رحلة الاثام منال سلامة

لمحة نيوز


حولت بصرها نحو زوجها طالبة منه
حبيبي ماتزعلش نفسك أنا هيكون لي كلام كبير معاه بس ماتضايقش عشان خاطري 
رد عليها في نفس الصوت المنفعل
ابنك لو مشدناش عليه صدقيني هيتعبنا ده لازم يتعلم الأدب 
داعبت طرف ذقنه بلطافة وهي ترد عليه
حاضر اللي إنت عاوزه هعمله بس من فضلك اهدى 
لفظ كتلة من الهواء مرة واحدة وتمتم في غير رضا
ماشي 
على وجه السرعة توجه عائدا إلى العاصمة المصرية ليجلس مع والده الذي أصر على حضوره بشكل عاجل في مكتبه لمناقشة مواضيع مصيرية تخص شأن العائلة مستقبلا تفاجأ مهاب من مطالب أبيه والتي تمثلت بإيجاز في تقسيم الثورة على حياة عينه مناصفة وتحديد مسئولياته مقابل مسئوليات شقيقه تجنبا للخلافات اللاحقة وإن كان في ذلك تهميشا ملحوظا لدوره مؤقتا احتفظ مهاب بملامحه هادئة وغير مقروءة التعبيرات رغم الضيق الذي ملأ صدره شعر فؤاد بما يجيش في نفس ابنه واستطرد قائلا في نبرة رزينة
أنا عارف إن اللي بطلبه منك صعب بس ده لحمايتك فيما بعد 
اكتفى ابنه بالصمت فواصل الأخير الكلام
أصول المال هتكون مناصفة بينكم إنتو الاتنين بس الحسابات السرية ليك لواحدك محدش يعرف عنها حاجة 
أدهشه ذلك الأمر فلم يكن لديه أدنى علم بوجود ثورة مخفية لا علم لأحد عنها استراحت نفسيته وسكنت جوارحه وقال
اطمن يا باشا 
سعل فؤاد قليلا فمد
يده المرتعشة ليمسك بكوب الماء الموضوع قبالته ارتشف منه قدرا واستأنف حديثه الجاد
لو سبت كل حاجة في إيد سامي هيضيع اللي بنيته ويهده بتصرفاته 
وافقه الرأي وأضاف عليه
هو متهور كعادته مابيحسبهاش صح 
هز رأسه بالإيجاب وتابع
عشان كده هو مايعرفش غير اللي أنا عايزه يعرفه وبس 
استحسن قراره الصائب واستمع إلى أبيه وهو لا يزال يملي عليه أوامره
لما ابنك يكبر وعوده يشد مسكه كل حاجة عرفه إنه مايحنيش راسه لأي حد مهما كان 
قال مومئا برأسه
حاضر يا باشا 
بوجه صارم التعبيرات ونظرة مماثلة استمر فؤاد يقول
إنت وهو امتداد لإمبراطورية الجندي ومن بعدكم أحفاد أحفادي 
رد عليه مؤكدا
كل اللي نفسك فيه هيحصل يا باشا إنت ماتقلقش على حاجة 
بعدئذ أشار له والده لينهض وأمره
سبني أرتاح لحد ما أخوك يجي 
انصاع كليا لما أراده منه وقال وهو يهم بالانصراف
أوامرك
يا باشا 
موجة عارمة من الرضا والانتشاء اجتاحته تماما لم يكن ليطرأ على باله أن ينال أضعاف ما يملك في طرفة عين عليه فقط أن يتحلى بالصبر وينتظر اللحظة المناسبة ليملك زمام كل شيء 
قام باستدعائها في مكتبه بشكل طارئ مما جعل أوصالها تضطرب وعقلها يغوص في حيرة كبيرة كان من النادر أن يطلب لقائها هنا خاصة بعدما تزوجت برفيقه مؤخرا كان اجتماعهما معا محدودا ومختصرا في نطاق العمل بعيدا عن شأن صغيرهما لهذا انتابتها الهواجس والتوترات المبررة وراحت رأسها تطن بعشرات السيناريوهات المخيفة خشيت أن يدبر لها ڤضيحة ما هنا ليقضي كليا على سمعتها قبل مستقبلها ارتجفت وهي تقف قبالته أرهفت السمع ولم تقاطعه وهو يخبرها بعبارات محددة عن رحيله من هذا البلد وانتقاله لمكان آخر كل ما جال في خاطرها لحظتها هو حرمانه من طفلها فسألته في توجس متعاظم
طب وابني
تحرك ليدنو منها وأجابها بلا ابتسام
ما تخافيش مش هحرمك منه إنتي
هتنقلي معايا جهزي حالك للسفر 
اتسعت عيناها في استنكار جلي ما هذه الوقاحة التي يتحدث بها كيف يتجرأ على طلب ذلك منها تجهمت تقاسيمها وأردفت محتجة بضيق مبرر
إزاي إنتي ناسي يا مهاب إني متجوزة الكلام ده مش هينفع!
نظر لها شزرا قبل أن يأمرها بأسلوبه المتسلط والمتبجح
مش عاوز نقاش كتير نفذي اللي أمرتك بيه 
كادت تنطق بشيء لكنه أخرسها بترديده الحازم
ويالا اتفضلي مش فاضيلك 
طرده لها كان مغيظا ومستفزا ومع ذلك لم تبد أي ردة فعل معادية له فمثله لا يجب تحديه وإلا لكانت العواقب وخيمة انصرفت في الحال وهي مشټعلة الرأس مشحونة الفكر ومحتقنة أخذت تبرطم مع نفسها بذهول شديد الإنكار
اټجنن ده ولا إيه فاكر نفسه مين !!!
يتبع الفصل السابع والعشرون
الفصل السابع والعشرون
العوض
ما يفرضه على الجميع لم يكن مجرد رأي عابر أو اقتراح ضمني قابل للمناقشة بل حقائق إجبارية واجبة التنفيذ لهذا بدا من العسير عليها تقبل هذه النقلة المفاجئة والغريبة وما زاد من غرابة هذا الأمر عليها هو انصياع زوجها له وترحيبه بالسفر والرحيل استنكرت ما أخبرها به وهتفت في استهجان أشد وقد تشنج كامل وجهها
إزاي توافق على الهبل ده يا ممدوح
أجابها في صوت هادئ وهو يسترخي أكثر على الأريكة
طالما المصلحة معاه ليه لأ
جلست إلى جواره بتعصب وراحت تلوم رضوخه في انفعال متزايد
ده بيتحكم في حياتنا في الهوا اللي بنتنفسه مش ممكن أسمحلك توافق على ده 
مد ذراعه ليمسك بكتفها ضغط عليه برفق وقال
صعب نواجهه مع نفوذه التقيل 
اشتعلت نظراتها غيظا وهدرت في إصرار
خلاص نسيبه يغور ونفضل أحرار في حياتنا وهو أكيد هينسانا 
هز رأسه محتجا على كلامها الذي أعده ساذجا قبل أن يوضح لها بتعقل
مش مع مهاب يا تهاني ده لازم ناخده بالسياسة مش بالعافية 
ثم ابتسم لها وأضاف
وبعدين فترة وتعدي يا حبيبتي احنا مش خسرانين حاجة يبقى إيه الضرر علينا
احتدت نظرتها المليئة بالإنكار تجاهه ونفضت ذراعه عنها لتقوم واقفة لم تحد بعينيها الحانقتين عنه واڼفجرت فيه بعاصفة كلامية متحيزة وهي تشير بإصبعها له
وسمعتنا ومجهود السنين اللي عملناه هنا!!
نهض بدوره ليواجهها وأمسك بها مجددا من رسغها ليعلق عليها
شوفي لو مهاب فيه كل العبر بس حاجة مهمة بتميزه إنه دايما مابيقعش إلا واقف 
حاولت تحرير يدها من قبضته وهي تسأله في تخبط
مش فاهماك! إنت كده بتحيرني بزيادة!!!
استرخت قبضته على معصمها لتنخفض في بطء وتتخلل أصابعه أناملها ليتشابكا معا في اتحاد وصوته يخاطب أذنها بلهجة العاقل
يعني مهاب مش هياخد الخطوة دي ولا هيجبرنا نروح معاه إلا لما يكون مظبط أموره كويس جدا وماتنسيش إنه يعتبر من صفوة المجتمع 
كان يعرف جيدا من أين تؤكل الكتف لهذا استطاع أن يلين رأسها المتيبس بقدرته الفائقة على الإقناع فاسترسل مستفيضا في توضيح مخاطر معارضته
في التو قالت وبلا تفكير وكأنها قد استطاعت رؤية الجانب الآخر والمظلم من الأمر
لأ طبعا 
حافظ على ثبات بسمته الماكرة وطلب منها
خلاص اعتبريه تكليف وخديه بالرضا 
نكست رأسها قليلا وهمهمت معترفة في نبرة مضطربة
أنا حقيقي بقيت أخاف من مهاب أكتر من الأول مش مطمنة 
وهو يؤكد لها
اهدي يا حبيبتي مش هيقدر يعملك حاجة وأنا موجود أومال أنا جاي على نفسي ليه عشانك
حينئذ رفعت عينيها لتنظر إليها تبسمت عندما أخبرها
ده أنا كلي فداكي 
بس برضوه لازم ناخد بالنا 
حرك رأسه مؤكدا وهو يعاود ضمھا إليه
طبعا 
من طرف عينه لمح ممدوح صغيرها قادما فتعمد التودد إلى والدته بحميمية متجاوزة كما لو كان يشتهي قربها كثيرا مما قد يسيء عقل الصغير تفسير ما يدور لوجود بعض الجموح بتصرفاته وذلك فقط ليستثير حنقه كأنما يريد الاڼتقام منه بطريقته الخبيثة ونجح في ذلك سرعان ما تنبهت تهاني لوجوده وهتفت بتحرج شديد وهي تتراجع عن زوجها لكن وجهها ظل مضرجا بحمرة ساخنة
حبيبي إنت رجعت من النادي إمتى
استطرد ممدوح كذلك بأسلوبه الوقح المغيظ ونظراته الشامتة مرتكزة عليه
أوس إنت دايما تيجي كده في الأوقات الصح!
تجاهله الصغير
مباعدا عينيه القاسيتين عنه ليخاطب والدته في صوت متجهم
ماما عاوزك 
هي مشغولة معايا لما تخلص هتجيلك 
في صوت صارم ووجه غائم أمرها الصغير
تعالي دلوقتي 
هزت رأسها مرددة بعد نظرة سريعة ألقتها نحو زوجها
طب روح يا أوس وأنا هحصلك 
حدج كلاهما بنظرة ڼارية قبل أن يغادر لتعقب تهاني في تحرج خجل
لازم ناخد بالنا واحنا مع بعض أوس بيضايق 
رد عليها بعبوس
مش إنتي دايما تقولي عنه عيل ماتكبريش الحكاية 
صممت على رأيها في اتخاذ الحذر التام
برضوه أنا مش عايزاه يزعل 
لحظتها وجدت منه جفاء عجيبا وكأنه خاصمها أولاها ظهره قائلا
براحتك 
انتابها شعور الندم فلحقت به تسأله في جزع
إنت اتضايقت ولا إيه
رد باقتضاب
عادي 
وكأن ضميرها يؤنبها على تسرعها هتفت تناديه في نبرة آسفة
ممدوح!
لم يكلف نفسه عناء الرد عليها زاد من قلقها رؤيتها إياه وهو يرتدي سترته استعدادا لذهابه سألته في توتر ممزوج بالخۏف
إنت خارج
وضع مفاتيح سيارته في جيب سترته وكذلك علبة سجائره ليقول بإيجاز مماثل لباقي ردوده السابقة
أيوه 
حلت دهشة مرتاعة على وجهها وهتفت
دلوقتي
ظنت أن خروجه الآن ما هو إلا ردة
فعل لمطلبها اعترضت طريقه واستوقفته من ذراعيه بكلتا يديها لتتوسل إليه وهي تشد عليهما بأناملها
عشان خاطري ماتمشيش وإنت مضايق مني 
انتشى داخله لقدرته الفائقة على تطييعها وإخضاعها بأقل مجهود وضع ابتسامة صغيرة على محياه قائلا ويده ترتفع لتمسح على وجنتها بنعومة
حبيبتي أنا ورايا كام مشوار عاوز أعملهم 
تخللها شعور الارتياح وبادلته الابتسام لكن تبدد حالها سريعا عندما اختتم جملته بما أرعبها 
وهعدي على مهاب!
عكس تعبير وجهها وأيضا نظراتها هذا الفزع الكبير فاستجدته بأنفاس متقطعة
بلاش تروحله ھيأذيك!
قال مطمئنا إياها
مايقدرش وبعدين أنا

هشوف دماغه فيها إيه 
استردت أنفاسها بصعوبة ومع ذلك أوصته
طب خد بالك يا ممدوح مش عاوزة أي حاجة تحصلك 
أكد لها بثقة واضحة
ماتخافيش عليا 
انصرف بعدما منحها قبلة مقتضبة على جبينها لتظل ماكثة في موضعها والخۏف يتسلل إليها من تخيل حدوث الصدام بينهما إن أبدى زوجها تحيزه لموقفها المعارض للذهاب هكذا ظنت بحماقة! السلطة والنفوذ كان غريبا ومريبا جلس ممدوح مواجها لرفيقه في بيته شبه الخالي 
هز مهاب رأسه إيجابا فتابع الأول مستنكرا وبشيء من الشماتة كذلك
ده إنت كنت فرخة بكشك عنده إزاي يسلم الإدارة ل سامي
بعد زفرة سريعة أخبره
مش فارق معايا أنا محتاج أظبط حاجات تانية أهم 
هو في أهم من الثروة والفلوس والعز والجاه!
رمقه بهذه النظرة المحذرة قبل أن يرد
بلاش تتدخل في اللي ملكش فيه 
اكتفى ممدوح بتحريك رأسه بإيماءة صغيرة ومع ذلك ظل داخله يردد بسخط ناقم وكأنه يحسده فيما لم يملك منذ نعومة أظافره
خلاص جهزت نفسك
أجابه وهو يمرر يده أعلى رأسه
فاضل كام حاجة كده هظبطها وبعدين نحصلك أنا والمدام 
أشار له مهاب بيده هاتفا في لهجة جادة تحمل في طياتها الإنذار
وأوس قبلكم فاهمني!
مرة ثانية حذره مهاب مشيرا بإصبعه
ويا ريت تبطل تضايقه لأن زعلي وحش 
تنحنح مبررا بالكذب
هو بيتعب أمه فبتضطر تطلب مساعدتي عشان تعرف تسيطر عليه 
لم يقتنع بزيف ادعائه وأمره بتسلط متكبر
سيبه يعمل
اللي عاوزه محدش ليه كلمة عليه وهي بالنسباله مجرد خدامة وبس!
وقتها بدا تعبير وجه ممدوح غير مقروء فاتر فقط ابتسامته اللزجة ذبلت قليلا خاصة عندما واصل إملاء أوامره عليه
ويا ريت تحاول تخلص منها في أقرب وقت 
عاد ليبتسم بقوة وهو يؤكد له بمكر الثعالب
هيحصل ما إنت عارفني بحب التجديد زيك!
بعد مرور شهر اضطر للعودة للعاصمة المصرية عندما علم بتدهور حالة والده الصحية لم يكن ليتركه وحيدا في أيامه الأخيرة ظل ملازما له وساعيا بكل ما يستطيع لمداواته لكن فارقت الروح الجسد وانتقلت للرفيق الأعلى ليقوم مع شقيقه بتشييع جثمانه في جنازة مهيبة تليق به كرجل أعمال معروف في الأوساط المجتمعية ثم تواجد كلاهما في دار المناسبات المرموقة بعد يومين حيث أقيمت مراسم تلقي العزاء فيه جلس الاثنان متجاورين فبادر سامي بالحديث في نبرة غبطة شبه سعيدة وكأنه عاجز عن إخفاء سروره لتهميش دور شقيقه المفضل لدى أبيه
مش عاوزك تزعل يا مهاب إن الباشا اختارني أمسك كل حاجة رغم إنك المفضل عنده 
لم ينظر ناحيته وتركه يكمل وصلة إغاظته بترديده الفارغ
بس ده الصح هو بيثق فيا وأكيد شاف فيا حاجة مش موجودة فيك 
شعر بيده تربت على فخذه فرفع بصره إليه ليجده يقول بعينين ضاحكتين وكأن في مۏت والديهما سعادة لا توصف له
اطمن لو احتاجت حاجة أنا جمبك 
مط فمه ثم أوجز قائلا
أكيد 
انتصب سامي في جلسته على مقعد العزاء واستطرد في لهجة المتحكم وكأن ما ظفر به بعد مماته هو التعويض الملائم الذي يستحقه بعد إقصائه لسنوات
أرباحك السنوية هحطهالك في حسابك ده غير مبلغ شهري محترم هيوصلك أول كل شهر 
كان من السخيف التطرق لهذه الأمور في مثل هذا الظرف لهذا لم يدع مهاب الأمر يمر واستعتبه بضيق
بيتهيألي الكلام ده مش وقته احنا
في عزا الباشا وده مش أي حد الناس كلها جاية عشان عارفة قيمته كويس فيا ريت نحترم ده 
تلونت بشرته بحمرة طفيفة جراء إحراجه الصريح له وقال حفظا لماء وجهه المراق
أه طبعا بس عشان الأمور تبقى واضحة من الأول بينا 
التزم الصمت بعدها ورغم ذلك لم يستطع التغطية على ابتهاجه الملحوظ للجميع 
لا شك أن الخروج في هذا النهار الحار كان غير موفق بالمرة خاصة مع اقتراب الوقت من الظهيرة وعدم وجود ما يحجب أشعة الشمس القاسېة تجولت فردوس مع جارتها في منطقتهما الشعبية وهما تحملان من الأكياس ما يكفي لسد احتياجاتهما لأسبوع أو أكثر توقفت كلتاهما عند إحدى البائعات مالت إجلال على رفيقتها لتهمس لها بشيء في أذنها ثم ابتعدتا عنها وهما غير راضيتان عن بضاعتها الذابلة مصمصت فردوس وأردفت قائلة في تبرم
ما كنا جربنا نجيب حاجتنا من السوق التاني أسعاره أرخص والخضار فيه طازة 
تذمرت رفيقتها على اقتراحها هاتفة
بس مشوار يهد الحيل يا دوسة وأنا مش قادرة ألف 
ردت عليها بتأفف
ما هو البياعين مطلعين عينا 
ضحكت لوهلة وعلقت
هو إنتي يعني بتسكتيلهم ده إنتي أستاذة في الفصال!
ابتسمت لما اعتبرته مدحا وتابعت مشيها معها إلى أن شعرت برأسها يدور توقفت فجأة
مالك يا فردوس إنتي بخير
أخبرتها في صوت أظهر إجهادا غريبا
مش عارفة زي ما يكون دايخة كده والأرض عمالة تلف بيا 
في التو جمعت ما تحمله كلتيهما في يد وحاولت إسنادها من ذراعها بيدها الأخرى لتحول دون وقوعها وطلبت منها في تعجل
طب تعالي هنا عند البقال ترتاحي شوية 
كانتا قريبتان من المحل فسارتا بضعة خطوات
ناحيته وصوت إجلال ينادي
بتخوف
كرسي أوام الله يكرمك يا عم زهير!
نهض ذلك الكهل من على مقعده فور أن وجدهما يقتربان منه وسحبه تجاههما مرددا دون تأخير
اتفضلي يا ست البنات 
عاونت إجلال رفيقتها على الجلوس ثم تركت الأكياس جانبا وراحت تجفف بطرف حجابها
شعرت فردوس وكأن رأسها يصبح أكثر ثقلا وجسدها أكثر تراخيا بدا من الصعب عليها التنفس بسهولة فحاولت حل طرفي حجابها لتسحب أنفاسا عميقة إلى رئتيها كانت قادرة على تمييز صوت زهير وهو يخاطب رفيقتها
ما الجو بصراحة النهاردة مش طبيعي 
ثم سمعته يكلمها بودية
ألف سلامة يا ست فردوس نجيبلك عصير ولا حاجة باردة تروقي بيها دمك
ردت عليه معتذرة وهي ترفع يدها ببطء لتشير له
مالوش لازمة دلوقتي هبقى كويسة 
تساءلت إجلال في جزع
إيه اللي جرالك بس ياختي ده إنتي كنتي كويسة وزي الفل 
بصوت واهن أجابت
مش عارفة بس آ 
يا نصيبتي فردوس ردي عليا!
ضړب زهير كفا بالآخر واقترح في الحال
أنا هجيبلها كولونيا من عندي تفوقها
سارع في خطاه عائدا لداخل بقالته لكن إجلال طلبت منه في صوت مرتاع وهي لا تزال تحاول إعادة رفيقتها لوعيها
الله يكرمك يا عم زهير شوفلنا كده سي عوض إن كان موجود في الجامع اللي على الناصية ولا لأ 
رد عليها بصوته المرتفع
على طول أهوو 
ناولها زجاجة العطر ثم انطلق باحثا عن زوجها في المسجد القريب على أمل إيجاده لإطلاعه على ما أصاب زوجته فجأة 
بمعاونة بعض أهل المنطقة قام بنقلها إلى المستوصف الطبي المتواضع خاصة حينما عجزوا عن إفاقتها ظل عوض منكفئا برأسه على المقعد المعدني المتأرجح يدعو الله في نفسه بتضرع ألا يصيبها مكروه كان مهموما وواجما فإن امتلك من المال ما يكفيه لأرسالها إلى مشفى آخر لديه من الإمكانيات الطبية ما يسعفها لم تتركه إجلال بمفرده وعادت إليه لاحقا بعدما وضعت أكياس الطعام في بيتها جلست مقابلته واستطردت تكلمه
ربنا يطمنا عليها 
هز رأسه معلقا دون أن ينظر تجاهها
إن شاءالله خير ويطلع الموضوع بسيط 
تذكر عزوفها عن تناول الطعام مؤخرا فندم على عدم اكتراثه بهذه المسألة وقال في ضيق
هي بردك لازم تاخد بالها من صحتها بقالها كذا يوم مابتكلش كويس 
عاتبته إجلال باستنكار جلي
وإنت ساكت يا سي عوض 
أخبرها بشيء من التبرم
ما إنتي عارفة هي بأحوال وأنا مابرضاش أغصب عليها في حاجة 
ظلت على لومها فاستطردت
أهوو جت على دماغها في الآخر 
توقف كلاهما عن النقاش عندما جاءت إحدى الطبيبات من الداخل وهي توجه سؤالها إليهما
إنتو اللي جايين مع المړيضة اللي جوا
في التو انتفض عوض واقفا وسألها بلوعة وعيناه تتحركان في توتر
أيوه يا ست الدكتورة خير هي كويسة
نهضت إجلال هي الأخرى واستطردت تقول من تلقاء نفسها
أنا قولتلها بلاش
نلف كتير في السوق بس هي صممت 
وزعت الطبيبة نظراتها بينهما وقالت بابتسامة لطيفة
اطمنوا هي بقت أحسن 
تنفس عوض الصعداء وشعر بالارتياح لكونها بخير لكن يبدو أن ذلك الشعور كان لحظيا حيث حل محله الارتياب التام عندما حذرتهما الطبيبة
بس لازما يبقى في راحة تامة الفترة الجاية 
تساءلت إجلال من فورها باستغراب
ليه
بوجه بشوش ونظرات متحمسة جاء رد الطبيبة بسيطا ومباشرا لكنه احتوى في طياته على أسمى معاني التعويض والإرضاء
عشان المدام حامل !!!
يتبع الفصل الثامن والعشرون
الفصل الثامن والعشرون
الغدر الموجع
وكأنها أميرة مدللة كل ما يأتي في بالها يجاب قبل أن تنطق به علنا نعمت فردوس منذ أن علمت بخبر حملها بسبل الراحة والاسترخاء حيث منعها زوجها من ممارسة أي أعمال منزلية شاقة قد تؤدي لإيذاء الوديعة الغالية التي أودعت في رحمها وضعت الوسادة خلف ظهرها وهي راقدة على فراشها عندما رأت عوض مقبلا عليها حاملا بيده صينية مملوءة بكل ما لذ وطاب من الطعام ابتسمت في رضا وقالت ممازحة
إنت مكبر الحكاية يا سي عوض 
لم يبد مهتما باحتجاجها الخجل من قيامه بتدليلها وأسند الصينية على طرف الفراش ليمسك بثمرة الليمون ويعصر قدرا منها على حسائها الساخن مدت يدها لتعترض على ما يفعل وهي تخبره
مافيش داعي تتعب نفسك 
رفع بصرها إليه وعلق عليها بمحبة صادقة
هو أنا بتعب لمين غير الغاليين
أعطاها الصحن الساخن لتتناول ما فيه ودعا لها في تضرع
ربنا يكملك على خير وتقومي بالسلامة 
بادلته نظرة استحسان
كبيرة ثم ارتشفت القليل بالمعلقة قبل أن تسأله في شيء من التردد
نفسك ربنا يرزقك بإيه
لم يضع الوقت في التفكير وقال في حبور مبتهج
كله خير من عند الله كفاية إن ربنا إدانا هدية عظيمة من عنده 
هزت رأسها معقبة
ونعم بالله 
عم السكوت بينهما إلا من صوت ارتطام المعلقة بالصحن ليضيف عوض بعدئذ بصوت شبه جاد
بقولك أنا هسافر لأمي أعرفها يمكن تفرح بالخبر 
وافقت على طلبه دون معارضة وأوصته باسمة
وماله بس ماتطولش في غيبتك 
تبسم مثلها وهتف مشيرا بيده
مسافة السكة 
في وضح النهار وتحديدا في الفناء الفسيح الملحق ببيته الجديد وقف كلاهما ينظران بتدقيق إلى مجموعة من العلب الفارغة المتراصة على طاولة قديمة والمتواجدة على مسافة عدة أمتار من موضع وقوفهما تأكد مهاب من ضبط وضعية إمساك وحيده بالسلاح الڼاري وراح يوصيه بتشدد رغم لين نبرته
عايزك تنشن صح إيدك ماتتهزش 
استجاب صغيرة بهدوء تام لما يمليه عليه وأصغى إليه بإنصات وهو لا يزال يخبره
ركز عينك وحدد هدفك إيدك تبقى ثابتة كده وماتدوسش إلا لما تبقى
واثق إنك هتعرف تصيب الهدف 
أخذ أوس كل الوقت الذي يلزمه للاستعداد جيدا قبل أن يضغط على الزناد لينطلق بعدها العيار الڼاري مصيبا حافة الطاولة بدلا من العلب ظهر الإحباط عليه ومع ذلك خاطبه والده في هدوء كأنما يستحسن أدائه الأولي 
مش بطال 
لم يكن الصغير راضيا عن محاولته الفاشلة ونظر إلى أبيه بعينين حادتين ليعلق عليه الأخير بشيء من التشجيع
مرة فمرة هتتعلم 
تركه يعيد المحاولة وكان وشيكا من تحقيق هدفه فامتدح تطور مهاراته وظل يدعمه
برافو عاوزك تبقى بطل 
انشغل الاثنان بالتدريب على الرماية لوقت غير محدد إلى أن جاءت تهاني من الخارج لاصطحاب صغيرها حينما تفقدت ما يفعلان انخلع قلبها وحل الذعر بها ومع ذلك لم تحتج إلا حينما طلبت من طفلها الانصراف لتبديل ثيابه آنئذ راحت تلوم مهاب في ضيق منزعج يشوبه كذلك الخۏف لما اعتبرته من وجهة نظرها تهورا
إنت شايف يا مهاب إن دي لعبة مناسبة تعلمها ل أوس
حدجها بنظرة مهينة قبل أن يعاود ملء خزانة سلاحھ الڼاري بالطلقات وهو يخاطبها في لهجة صارمة
ما يخصكيش 
لن تنكر أن داخلها اړتعب من رؤيته هكذا وحاولت إشعاره بفداحة ما يقوم به بأسلوب آخر شبه معترض لكنه حذر
المفروض تشجعه يمارس رياضة مفيدة لجسمه وصحته
نظرا لها شزرا قبل أن يصوب فوهته تجاهها هاتفا في نبرة مھددة لا تخلو التجريح
إنتي دورك في حياة ابني معروف فبلاش تجيبي لنفسك الإهانة!
ارتعشت أطرافها وتراجعت عنه متوهمة أنه على وشك إفراغ ما في الخزانة بها لتصطدم بظهرها في صدر زوجها الذي تلقفها بذراعيها مانعا إياها من الانكفاء حينها شعرت تهاني بقليل من الأمان يغمرها واحتمت خلفه بينما وزع ممدوح نظراته المتعجبة بينهما ليتساءل بعدها في نبرة عادية
اتأخرت عليكم ولا إيه
أشاح مهاب ببصره بعيدا عن كليهما وقال بترفع
جاي في ميعادك مظبوط 
ثم راح يطلق في تتابع متزامن الطلقات الڼارية واحدة تلو الأخرى على العلب الفارغة ليصيبها جميعا وهو يكمل بشيء من التحذير الصارم
ويا ريت تعلم مراتك تلزم حدودها بدل ما أعلمها أنا بطريقتي وأظن إنها مش هتعجبها 
اشټعل وجهها ڠضبا من تحقيره المتعمد والمشوب أيضا بټهديد سافر فنظرت إلى زوجها بعينين حانقتين فما كان منه إلا أن طلب منها برجاء وهو يسدد لها هذه النظرة المصحوبة بإشارة من يده
تهاني خلاص من فضلك 
بالكاد تماسكت وأطبقت على مانعة نفسها من التفوه بأي حماقة احتراما لتواجده ولتشعر كذلك طليقها السابق أن زوجها الحالي يشكل مكانة عزيزة في قلبها ارتفع حاجباها للأعلى في استهجان عندما أمرها ممدوح بصوته الهادئ
اسبقيني على العربية 
استنكرت ما يريده وقبل أن تفكر بإبداء اعتراضها منحها نظرة راجية من عينيه لتلتزم الصمت مجبرة حينما شرعت في الابتعاد عنهما أتى من خلفها صوت مهاب وهو يعلمها بلهجة صاحب القرار
أوس هيبات عندي النهاردة 
كظمت حنقها بصعوبة وعلقت بنبرة متشنجة دون أن تنظر تجاهه
براحتك 
ارتسمت على زاوية فمه ابتسامة صغيرة ما لبث أن تلاشت عندما أخبره ممدوح بخبث بمجرد اختفاء زوجته من محيط المكان
مبروك الشراكة الجديدة أنا عرفت من مصادري الخاصة بس الصراحة مافيش حاجة بتستخبى في البلد دي 
مرة ثانية ملأ مهاب خزانة سلاحھ بالطلقات وقال في عدم اكتراث
على كل حال إنت كنت هتعرف الموضوع مش سر 
ثم ناول رفيقه السلاح ليستخدمه في الرماية بعدما قام برص علب جديدة وهو لا يزال يكلمه في هدوء
هننتهي من الإجراءات الرسمية وهعلن عن ميعاد الافتتاح الرسمي للمستشفى 
فرد ممدوح ذراعه وحاول التصويب متسائلا ببسمته الماكرة
زي الفل وأنا معاك فيها طبعا
أجابه بإيماءة موافقة من رأسه فاستمر ممدوح يقول بنوع من الإلحاح
مسكني منصب كويس عيب يبقى صاحبي صاحب أكبر المستشفيات هنا وأنا أبقى حتت موظف صغير 
أشار
له ليبدأ بالتصويب وهو يخبره
ماتقلقش 
فشل ممدوح في الإطاحة بأي واحدة من العلب فالتصقت بسمة ساخرة بثغر رفيقه الذي استعاد منه سلاحھ ليصوب الفوهة تجاه أول علبة أسقطها بطلقة واحدة وفعل المثل مع البقية ليشعر الأول بالحنق من انتصاره عليه تحولت أنظارهما تجاه الخادمة الأجنبية عندما جاءت لتقول في لهجتها الرسمية الجادة
سيدي لقد جاءت ضيفتك هل أحضرها هنا
في التو أجابها بصوته الصارم
لا اجعليها تنتظر في غرفة مكتبي 
اعترى الفضول نفس ممدوح وتساءل بتطفل وقح
مين دي يا بوب صيدة جديدة
تجاهل الرد عليه وخاطبه في تهكم بعدما رمقه بهذه النظرة الحادة
روح لمراتك لأحسن تقلق إنك اتأخرت عليها!
استفزته طريقته وهمهم باسما فقط حفظا لماء وجهه المراق
هي الحكاية بقت كده ماشي يا صاحبي 
لوح مهاب بعدها بيده كأنما يودعه فغادر في عجالة محدثا نفسه بعزم
بيتهيألي جه الوقت اللي أخلص فيه من تهاني 
بحماس متقد وعلى وجه السرعة استقل وسائل المواصلات العامة المختلفة ليصل إلى بلدة والدته من أجل زيارتها ونقل النبأ السار إليها وضع عوض مسألة القطيعة والخلافات جانبا وأصر هذه المرة على عدم تقبل رفضها للقائه فإذ ربما يرق قلبها وتلين مشاعرها المتحجرة حينما تعلم بأمر الحفيد المنتظر انتظر كعادته عند بابها المغلق طرقه عدة مرات وهو يناديها راجيا من الخارج
يامه! عاوزك في حاجة مهمة ومش همشي
قبل ما تعرفيها 
أتى ردها متحفزا ضده مثل العادة
قولتلك غور من هنا وانسى إن ليك أم 
أصر عليها بتصميم معاند لرغبتها
والله المرادي أنا جاي في حاجة مهمة هتفرحك اسمعيني بس الأول 
هتفت عاليا في سخط
وأنا من إمتى بفرح واللي بتعمله مزعلني وقاهر قلبي
لم يجد بدا من إخبارها هكذا من موضع وقوفه رغم تمنيه لرؤية تعابير وجهها وهو يلقي بالخبر على مسامعها
يامه ربنا هيعوضنا خير وهيرزقنا بعيل 
حينها فقط سمع وقع خطوات قدمي والدته وهما تتحركان لتدنو من الباب أتاه أيضاصوتها المتسائل في ذهول قبل أن تفتحه
بتقول إيه
انتشى داخله لتخليها عن عنادها المحطم لنفسيته وتحمس للغاية للالتقاء بها فتحت الباب فانتفض قلبه ورفرف بين ضلوعه تأمل وجهها العابس بنظرات فرحة وفي غاية السعادة فما أجمل الظفر بلمحة من الأحب والأغلى إلى الفؤاد سألته أمه في تحفز غريب
إنت بتتكلم جد
أيوه يامه ربنا كرمه واسع وفردوس حامل 
أشارت له بيده الأخرى ليتبعها وهي تأمره
تعالى جوا 
سار خلفها مسرورا ليستطرد في نشوة عارمة
كنت عارف إن قلبك هيحن لما تعرفي عمر إحساسي ما خيب أبدا 
جلس على المصطبة الخشبية مجاورا لها شملها بنظرات متشوقة لمثل هذا القرب الدافئ وسألها في حماس ممزوج بالبهجة
فرحانة يامه
لم تعطه أي رد ومع ذلك ارتضى بالقليل الذي منحته له تابع الحديث في استرسال
إن شاءالله اللي جاي هيكون في غلاوة بدري ويعوضنا عن فراقه 
ظلت تنظر إليه في صمت فاستمر يضيف بقدر من الرجاء الشديد
أنا مش عاوزك تفضلي زعلانة مني يامه ومقطعاني إنتي بركة حياتي 
طالعته بنظرة غامضة لتقول بعدها في هدوء مريب 
ماشي يا عوض 
لم يشك للحظة واحدة في نواياها السيئة تجاه زوجته بل على العكس كان في قمة الرضا معتقدا بتبدد ما كان قائما بينهما من خلافات وخصام 
منذ أن عاد من الخارج وهو في حالة غير الحالة التي كان عليها صباح اليوم ظل ممدوح واجما متصلبا يتصيد الأخطاء لها وكأنه يمهد السبيل للتخلي عنها أحست تهاني بنفسها تهوي من أعالي السماء لتنسحق وهي تلامس الأرض القاسېة عندما عنفها بتأنيب على ما حدث
إنتي قاصدة تقللي مني قصاده
نظرت إليه بذهول مرتاع لا تعرف ما الذي أصابه لتتبدل أحواله لهذا الشكل المخيف انقبض صدرها بقوة وهو يسألها في نبرة مليئة بالاتهام
لسه بتفكري فيه بعد كل اللي حصل!!!
ظلت عيناها مندهشة لا تقوى على الرمش وهو يخاطبها بحدة
ما أنا الاستبن اللي مركون على الرف 
نفت اتهاماته المزعومة بتأكيدها المذعور
أبدا والله بس إنت بنفسك شايف بيعلم أوس إيه!
استخف بما قالت ولوى ثغره معلقا في نفور
كل حاجة أوس هي دي الحجة المناسبة عشان تفضلي جمبه وأنا زي المغفل مصدقك 
هتفت من فورها نافية شكوكه المرعبة لها
اقسم بالله أنا مابطقوش إزاي تظن كده
أحست بعاصفة من الخۏف تجتاحها وهو يخبرها بلهجة غريبة
لم ترحها مطلقا
تهاني الوضع ده مابقاش عاجبني أنا مش حاسس إني مستقل بحياتي دايما مهاب محشور فيها 
هربت الډماء من وجهها وراحت أطرافها ترتجف بقوة عندما أضاف عن عمد قاصدا إفساد علاقتهما
وطبعا عشان خاطر ابنك إنتي مضطرية تقدمي تنازلات ومش مهم جوزك 
لحظتها أحست تهاني أن حياتها على وشك الاڼهيار وأنها باتت قاب قوسين أو أدنى من التخريب لهذا هتفت بوجل وهي تتعلق بذراعيه
لأ متقولش كده يا ممدوح! أنا استحالة أتصرف بالشكل ده معاك إنت حبيبي أنا عرفت طعم الحب واتعلمته على إيديك 
أبعد قبضتيها عنه ليقول بجمود أرعبها تماما
بيتهيألي احنا محتاجين نبعد فترة عن بعض لحد ما نشوف هنقرر إيه 
لحظتها شعرت وكأن قلبها ينسحق بين الرحايا فصړخت في توسل
لأ يا ممدوح ماتعملش فيا كده 
تركها ومضى وهو يعلم تمام العلم أن قربه منها صار عصيا عليها وما هي إلا بضعة صدامات أخرى قاسمة ليقضي على ارتباطهما كليا ومن جذوره!
أشرق وجهه وسر داخله وهو يحمل في يده بعناية واضحة ملفوف طيب المذاق أعدته والدته خصيصا لأجل زوجته في وعاء مستقل كنوع من المبادرة للتصالح بينهما لم ينس طوال الطريق توصياتها بتناوله كاملا وإلا لڠضبت منه لعصيانه أمرها خاصة أنها هديتها الغالية إليها وبذلت فيها الطاقة والجهد لإسعادها لهذا وعدها بتحقيق مطلبها دون أن يشك أبدا في نواياها عاد إلى البيت فاستقبلته زوجته باهتمام يخالطه الفضول فقد رغبت في معرفة تبعات هذه الزيارة وكانت المفاجأة بترحيب أمه لعودة العلاقات الودية
ونسيان أحزان الماضي وما زاد من اندهاشها هو تجهيزها بنفسها لهذا الطعام المرهق في تحضيره اشتمت رائحته الشهية وعلقت مبتسمة
مكانش ليه لازمة تتعب نفسها!
أكد لها بحسن نية
أمي لما بتحب حد بتعمله محشي ومحلفاني تاكلي منه أول واحدة بس أنا مقدرش مادوقش معاكي 
هزت رأسها موافقة وقالت
خلاص هرص الأطباق وناكله سوا
رد عليها وهو يشير بيده نحو الحمام
عقبال ما أكون غسلت إيدي وشي من الطريق 
خاطبته من موضعها وهي تقرب الوعاء من أنفها لتستنشق مجددا رائحته الشهية
أنا حطالك فوطة نضيفة 
أثنى على اهتمامها به قائلا
كتر خيرك 
بغير عجالة أحضرت الأطباق والمعالق ووزعتها بينهما ثم راحت تفرغ قدرا من الملفوف في صحنيهما بعدما رصت الطعام الذي أعدته سابقا ليكون بجانب هدية حماتها استطردت تهاني محدثة نفسها بتحير
مش بعوايدها تعاملني كده!
تنهدت مليا وتابعت
سبحانه مغير القلوب 
أمسكت فردوس بأول قطعة من الملفوف تذوقتها على مهل ثم تكلمت وفمها مملوء بالبقايا
الله! طعمه جميل!
ابتلعتها كاملة وراحت تحادث نفسها مبتسمة قليلا
هي من زمان نفسها حلو في الأكل 
رغما عنها تنشطت ذاكرتها بمشاهد قديمة جمعتها مع بكري وهي تسعى آنذاك لفعل كل شيء لنيل استحسان أمه لتظهر في عينيها بمظهر الزوجة المطيعة الدؤوبة والحريصة على ما يسعد زوجها ويرضيه وفي الأخير كان جزائها
الإقصاء والمهانة والتحقير نفضت ما يؤلمها من ذكريات وشددت على نفسها
مالوش لازمة نحكي في الماضي اللي راح راح خلاص!
أحست بتأنيب الضمير لاستحضارها مثل هذه الأحداث المؤسفة في عقلها وأخبرت نفسها
انسي يا فردوس عشان تعرفي تعيشي!
مرة ثانية تناول قطعة أخرى والتهمتها بنهم لينضم إليها زوجها لاحقا مستطردا بالكلام وهو يشمر كميه متهيئا لتناول وجبته بشهية
إنتي كلته على طول طب استنيني!
ضحكت في مرح وأخبرته وهي تضع في جوفها قطعة ثالثة
بصراحة مقدرتش أصل ريحته تفتح النفس!
شاركها الضحك وعلق
إنتي هتقوليلي ده احنا زمان كنا پنتخانق على مين ياخد أكتر 
توقفت فردوس فجأة عن مضغ ما في جوفها عندما شعرت بهذه الوخزة المباغتة والحادة ټضرب معدتها تجاهلتها في البداية وابتلعت البقايا لتشعر بعد لحظة بوخزة أخرى أقوى في حدتها تأوهت بصوت خفيض وعبس كامل وجهها وامتقع سألها عوض مستغربا ما أصابها
مالك في إيه
وضعت يدها على بطنها وأجابته بملامح مكفهرة
في نغصة كده في جانبي!
عاتبها في صوت هادئ متوهما أن ما أصابها من إعياء جراء إرهاق نفسها بأعباء المنزل
مش أنا موصيكي ماتعمليش حاجة
أوضحت له بصوت متقطع
والله أنا طول اليوم نايمة بس آ 
عجزت عن إتمام جملتها لشعورها بدفعة متدفقة من الوخزات الممېتة انفلتت منها شهقة عالية أفزعته
آآآآآه 
في التو انتفض زوجها ووقف بجوارها متسائلا في توجس مرتاع
مالك يا فردوس
انحنت للأمام واضعة قبضتيها على بطنها صړخت مجددا وهي تشكو إليه عظم الألم الذي يجتاحها 
بطني بتتقطع مش قادرة 
انتابه المزيد من الخۏف وهو يتلفت حوله متسائلا بتخبط
يا ساتر يا رب طب قوليلي أعمل إيه
عجزت عن الوقوف كليا فاڼهارت جاثية على ركبتيها وهي تستغيث به في أنفاس مضطربة وقد راح جسدها يرتعش ويتصبب عرقا باردا
الحقني ھموت !!!!
يتبع الفصل التاسع والعشرون
الفصل التاسع والعشرون
كتب عليها الفراق
أزاحت برقة طرف الستارة البيضاء المنسدلة على زجاج الشرفة لتتأمل الحديقة المورقة أمامها لفت أنظارها ذلك الصغير الذي كان يركض بتعجل في الأنحاء وعلى وجهه تكشيرة عظيمة تعلقت عيناها به إلى أن اختفى عن مدى بصرها أصاب بدنها نفضة صغيرة عندما سمعت صوتا مألوفا يأتي من خلفها ليخاطبها بترحيب حار
شرفتي بيتي المتواضع يا ناريمان هانم ولو إني زعلان إن شوقي بيه مجاش بنفسه 
استدارت لتنظر إليه وخاطبته في لطافة مماثلة لها
كلك ذوق هو بابي مشغول وإلا مكانش بعتني!
ابتسم في تهذيب وعلق بتغزل عفيف وهو يدنو من موضع وقوفها
ده عشان حظي الحلو 
تجاوزت عن تلميحه المتواري معتبرة إياه مجرد إطراء تقليدي وسألته في قدر من الاهتمام بعدما تحركت مبتعدة لتجلس على الأريكة الجلدية
إنت ناوي تستقر هنا خلاص
لم يعطها ردا قاطعا حينما أجابها وهو يجلس مجاورا لها
على حسب الوضع والظروف 
استرعى ذلك فضولها فانتقلت لسؤالها التالي
وأملاك العيلة
جاء رده بسيطا ومباشرا
سامي هيتولى المسئولية وأنا واثق إنه هينجح 
مطت فمها للحظة ثم أخبرته بهدوء وهذه النظرة المتشككة تطل من عينيها
مع إن في كلام تاني كنت سمعاه بيقول العكس 
تغاضى عن التورية الخفية في كلامها عن وجود خلافات سابقة بين الشقيقين ورد بدبلوماسية جيدة
الناس مابتبطلش كلام المهم الأفعال في النهاية 
أعجبها رده الاحترافي ووافقته قائلة
معاك حق 
في نعومة ظاهرة على تصرفاتها فراح مهاب يميل ناحيتها بعدما أخرج ولاعته من سترته ليشعلها لها أخذت ناريمان نفسا سريعا وحررته مثلما استنشقته لتسأله
صحيح ده ابنك اللي شوفته في الجنينة
لاحت ابتسامة لبقة على محياه وهو يرد
أيوه أوس 
رفعت حاجبها للأعلى وتابعت
فيه شبه منك 
صحح لها بتفاخر
هو واخد أكتر من الباشا فؤاد الله يرحمه 
المصنوعة من الكريستال تساءل بعدها مهاب في نبرة مهتمة
تحبي تشربي إيه عقبال ما الغدا يجهز
أعادت وضع علبة السچائر بداخل حقيبتها ثم نهضت من موضعها هاتفة في اعتذار منمق
ميرسي مش عاوزة أنا
عاملة ريجيم 
بعبوس زائف ردد وهو ينهض بدوره
معقولة تبقي عندي وترفضي أقوم معاكي بالواجب كده هزعل بجد!
مدت يدها لمصافحته تمهيدا لانصرافها وهي تقول
مرة تانية عن إذنك 
لم يترك يدها بل رفع أصابعها الناعمة والمضمومة معا إلى فمه ليطبع قبلة صغيرة عليهم واستأذن منها 
اسمحيلي أوصلك 
الرقي الذي كان عليه معها أشعرها باهتماما كبيرا نحوها وتقديرا غير عادي لشخصها رغم كونه يملك أضعاف ما تستحوذ عليه عائلتها ومع ذلك عاملته بأسلوبها المتعالي وخاطبته في رسمية
السواق منتظرني برا 
استعادت يدها وسارت نحو الخارج وهو إلى جوارها يسير على خطاها المتمهلة نظر إليها متسائلا
هتفضلي هنا
أجابته بعد زفير خاطف
لأ هرجع الفندق وبعدين على المطار 
في تلك الأثناء كان الصغير يتجول بالبهو المتسع فناداه والده بصوت مرتفع
أوس! تعالى!
الټفت الصغير إليه واتجه ناحيته مركزا كامل نظراته الحادة على الضيفة الغريبة أشار إليه أبيه ليرحب بها وهو يأمره
سلم على ناريمان هانم 
استجاب لأمره وصافحها فداعبت بيدها الأخرى الطليقة خصلات شعره وسألته في لطافة
هاي إزيك
اكتفى بالإيماء برأسه وانصرف في هدوء دون أن ينطق بشيء فاندهشت
لطريقته المتجافية معها على عكس بقية الأطفال الفضوليين ممن يتسببون في إزعاج من حولهم بضجيجهم غير المنقطع واستحثها ذلك على سؤال مهاب
على كده مين بيهتم بيه
ادعى استغراقه في التفكير ليجيبها بتريث
طول ما أنا موجود باخد بالي منه لكن لو مسافر بيكون مع مامته والمربية يعني بحاول محسسوش إن انفصالنا أثر عليه 
سألته في تسرع ندمت عليه لاحقا
وإنت انفصلت ليه
تلك اللمحة من التطفل استغلها ببراعة ليحيك شباكه من جديد فأخبرها بوجه مال للحزن وبتعبير مؤثر
مامته اللي كانت عاوزة ده!
حلت بها دهشة
أكبر وانعكس ذلك على نظراتها إليه عندما تابع في صوت به رنة شجن
وأنا مقدرش أفرض نفسي على حد مش حابب أكون في حياته 
لم تعرف بماذا تعلق فمارس أكثر ما يجيده وهو اللعب على الأحاسيس المرهفة استنشق الهواء بعمق ليدعي خنقه لنوبة بكاء تداعب صدره وأبدى اعتذاره الحرج
أسف ضايقتك من غير ما أقصد 
قالت في تفهم
لأ عادي يدوب ألحق أمشي 
أكمل سيره معها للخارج حتى بلغ سيارتها عندئذ ودعها بنفس الحرارة
التي استقبلها بها
هنتظر زيارة تانية تكون أطول 
ردت باسمة في رقة
أكيد 
لوح بيده لها بعدما انصرفت بسيارتها ليدندن بصافرة مغترة وقد استشعر نجاح أول خطوة في الإيقاع بفريسة جديدة تستحق المثابرة والقتال لأجلها!
أكاذيب ومراوغات وألاعيب وخدع مقنعة كانت وسائل المعيشة والحياة مع كليهما وكأنهم كالماء والهواء لا يستطيع أيا منهما العيش بدون اللجوء إلى واحدة من هؤلاء كان أوس موجودا بالمصادفة عندما استرق السمع إلى أبيه وهو يدعي بالكذب على والدته بأنها المتسببة في الانفصال وأنه لم يعاملها يوما
 

تم نسخ الرابط