رحلة الاثام منال سلامة

لمحة نيوز


وهو يسترخي في مقعده الوثير
أنا سامعك 
عدل مهاب من وضعية جلوسه وأصبح أكثر انتصابا بظهره وهو يستفيض شارحا
أنا معروف عني برا إني دكتور ناجح من عيلة كبيرة ليها سمعة زي البرلنت مش أي حد يقدر يناسبهم فطبيعي أكون محط أنظار بنات كتير وخصوصا لو كانوا بنات الأمراء وأصحاب السلطة 
حانت منه نظرة جانبية نحو شقيقه الحانق قبل أن يعود للتحديق في وجه والده متابعا بنبرة مؤكدة
وأظن دول مش أي حد أنا بس بدور على واحدة فيهم تقدر تدي لعيلتنا مش تاخد مننا 
فاعذرني يا فؤاد باشا لو كنت مأخر الجواز ده 
منحه والده نظرة غامضة ومع ذلك استمر يقول بنفس اللهجة الثابتة والواثقة
أنا راجل عملي وببص لقدام 
ظن سامي أن والده سيثور عليه سيؤنبه وربما يهدده بحرمانه من مزايا الانتساب لعائلة الجندي جراء معارضته للأمر لكنه صعق كليا عندما عنفه محولا الدفة ضده ليصبح في موضع تقصير
شايف دماغ أخوك يا ريت تتعلم منه 
عندئذ نهض مهاب واقفا ألقى ببسمة متشفية ناحية شقيقة ليعاود التطلع إلى أبيه متسائلا
تؤمر بحاجة تانية يا باشا
أجابه بالنفي المشروط
لأ بس مستنيك على العشا 
هز رأسه في طاعة وهو يخبره
طبعا ليا لي الشرف 
مرة ثانية سلط نظره على شقيقه ليرمقه بهذه النظرة الشامتة ثم ودعه
سلام يا سامي!
ليك يوم يا مهاب!!!
يتبع الجزء الثاني من الفصل الثامن
الفصل الثامن الجزء الثاني
اللعبة الوضيعة
هدأت خواطرها المزعوجة إلى حد كبير بمرور عدة أيام فكان إنهاك نفسها ما بين الدراسة والتدريب كفيلا بإعطاء عقلها هدنة مؤقتة لعدم التفكير فيما يؤرقها أو حتى في تقريع نفسها 
كويس إني لاقيتك 
استدارت ناظرة إلى صاحب الصوت المألوف فقالت بتعابير جادة وبنبرة رسمية للغاية
خير يا دكتور ممدوح
تقدم ناحيتها وهو يحمل في يده عددا من الكتب الضخمة
أنا عديت عليكي كذا مرة بس مكونتيش موجودة 
بررت له بنفس الطريقة المتحفظة
أيوه كان عندي آ 
لم يمهلها الفرصة للشرح حيث قاطعها قائلا وعلى وجهه هذه الابتسامة الصافية
مش مشكلة اتفضلي 
نظرت إلى ما يحمله باندهاش متحير ثم سألته
إيه دول
تحرك متجاوزا إياها ليتجه نحو مكتبها وضعهم بحذر على سطحه ونظر إليها موضحا بهذا الوجه المبتسم
بصي يا ستي دي مراجع وكتب متخصصة هتساعدك في دراستك 
تبعته عائدة إلى مكتبها ثم راحت تتفقد كل كتاب على حدا وقالت في تعبير ذاهل وهي تجول بعينيها المتشوقتين بين أغلفتهم
دول إصدار حديث!!
أكد لها أيضا بنظرة مهتمة
أيوه ومحدود مش مع أي حد 
أنا مش عارفة أقول لحضرتك إيه أنا هحافظ عليهم زي عينيا 
رد بما يشبه النصيحة وهو يشير لها بسبابته
المهم تستفيدي منهم 
بلا تفكير أخبرته
أكيد دول كنوز 
عرض عليها في لباقة وقد تأهب للخروج
تعالي أوصلك في طريقي 
ترددت للحظة متذكرة كيف استغلت ابتهال الفرصة لتفسير الموقف على هواها وبما يسيء 
مافيش داعي تتعب نفسك في عربية بتوصلني 
رأى كيف تغيرت ملامحها للرسمية فاعتقد أن فسحتهما الأخيرة قد أصابت الهدف من ورائها وأفسدت ما نما بينها وبين مهاب من ود وتقارب لذا تعمد
اللعب على نفس الوتيرة المحاذرة معها وقال بعد نحنحة سريعة
مش حابب أكون بضغط عليكي بس لو ده يريحك فأنا معنديش مانع 
استحسنت تفهمه لموقفها فاستطردت ممتنة
شكرا على الكتب والمراجع 
لم تخبت ابتسامته المهذبة المرسومة على ثغره وأردف وهو يهم بالخروج
دي حاجة بسيطة عن إذنك يا دكتورة 
شيعته بنظراتها المتشككة إلى أن اختفى عنها لتعاود المكوث بمفردها في غرفتها وهي شبه حائرة في شأنه تساءلت بصوت خفيض كأنما تفكر فيما يراود عقلها من أفكار متصارعة
يا ترى ده عاوز مني إيه!
كان الوقت أوان العشاء تقريبا حينما شعرت بالإرهاق وبالنوم يزحف إلى جفنيها لتشعر بثقل رأسها وتبدأ في التثاؤب فها هي عطلة أسبوع أخرى تمضيها بين الكتب والمراجع والملخصات موهمة نفسها بأنها بذلك تقوم بتعويض ما فاتها لتحقق نتائج طيبة في دراستها 
إنتي هتنامي دلوقتي
ردت باقتضاب وهي تستلقي على الفراش بعدما أزاحت الغطاء
أيوه 
مش هنسهر شوية مع بعض
جاوبتها بصوت متكاسل
لأ 
جلست ابتهال على حافة الفراش مجاورة لها تتأملها مليا بنظرات طويلة غريبة فقد جال بخاطرها بعد تفكير عميق أن تستفيد مثلها من صحبة الأثرياء وتنال ما يخدمها وينقلها 
ده إنتي حتى ما بترضيش تخرجي معايا!
نفخت في صوت مسموع ودمدمت بتأفف
مش فاضية 
لكزتها ابتهال في ساقها متسائلة في سخافة وشعورها بالغيرة الممزوجة بالفضول يتفشى فيها
بقولك إيه أومال الدكتور إياه الحليوة مافيش أخبار عنه
لم تحبذ تهاني التطرق إلى سيرة مهاب نهائيا خاصة مع هذه المتطفلة المزعجة يكفيها أنها استطاعت تجاوز ما عانته بصعوبة لذا أولتها ظهرها مهمهمة في وجوم مقتضب
معرفش 
ألحت عليها في استنكار سمج رافضة تمرير الأمر دون التحري أكثر عن تفاصيله
معقولة ده إنتي المفروض تمسكي فيه بإيدك وسنانك 
بجهد عظيم حاولت تهاني سد أذنيها عما تتفوه به لكن ابتهال تابعت مضايقتها باستفاضتها النزقة
تعرفي أنا سألت عنه زمايلي وقالولي إنه حاجة أبهة في العليوي خالص وأبوه باشا من
بشوات زمان 
مرة ثانية وكزتها بخفة في ساقها لتثير انتباهها وهي لا تزال تثرثر
ده إنتي تبقى أمك دعيالك لو ده حصل 
مش عاوزة أسمع حاجة عنه خالص فيا ريت تسكتي!!
لم يشبع ذلك فضولها الجائع لمعرفة أصل الموضوع وتفاصيله فتساءلت بوقاحة
ليه بس
هدرت بها بانفعال مبرر وهي تدفعها بيدها لتجبرها على النهوض من جوارها
مايخصكيش!
فقدت آخر ذرات تحملها انتفضت ناهضة بتعصب من على الفراش وهي تصرخ بها
هو إنتي عاوزة تعملي حوار من غير حاجة
ثم أمسكت برسغها لتشدها بقسۏة فتجبرها على النهوض وصوتها لا يزال صارخا
كفاية بقى حلي عن دماغي وقومي من هنا 
تحركت ابتهال مبتعدة عنها وهي تزم مرددة بغير رضا
براحتك إنتي الخسرانة!
لكنها توقفت عند عتبة الغرفة مستطردة بسماجة
صحيح التلاجة معدتش فيها أكل كفاية عاوزة فلوس أشتري بيها اللي ناقص 
اشتد بها غيظها منها فعجزت عن تحمل المزيد منها لذا اڼفجرت مفرغة فيها كامل عصبيتها المكبوتة
يعني أنا طول اليوم برا ولما برجع بنام على طول تقريبا مابفتحش التلاجة دي خالص وإنتي كل يوم والتاني هاتي فلوس هو في إيه!!!
ردت ببرود استفزها أكثر
مش احنا شركا
أخبرتها صراحة وهي ټضرب كفها بالآخر
لأ خلاص كل واحد في سكة 
يعني إيه
رغم أنها لم تضع ذلك القرار في الحسبان قبل وقت سابق إلا أنها شعرت بحتمية تنفيذ الأمر إراحة لنفسها من ملاحقتها الخانقة لها فأكدت لها ما سمعته بعزم شديد
أنا من بكرة هدور على مكان أكون فيه لواحدي وبراحتي 
اڼصدمت من قرارها المباغت واحتجت متسائلة في استهجان
ليه كده يا تهاني أنا زعلتك في إيه بس
لم تراوغ أو تجمل كلامها عندما أجابتها
ببساطة كده مش مرتاحة معاكي 
المزاح كان مستبعدا في هذا الشأن رأت ابتهال في عينيها تصميما عجيبا على فعل ما انتوته بشكل قطعي مما هدد مخططاتها التي ترسمها لمشاركتها جزءا من الترف الذي تحياه بمفردها فاستعطفتها بدموع زائفة
هو عشاني بس عشرية حبتين ده احنا المفروض نكون سند لبعض 
أجهشت بالبكاء المصحوب بنحيب مرتفع وهي تلومها
حرام عليكي كده تكسري بخاطري ولا عشان بقيتي مسنودة من رجالة غريبة عننا!!
جملتها الأخيرة
احتوت على تلميح فج غير مقبول أبدا انطلقت تهاني صوبها مدفوعة بحنقها وراحت تدفعها دفعا للخارج وهي تصيح بها
امشي من هنا اطلعي برا 
ثأرا لكرامتها ردت عليها ابتهال تتوعدها وقد توقفت عن ذرف الدموع فجأة لتبدي لها نوايا غير طيبة تجاهها
ماشي وأنا هقول الناس على اللي بتعمليه يا محترمة!
هدرت في ذهول كبير
أنا بعمل إيه
ألقت عليها تهمتها بفجاجة حتى تعاود التفكير مجددا
كل يوم مع راجل شكل والله أعلم بتعملوا إيه سوا 
انقطعت أنفاس تهاني في صدمة جلية بينما ابتهال تزيد في إرعابها بكلامها المهدد
تخيلي بقى لو أنا حطيت شوية بهارات على اللي بشوفه 
لتؤكد على تحذيرها الخطېر استرسلت تنذرها بجدية
والكل هيصدقني لأني معنديش اللي أداريه ولا حتى أخاف إنه يضيع مني 
حينئذ قصف قلبها بقوة من ټهديدها الفارغ الذي لن يأتي عليها إلا بكل ما هو غير محمود فبرقت نظراتها وأحست بدمائها تهرب من عروقها ومع ذلك تحدتها قائلة بتشنج
طب جربي تعملي كده وهايبقى آخر يوم ليكي هنا يا ابتهال!
وضعت يدها أعلى منتصف خصرها ثم ساومتها بخبث وهذا الهدوء مستبد بها
وليه نعادي بعض من الأساس خلينا زي ما احنا وأنا يدوب هاخد حتة من التورتة اللي إنتي غرقانة فيها ويا دار ما دخلك شړ 
وقبل أن تفكر في رفض عرضتها رفعت يدها أمام وجهها وأخبرتها بابتسامتها الظافرة
خدي راحتك وماتستعجليش في الرد 
تركتها ابتهال على حالتها المصډومة وغادرت لتقوم تهاني بغلق الباب وهي ترتعش كليا ظلت تعبيراتها مصعوقة وعيناها مذهولة بالكاد تمكنت من التماسك وهي تسير شبه زاحفة بخطواتها نحو الفراش أخذت تردد مع نفسها في توجس شديد
دي لو عملت كده أبقى أنا ضعت على الفاضي!!!
التنازل يبدأ بمرة تتنحى فيها المبادئ جانبا ثم يستمر

ذلك في الحدوث تباعا كحبات العقد حينما تنفرط من رباطها
وتتناثر في كل اتجاه ليتحول في الأخير لأمر إلزامي على صاحبه! جاء بدري لزيارة زوجته في بيتها
بعد تحديد ميعاد مسبق جلسا معا بالصالة وبمفردهما فتوهمت الأخيرة أنه أتى بالبشارة ليسعدها بأخبار سارة تخص إعلان موعد زفافهما لكنه صدمها بمسألة سفره للخارج فوجمت وجفل قلبها ابتلعت فردوس ريقها بصعوبة وسألته بتعابير شاردة ونبرة مهتزة
طب وجوازنا
أجابها ببرود تام
مافيهاش حاجة لما يتأجل شوية 
زحفت الدموع إلى مقلتيها حتى بدا وجهه مشوشا في عينيها تجاهل ما تشعر به وزفر معللا لها رغبته
مش أحسن ما يبقى حالنا على أده ده أنا هشتغل عشان أجيبلنا بيت يبقى بتاعنا لواحدنا 
حين رفرفت بجفنيها انسكبت عبراتها على صدغيها لتبكي في صمت مقهور ورغم هذا لم يبد بدري متأثرا بحزنها الجلي لكنه حاول أن يظهر تعاطفا غير موجود فيه فربت على ذراعها في رفق وتابع
الحكاية مش هتطول ده كام شهر بالكتير ولو ما اتوفقتش هرجع تاني 
تفرس فيها بناظريه وأدرك حينها أنه منذ اللحظة الأولى لم يشعر بالانجذاب إليها حاول إرغام نفسه على تقبلها وأكمل ما ظن أنه مناسب لشخص مثله لا يملك إلا القليل فارتضى بها شريكة في حياته لن تشتكي فقره ولن تطمع في تحقيق ما يفوق قدراته ومع ذلك ظل هذا النفور سائدا لكن ما لبث أن ازداد تعمقا به حينما لاحت هذه الفرصة الذهبية في الأفق فكيف له أن يضيع ما أوشك على الظفر به مقابل التمسك بها حضر من تأملاته الشاردة لينعكس ضيقه على تقاسيم وجهه عندما خاطبته فردوس بحزن 
طب ما تاخدني معاك واهوو ناخد بحس بعض 
هتف منتقدا ما رددته بحدة
شيفاني يعني غاوي غربة وپهدلة
انتفض بدنها من صراخه رغم خفوت نبرته فتنفس من بين أسنانه ببطء ليضبط حاله لم يرغب 
لما أرتب أموري غير كده مش هاقبل على نفسي أبهدلك في بلاد غريبة يا بنت الناس 
داهمها الحزن أكثر فخشي أن تنوح ويتضاعف بكائها فتأتي والدتها لمحاسبته لذا أضاف ملطفا ولو كان كڈبا
أنا مستغناش عنك 
استسلمت مصدقة عذب كلامه وقالت بصوت مهموم
هاقول إيه غير أمري لله 
انتفخ صدره في ارتياح بعدما أتم مهمته بنجاح ليعلق باسما في حبور
تعيشي يا بنت الأصول 
فهمي أمك بقى على الحكاية وأنا هعدي عليكي تاني 
قام واقفا وودعها في الحال
سلام 
اصطحبته إلى الباب وهي تمسح بقايا دموعها براحة يدها لتستدير دفعة واحدة فور أن أغلقت الباب لتنظر إلى والدتها التي بادرت بسؤالها
في إيه يا فردوس قالبة سحنتك ليه!!
مع انحدار الشمس نحو المغيب كان كلاهما يقفان عند الجراج الملحق بالمشفى أمام سيارته في انتظار وصول العربة التي تقل تهاني إلى مسكنها فالأخيرة قد أصرت على إعادة ما استعارته من كتب ومراجع إليه لتنهي بذلك السبب الذي يدفعها لمقابلته لاحظ ممدوح 
إنتي مش معايا النهاردة في حاجة مضايقاكي
تنبهت من شرودها المحفوف بما يزعجها ويقلقها من نوايا ابتهال غير المعلومة لها لكنها حتما لن تشارك مخاوفها معه تصنعت الابتسام وردت
لأ عادي شكرا مرة تانية على الكتب أنا ممنونة ليك 
وضع يده في جيب بنطاله وعقب باسما
قالت كنوع من المجاملة
حاضر 
أملت أن تصل العربة في أي لحظة لتعفي نفسها من هذا الحرج ومن إيجاد أي مبررات لتفسير موقفها الحذر معه اندفعت ناظرة إليه بنظرة ضيقة عندما تكلم مرة أخرى في صوت هادئ لكنه جاد
المهم أنا كنت عاوز أبلغك بسفري 
سرت خفقة غريبة في قلبها لأن ذكره لمسألة السفر أنعش ذاكرتها بما بذلت كل الجهد لنسيانه 
إنت هتسافر
أطلق زفرة بطيئة من جوفه وعقب بلهجة شبه منزعجة
إن كان عليا مش حابب بس مضطر أرجع 
أبقت عينيها عليه فأكمل بلؤم مدروس
أنا لازم أطمن على الباشا فؤاد 
ظهرت الحيرة في وجهها فأعطاها التوضيح المطلوب والذي كان متيقنا أنه سيؤثر فيها
والد مهاب 
أحست بغصة قاسېة تحز في قلبها قاومت انعكاس تأثيرها عليها وحافظت على جمود ملامحها إلا أن نظراتها نطقت بما لم يبح به لسانها ابتسم في مكر وأردف
وهبعتله سلامك طبعا 
زفر
ممدوح الهواء عاليا ليضيف بعدها
أنا مش عارف هيعدي عليا الكام يوم دول إزاي
التفتت تنظر إليه في شيء من الاستنكار لكنه أبدى أسفه النادم في التو
أعذري جراءتي شوية بس أنا خدت على إني أشوفك كل يوم ولو لدقايق 
عربيتي جت 
ودعها ويده ممدودة لمصافحتها
خدي بالك من نفسك 
ارتجفت من تصرفه المبالغ فيه فلم يكترث وسألها وهو مسبل عينيه تجاهها
في حاجة حابة أجيبهالك معايا وأنا جاي
سحبت كفها هاتفة بارتباك
لا شكرا 
همت بالابتعاد عنه لكنه مجددا اعترض طريقها ليعترف بنزق زاد من ربكتها
هتوحشيني 
حذرته بنظرة مدهوشة
دكتور ممدوح 
تراجع خطوة للخلف وقال مطرقا لرأسه
أنا أسف 
ما لبث أن ثبت نظره عليها
ليتابع بتخطيط مدروس
بس اتعودت أعبر عن اللي بحسه بصراحة للناس الغاليين عندي 
حافظ على تبسمه العذب وهو ينصرف تجاه سيارته
أشوفك على خير يا دكتورة 
هو بيعمل كده ليه معايا!!
يا ابن الإيه ده إنت شيطان!
عشان ما يلعبش على النغمة دي كتير جملتين حلوين دخلت بيهم على الباشا الكبير على طول صدق واقتنع 
نهض ممدوح بتكاسل من موضعه لم يتمكن من الوقوف باستقامة فقرر التمدد بجوار الفتاة على البساط صاح هاتفا بترحاب غريب وهو يزحف تجاهها
هدية ماترجعش يا صاحبي!
ناوي على إيه مع الصيدة الجديدة!
لم يفهم مراده فرد عليه متسائلا
قصدك مين
بادله نظرة غامضة محملة بالكثير قبل أن يجيبه بكلمة واحدة
تهاني!
قهقه ضاحكا في استهزاء ليردد من بين ضحكاته ساخرا
أنا فكرتك بتكلم عن حد مهم 
عموما هي مش في دماغي 
جاء تعقيب ممدوح معاتبا
وده ينفع تسيب الساحة ليا كده ألعب فيها لواحدي
نفض مهاب رماد سيجارته المحترق بهزة صغيرة من إصبعيه وعلق بلا اهتمام
اعتدل ممدوح في جلسته هاتفا بتحفز طفيف
ومين جاب سيرة الجواز تلاقيك خاېف لأقطفها قبلك!!
أخبره بغطرسة واثقة
إنت عارفني مافيش واحدة تستعصى عليا مهما كانت فين!!
ثم مط فمه قليلا وأضاف بغرور معروف به
وتهاني مش هتاخد في إيدي غلوة!
لم يبد ممدوح مقتنعا بهالة السيطرة التي يحاول إبهاره بها فاستخف به مما جعله يزداد تحمسا لخوض هذه المغامرة فهتف يعلمه بما قرره في التو
تراهني هخليها تسلملي نفسها برضاها ومزاجها!!
تطلع إليه بهذه النظرة المستهترة وعلق عليه بلهجة شبه مقللة من شأنه
أيوه بكلامك الحلو وكاسك اللي يدوخ أسلوبك معروف وأنا حافظه كويس 
تحداه مهاب قائلا بصوت غامض ومثير
لأ هغير التكنيك خالص وهتشوف 
عندئذ تقوست زاوية فم رفيقه والتصقت بها ابتسامة لئيمة مطعمة بالتحدي ليستطرد معلنا قبوله الدخول في ذلك النوع من المراهنة الخطېرة 
مستنيك تبهرني !!
يتبع الفصل التاسع
الفصل التاسع
القرار
غلبتها قلة الحيلة أمام تطفل هذه السمجة فلم تجد بديلا سوى الانتقال من السكن الحالي والبحث عن آخر يتوافق مع وضعها المادي والنفسي الاختيارات المتاحة لديها كانت محدودة للغاية فوقع الخيار في النهاية بعد بحث استمر لمدة أسبوعين على مسكن أكبر في المساحة يضم ثلاثة غرف تشترك كل اثنتين في غرفة فيما عدا واحدة ظلت شاغرة وقفت تهاني أمام باب الغرفة الأخيرة تتأملها بنظرات مزعجة
لو لم تكن مضطرة لما ارتضت بذلك بديلا حافظت على جمود ملامحها بعدما ألقت نظرة متأملة على الغرفة التي تضم سريرين منفردين وخزانتين مستقلتين بالإضافة إلى طاولة مستديرة ومقعدين خشبيين ومرآة تسريحة ملتصقة بالحائط حادت ببصرها عن النظر إلى محتوياتها والتفتت مخاطبة في هدوء شبه رسمي السيدة المسئولة عن تسكين المغتربات هنا
مناسبة هاخدها 
ردت السيدة عليها بتشجيع
إن شاءالله تتبسطي فيها البنات هنا كلهم محترمين ومجتهدين وشغالين في وظايف حلوة اللي مدرسة واللي ممرضة وآ 
قاطعتها قبل أن تنهي جملتها قائلة بجمود
أنا بحب الخصوصية فأتمنى محدش يشاركني في الأوضة بعد ما دفعت الدبل فيها 
هزت رأسها في تفهم وقالت
اطمني 
ثم مدت إليها يدها بالمفتاح قائلة ببسمة متسعة
دي نسختك أهي 
أخذته منها وهي تقول بإيجاز
شكرا 
أكدت عليها مرة أخرى وهي تهم بالانصراف
لو في حاجة ناقصة بلغيني أو سبيلي رسالة مع الأمن تحت 
طيب 
قالت كلمتها وهي تسير معها إلى باب المسكن حيث كانت تتواجد إحدى القاطنات بالاستقبال الصغير وجهت السيدة حديثها إليها بأسلوبها المرحب
دي زميلتكم تهاني هتقعد معاكو من النهاردة يا نزيهة 
حولت نزيهة ناظريها تجاهها للحظة دون أن تبدو مهتمة فعليا بها ثم ابتسمت بتكلف قبل أن تتابع تقليم أظافرها لتنصرف السيدة بعدئذ تاركة الاثنتين بمفردها لم تحاول تهاني صنع أي صداقة ودية مع هذه الشابة الغريبة عنها حملت حقيبتها واتجهت إلى غرفتها لتغلق الباب عليها وهي تردد بصوت خفيض
كده أحسن 
أدركت مدى صعوبة الوضع الذي أصبحت عليه حين تساهلت مع الغرباء كل شيء قد بات مهددا وربما تخسر ما تحاول فعله قبل أن تتمه من الأساس لذا كان القرار الصائب من وجهة نظرها
الهروب مما يعرقل تحقيق نجاحها 
تأكدت من إحكام غلق البرطمان جيدا بعدما عبأته بصنيع يدها المميز من الحلاوة
السوداء لتضمن عدم تسرب محتوياته حينما تنقله ثم لفته بكيس بلاستيكي صغير وعقدته من الأعلى قبل أن تضعه في آخر لتتمكن ابنتها من حمله بمفرده مرة أخرى ألقت عقيلة نظرة مدققة على الحقيبة القماشية التي وضبتها لتتفقد ما ملأتها به فقد أحضرت خصيصا زبدة فلاحي وقطع من الجبن وبعض المخبوزات المنزلية لترسلها مع ابنتها في زيارتها لحماتها نضح قلب فردوس بالبهجة وهي تتحمس لملاقاة والدة زوجها فإذ برؤياها تشبع توقها للتواصل معه فمنذ أن سافر لم يرسل إليها ولم لمرة واحدة أصغت بانتباه لتعليماتها وهي تحذرها بإشارة من إصبعها
تمشي على مهلك وخدي بالك من الحلاوة 
أومأت برأسها هاتفة في طاعة
حاضر يامه 
شددت عليها مجددا وبنفس اللهجة الصارمة
وما تطوليش عندها يا بخت
من زار وخف 
جاء ردها على نفس اللهجة المطيعة
ماشي 
تأهبت فردوس لتتحرك بعدما حملت كل شيء لكن أمها استوقفتها آمرة إياها
وريني نفسك 
أنزلت الحقيبة القماشية من يدها والتفتت تحملق فيها بوجه باسم وهي تسألها
حلو كده يامه
بعد لحظة من الصمت المدقق أخبرتها بملامح جادة
خفي اللي على خدك ده شوية 
اعترضت بشيء من الإلحاح
ما حلو يامه خليه عليا 
حذرتها بغير تساهل
عاوزة حماتك تقول عنك مصدقتي جوزك يسافر واتسابتي
قصف قلبها توجسا مما فاهت به وقالت بلا جدال
معاكي حق 
كده أحسن
أجابتها في حبور
أيوه ربنا يصلح حالك ويراضيكي 
مرة ثانية انحنت لتحمل الحقيبة القماشية في يد وكيس الحلاوة السوداء في اليد الأخرى وسارت نحو الباب فلحقت بها والدتها لتعاونها على فتحه وهي لا تزال توصيها
امشي على مهلك وما تتأخريش 
قالت مبتسمة في سعادة
حاضر يامه 
ظلت تتابعها بعينيها وهي تهبط درجات السلم ودعائها لها يصدح
ربنا يسلم طريقك 
خبت نبرة عقيلة إلى حد كبير وهي تنسحب عائدة إلى بيتها
ويهديلك العاصي 
قصدت بجملتها الأخيرة حماة ابنتها المتسلطة فالأخيرة لا تكف عن مضايقتها بمعاملتها المتجافية رغم أن فردوس لم تبد أي سوء لها ومع ذلك
أثرت ألا تثير المتاعب من لا شيء واكتفت بتجنب المواجهة معها قدر المستطاع 
رقص قلبها فرحا وهي تلج إلى مدخل العمارة ذات الأربعة طوابق حيث تقطن بها حماتها صعدت بتمهل حريص على درجات السلم إلى أن بلغت الطابق الأخير تحمست للغاية لمقابلتها اعتقدت أنها ستفرح برؤيتها وتستقبلها بما يليق من ترحاب وحرارة لكن ما حدث كان على عكس ما توهمته بدت فاترة باردة متعالية ومنزعجة من وجودها نظرت لها شزرا وأشارت لها لتدخل بعدما أمعنت النظر فيما أحضرت معها أولتها ظهرها قائلة بسحنة مقلوبة
مكانش لازما تيجي شايلة ومحملة البيت مليان ومعدنيش حاجة ناقصة 
شعرت بالحرج الشديد من أسلوبها اللاذع ومع ذلك ردت بأدب
ده من بعد خيرك يا حماتي 
حينما استقرت في موضعها فردت ذراعها لتشير نحو الجانب وهي تأمرها
حطيهم جوا في المطبخ 
ظلت محافظة على نقاء بسمتها وهي ترد صاغرة
عينيا 
عندما ولجت إلى داخل المطبخ تفاجأت من كم الأطباق المرصوصة بالحوض وكذلك الأواني غير النظيفة المتكومة بجوار الموقد ففكرت في إبهارها ونيل استحسانها بتقديم العون وتنظيف كل شيء لم تدخر فردوس وسعها وعكفت في التو على إعادة المطبخ لما كان عليه من نظام ونظافة فشمرت عن ساعديها والتقطت سلك المواعين الصدئ لتستخدمه في دعك الأواني المعدنية قبل أن تغسل الأطباق والصحون بإسفنجة شبه بالية متروكة بإهمال فوق الصنبور استغرقها ذلك حوالي الربع ساعة فخرجت بعد ذلك منه وهي تجفف يديها في جانبي ثوبها لتخبرها بصوت شبه لاهث
أنا روقتلك كل حاجة 
هزت رأسها دون أن تنطق بكلمة شكر وأمرتها
طب اقعدي هنا عقبال ما أنشر الغسيل 
ثم وضعت يدها خلف ظهرها متأوهة في ألم
ياني يا ضهري 
في التو رفضت نهوضها وصاحت في تصميم
لأ عنك يا حماتي ارتاحي إنتي 
أسرعت نحو الشرفة حيث تركت حماتها كومة الغسيل الرطبة في طبق بلاستيكي عريض فقامت بالتقاط كل قطعة على حدا ونشرتها على الحبل انهمكت كليا في أداء كل الأعمال المنزلية المنقوصة ملقية على عاتقها بمودة منها مساعدتها فيما لم ينجز على أمل أن تحظى في الأخير على كلمة شكر أو حتى معاملة طيبة جزاء
كله بقى تمام والصالة روقتها 
منحتها والدته نظرة طويلة ناقمة ثم أمرتها وهي تشير برأسها
هاتي السبرتاية واعمليلي قهوة مظبوطة 
أحست بالإحباط لعدم تلقيها التقدير اللازم ورغم ذلك حافظت على ابتسامتها الهادئة وهي ترد في طاعة
حاضر 
جلست عند قدميها ومعها أدوات صنع القهوة أعدت لها فنجانها كما طلبت فارتشفته على مهل وهي تسألها في فظاظة وهي ترمقها من علياها بهذه النظرة القاسېة 
ما شيعتيش خبر ليه إنك جاية
مجددا أحست بخيبة الأمل الممزوجة بالحرج تجتاحها قاومت شعورها بالخذلان وأجابتها بتردد
أنا لاقيت نفسي فاضية فقولت أجي أونسك 
تفاجأت بها تهاجمها لفظيا كأنما أجرمت في حقها
وحد قالك إني مقطوعة لا سمح الله!
اتقاء لغضبتها الوشيكة اعتذرت منها دون أن تكون بالفعل مخطئة
مش قصدي بس الدنيا ما بقلهاش طعم من بعد ما سي بدري سافر 
ردت عليها بتحفز وهي تسدد لها لكزة قاسېة في جانب كتفها
حسه في الدنيا ياختي ربنا يحفظلي كل عيالي 
زاد إحساسها بالحرج وهتفت في صوت خاڤت ونظرة کسيرة
يا رب 
مشاركتها أي نوع من الحديث خشيت من إثارة ڠضبها بلا سبب فلزمت الصمت وهي تستشعر موجات الحزن المطعمة بالجفاء تموج في داخلها تنبهت لها عندما خاطبتها في حدية بعد برهة
بقولك إيه أنا رايحة البلد عن قرايبي هفضل هناك فترة فماتجيش تاني مش هتلاقي حد في البيت 
في تلقائية بحتة سألتها مستفهمة
طب هترجعي إمتى
صاحت بها بصوت حانق ومنفعل
هو تحقيق!
انكمشت على نفسها رهبة منها وهتفت مبررة
لأ أنا بس حابة أطل عليكي كل وقت وتاني 
لوحت لها بيدها عندما علقت بعبوس
اطمني مش محتاجالك 
ما إن أنهت فنجان قهوتها حتى هتفت فيها بما يشبه الطرد
يالا على بيتك أنا دماغي تقيلة وعاوزة أريح حبة 
اڼصدمت بتصرفها المهين لها فتأثرت عيناها ولمعت فيهما العبرات قامت ناهضة وهي ترد في خجل شديد
ماشي يا حماتي 
بالكاد لملمت شتات نفسها المتبعثرة وهي تحاول بصعوبة ألا تبكي لتتابع
فوتك بعافية 
لم تضف شيئا ولم تودعها حماتها فبلغت عتبة الباب وانحنت لتنتعل حذائها همت بفتحه لكنها وجدت عوض يسبقها أطرق الأخير رأسه
حرجا لرؤيتها أمامه ثم قام بتحيتها في تهذيب
السلام عليكم 
بلعت ريقها وقالت بصوت مال للحزن
وعليكم السلام 
استشعر الضيق في نبرتها فقال محاولا تخفيف ما ظن أنها قد تعرضت له في غيابه وهو ينظر تجاه والدته الملازمة دوما لموضع جلوسها
يا أهلا وسهلا بالناس الغاليين اتفضلي 
علقت بصوت مرتعش دون أن تنظر ناحيته
لأ أنا كنت نازلة 
أصر عليها محتجا بجدية رغم هدوء نبرته
مايصحش تمشي لوحدك استني أوصلك 
رفضت مجيئه وقالت وهي تتجه للخارج
كتر خيرك المسافة مش بعيدة 
استوقفها بقوله المعاند
ده يبقى عيبة في حقنا 
أشار لها لتنظره بالخارج واستكمل كلامه
استنيني لحظة أعرف الحاجة جوا 
لم تجد بدا من الرفض أمام تصميمه فهتفت في استسلام يائس
طيب 
أسرع عوض متجها إلى والدته ليخبرها باهتمام
هاروح يا أمي أوصل مرات أخويا لبيتها 
اعترضت عليه بوقاحة وهذه النظرة الحاقدة تطل من عينيها
هي ناقصة رجل ما تسيبها تغور لواحدها 
عاتبها بقوله اللين
لا حول ولا قوة إلا بالله دي ضيفة في بيتنا وإكرام الضيف واجب 
يا خويا بلا قرف 
سدد لها نظرة أخرى مليئة باللوم لكنه لم ينطق بشيء بل اتجه عائدا إلى فردوس التي تنتظره بالخارج وهو يفكر مليا في كيفية إرضائها دون أن يشعرها بالحرج 
حين أخبرتها جارتها إجلال بورود اتصال هاتي من ابنتها المقيمة بالخارج هرولت عقيلة مسرعة إلى محل البقال لتتمكن من الحديث إليها في التو مكتفية بوضع الحجاب القماشي على رأسها دون أن تفكر للحظة في تضيع الوقت في تبديل قميصها المنزلي الفضفاض تأبطت ذراعها كمحاولة منها للاتكاء عليها خلال سيرها المتعجل وهي تهتف بصوت أقرب للهاث
تسلميلي يا إجلال نتعبلك نهار فرحتنا بيكي 
ردت بودية معتادة منها
تسلميلي يا خالتي 
وصلت كلتاهما إلى محل البقال فالتقطت إجلال السماعة السوداء لتناولها إلى عقيلة وهي توجه سؤالها لصاحبه
الخط لسه مفتوح
أجابها وهو يشير برأسه
أيوه 
بيدها المرتجفة أمسكت عقيلة بالسماعة وضعتها على أذنها وصاحت في شوق جارف
ألوو أيوه يا ضنايا 
ردت تهاني بكلمة واحدة عنت الكثير
ماما 
غلبتها دموعها الأمومية فطفرت من حدقتيها وهي تخبرها بعتاب رقيق
وحشني صوتك يهون عليكي أمك المدة دي كلها متسأليش عليها
جاءت نبرتها شبه مهمومة وهي ترد
ڠصب عني كان عندي شوية
مشاكل 
شهقت عقيلة مصډومة ووضعت يدها على صدرها كأنما تلطم عليه وهي تهتف بجزع
وربنا قلبي كان حاسس 
حاولت تهدئتها بقولها
ماتقلقيش كله تمام دلوقتي 
توسلتها بقلب واجل
ما تسيبك من الهم ده كله يا تهاني وتعالي وسط أهلك 
لحظة من الصمت حلت قبل أن تقطعها قائلة
مش هاينفع أنا ورايا حلم عاوزة
أحققه 
كادت عقيلة تعترض عليها لولا أن سمعتها تطلب منها
إنتي ادعيلي 
أخبرتها بوجه اكتسب سمات التعاسة
وربنا بدعيلك ليل نهار 
غيرت تهاني من مسار الحوار فسألتها
وفردوس عاملة إيه اتجوزت خلاص
تنهيدة عميقة طردتها أمها من رئتيها قبل أن تجاوبها
كتبنا كتابها مستنين بس جوزها يبعت ياخدها معاه 
ظهر الاستغراب في صوتها عندما تساءلت
ليه هو راح فين
أجابتها وهي تمسح بيدها دموعها المسالة على وجنتيها
سافر العراق بيدور على باب رزق جديد 
أتى تعقيبها
مهتما
ماشي ابقي سلميلي عليها 
ردت عليها والدتها بصوتها المتلهف
يوصل يا ضنايا إنتي خدي بالك من نفسك وماتغبيش المدة دي كلها عني طمنيني كل شوية عليكي 
بنبرة شبه عاجلة اختتمت معها المكالمة
حاضر لازم أقفل مع السلامة 
انقطع الاتصال فجأة وبقيت السماعة ملتصقة بأذن عقيلة لعدة ثوان ظل لسانها يردد في خفوت والألم يعتصر قلبها
ربنا يهديكي لحالك يا تهاني 
تساءلت إجلال من ورائها في قلق
كله تمام يا خالتي
أعادت الأخيرة السماعة إلى مكانها واستدارت تنظر إليها بعينين حزينتين وهي تخبرها
اه يا حبيبتي 
أحست بشيء من الإعياء يصيب بدنها فطلبت برجاء من إجلال وهي تمد يدها لتستند على مرفقها
رجعيني البيت ينوبك ثواب
في التو عاونتها وهي تقول بمحبة صافية
ده إنتي تؤمري 
رمقتها بنظرة امتنان قبل أن تدعو لها
ما يؤمرش عليكي عدو 
شردت رغما عنها تفكر في حال ابنتها الغائبة عنها وقلبها لا يزال يستشعر وجود ما يؤرقها وإن أنكرت وادعت صلاح أمورها فإحساس الأم لا يخيب أبدا!
كان هناك متسع من الوقت خلال سيرهما إلى منطقتها السكنية ففكر عوض في استغلاله لإبداء الاعتذار المصحوب بالتبرير لزوجة شقيقه خاصة مع علمه بطبيعة والدته الحادة حينما تتصرف بفظاظة وقحة مع الغير وضع دارجته كفاصل ملائم بينهما تنحنح لأكثر من مرة ليجلي أحبال صوته حاول أن يبدو مراعيا حين استطرد متكلما وقاصدا الدخول في لب الموضوع مباشرة
مش
عاوزك تزعلي من أمي هي خلقها ضيق شويتين بس طيبة 
قالت برأس مطأطأ في حزن
ربنا يخليهالكم 
حل الصمت بينهما سريعا فحاول أن يبدده بقوله غير الاحترازي
فيكي الخير إنك جيتي تشوفيها قبل ما تسافر ل بدري 
تأهبت حواسها لجملته العابرة استغرقها الأمر لحظة حتى استوعبت مقصده فرفعت نظرها إليه وسألته مذهولة وكأن أحدهم قد قام پطعنها غدرا في ظهرها
تسافر!!
اندهش لردة فعلها وعلق سائلا
هو إنتي معندكيش خبر ولا إيه
رغم المفاجأة الصاعقة التي هبطت على رأسها إلا أنها جاهدت لتخفي تأثيرها عليها ومع ذلك ردت متلعثمة
لأ آ يعني سي بدري مقاليش 
ضيق عينيه وقال
اعذريه تلاقيه ملقاش فرصة يبعتلك جواب بس هو بيعمل اللي في وسعه عشان يجيبكم 
بلا صوت غمغمت في تهكم مستاء
بأمارة ما جاب أمه الأول!!!
لم تسمع معظم ما خاطبها به كمبررات واهية لشقيقه لكنها انتبهت إلى آخر كلامه وهو يردد
وأنا الحمدلله خلصت كل الورق المطلوب وإنتي أكيد بعدها 
علقت بغير اقتناع
ربنا يسهل 
بلغت موضع بنايتها فتوقفت عن المشي لتطلب منه في رجاء
قوله يا سي عوض يبعتلي جواب ولا يكلمني يطمني عليه أنا برضوه مراته وليا لي حق عليه 
رد عليه متفهما
في دي معاكي حق وهو غلطان أنا هعرفه
أول ما يكلمني 
ابتسمت في امتنان شاكر وهي ترد
تسلم وتعيش 
استأذنت بالصعود بعدما وصلت صعدت إلى الأعلى ورأسها يعج بالكثير من الخواطر والهواجس المتصارعة لا تدري لأي منهم ستكون الغلبة لكن ما سيطر عليها واستحوذ على اعتقادها حينئذ هو إحساسها القوي بالغدر والخذلان 
منذ أن عادت عقيلة إلى المنزل وهي على حالتها الساهمة تلك فقدت الشهية
لتناول الطعام ولم تحبذ كذلك مشاهدة التلفاز أو حتى الاستماع إلى الراديو ظلت فقط جالسة على المصطبة الخشبية الموجودة في غرفة نومها تستند بيدها على إطار الشباك الموارب ناظرة من الڤرجة الصغيرة إلى سراب لا يراه سواها بدت وكأنها قد اعتزلت في غرفتها جاءت إليها فردوس بعدما بدلت ثيابها سألتها لأكثر من مرة إن كانت تريد شيئا لكنها كانت تجيب بهزة نافية من رأسها أتمت ما نقص من أعمال البيت ثم عادت إليها وجلست مجاورة لها تأملتها بتفرس
لبعض الوقت ثم سألتها في اهتمام
إنتي بخير يامه
اعترفت لها بشيء من الشجن
لأ قلبي متوغوش على أختك صوتها مريحنيش 
سألتها مدهوشة وقد تحفز في جلستها
هي طلبتك النهاردة ولا إيه
أجابتها بإيماءة بطيئة من رأسها
أيوه وزادت الهم في قلبي 
التوى ثغرها بنقم وردت وهي تزيح رباطة شعرها لتمشط خصلاتها بيدها قبل أن تجمعهم معا
يامه تهاني جدعة مايتخافش عليها 
رأت كيف غامت تعبيراتها وامتزجت بالتعاسة وهي تخبرها
بس لواحدها مافيش حد ينصحها 
سكتت ولم تعلق بشيء فإحساس والدتها بالألم راح يغمرها وحينما ينتابها ذلك الشعور الثقيل تكون مهمومة أكثر ترددت لهنيهة في إعلامها بما جرى في بيت عائلة زوجها وما عرفته مصادفة من مسألة التوضيب لسفرها بدلا منها سرحت في همها لبرهة سرعان ما عادت منه عندما سألتها عقيلة بنوع من الاهتمام
أومال عملتي إيه عند حماتك استقبلتك كويس
في التو عدلت عن رأيها ولم تخبرها بالمهانة التي تلقتها هناك أو حتى ما اكتشفته لم ترغب في إحزانها ولا التسبب في نشوب الخلاف بينهما على أمر يمكن حله اختبأت خلف بسمة مصطنعة وردت بصوت شبه مضطرب
آ أيوه يامه قامت بالواجب وزيادة دي فرحت بجيتي أوي 
تفرست في قسماتها بشك ملموس فأكدت عليها فردوس بنفس الابتسامة الزائفة
دول بيت كرم 
استغربت من عبارتها تلك وقالت ساخرة
ماشوفتهاش يعني باعتة معاكي حاجة!!!
ادعت كڈبا وقد اهتزت بسمتها
ما أنا مرضتش هو احنا ناقصنا حاجة يامه!
لم تبد مقنعة كليا بتبريرها الضعيف ومع ذلك تجاوزت عقيلة عن هذا الأمر لتقول وهي تسدد لها هذه النظرة العميقة
خير ربنا ييسرلك أمورك وتروحي لجوزك خلينا نطمن عليكي إنتي كمان 
إن شاءالله 
قالت جملتها تلك وهي تنهض من جوارها لتفر من نظراتها المتشككة قبل أن تكشف كذبها الواهي ويتطور الوضع لما تخشى حدوثه!
انقضت الليالي العابثة وانتهت السهرات الماجنة وصار الوقت مناسبا ليعود إلى ممارسة عمله فكان أول ما فعله بعد غياب دام لشهر ويزيد هو العودة إلى المشفى الخاص لمقابلة تهاني معتقدا أن اللهفة قد بلغت منها مبلغها بل وجعلت قلبها المرهف يلتاع ويتحرق لرؤياه ما لم يتوقعه هو عدم تواجده بمكتبها رغم معرفته الأكيدة بالتزامها
الدائم بالحضور حك جبينه في تحير ثم وجه سؤاله لإحدى الجالسات بالحجرة في شيء من الرسمية خاصة ومكتبها مملوء بالكثير من الكتب والملفات
هي دكتورة تهاني مجاتش النهاردة
أجابته بما صډمه كليا
لأ هي اتنقلت أصلا!
للحظة تدلى فكه السفلي قليلا وردد متسائلا في نبرة ذاهلة
اتنقلت من إمتى ده حصل!!
مطت الطبيبة فمها لبعض الوقت كأنما استغرقت في تفكير سريع قبل أن تجيبه 
بيتهيألي من حوالي 3 أسابيع!
لاحقها بسؤاله التالي وهو يحاول أن يجعل نبرته خلالها تبدو عادية
ماتعرفيش السبب
هزت كتفيها معقبة بغير اهتمام
تدريبها خلص هنا وراحت مكان تاني 
ازدرد ريقه وتساءل في حيرة متزايدة
طب هي مقالتش فين المكان ده
هزت رأسها وهي تجاوبه
الصراحة لأ 
شكرا 
غادر الحجرة سائرا في الردهة بغير هدى كان في قمة
تحيره وتخبطه فانسحابها الغريب أصابه بنوع من الشك والارتياب انهمك في تفكيره التحليلي للدرجة التي جعلته لا يلاحظ وجود ممدوح وهو ينتظره عند الدرج صاح الأخير مهللا في زهو
ما بتضيعش وقت يا باشا!
أفاق من شروده ونظر إليه قبل أن يزجره بحدة وقد أصبحت ملامحه مكفهرة
في إيه
اندهش لحالته المتعصبة وفطن لحظتها لكونها مرتبطة ب تهاني خاصة أنه رآه عائدا من نفس المكان الذي تمكث به بالمشفى ظن أنها عاملته بجفاء غير مقبول فاستثار غيظا للنيل من غروره لذا استطرد ساخرا منه وهو يبتسم 
هي العصفورة نقرتك ولا إيه
رد عليه وهو يوكزه في جانب ذراعه بكتفه ليمر من جواره
لأ يا خفيف دي سابت القفص كله وطارت 
تعلقت نظراته المستغربة به وسأله وهو يتحرك في إثره
قصدك إيه
صعد كلاهما على الدرج ومهاب يتكلم في تبرم
تهاني اتنقلت من هنا 
لم يبد ممدوح مزعوجا مما سمع بل قال مستمتعا
أوبا! ليك حق تضايق!
نظر إليه مهاب من طرف عينه مليا ثم أخبره في تصميم مليء بالتحدي العنيد
ملحوئة أنا عارف هي أعدة فين هاروحلها هناك 
فرك رفيقه كفيه معا كأنما يبدي بذلك تحمسه ليظهر بعدئذ تأييده لقراره في تشجيع واضح
أهوو ده الشغل اللي على حق وأنا معاك فيه 
أدرك مهاب وهو يقود سيارته تجاه منطقتها المقيمة بها أن لعبة صيد الطريدة الغاشمة مع
رفيقه اتخذت منعطفا حساسا للغاية بعد اختفائها عن محط أنظارهما فهي ليست مثل باقي التحديات الفارغة والمعروف نهايتها مسبقا بل بدت مستعصية على كليهما إلى حد ما وهذا ما أضفى على صراعهما نوعا من التشويق والإثارة على عكس باقي الساذجات المستسلمات لإغراء المال أو إغواء الحب لذا إن استسلم في لحظة وتراجع حتما سينقض ممدوح عليها ليظفر بالجائزة الكبرى وهو لم يعتد الخسارة مطلقا في مواجهته! 
إنت مين
بهت ملامحه قليلا وأمعن النظر فيها
لهنيهة بتحير تراءى إلى ذهنه أنها ربما تكون شريكتها في السكن فسألها في لباقة وهو يعاود وضع هذه الابتسامة الرقيقة على ثغره
دكتورة تهاني موجودة
قوست فمها في غرابة قبل أن ترد عليه متسائلة بحاجب مرفوع للأعلى في تعجب
تهاني مين دي
اندهش مجددا لطريقتها وأخبرها في جدية
دي دكتورة ساكنة هنا 
ردت عليه بعدم مبالاة
أنا معرفهاش بصراحة 
سيطر عليه الوجوم مرة ثانية فاستأنفت كلامها شارحة له
بص أنا لسه جاية جديد ممكن تسأل زميلتي جايز تعرف 
شعر ببارقة أمل تلوح في الأفق عندما نطقت بهذه العبارة وطلب منها بتهذيب
طب هي موجودة
هزت رأسها
 

تم نسخ الرابط