان عارف كل حاجة عن الاتفاق اللي عملناه زمان.
برينت سأله
طب ليه اسمه مش موجود في الورق اللي
متابعة القراءة