رحلة الاثام منال سلامة
إلا شياطين وبس!!
وكأنها أعطتهما الوصف الملائم لشخصيهما الوضيعين فسألها متغاضيا عما فاهت به
سيبك من ده وقوليلي عاملة إيه دلوقتي
أغمضت عينيها للحظة وأجابتها في صوت شبه حزين وآسف
زي ما أنا خسړت أحلامي وبقيت محپوسة هنا بين أربع حيطان
ساد وجهه علامات المكر وسألها في تعاطف خبيث
ليه بس ما إنتي تقدري تخرجي وتروحي أي مكان طالما أنا معاكي فيه
حدجته بهذه النظرة الغريبة فتابع على نفس المنوال
ولو حابة ترجعي شغلك تاني مافيش أي مشكلة
قالت بغير اقتناع
شغلي
قال مؤكدا لها عن ثقة عجيبة
أيوه فرصة تلهي نفسك في حاجة بدل الفراغ الكبير اللي إنتي فيه وخصوصا إني
زعلت لما عرفت إنك سبتي دراستك مكانش لازم تعملي كده
تعمد إثارة هذا الموضوع مرة ثانية بداخلها ليزيد من كراهيتها
له ونجح ببساطة في مسعاه تبدلت تعبيراتها للوجوم وهتفت في ضيق قد ملأ صدرها
شوفتني كنت موافقة يعني
ادعى اهتمامه بأمرها فاعتذر في التو
أنا أسف المفروض أفهم إنه كان ڠصب عنك عموما المهم عندي دلوقتي إنك تكوني بخير
وقتئذ طالعته تهاني مطولا بشيء من الحيرة والتخبط خاصة مع سوء اختيارها وتبعات ذلك وفهم ممدوح ذلك من نظراتها إليه فبات شبه واثق من الدرب الذي سيسلكه لإفساد راحة رفيقه
سعل سعلة حرجة آلمت حلقه فأشار بيده للممرضة المرابطة بجوار فراشه لتأتي له بالماء ساعدته على شرب القليل ثم أراح رأسه على الوسادة وهو يحدق أمامه لينظر إلى ابنه وهو
حمدلله على السلامة يا باشا
لم ينبس السيد فؤاد بشيء فعاتبه ابنه بودية حذرة
كده تقلقنا عليك
عندئذ لامه والده بوجه مكفهر
يعني مش عارف أنا تعبت من إيه
سلط مهاب عينيه على الممرضة ليشير لها بالانصراف دون أن يفوه بكلمة امتثلت لأمره غير المنطوق وغادرت الغرفة في هدوء تام ليقترب بعدها من فراش أبيه متحدثا إليه بابتسامته المعهودة
اطمن يا فؤاد باشا أنا عمري ما أخذلك
سأله في استعتاب غليظ
وجوازتك الخايبة دي تسميها إيه
سحب مهاب المقعد ليضعه على مقربة منه جلس عليه وأخبره بكلمات شبه موحية
راجل ومتغرب وعايش لواحدي يعني محتاج واحدة تشوف طلباتي
ضاقت عينا فؤاد بغير رضا ومع ذلك أنصت لابنه وهو يوضح له أسبابه باستفاضة
وأنا قاصد أتجوز واحدة كده مقطوعة من شجرة تكون تحت رجلي وفي أي لحظة أقدر
أرميها من غير مشاكل ولا ۏجع دماغ ده غير إني عاوز أجبر بيها واحدة في دماغي من صفوة
زوى ما بين حاجبيه سائلا
واسم العيلة
أكد له بما لا يدع مجالا للشك
اطمن محفوظ وعمري ما اسمح لحد يلطخه ولو عاوزني أطلقها في لحظة هعمل كده
أبقى والده على صمته ولم يعلق بشيء مما دفع ابنه للتأكيد مرة ثانية عليه
كلها مصالح وأنا فاهم بعمل إيه كويس
ثم مد يده ليمسك بكفه ضغط عليه برفق وطلب منه بحذر
المهم عندي ماتتعبش نفسك دلوقتي وترتاح
من الناحية الأخرى وعلى مقربة منهما تلصص سامي عليهما في حيطة ليعرف ما الذي يدور بينهما من ورائه امتلأ صدره بالغل والحقد وهو يرى كيف استطاع خداع أبيه وجعله يتخذ
عرفت تضحك عليه تاني طب أعمل إيه عشان أكسبه في صفي!!
قبل أن تتشبث برأيها وتحلق خلف أحلامها كانت مدركة للهوة العميقة التي وجدت بينها وبين عائلتها ومع ذلك اشتاقت كثيرا لنزاعهما الخالي من أي مكائد ففي الأخير لم تقم والدتها ستحظى بنعيم الدنيا ومتعها وفي النهاية سقطت في قعر الچحيم كم ودت لو هاتفتها وأطلعتها على ما مرت به لكنها خشيت من عتابها القاسې! تراجعت عن رغبتها تلك وانخرطت في همومها
ملازمته لها خلال هذه الفترة أفادها إلى حد ما وهونت عليها الكثير بالرغم من إنكارها للتصريح بذلك علنيا أثرت الاحتفاظ بما تشعر به لنفسها تجنبا لأي مشاكل قد تطرأ من لا المسارح انتظرت رفع الستار لمشاهدة العرض الاستعراضي لإحدى فرق الأداء القادمة من الخارج كانت جالسة في الصفوف الأمامية في المنطقة المخصصة لأهم الضيوف لم تشعر ككل مرة بالفخر والغبطة بل بدت مشاعرها فاترة مشوبة بالضيق نظرت حولها في غير مبالاة إلى أن تكلم ممدوح فجأة وهو يمد يده بعلبة ما صغيرة الحجم مغلفة بورق مفضض
اتفضلي
سألته وهي تتناولها منه
إيه دي
احتفظ بابتسامته الهادئة وهو يخبرها
هدية بسيطة
اندهشت من الأمر وسألته مستفهمة وهي تحرك يدها بها
في مناسبة معينة
أجابها في بساطة شديدة جعل داخلها يرتبك تحيرا
لأ بس أنا كنت
حابب أجيبلك حاجة تفرحك
ترددت في أخذها منه وقالت بحرج وهي تعيدها إليه
شكرا مكانش ليها داعي
أصر عليها بملامح جادة
هزعل جدا لو رفضتي تاخديها
دون أن يتكلم سرعان ما سحبت تهاني يدها وبدأت تفض الورق اللامع لتنظر إلى ما أحضره تفاجأت بزجاجة عطر باهظة الثمن رفعتها إلى مستوى نظرها متأملة إياها بانبهار واضح قبل أن تتحول عيناها إليه متمتمة بابتسامة رقيقة
برفان!
بادلها الابتسام وهو يقول بشيء من التمني
يا رب يعجبك أنا مش عارف إنتي بتحبي أنهو نوع بس حسيت إن ده مناسب لشخصيتك أكتر
نزعت الغطاء ونثرت القليل من العطر في الهواء لتستنشق رائحته بعمق تغلغلت في رئتيها وأنعشتها مجددا نظرت ناحيته لتخاطبه بملامح مبتهجة قليلا
ريحته جميلة أوي
علق عليها في انتشاء
مبسوط إنه عجبك
وضعت العلبة مع غلافها المفضض في حقيبتها وواصلت كلامها إليه
متشكرة جدا يا دكتور ممدوح
قال عن قصد ليزيد من ربكتها
أنا اللي شاكر جدا للبهجة اللي بترسميها بوجودك في المكان
رمشت بعينيها في دهشة متعجبة فاستأنف بهدوء وكأنه لم يقل إلا ما رآه مناسبا
عجزت عن إيجاد المناسب من العبارات لتوصيف ما يفعله فعبرت عن ذلك بغير مبالغة
مش عارفة أقول إيه قصاد اللي بتعمله ده كله
رسم على ثغره هذه الابتسامة الرائعة مخاطبا إياها
ولا حاجة كفاية إني أشوفك مبسوطة كده
وليضمن إبقاء تأثيره عليها أضاف عن عمد
وما تشليش هم مهاب أنا كفيل أقنعه بأي حاجة
بلا تفكير أخبرته في نزق
يا ريت لو تقدر تخليه يطلقني
سكت للحظات قبل أن يفوه بحذر
هحاول بس خدي بالك هو دايما عنيد في حاجات معينة
بغصة مؤلمة في حلقها اعترفت پألم
المشكلة إني مش فارقة معاه أصلا
رد عليها بصوته الهادئ
الوضع بقى دلوقتي مختلف
وكأنه تتأكد مما لمح إليه فسألته
قصدك بسبب الحمل
أيوه
غامت تعابير وجهها فأوضح لها بنوع من التحذير المستتر
ده هيخليه يفكر مليون مرة قبل ما ياخد قرار باعتبار إن اللي في بطنك يخصه
قالت في أسى
صعب أجيب طفل أظلمه بأب زيه إنت مش عارف هو وحش إزاي
انتهز الفرصة وحاول استمالتها قدر المستطاع لتثق أكثر فيه قائلا
كل مشكلة وليها حل خلينا بس دلوقتي نستمتع بالأجواء الجميلة دي
هزت رأسها موافقة وسألته
هو العرض هيبدأ امتى
قال مشيرا بعينيه نحو الستارة الحمراء
أظن خلال 5 دقايق بالكتير
يتبع الفصل الخامس عشر الجزء الثاني
الفصل الخامس عشر الجزء الثاني
ليلة مغلفة بالدموع
ما لم تفهمه حتى هذه اللحظة هو إصرار رفيقه على ملازمتها كظلها ليل نهار وكأن لا عمل له سواها هي وحدها يبذل أقصى طاقاته للترفيه عنها والترويح عن نفسها فتنسى الفترة العصيبة التي مرت بها استنكرت تهاني استغراقها في التفكير في شأنه أكثر من الحد المقبول وكيف لها ألا تفعل وقد استحوذ على الفراغ الطويل المستبد بها بحضوره وتسليته في ظل غياب زوجها المستمر لن تنكر أنه أظهر لها جانبا من الاحترام ذاك الذي تمنت أن يكون صادرا من شريك حياتها المزعوم لكن للأسف الأخير تعامل معها كوعاء لإفراغ عواطفه بها لا ككيان رقيق وهش يحتاج للعناية والرعاية
حفل الزفاف الشعبي خاصة مع انتشار الشائعات والأخبار عن طبيعة هذه الليلة الخاصة لكونها تمس سمعة وشرف إحدى قاطنات المنطقة بدا الجميع متشوقا لمشاهدة ما يحدث فور وقوعه لذا كان الزحام غير عادي بالنسبة لعائلتين لا تملكان الكثير من الصلات القوية شعرت فردوس وهي تجلس على المقعد الخشبي المبطن بقماش القطيفة الأحمر مجاورة لزوجها الجالس على مقعد مماثل بوجود خطب ما فالأعين كلها مرتكزة عليها بشكل أرعبها وكأنهم ينتظرون منها شيء ما زالت جاهلة به
على قدر المستطاع تغاضت عن نظراتهم المزعجة ورسمت هذه الابتسامة المسرورة على محياها بالرغم من الارتباك الطبيعي الذي يساورها مالت عليها والدتها فانتشلتها من شرودها السريع حينما ربتت على كتفها في حنو نظرت إليها متسائلة بعينيها فهمست لها في أذنها بتضرع
ربنا يجعل ليلتك مبروكة ويفرح قلبك يا ضنايا إنتي صبرتي كتير
ردت بنفس الابتسامة
يا رب
اعتدلت عقيلة واقفة واتجهت ببصرها نحو شقيقتها التي راحت تصفق بكلتا يديها في حماس وهي تخاطب من حولها
ساكتين ليه يا حبايب زغرطوا كده وإملوا الدنيا بهجة خلي الكل يفرح ويتبسط
أطلقت
ياما كان نفسي أختك تبقى حاضرة معانا
سمعت فردوس هذه الشكوى رغم اختلاطها بالصخب فسألتها كنوع من الاستعلام
ماتصلتش خالص يامه بعد ما بعتي جواب ليها
أجابتها بحزن ما زال حيا بداخلها
لأ يا دوسة زي ما تكون نسيتنا
ردت مؤكدة عليها
مسيرها تكلمنا ما إنتي عارفة لما بتحط دماغها في العلام والمذاكرة ما بتعرفش حد
لم تكن مقتنعة تماما بتبريرها وقالت في إنكار
بس مش للدرجادي هي في غربة وبعيدة عننا
قبل أن تضيف أي شيء جاءت أفكار وسحبت شقيقتها من ذراعها للجانب قائلة بوجه مبتسم على الأخير
وسعي ياختي
شوية أما أكلم دوسة كلمتين
طالعتها فردوس بغرابة وسألتها في قليل من التوجس الحائر
خير يا خالتي
ظلت محتفظة ببسمتها الغامضة وهي تخبرها
بصي يا حبيبتي إنتي عارفة غلاوتك عندي وما بعملش إلا اللي فيه مصلحتك وبس صح كلامي
أومأت برأسها مرددة
مظبوط
تابعت خالتها حديثها بنفس الأسلوب الغامض
لما ليلتك تخلص على خير عاوزاكي تنفذي اللي هقولك عليه بالحرف عشان نفرح بيكي كلنا
سألتها بقلق أخذ في التصاعد
في إيه
منحتها نظرة ذات مغزى ورائها الكثير مما حيرها قبل أن تجيبها بما لم يرحها أبدا
هتعرفي بعدين بس اسمعي كلامي وإنتي تكسبي
ثم فوق رأسها قبل أن تعاود التصفيق والتهليل الفرح تاركة ابنة شقيقتها على وضعها الحائر المتخبط تأكل رأسها الأسئلة والخواطر المزعجة
من المفترض أن ينصرف الضيوف بعدما ينتهي ذلك التجمع لكن للغرابة ظل الغالبية حاضرين بالأسفل متجمهرين أمام مدخل البناية كما لو كانوا يترقبون حدوث شيء ما لم تعلق فردوس على ذلك وتغاضت عنه مثلما اعتادت أن تتغاضى عما يؤرقها مؤخرا هبطت الدرجات على مهل وساعدتها إجلال على رفع طرف ثوب عرسها لئلا تتعثر فيه وتتعرقل على السلم انتابها التوتر واختلط برهبتها من مجرد محاولة التفكير في تفاصيل ما سيأتي من ليلتها لم توضح لها والدتها أي شيء واكتفت بالقول الشائع عند العموم
جوزك فاهم وعارف هيعمل إيه
وكأن في جهلها نعمة! لم تسع لاستنباط ما
اعتبرته متجاوزا ولا يليق الحديث عنه طالما هي لا تزال ضحكت إجلال وخاطبتها في مرح
عاوزاكي بقى تدلعي يا دوسة ده يومك النهاردة
ردت عليها وهي تحاول النظر إليها من طرف عينها
ما توترنيش أكتر من كده
ضحكت مجددا وأكدت لها بمحبة صافية نابعة من قلبها
هتعدي على خير إنتي بنت حلال وعوض أفندي راجل محترم وبيعرف في الأصول
حادت ببصرها عنها محدثة نفسها في استياء
وأنا أعرفه منين ده زيه زي الغريب عندي
سرعان ما انتشر الحزن على صفحة وجهها لتتابع حديث نفسها المهمومة وقد دلفت من باب منزلها
منها لله اللي حرمتني من فرحتي الحقيقية!
الطريق إلى غرفة النوم الخاصة بالعروسين كان معروفا ومع ذلك لم تتركها والدتها أو خالتها بمفردها بقيت كلتاهما معها وهي تنتظر جالسة على الفراش قدوم زوجها للانفراد بها خجلت فردوس من تبديل ثوب عرسها وارتداء هذا الزي الوردي الشفاف الكاشف لكل ما هو مشوق شبكت كفيها معا ونظرت إليهما في استحياء أرادت أن تعتاد أولا على وجوده قبل أن تباشر طقوس هذه الليلة المميزة بادرت أفكار بالكلام حينما ساد الصمت لوقت فقالت بجدية غريبة رغم
خفوت صوتها
الناس مستنية البشارة
حدجتها عقيلة بنظرة محذرة قبل أن تردد في تجهم عجيب باعث على الاسترابة
مالوش لازمة نحكي فيه دلوقتي
استغربت فردوس من حديثهما الغامض والموحي شعرت أنه متعلق بها وإلا لما بقيت والدتها على تكشيرتها تلك منذ مطلع النهار وحتى الآن لم تترك نفسها لحيرتها وتساءلت بقدر من الشك
هو في إيه
انعكس التردد بشكل واضح على وجه أمها ألقت نظرة سريعة على شقيقتها التي بدت غير مبالية على الإطلاق بما يصير مع ابنتها حولت ناظريها عنها وحاولت التفسير لها لكن الكلمات لم تسعفها تعذر عليها إيجاد جملة مناسبة تستهل به بوحها بهذا الأمر العويص لذا خرج صوتها مذبذبا مغلفا بالاضطراب
بصي يا بنتي إنتي لازما تبقي متأكدة إنه كلنا غرضنا نطمن عليكي تكوني آ
قبل أن تشرع في الشرح لها باستفاضة قاطعتها قدوم إحدى السيدات المتشحات باللون الأسود من رأسها لأخمص قدميها حيث اقټحمت الغرفة هاتفة بتهليل
مبروك يا عروسة إن شاءالله الكل يفرح بيكي وأهلك يرفعوا راسهم
لفوق
كانت المرأة غريبة كليا عنها لم ترها مسبقا ولا تذكر أنها التقت بها في أي مناسبة سابقة كانت تعابير وجهها عابسة نظراتها توحي بالإظلام أحست بالخۏف يتسرب إليها ورغم ذلك غالبت شعورها الغريزي لتستنكر وجودها غير المسموح به هنا لذا سألتها فردوس في استفهام مشوب بالحيرة
إنتي مين وبتعملي إيه هنا
لم تتمكن من الحصول على جوابها حيث لحقت بها امرأة أخرى تماثلها في ارتدائها للثياب السوداء وفي ضخامة الجسم وكذلك الملامح الجادة المكفهرة أمرتها الثانية في صوت صارم وهي تشير بيدها
افردي ضهرك كده يا عروسة
انقبض قلبها خيفة منها فنهضت واقفة لتوجه سؤالها إلى والدتها في توتر متزايد
مين دول يامه
شاركتها في الشعور بمشاعرها الخائڤة وحاولت بث الطمأنينة إليها فقالت وهي تمسح على وجنتها
مټخافيش يا ضنايا دول هنا عشانك
في التو انزوى ما بين حاجبيها وعلقت متسائلة في خوف أكبر
عشاني ليه
بلعت ريقها وقالت وهي تنظر من فوق كتفها للمرأتين المنتظرتين في الخلف
دلوقتي هتفهمي
صاحت المرأة الأولى تأمرها في صوت غليظ
اسمعي الكلام يا عروسة
ارتاعت فردوس من طريقتها المريبة في التعامل معها ناهيك عن تحيرها الكامل من سبب وجودها في غرفة نومها في مثل هذا اليوم راح شعور الضيق يتسلل إليها فالتفتت إليهما متسائلة في شيء من الھجوم
إنتو عاوزين مني إيه
هنا تولت أفكار دفة الكلام وأخبرتها في حنان زائف
بصي يا دوسة مش أنا فهمتك فوق إن في حاجات هنعملها بعد ما الزفة
استدارت ناظرة إليها وقالت وهي تومئ برأسها
أيوه بس مين دول برضوه
أجابتها بغموض جعل داخلها يرتجف
دول اللي هيقطعوا لسان أي حد اتكلم بالسوء عنك
استشعرت الخطړ بين طيات حديثها المفزع وسألتها بوجه راحت الډماء تفر منه بالتدريج
يعني إيه
ألصقت بفمها هذه الابتسامة السمجة وطلبت منها وهي تدفعها برفق تجاه الفراش
اسمعي بس الكلام وهتعرفي
مرة ثانية استطردت المرأة الأولى مخاطبة فردوس بنفس الصوت الآمر
نامي على ضهرك يا عروسة
اضطرت أن تستجيب لأمرها المريب وتمددت على الفراش بعدما تزحفت للخلف لتريح ظهرها على عارضته الخشبية افترقت المرأتان وجلست كل واحدة منهما على طرف الفراش فأصبحت فردوس محاصرة بينهما مجددا تكلمت المرأة الأولى تأمرها بصوتها الجاف
لما نبدأ سيبي نفسك وبلاش تتشنجي
رمقتها بهذه النظرة الحيرى قبل أن تدور بعينيها الزائغتين باحثة عن والدتها نكست الأخيرة رأسها في خزي فقد كانت لا حول لها ولا قوة تقف بلا حراك تنتظر مثل البقية ما سيحدث تكلمت المرأة الأولى في صيغة آمرة
نادوا على العريس
تحركت أفكار من موضع وقوفها هاتفة في حماس غريب
أنا هاروحله
اندهشت فردوس من برود خالتها أنبأها حدسها بأنها على علم مسبق بما يجري وأنها أرجأت إطلاعها على ذلك خوفا من رفضها اختفت أفكار قبل أن تتمكن من الاستفسار منها لذا لم يكن أمامها سوى والدتها لتسألها في تخبط مخيف
هو هيعملوا فيا إيه يامه
لم تجرؤ على النظر في عينيها وإعلامها بما تم تقريره ظلت تقول في شيء من الأسى والتعاطف
مش عارفة أقولك إيه والله بس نصيبك كده
راحت تتصارع الهواجس المرعبة في رأسها بشكل جعل بدنها يرتجف زاد تلاحق دقات قلبها حتى كلمات والدتها لها لم تكن مشجعة بالمرة صاحت فيها مرة أخرى كأنما تستنجد بها
يامه قوليلي بس إنتو ناويين على إيه
تنهدت في مرارة وقالت بما ضاعف من هلعها
اصبري واستحملي
استطردت المرأة الأولى تتساءل بجدية
في حد من أهل العريس برا
جاء رد عقيلة مصحوبا بإيماءة من رأسها
أيوه عمته وكام حد تبعه
أمرتها في نبرة حازمة
خلي 2 منهم يجيوا معانا
استبد ب فردوس كل القلق وتساءلت في فزع بائن في صوتها
وأيضا نظراتها
ليه كمان
امتثلت عقيلة لأمر المرأة وسارت تجاه باب الغرفة والحزن يشع من عينيها بينما هدرت فردوس محتجة عندما شرعت المرأة في الإمساك بها من كتفها كأنما تثبتها في موضعها
ابعدي إيدك عني مكتفاني ليه
زادت من قوتها عليها ثم أمرتها في نبرة غير متساهلة ونظرة مخيفة تنبعث من حدقتيها
ريحي جتتك يا عروسة احنا جايين نطمن عليكي ونطمن الحبايب كلهم!
قڈف قلبها بقوة عظيمة فهتفت تستغيث بأمها وهي تحاول التخلص من قبضتها المحكمة عليها
يامه! إنتي هتسبيني معاهم
ردت دون أن تنظر تجاهها
جايلك
لم تهدأ خواطرها ولم يستكين داخلها بل بدا وكأن كل خۏفها قد تجمع الآن ليزيد من فزعها أصبحت فردوس الآن في موضع لا تحسد عليه تترقب بغير معرفة ما سيحدث لها
تمنى لو انشقت الأرض وابتلعته فلا يكون ضليعا في أمر مخز كذلك سعى عوض بشتى الطرق لإيقاف هذه الفعلة النكراء ورغم كل جهوده المبذولة إلا أنه لم يفلح أمام طوفان إصرار أفكار العنيد وكأنها اتخذت الأمر ثأرا شخصيا إرضاء لحفنة من البشر لا يهمهم سوى والنيل من سمعة الأنقياء ظل باقيا بالأسفل رافضا الصعود والمشاركة فيما يعرف به قبل وقت سابق ادعى انشغاله بتوديع من جاء لتهنئته محاولا إضاعة الوقت لكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن حيث نادته أفكار من عند بداية سلم الدرج بصوت مرتفع ومليء بالابتهاج كما لو كانت تفتخر حقا بكشف ستر لحمها
سي عوض جماعتك مستنين جوا عاوزينك تبشرنا
تحرج كثيرا من كلامها شبه والذي أتبعه ضحكات عابثة ممن يقفون حوله تلاها تعليقات شبه متجاوزة كنوع من التحفيز له ابتعد عنهم ليدنو منها وعلى قسماته هذه التكشيرة الكبيرة همس لها وهو يكز على
أسنانه محتجا
اللي إنتي طالباه مني مش هيحصل
لطمت على صدرها صائحة في استنكار
يا نصيبتي!!!
ارتبك من صوتها المرتفع وتلفت حوله ليتأكد من عدم متابعة أحدهم لحوارهما لم تكن مثله تخشى من لفت الأنظار بل قالت في تحد مغيظ له
عاوز تفضح البت قصاد الخلق!!
عقب عليها في عناد
وأغضب ربنا عشان أرضي الناس
ربنا غفور رحيم
ثم لكزت جانب ذراعه تستحثه في تصميم أشد
اللي يهمنا دلوقتي سمعة بنتنا والكل واقف وشاهد
أخبرها بمعارضة تفوق إصرارها
محدش فارق معايا من الناس
هاجمته في تحفز وقد ارتفعت نبرتها إلى حد كبير
يعني مش مكفيك عمايل أخوك جاي تكمل عليها وقصاد أمة لا إله إلا الله
مجددا الټفت ورائه لينظر للحفنة المرابطة خارج مدخل البناية كانوا لا يزالون منشغلين عنه عاود النظر إلى أفكار وقال بصوت خفيض
هي بقت مراتي واللي بينا مايصحش حد يعرفه!
أصرت عليه بلهجة من يقرر رافضة النقاش أو حتى مراجعتها في الأمر
إلا دي بالذات الكل هيتأكد ولو مش ناوي تعمل ده بنفسك يبقى تقف وتتفرج
برزت عيناه في صدمة لم تتدعه لذهوله وأكملت إملاء أوامرها عليه في حسم
وما تعلقش تاخد الأمارة وتفرح كل الموجودين
توسلها في رجاء
يا خالة آ
قاطعته بلا تفهم
ده اللي عندي!
رمقته بهذه النظرة الازدرائية قبل أن تهم بالصعود على الدرج ليضطر في أسف أن يتبعها وهو مشفق تماما على زوجته التي ستختبر نوعا شديدا من المهانة تلك التي لن تمحى تفاصيلها من الذاكرة مطلقا!
تكالبت عليها النساء وأحطن بها من كل جانب لتثبيتها فانتفضت وثارت وحاولت تجريدهن لما يسترها صړخت واستغاثت وارتفع صوت توسلاتها لكن الكل سد أذنه عنها تركوها تبكي بلا ذرة إشفاق منهن حتى حينما جاء عوض واستنجدت به تجمد موضعه ولم يقدم لها العون كان مثلهن شاهدا على سحق روحها ضاقت أنفاسها وتساقط
عرق غزيز منها وهي تقاومهن سرعان ما تشنج جسدها وتقلصت عضلاتها ارتعشت أكثر عندما قامت إحدى المتواجدات بالمباعدة بين ساقيها صاحت بها من يقال عنها أنها عمة زوجها تأمرها
اتني رجلك شوية يا عروسة
لم تسهل عليها الأمر وضمتهما بقوة لتحول دون وصولها إلى موطن سرها لكن امرأة أخرى من أقارب زوجها عاونتها على فصل ساقيها هتفت فردوس تلوم والدتها بحړقة تقطع نياط القلوب
هتسبيهم يامه يعملوا فيا كده
رأفة بها كادت عقيلة تتحرك تجاهها وتوقف ما يفعلن إلا أن شقيقتها منعتها وأمسكت بها من رسغها ضاغطة عليه بقدر من القوة فاضطرت أن تقول في أسف وهي تطأطأ رأسها خجلا من خذلانها لها
على عيني يا ضنايا والله!
قامت عمة زوجها بسؤالها في شيء من التحدي
خاېفة من إيه يا عروسة ده احنا جايين نخرس الألسن ونوريهم البشارة
أحست فردوس بالفزع يتولاها من كل جانب بأنها ټغرق في دوامة مظلمة لا نجاة لها منها صړخت عاليا بصوت كان أقرب للبكاء لعل وعسى تتخلى عن جمودها وتزيح هذه الأيادي عنها
غتيني يامه
ارتفعت شهقاتها وامتزجت مع نهنهات بكائها عندما شعرت بيد باردة قاسېة تتوغل بغير رحمة في دواخلها انتفضت وزاد تصبب العرق بها فأصبحت كخرقة مبتلة أتبع ذلك توسلها المتسول لعطف غير موجود في أي من الحاضرين
يا خالتي حوشيهم عني
تصنعت الضحك كأنما بذلك تخفف من حدة الأمر عليها وقالت وهي ترمقها بهذه النظرة
الجادة
مټخافيش يا بت علقة تفوت ولا حد ېموت
وقتئذ اتجهت فردوس بنظراتها التائهة نحو عوض حدجته بنظرة مليئة بالعتاب القاسې فما كان منه إلا أن أخفض رأسه متحاشيا عتابها الظاهر فهمهمت داخلها بصوت تردد صداه بينها وبين جنبات نفسها
مش مسمحاك إنت غدرت بيا زي أخوك!
صړخت مرات مستغيثة بأي أحد فما أغاثها مخلوق الكل ساهم في إثبات براءتها من تهمة أدانها بها شرذمة من الناس ممن يخوضون في الأعراض بافتراء وتدليس فقط للقضاء على ملل وقت فراغهم الطويل
في هذه اللحظات القاټلة ودت بلوعة لو كانت شقيقتها حاضرة لكانت نعم السند لها ولم تتردد لثانية في منع تلك الأيادي النجسة من المساس بها آه لو بقت ولم ترحل! آه وألف آه!
ارتفعت بالخارج أصوات الزغاريد وملأت الأرجاء حتى أنها فاقت في حدتها مثيلاتها في حفل الزفاف المتواضع طوحت أفكار
قولوا للحبايب يهيصوا وللعوازل
يفلفلوا بنتنا مافيش في أدبها
ردت إحدى السيدات الحاضرات في الصالة قائلة
عقبال ما نبارك نهار حبلها
نظرت إليها ضاحكة وهي تقول
عن قريب إن شاءالله
ثم وجهت كلامها إلى عوض الجالس في حزن على مقعد شبه منزو
عريسنا يشد حيلته بس
تعالت الضحكات العابثات والمخبئات خلف الأيادي الموضوعة على الفم لتردد عقيلة بوجه لا يزال عابسا
سيبوه يتهنى مع عروسته
هتفت أفكار في اعتزاز وهي تحاول صرف الضيوف من المنزل بتهذيب
نجاملكم في الفرح دايما يا حبايب
عندئذ نهض عوض من مكانه عائدا إلى زوجته التي كانت جالسة فوق الفراش تولي ظهرها للباب وتضم ركبتيها إلى صدرها بذراعين مرتجفين صوت بكائها كان مسموعا له حز في قلبه رؤيتها هكذا مبديا ندمه وأيضا تعاطفه
حقك عليا
لم تنظر تجاهه كانت تبكي في حړقة أشد فواصل إخبارها بصدق
والله حاولت أمنعهم بس معرفتش
تجرأ ليضع يده على كتفها فانتفضت مع وكأن مسا كهربيا لامسها في التو زحفت بمرفقيها بعيدا عنه وصړخت به رغم ألمها
ماتقربش مني
رفع كفيه في الهواء ليظهر لها حسن نواياه ومع هذا لم تبد متهاونة معه حملته كامل اللوم عن كل ما جرى لها فهدرت به بانفعال من بين
بكائها المتحسر
منك لله إنت وأخوك قهرتوني وكسرتوا كل حاجة فيا ربنا ينتقم منكم
رمقها بنظرة مهمومة فاستمرت على صياحها اللائم
عملت إيه فيكم عشان تهدوني بالشكل ده
هزت رأسها في استنكار واعترفت له في نزق غير نادمة عليه لتجعله يزداد إشفاقا بها
يا ريتني ما وافقت أتجوزك يا ريتني!
بعد أن ذاع الخبر وعرف الجميع عن إصابته المفاجأة تحول خارج غرفته بالمشفى الخاص إلى ما يشبه أحواض الزهور فقد امتلأت الردهة بباقات مختلفة الأحجام والأنواع من الورود كنوع من إرسال التهنئة والمباركة على تماثل رجل الأعمال الشهير للشفاء من أزمته المړضية الأخيرة لجأ مهاب للاستعانة بأفراد من الحراسة المدربين لمنع دخول أي فرد لحجرته دون إذن مسبق منعا لتطفل رجال الصحافة المزعجين وكذلك لعدم إرهاقه بالزيارات الكثيرة استاء سامي مما اعتبره تصرفا فظا ولا يليق بمكانة العائلة فعنفه في غرفة مدير المشفى الماكث بها
إنت مفكر نفسك مين عشان تتصرف كده
لم يرفع رأسه عن التقارير التي يراجعها وخاطبه في برود
اللي فيه الصح للباشا أنا هعمله
اغتاظ سامي من عجرفته المستفزة فطرق بقبضته المضمومة على السطح الزجاجي بعصبية جمة ليدفعه على النظر إليه حينها فقط هدر في صوت غاضب
إنت عارف مين أصلا جاي يشوفه دول وزراء وكبار رجالة البلد
تطلع إليه بنظرته المتعالية وأردف في تساؤل غير مكترث
وإيه يعني
استمر سامي في الھجوم عليه فقال باحتقار ظاهر على وجهه وكذلك في نظرته إليه
شكل جوازك من البت الكحيانة دي غيرك وخلا مخك يفوت فما بقتش عارف قيمة الناس اللي بنتعامل معاهم!
نهض مهاب قائما بعدما ترك ما فيه يده وحذره بنظرة صارمة
ما بلاش تغلط!
ثم دار حول المكتب وتقدم تجاهه حتى وقف قبالته حينئذ تابع إنذاره له وهو يضع كفه على كتفه
زعلي وحش يا سامي
نفض الأخير قبضته عنه في نفور وزمجر فيه پحقد
نزل إيدك
حدجه مهاب بنظرة مستخفة ليردد بعدها بما أغاظه في الحال كعهده معه وبهدوء واضح
ممم قول إنك غيران مني عشان بعرف أعمل اللي أنا عاوزه وإنت لأ
صاح به في عصبية مستعرة
أنا مش فؤاد باشا اللي سهل
تضحك عليه بكلمتين فيصدقهم
سدد له نظرة
طب ما إنت معاه طول الوقت ليه معرفتش تكسبه في صفك
اندلع غضبه أكثر بداخله وصاح فيه مغتاظا
بلاش هلفطة أنا أكتر واحد عارف وساختك وألاعيبك ولحد النهاردة أنا مش عاوز أدمرك وعمال أداري عليك
سخر من محاولته غير الموفقة للمزج بين مواضيع شتى لإظهاره بمظهر الشخص الأهوج الأرعن وغير المسئول ورغم ذلك قابل انفعاله المحتد بنفس البرود الهادئ حين رد
وإيه اللي منعك!
ناطحه الرأس بالرأس قائلا بوجه محموم بغضبه
ما تتحدانيش!
ضحك مستخفا به ليعلق بعدها
صدقني إنت اللي هتخسر مش أنا
واصل سامي هجومه غير المبرر عليه زاعقا في تعصب
إنت ولا حاجة من غير لقب الجندي!
لم تتغير نبرته مطلقا وهو يخبره عندما سار عائدا إلى المكتب مجددا
صح بس صدقني اسم مهاب الجندي برضوه معروف حتى لو إنت عامل نفسك مش واخد بالك
جمع مهاب التقارير المفرودة على سطح المكتب واستعد للمغادرة فسأله سامي بنبرته المتشنجة
إنت رايح فين أنا مخلصتش كلامي لسه!
لاحت على زاوية فمه ابتسامة متهكمة ليسترسل بعدها بتعال صريح
بس أنا خلصت
كاد على وشك النكاية به لكنه أخرسه بإشارة من سبابته
مش عاوز أسمع حاجة تاني بس يا ريت لما ترجع تتخانق معايا توطي صوتك ما تنساش احنا في مستشفى وفؤاد باشا مش هيكون مبسوط لما يسمع عن خناقنا هنا!
كظم سامي حنقه مرغما وشيعه بنظرة ڼارية ثائرة في حدقتيه
إلى أن انصرف آنئذ كور قبضته في الهواء وتوعده بين نفسه في كراهية لا تكف عن التعمق أكثر فيه
بكرة هتندم وأنا عارف الطريقة إزاي!!
يتبع الفصل السادس عشر
الفصل السادس عشر
مکيدة ساذجة
غادر الجميع تباعا تعلو وجوههم الفرحة والاعتزاز لكنهم تركوها غارقة وسط إحساسها بالمهانة والانكسار لم تجد اليد الحنون التي تطبب من چراحها أو حتى تهون عليها صعوبة ما اختبرته ولم تشعر بالأمان في حضور من أصبح زوجها كان كأنه لم يكن من الأساس تخلى عنها وانساق وراء ما رغب فيه الآخرين سالت دموعها أنهارا فبللت كامل وجهها وأفسدت زينتها فأصبحت قبيحة المنظر ومع ذلك لم تكترث للحظة فما أصابها مزقها من الداخل قبل الخارج
وقف عوض على باب غرفة النوم حائرا مترددا لم يعرف ما الذي يجب عليه فعله لاسترضائها وتعويضها عما مرت به تطلع إليها من موضعه مليا وبإشفاق حزين كانت منكمشة على نفسها توليه ظهرها ترتجف إلى حد ما صوت بكائها المسموع إليه حز في قلبه بشدة نكس رأسه بعدما هزها يمينا ويسارا أسفا عليها استجمع الكلمات في رأسه وتكلم سائلا إياها بحذر
إنتي كويسة دلوقتي
استشعر سخافة سؤاله فكيف لها أن تصبح في أحسن حال وهي منخرطة في نوبة بكاء عڼيفة تدارك خطئه ولم يتوقع أن ترد عليه يكفيها ما هي فيه الآن ازدرد ريقه وتابع
حقك عليا أنا لو كان بإيدي مكونتش خليت حد يجي ناحيتك بس حكم القوي!
ارتفع صوت نحيبها فأحس بالندم أكثر فقال مغيرا الحديث
أنا هسيبك على راحتك نامي على السرير وأنا هفضل برا
لم تنظر فردوس تجاهه بل أحنت رأسها لتخبئها بين ركبتيها المضمومتين إلى صدرها وواصلت بكائها المرير شعوره بالذنب تضاعف فلم يكن أمامه سوى الفرار من هذا الإحساس القاټل
فأنهى حواره أحادي الجانب قائلا بعدما التقط منامته من على طرف السرير
لو عوزتي حاجة نادي بس عليا
انسحب في هدوء وأغلق الباب ورائه ليعطيها مساحة من الخصوصية لكن في الحقيقة كان يريد الهروب من هذا الجو الخانق المعبأ بكل ما هو موجع لكليهما!
لم تتوقف عن معاتبة نفسها منذ عودتها إلى المنزل فإحساسها بالذنب تجاه ابنتها كان ينهشها بشدة بكت في صمت كلما استحضرت في ذهنها طيفها وهي تستجدي عاطفتها الأمومية لنجدتها ممن يحاولون المساس بها بحجة الشرف والسمعة لكنها ظلت أمام رجاواتها الحاړقة كتمثال من الحجر لا تحرك ساكنا تخلت عنها وتركتها للأيادي الغريبة تكشف سرها على أمل أن تبتهج في النهاية بعفتها لكنها لم تفعل حينما تم الأمر كانت تحترق لأجلها ينفطر قلبها حزنا على اغتيال فرحتها نظرت عقيلة إلى شقيقتها الماكثة معها في بيتها مطولا كانت الأخيرة مسترخية لا يبدو بالها مشغولا بشيء لذا استطردت قائلة بصوت شبه مخټنق وكأنها تؤنبها
مكانش لازم نعمل كده كسرنا فرحة البت وآ
قاطعتها أفكار ببرود مغلف بالقساوة
لأ ياختي ده كان ضروري أومال نسيب الناس تتكلم وتألف حوارات أهوو كله كان على عينك يا تاجر
ضاقت عينيها في استنكار واضح فهذه لم تكن أحلامها بشأن زيجة ابنتها ومع ذلك لم تلق أفكار أي بال لأحزانها بل أضافت في زهو مغيظ
ده إنتي حقك دلوقتي تحطي صوابعك في عين أي حد يفتح بؤه بنص كلمة عنها
اعترفت لها وهي تمسح بطرف كم عباءتها المنزلية دموعها التي تملأ صفحة وجهها
صعبانة عليا أوي حاسة إني كسرتها
ضحكت في استهزاء قبل أن تقول بابتسامة سخيفة
علقة تفوت ولا حد ېموت
ثم مالت ناحيتها وغمزت لها في شيء من المكر
دي زمانها غرقانة في العسل وجوزها مدلعها
لم تبد عقيلة مطمئنة لهذه الدرجة فالألم لن يمضي على خير كما تظن خاصة ما يؤثر بالنفس انتبهت مجددا لشقيقتها الكبرى وهي تخاطبها بعدما
نهضت من موضع جلوسها
بينا نعملها فطور العرسان
تبعتها في خطوات متعبة ولسانها يهمهم داعيا
ربنا يهدي سرك يا بنتي ويريح بالك!
كان من غير الطبيعي بالنسبة له الذهاب هكذا ببساطة وتركه وهو لا يزال في هذا الوضع الصحي الحرج قرر مهاب إرجاء سفره لمدة غير معلومة وملازمة والده ريثما يتماثل تماما للشفاء وكذلك ليبقي عينيه على شقيقه الأكبر الذي على ما يبدو يكيد له بعض المكائد الخبيثة لإفساد ما بينه وبين أبيه على أمل أن يحظى بمكانة عالية لديه ويفوز بالكعكة كاملة ودون نقصان راجع مرة ثانية ما لديه من أوراق وتقارير وهو جالس بالمكتب الذي تم تجهيزه له في هذا المشفى الاستثماري الضخم ليكون خاصا به خلال أدائه لعمله كطبيب متخصص في الجراحة هنا قاطع انشغاله في كتابة بعض الملحوظات الضرورية اقټحام سامي للحجرة دون استئذان ليهاجمه كالعادة بالمستهلك على الأذن من عبارات الټهديد السقيمة لم يغلق الباب خلفه وسار مختالا ناحيته وهو يردف بسخرية مستفزة
ده أنا فكرتك حاجز أول طيارة ومسافر
رفع مهاب بصره تجاهه ثم نظر إليه شزرا ليعلق بعدها مستخفا به
للأسف تخمينك مش في محله أنا مش مسافر
لم ينجح هذه المرة في استثارة أعصابه بل بدا سامي هادئا للغاية وهو يسأله في تهكم
معقولة تسيب حياة الرفاهية والأضواء وتفضل
معانا
رد عليه بما جعل قناع البرود الزائف يسقط في التو
فؤاد باشا يستاهل إني أضحي بكل حاجة عشانه ما تنساش أنا المفضل عنده
لم يتمكن من ضبط انفعالاته طويلا أو السيطرة على ردة فعله التي يسهل استفزازها سرعان ما صعدت الډماء إلى رأسه فصاح في صوت شبه محتد
من إمتى الحنية دي أنا أكتر واحد فاهمك
قال مصححا له بنفس الوتيرة الهادئة
إنت أكتر حد ماتعرفنيش
اشټعل وجهه بغضبه وأطلت من عينيه نظرات كارهة حاقدة ترك مهاب ما بيده جانبا لينهض من على مقعده قائلا
رأيي يا سامي بدل ما تركز في اللي بعمله ركز في حياتك إنت
انفلتت منه صيحة
حانقة
إنت هتعرفني أعمل إيه ومعملش إيه نسيت نفسك ده أنا مداري على كل بلاويك
وقفت مهاب في مواجهته لا يبدو على ملامحه أدنى تغيير بينما استمر سامي في إطلاق سهام غضبه المحموم عليه
ولا تكون فاكر إنك بكلمتين هتضحك على فؤاد باشا ويرجع يصدقك من تاني!!
ابتسم له شقيقه الأصغر بغير اكتراث ليجعل بذلك نيران الغيرة تأكله أكثر ثم تكلم إليه وهو يربت على جانب ذراعه
اعمل اللي إنت عاوزه في النهاية كل اللي يهمني صحة بابا وسلامته
استشاطت نظراته بشدة فقابلها مهاب بابتسامة وديعة واثقة قبل أن يوليه ظهره ليسير عائدا تجاه مكتبه التقط أحد الملفات من على سطحه وقال وهو ينظر إليه من طرف عينه
مضطر أسيبك تهري مع نفسك وأشوف اللي ورايا هنا
بدا وجه سامي محمرا للغاية عاكسا لما يستعر في داخله من حقد مشوب بالغيرة العظيمة تابع مهاب سيره نحو الباب قائلا بلهجة شبه آمرة
ابقى اقفل الباب بعد ما تطلع
انتظر ذهابه ليلعنه
غبي مفكر نفسه مسيطر على كل حاجة
اتجه إلى حيث الهاتف الأرضي أمسك بالسماعة ولف القرص الدوار محدثا نفسه
استعد بقى لنهايتك
أمضى الليل غافلا على الأريكة في صالة بيته فشعر حينما استيقظ بتيبس فقرات وپألم متفرق في أنحاء جسده المتعب مسبقا كان وجهه مرهقا أسفل عينيه شبه أسود فقد بقي يقظا لما بعد الفجر بقليل إلى أن غلبه النعاس وسقط نائما صريع الإنهاك تمطى عوض بذراعيه ودعك برفق الأجزاء التي ما زالت تؤلمه ليخفف من حدة الۏجع وضب مكان نومه ثم
نهض سائرا تجاه الحمام ليغسل وجهه تباطأ في مشيه حينما نظر إلى باب غرفته المغلق كل ما دار في خلده في هذه اللحظات هو أحوال زوجته
لم يكن قد انتهى بعد من تجفيف وجهه حتى سمع الطرقات المتعاقبة على باب المنزل ألقى بالمنشفة على المشجب الموجود خلف باب الحمام الخشبي وأسرع الخطى نحو الخارج ما إن فتح الباب حتى انطلقت في وجهه زغرودة مبتهجة أعقبها هذه الجملة التقليدية الفرحة من خالة زوجته
صباحية مباركة يا عريس
تنحى للجانب