جارنا الجديد حكايات زيزي
المحتويات
ما أغلب البيوت القديمة اتغيرت وأصحابها مشيوا.
لكن برينت لسه ما كانش مقتنع.
قال بغضب مكتوم
كل ده جميل، بس أنا اشتريت بيتي بشكل قانوني، ومن حقي أعيش في مكان منظم. مش معنى إن جدّي ساعد الناس زمان إني أوافق على أي حاجة بتحصل دلوقتي!
أبويا هز راسه وقال
محدش بيطلب منك تتنازل عن حقك. لو فيه مخالفة فعلًا، أنا مستعد أصلحها. لكن قبل ما تحكم على المكان، كان المفروض تعرف هو موجود ليه.
وبعدين أشار ناحية العربيات والناس.
بص حواليك يا برينت. الراجل اللي هناك كان بيشتغل طول عمره، ولما اتصاب بقى معاشه مش مكفيه. والست دي بتربي حفيدها بعد وفاة بنتها. والأسرة اللي وصلت بالعربية البيضا عندها طفلين، وأبوهم بيدوّر على شغل من شهور. الناس دي مش جاية تتفرج على جنينة، دي جاية عشان تقدر تحط أكل على سفرتها.
برينت نزل عينه للأرض.
ولأول مرة من ساعة ما نزل من بيته، ما لاقاش رد يقوله.
لكن اللي حصل بعدها كان أغرب بكتير.
المفتش قفل الملف، وطلب من أبويا يشوف الأرض كلها بنفسه قبل ما ياخد أي قرار.
وبينما إحنا بنتحرك ناحية آخر الجنينة، لاحظت إن برينت وقف قدام سور قديم متهدم جزئيًا.
فضل يبص عليه شوية، وبعدين قال
استنى... السور ده كان موجود في الصور اللي جدي كان محتفظ بيها في مكتبه.
أبويا وقف مكانه.
وسأله بهدوء
إنت لسه محتفظ بصور جدك؟
برينت رد
أيوه. وفيه صندوق خشب قديم ورثته عنه، فيه أوراق وصور وحاجات كتير ما فتحتهاش من سنين.
أبويا بص له نظرة غريبة، كأنه كان مستني يسمع الجملة دي من زمان.
وبعدين قال
يبقى لازم تفتح الصندوق ده النهارده.
برينت سأله
ليه؟ فيه إيه؟
أبويا سكت لحظات، وبعدين قال
لأن جدك ساب فيه حاجة تخص الجنينة، وأنا من يوم ما مات وأنا مستني حد من عيلتكم ييجي يسألني عنها.
اتسعت عينا برينت.
حاجة إيه يا عم ليندكفيست؟!
أبويا بص ناحية الأرض، وقال جملة خلت المفتش نفسه يقرب منه بتركيز
مفتاح الأرض القديمة... اللي جدك سلّمهولي قبل وفاته بأيام، وقال لي ما أفتحش المكان المقفول إلا لما ييجي حد من عيلته بنفسه.
وفي اللحظة دي، برينت افتكر فجأة إن فيه باب صغير مقفول من سنين تحت السلم الخلفي في بيته الجديد...
باب كان جده مانعه تمامًا من الاقتراب منه وهو طفل!
والأغرب إن البيت اللي اشتراه برينت كان في الأصل جزءًا من أرض عيلته القديمة، والأوراق اللي استلمها وقت الشراء ما شرحتش كل تاريخ المكان.
بص لأبويا وقال بصوت متوتر
إنت تقصد إن الباب اللي عندي في البيت له علاقة بالموضوع ده؟
أبويا رد
مش هقدر أقولك غير لما نشوف اللي وراه.
لكن أول ما برينت رجع بيته وفتح الباب القديم، اكتشف إن جده كان مخبّي سر أكبر بكتير من مجرد جنينة... سر ممكن يغيّر مستقبل المكان كله!
واللي لقاه جوه الصندوق اللي ورا الباب، خلّاه يرجع لجنينة أبويا وهو شايل حاجة في إيده، وبيقول بصوت مبحوح
يا عم ليندكفيست... لازم نتكلم لوحدنا. دلوقتي!
برينت كان واقف قدام أبويا، ماسك صندوق خشب صغير بإيدين بيترعشوا، ووشه متغير تمامًا.
أبويا بص للصندوق، وبعدها بص له وسأله
لقيت إيه يا برينت؟
برينت بلع ريقه وقال
لقيت جواب بخط جدي، وصورة قديمة، وورقة عليها خريطة للأرض دي كلها. بس فيه حاجة مش فاهمها... جدي كاتب في الجواب إن الأرض اللي عليها بيتي ليها حكاية، وإن فيه وعد لازم يتنفذ مهما مرّ الزمن!
المفتش قرب منهم، وقال
ممكن أشوف الورق ده؟ يمكن يساعدنا نفهم موضوع الشكوى.
برينت اتردد لحظة، لكنه فتح الصندوق وطلع الجواب.
كان مكتوب على الظرف إلى برينت، لما تكبر وتفهم قيمة المكان اللي عيلتنا عاشت فيه.
برينت بدأ يقرأ بصوت مرتعش
يا حفيدي العزيز...
لو وصل لك الجواب ده، يبقى غالبًا كبرت، وبقيت قادر تفهم إن قيمة البيوت مش في حجمها، ولا في لون الحيطان، ولا في شكل الحديقة اللي بتطل عليها من الشباك.
أنا عشت سنين طويلة في المنطقة دي، وشفت ناس بتخسر شغلها، وناس بتفقد أحبابها، وعائلات كانت بتقف على رجليها بمساعدة جيرانها.
وكان فيه راجل واحد عمره ما قفل بابه في وش حد محتاج... اسمه ليندكفيست.
برينت وقف عن القراءة، وبص ناحية أبويا.
أبويا كان ساكت، وعينيه مثبتة على الجواب.
برينت كمل
في يوم من الأيام، اتفقت مع ليندكفيست على إن الأرض دي تفضل ليها منفعة للناس، وإن أي توسع في المنطقة ما يمحيش الحكاية اللي بدأت هنا.
أنا مش بطلب منك تتخلى عن حقك، ولا أطلب منك تعيش زيي. أنا بطلب منك بس إنك قبل ما تغيّر أي حاجة في المكان، تعرف إيه اللي اتبنى عليه.
برينت نزل الورقة، وساد الصمت للحظات.
وبعدين قال بصوت منخفض
أنا كنت فاكر إن جدي مجرد راجل بيحب الزراعة... ما كنتش أعرف إنه كان بيعمل كل ده.
أبويا رد بهدوء
جدك كان بيحب الناس يا ابني، والزراعة كانت طريقته عشان يساعدهم.
لكن المفاجأة ما كانتش في الجواب وحده.
المفتش فرد الخريطة القديمة فوق الترابيزة، وبدأ يقارنها بشكل الأرض الحالي. وبعد شوية، أشار إلى مربع صغير مرسوم في آخر الجنينة.
أستاذ ليندكفيست، المكان ده إيه؟
أبويا بص للمربع، واتغيرت ملامح وشه لأول مرة من الصبح.
قال بصوت واطي
دي كانت غرفة الأدوات القديمة.
المفتش سأله
وليه جد برينت محددها على الخريطة بالشكل ده؟
أبويا ما ردش.
راح ناحية المخزن الخشبي، وفتح درجًا سفليًا كان مقفولًا، وطلع منه مفتاحًا حديديًا قديمًا.
حطه فوق الخريطة، وقال
لأن فيه حاجة مدفونة تحت الغرفة دي، وأنا وعدت جد برينت إني ما أفتحهاش إلا لما حد من عيلته يطلب يعرف الحقيقة.
برينت شهق وقال
الحقيقة عن إيه؟!
أبويا رفع عينه له وقال
عن السبب اللي خلّى جدك يخصص جزءًا من الأرض دي لمساعدة الناس، وعن الشخص اللي بدأ الفكرة قبلنا كلنا.
أنا كنت واقفة جنبهم، وقلبي بيدق بسرعة.
طول عمري فاكرة إن أبويا بيزرع الخضار لأنه بيحب الأرض، وإنه بيصحى بدري كل جمعة عشان يروي الزرع ويهتم بيه.
لكن واضح إن فيه حكاية أقدم بكتير من اللي كنت أعرفه.
بعد حوالي ساعة، تجمعنا كلنا قدام غرفة الأدوات القديمة.
المفتش كان موجود، وبرينت واقف جنب أبويا، وأم محمود وعدد من الأهالي قرروا يستنوا ويعرفوا إيه اللي هيحصل.
أبويا استخدم المفتاح الحديدي عشان يفتح قفلًا صدئًا في أرضية الغرفة.
رفعنا غطاء خشبيًا تقيلًا، وظهر تحته تجويف صغير، جواه صندوق معدني قديم.
برينت نزل على ركبته، ومد إيده وسحب الصندوق بحذر.
كان عليه غبار كتير، لكن القفل اتفتح بسهولة.
جواه لقينا صورًا قديمة، ودفاتر حسابات، ومجموعة خطابات مربوطة بشريط أزرق.
لكن كان فيه كمان ظرف أبيض مكتوب عليه بخط واضح
إلى الشخص اللي هيحاول يومًا يمنع الناس من الاستفادة من الأرض دي.
المفتش بص لأبويا باستغراب.
حضرتك كنت عارف إن الخطاب ده موجود؟
أبويا هز راسه.
لأ. أنا كنت أعرف إن فيه صندوق، لكن ما فتحتوش. الوعد كان إني أسيبه لحد ما حد من عيلة برينت يقرر بنفسه يعرف الحكاية.
برينت مسك الظرف، وفتحه ببطء.
وكان أول سطر فيه
لو وصلت لحد هنا، فمعنى كده إن الأرض بقت
متابعة القراءة