رحلة الاثام منال سلامة

لمحة نيوز


تبد اهتماما بتصفيف شعرها بل عقدته جديلة طويلة وكأنها
طالبة بالمرحلة الإعدادية ينقصها فقط الأنشوطة البيضاء والثوب الرمادي تطلعت الشابة غريبة الأطوار إليها بنظرات مشرقة مفعمة بالحياة واستطردت تسألها بلا مقدمات استهلالية
مش إنتي دكتورة تهاني
استغربت لمعرفتها السابقة بها وردت في دهشة حائرة
أيوه 
ظلت ابتسامتها المتسعة كالبلهاء تملأ كامل وجهها ورفعت يدها لتصافحها معرفة بنفسها
أنا دكتورة ابتهال من قسم الحشرات ومعاكي في البعثة 
يا للحظ العاثر من بين كل البشر تصبح هذه السمجة رفيقتها كيف ستتحمل المكوث معها طوال الأيام بل الأسابيع القادمة ريثما توفق أوضاعها وتستقل بذاتها إنها الچحيم بعينه! بالكاد لامست يدها الممدودة إليها وبنوع من الترفع أيضا همهمت
أها أهلا بيكي 
أضافت ابتهال بحماس
أنا كنت دايما بشوفك في الكلية وفرحت أوي إنك معانا في البعثة ده الواحد أصلا مش مصدق إنه بقى على الطيارة 
ثم خفضت من نبرتها لتبدو وكأنها تهمس في أذنها عندما أكملت جملتها
يعني كان صعب يطلعونا وسط الوسايط ما إنتي فاهمة بقى 
لم تنبس تهاني بكلمة بل شعرت بالضجر والانزعاج من وجودها وأظهرت ذلك على قسماتها لعل وعسى تفطن هذه الثرثارة إلى استيائها لكنها واصلت الحديث بلا توقف وسألتها
أكيد وشي مألوف بالنسبالك
تعاملت معها بجفاء فجاء ردها
لأ ماظنش 
وكأنها لم تفقه للأسلوب المتعالي الذي تتخذه معها فاستأنفت الكلام بأريحية تامة كما لو كانت تربطها صلة وثيقة بها
احنا برضوه قسمنا كان منعزل عن الباقيين بس أنا اللي عاملة زي الدودة عمالة أور هنا وهناك عشان أعرف كل حاجة فتلاقيني كده ليا لي كلام مع غالبية الناس وبيعرفوني على طول ما هو أنا أصلي عشرية مش بالساهل حد ينساني كده 
كانت كالصداع الذي يفتك بالرأس لم تستطع الخلاص منها بسهولة سحبت شهيقا عميقا تثبط به الضيق الذي راح يتصاعد بداخلها ولفظته وهي توجز في مشاركتها بالكلام 
تمام 
تفاجأت بها تلكزها في جانب ذراعها كما لو كانت رفيقة لها احتدت نظراتها وسددت لها نظرة محذرة فوجدتها تدعي الضحك لتخبرها بعدها في سماجة غير مستساغة لها
احتمال يحطونا في أوضة واحدة في السكن يعني باعتبار إن مافيش غيرنا بنات 
وقتئذ حلت تكشيرة مستاءة على تقاسيمها وقالت بعبوس منفعل
ادعي نوصل بالسلامة الأول وبعد كده نشوف اللي هيحصل 
كانت هادئة إلى أقصى الحدود فرددت بتنهيدة بطيئة
يا رب بصي أنا بحاول ألهي تفكيري بالرغي معاكي شوية يعني بدل ما التوتر يمسك فيا 
أغمضت تهاني عينيها في يأس إسكاتها كان مستحيلا وضعت يدها أعلى جبينها وصوت هذه المزعجة يخاطبها
تعرفي يا دكتورة تهاني ولا أقولك نخلي البساط أحمدي بينا فأنا أقولك تهاني كده بس وإنتي تقوليلي ابتهال 
أطلقت بعد ذلك ضحكة مجلجلة لتضيف
معلش أنا رغاية حبتين زيادة وآ 
نفد صبرها على الأخير فانتفضت تصيح بها
أنا دماغي مصدعة ممكن نهدى حبة 
أومأت برأسها مغمغمة
ماشي 
صمتت لثانيتين قبل أن تعاود الكلام
طب قدامنا أد إيه عقبال ما نوصل
نفخت تهاني في سأم وأخبرتها في صيغة متسائلة
مكتوب في التذكرة ماشوفتيهاش ولا إيه
أجابت عليها بابتسامة عريضة
لأ أصلي متوترة زيادة عن اللزوم 
أولتها جانب وجهها وهي تبرطم بسخط بينما ظلت ابتهال تحادثها بلا أدنى شعور بالملل
عارفة بقية البعثة كلها قاعدة قدام المفروض كنا نبقى معاهم بس ملاقوش أماكن كفاية ف 
سلطت تهاني كامل نظراتها على ما تطل عليه نافذتها الصغيرة وهذا الصوت المحتقن بداخلها يردد في نقم
هو أنا كنت ناقصة واحدة زيها!!
مضت ساعات مكوثها بالطائرة بطيئة للغاية لم تسلم خلالها من لسان ابتهال الثرثار فقد كانت تملك طاقة كلامية لا تنضب أبدا وعلى قدر طاقة تحملها حاولت تهاني تجاهلها وتعاملت معها بجفاء ورسمية بحتة لكنها لم تفهم بالتلميحات المبطنة ولا بالإشارات
المعلنة حيث واصلت تحريك فاهها لتحكي في أي شيء وكل شيء ما إن انتهت كلتاهما من إجراءات الوصول حتى أسرعت تهاني في خطاها لتبتعد عنها لكنها كانت كظلها لحقت بها ولم تتركها تغيب عن نظرها لثانية 
بمجرد أن اقتربتا من باب الخروج من صالة المطار لفحة من الهواء الساخن لطمت وجنة ابتهال فراحت تشتكي وهي تحرك يدها كالمروحة لعلها تحصل على نسمة مرطبة
ياني على الجو ده ولا جهنم 
نظرت لها تهاني شزرا هي مثلها تشعر بسخونة الجو وتوقعت اختلاف المناخ هنا ومع ذلك لم تشتك أضافت هذه المزعجة بعد زمة سريعة لشفتيها
وربنا احنا بلدنا نعمة الهوا فيها يرد الروح وينعش القلب 
كالعادة لاذت بالصمت الإجباري معها وتابعت سيرها نحو المخرج فسألتها ابتهال مستفهمة
هما قالوا هنركب إيه عشان نروح السكن
نفخت بصوت مسموع قبل أن تجيبها
في أكيد أتوبيس هيوصلنا مش هنمشيها يعني!
انتبهت ابتهال لأحدهم على وجه الخصوص وهو يقف أعلى الرصيف الخارجي للمطار فصړخت بفرحة وكأنها رأت نجما سنمائيا
بصي هناك ده دكتور عبد الحافظ هو المسئول عننا هنا الحمدلله إني شوفته 
اندهشت لمبالغتها وظلت تحدق بها وهي تأمرها
تعالي نروحله أكيد هو مستنينا 
لم تكتف بذلك بل صړخت عاليا غير مبالية بلفت الأنظار إليهما
يا دكتور عبد الحافظ يا دكتور!
نظر إليها الرجل الخمسيني الوقور باهتمام بدا على ملامحه عدم الاندهاش لرؤياها وتقدم ناحيتها مرحبا بها
حمدلله على السلامة يا دكتورة ابتهال 
اتجه بنظراته نحو تهاني وأكمل
أنا مستنيكم من بدري 
لم يحد بناظريه عنها وهو يسألها ليتأكد
دكتورة تهاني مظبوط
هزت برأسها قائلة
أيوه 
مد يده لمصافحتها وهو يعرف بنفسه
أنا الدكتور عبد الحافظ المسئول هنا 
رسمت ابتسامة صغيرة مهذبة على محياها مبادلة إياه التحية
اتشرفت بحضرتك 
تساءلت ابتهال مستوضحة وهي تدور برأسها حولها كأنما تفتش عن أحدهم
أومال باقي الزملاء فين سبقونا ولا إيه
أشار نحو حافلة متوسطة الحجم قبل أن يخبرها
موجودين في الأتوبيس 
عندئذ مالت بجسدها نحو تهاني لتهمس في أذنها بتذمر
شكلنا آخر ناس
خلصوهم باين الكوسة هتشتغل من أولها 
كزت على في حنق مزعوج منها أشاحت بوجهها بعيدا ولفظت زفيرا طويلا وهي تردد بلا صوت
ارحمني يا رب 
عن عمد تعمدت أن تسد أذنيها عنها حين جلستا متجاورتين في الحافلة الصغيرة علها تيأس منها وتصمت التهت تهاني بالتحديق في الطريق وطافت ببصرها عبر زجاج النافذة على المعالم الصحراوية المحيطة بها كانت الطبيعة البيئية لهذه المنطقة تختلف عما اعتادت رؤيته في نهار عملها الروتيني من زحام واختناق مروري فالسماء كانت باهتة والغبار انتشر كالسحاب فجعل الرؤية ضبابية في أماكن ومتوسطة في أماكن أخرى تسلل إليها وهي تحاول اللحاق بكل ما تراه لتحفظه الشعور بالرهبة والارتياب وأدت ما انتابها من أحاسيس خائڤة متسلحة بطموحها غير المحدود 
تباطأت سرعة الحافلة عند منطقة سكنية معينة فأمعنت تهاني النظر بتدقيق لتعرف تفاصيل المكان جيدا فمن المفترض أن تقطن هنا من الخارج بدت البناية نظيفة حديثة الطلاء جيدة التصميم لكن حين صعدت للأعلى وتحديدا للطابق الثالث حيث يقع بيتهما المستأجر انتظرتها مفاجأة غير سارة فما إن وضعت المفتاح في قفل الباب ووطأت للداخل صډمتها رائحة الهواء العطن فجعل صدرها ينقبض أحست بشيء غير مريح يناوشها أنارت الإضاءة فحلت
مفاجأة أخرى أكثر صدمة عليها تجولت ببصرها على ما يوجد بها فرأت كيف يبدو الأثاث قديما ومستهلكا من كثرة الاستعمال تتناثر الكراكيب بعشوائية عند الأركان
ناهيك عن حاجة أرضيتها للتنظيف الشديد لم تكن مثلما توقعت أبدا! راحت تردد بذهول وعيناها تبرقان بشدة
معقولة دكاترة محترمين زينا يقعدوا في مكان زي كده
جعلتها الصدمة
تتجمد في مكانها للحظات وقد توقف عقلها عن التفكير في حين انبهرت ابتهال بالصالة المتسعة وبدأت تتجول بحماس في محيطها وهي تخبرها
أما أوضة شرحة وبرحة بصحيح 
ألجم تعليقها الغريب لسانها لوهلة لكن اندلع الڠضب بها فصړخت مستنكرة
إنتي بتقولي إيه
استغربت ابتهال من تشددها وعقدت حاجبيها في اندهاش وهي تزيد من صياحها الغاضب
ده عاملة زي علبة الكبريت!
ردت ببرود استفزها
هو احنا لينا أكل ولا بحلقة ده احنا مش هندفع مليم يوووه نسيت هي العملة هنا يجيلها بكام
سئمت من تساهلها ومن شخصها المغيظ فهدرت فيها بانفعال
أنا ماقبلش بحاجة أقل من اللي استحقه 
انهت جملتها واندفعت نحو الخارج فتبعتها ابتهال مذهولة وهي تسألها
رايحة فين يا تهاني
حاولت إيقافها عنوة فلكزتها تهاني بعصبية في ذراعها وهي تصرخ بها
حاسبي من طريقي 
تقدمت عنها في خطواتها ثم وقفت قبالتها وسألتها بتخوف
من أولها هتعملي مشاكل كده هيقولوا عننا إيه
دفعتها بقسۏة لتزيحها من أمامها وصوت صړاخها يسبقها
ابعدي عن خلقتي السعادي أنا روحي في مناخيري 
تأوهت من الوكزة القوية وتغاضت عن شعورها بالألم اللحظي وهتفت تتوسلها
استهدي بالله بس وآ 
قاطعتها تهاني قبل أن تستأنف وصلة تذللها المستفزة صائحة بإصرار ووجهها يشتعل بحمرته الحانقة
إنتي عاوزة تقعدي في أوضة الفران دي يبقى براحتك لكن أنا لأ!!!
التنازل لمرة يعني بدء المسير في رحلة المشقة لم تقبل تهاني بما

لا تستحق وأصرت على تمسكها بما ترغب إلى أن ظفرت في الأخير بمبتغاها وحصلت على ما يليق بها انخطفت أنفاس ابتهال وبهرت عيناها بوميض لامع وهي تتجول بداخل السكن الآخر الذي تم توفيره لهما للسكن فيه قفزت كالصغار على الأريكة الجلدية وجلجلت نبرتها قائلة بنبرة مديح
وربنا كان معاكي حق تعملي الشبورة بتاعتك دي المكان أحسن بكتير فرق السماء من الأرض 
ركزت بصرها على رفيقتها وتابعت
أنا بعد كده هاخدك معايا في أي حاجة 
لم تنطق تهاني بكلمة اكتفت بالاستمتاع بشعور النشوة الذي تغلغل فيها وجعلها تبدو كبطلة خارقة رغم أنها لم تفعل الكثير تظاهرت بعدم الاكتراث ووضعت هذا القناع الجليدي على ملامحها ثم أمسك بمقبض الحقيبة وسحبتها نحو الغرفة التي اختارتها لتكون خاصة بها فتساءلت ابتهال في تحير
إنتي رايحة فين مش هتقعدي معايا شوية
حانت منها نصف التفافة ناحيتها لتعلق برسمية
داخلة أوضتي ولو سمحتي يا ريت ما يكونش في إزعاج أنا عاوزة أرتاح 
زينت ابتهال وجهها ببسمتها المتسعة وردت وهي تشير إليها
حقك طبعا 
بمجرد أن تابعت مشيها وجدتها تكلمها من خلفها بثرثرتها المعتادة
بس عاوزين نلف حوالين المكان عشان نعرفه 
تجاهلتها عن قصد لتلج إلى غرفتها صافقة الباب ورائها پعنف مما جعل ابتهال تنتفض في مكانها رفعت حاجبها للأعلى ورددت بتجهم طفيف
هي مالها كده
سرعان ما تبدد الضيق من على قسماتها لتتابع محدثة نفسها بابتسامة أشد اتساعا وهي تجلس باسترخاء على الأريكة
يا سلام على الأعدة الملوكي اللي هنا!
أراحت مرفقيها على حافة النافذة واستندت بذقنها عليهما معا لتتطلع بشرود حزين إلى المارة السائرين في الشارع بدت من بعيد كما لو كانت غارقة في دوامة من الهموم والأثقال وحين أتت فردوس وجلست إلى جوارها لم تشعر بوجودها بقيت في انفصالها الواجم عن الواقع لمزيد من الوقت وضعت ابنتها يدها على كتفها لتنبهها إليها وهي تتساءل باهتمام
مالك يامه سرحانة في إيه
أجابت دون أن تنظر تجاهها
قلبي متوغوش على أختك مكانش لازم نسيبها تسافر نهائي 
مطت فردوس فمها قليلا في غير تأثر ثم غمغمت معقبة وهي تداعب بأناملها جديلة شعرها التي طرحتها على كتفها
ما إنتي عارفة دماغها الحجر مهما عملنا مكوناش هنمنعها عن اللي هي عاوزاه 
تنهدت عقيلة
مليا سائلة نفسها بصوت مسموع أيضا لابنتها
يا ترى عاملة إيه دلوقتي يا كبدي
بنفس الهدوء الواثق أخبرتها
هي ناصحة وهتعرف تتصرف 
المزيد من العبوس القلق حل على تجاعيد وجهها وهي تردد
يا خۏفي من الغربة تغيرها ولا تعمل فيها حاجة 
لاحت بسمة هازئة على زاوية فمها قبل أن تعلق
متقلقيش عليها دي تفوت في الحديد 
غريزتها الأمومية جعلت مشاعرها المرهفة تتضاعف خوفا عليها فهمهمت بلا صوت وهذه النظرة الحزينة تطل من حدقتيها
أنصح منها والشيطان غواهم!
بصوت شبه ناعس أجاب ودون أن يفتح عينيه
لأ 
سألته في نفس الصوت الحنون الخاڤت
طب تحب أفضل كمان شوية أشوف مزاجك وطلباتك
لاحت ابتسامتها المتدللة على وجهها وقالت وهي تعتدل واقفة
ماشي يا سيدي وسيد الناس 
لوح لها بيده قبل أن يعاود الاستلقاء على جانبه وهو يقول بتثاؤب
سلام يا حلوة 
تحركت الخادمة خارج الغرفة تجاه باب البيت وهناك انتعلت حذائها القديم وهذا الصوت يردد في رأسها
المرة الجاية هابقى أطلب منه جزمة جديدة مش خسارة فيا 
أمسكت بالمقبض وأدارته لتفتح الباب لكنها تجمدت في مكانها مصعوقة عندما رأت شقيقه يقف عند العتبة يطالعها بنظرات احتقارية مشمئزة كان الأخير يعرفها تمام المعرفة فهي إحدى خادمات القصر ممن عملن لمدة قصيرة قبل أن يتركن العمل دون تبرير واليوم عرف السبب فهي متواجدة هنا في هذا المنزل المعزول للقيام بمهام أخرى لا تتضمن أي معايير أخلاقية فيها نكست الخادمة رأسها في خزي خجل وخرجت من البيت قائلة بصوت مهتز
اتفضل يا بيه 
ظلت تعابيره المتأففة معكوسة على محياه حدجها بنظرة ڼارية وهي تتجاوزه لتمر قبل أن ېهينها بكلمات كانت كالخڼجر في صدرها ابتلعتها مضطرة وهي تهبط على الدرج مجرجرة كرامتها المهانة ورائها صفق سامي الباب پعنف وهو لا يزال يردد بعصبية
حاجة تقرف 
مسح الصالة غير المرتبة بنظرة بطيئة تظهر نفوره الشديد فهذا البيت أو ما يطلق عليه وكر الملذات هو المكان الدائم لإقامة شقيقه كلما عاد من سفره ورغم تعدد نزواته الطائشة إلا أنه ظل الابن المفضل لدى أبيه تجول على مهل مخاطبا نفسه وسحنته قد انقلبت على الأخير عندما رأى بقايا الطعام متروكة على المائدة بجوار زجاجة للخمړ وأكواب متسخة
طبعا ده المتوقع منك يا مهاب سايب بيت العيلة وقاعد ليل نهار هنا عشان تشوف مزاجك مع الأشكال دي!
بخطوات متعصبة سار ناحية غرفته الموجودة في نهاية
الرواق ظلت تعابيره متجهمة وهو يناديه عاليا بما احتوى على إهانة ضمنية
اصحى يا دكتور يا محترم!
دون أن يبدو مباليا بوجوده سحب مهاب الوسادة من أسفل رأسه ووضعها عليها ليقلل من وتيرة الصوت المرتفع الذي يفسد عليه نومه حاول سامي انتزاعها من أعلاه لائما إياه بحدة
استلقى مهاب على ظهره وطالعه بنصف عين قبل أن يكلمه ببرود
ليه الزعيق بس يا سامي ماينفعش تتكلم من غير دوشة
استشاط ڠضبا من رعونته وردوده المستفزة فعنفه
إزاي سامح لنفسك ټغرق في القرف ده
أزاح شقيقه الغطاء عن جسده وخفض قدميه قائلا وهو يفرك وجهه
إنت جاي تديني محاضرة في الأخلاق على الصبح 
احتفظ سامي بطريقته المحتدة في التعامل معه عندما أخبره
لازم أعمل كده طالما إنت مخلي اسم العيلة في الوحل 
وضع مهاب ابتسامة عابثة على ثغره كان واثقا أن مدلولها سيصل إليه دون الحاجة للإيضاح وأضاف بمكر مغيظ وهو ينهض واقفا
لأ اطمن كل اللي بيخرج من عندي بيكون مبسوط 
فارق الطول والتأثير بينهما كان ملحوظا فالغلبة كانت ل مهاب وإن كان سامي الأكبر سنا لكن الأول امتاز بسمات السيطرة والتسلط والقدرة على إقناع الآخرين بسلاسة لذا بلا عناء سقط الأخير في فخ استفزازه اشټعل وجهه بحمرته الحانقة ليتبع ذلك لوما شديدا منه ومصحوبا بالټهديد المتواري
ولو بابا عرف تفتكر هيسكت عن المسخرة دي
تمطى شقيقه بذراعيه لينفض الكسل عنه ثم قال
فؤاد باشا مشغول بمشاريعه واستثماراته مش هيركز مع التفاهات دي 
أسلوبه المستهتر وغير المبالي بتبعات رعونته جعله أكثر تحفزا ضده فهدده صراحة عله يرتدع
إنت عارف كويس إنه لو شم خبر مش هيرحمك 
قست تعابير مهاب بشكل مخيف ونظر له قائلا بتحد
وإنت عاوز تقوله اتفضل أنا مش حايشك!!
حاول أن يظهر
اهتماما زائفا بشأنه فادعى
أنا عاوز مصلحتك يا مهاب 
من زاويته منحه هذه النظرة المخيفة ليرفع بعدها يده ويضعها على كتفه ضاغطا عليه قليلا بقوة قبل أن يهتف
اطمن أنا سايبلك كل حاجة ومسافر متقلقش من ناحيتي 
بلع ريقه وقال
إنت فاهم غلط 
فهم طبيعة شخصيته المراوغة لم يكن بالأمر العسير عليه بدا كالكتاب المفتوح قبالته يستطيع مطالعة أسطره مهما حاول ادعاء الغموض أو الطيبة لم يزح مهاب يده من على كتفه بل أبقى أصابعه تضغط عليه بخشونة مؤكدا بهدوء يدب الخۏف في النفس
لأ أنا فاهمك صح إنت عاوز تفضل طول عمرك ابن فؤاد باشا المفضل اللي ماشي تحت طوعه وأنا هسيبلك الساحة ومش هحرمك من ده 
اختبأ سامي وراء عصبية مصطنعة وصاح ملوحا بذراعه بعدما ابتعد عنه شقيقه الأصغر
خليك كده مش عارف مصلحتك فين 
لم ينظر تجاهه ومشى بتؤدة ناحية الحمام وصوته يصيح به
لو خلصت محاضرتك ماتنساش تقفل الباب وراك 
بالكاد كظم سامي غضبه وسحب شهيقا عميق يخنق به الڠضب المندلع في أعماقه فغيرته منه لا تزال كما هي مشټعلة ومتزايدة طرد الهواء على هيئة زفير بطيء وردد بما بدا شبيها بالوعيد
استحمل يا سامي كلها كام يوم ويمشي وساعتها هتبقى إنت الوريث المنتظر لإمبراطورية الجندي!!!
الفصل الثالث
موعد فلقاء ف 
رغم تفاوت أعمارهم إلا أن القاعة الدراسية امتلأت بعشرات منهم فجميعهم قد جاءوا وافدين من مختلف الدول لتلقي محاضراتهم بنهم
واهتمام كما راحوا يعملون كالنحل في خليته لتدوين كل ما يملى عليهم من معلومات قيمة ومفيدة لئلا يفوتهم أي مستجد طرأ على الساحة العلمية بعد ساعات متصلة من التركيز والمتابعة حصل الجميع
على وقت للاستراحة وإعادة شحن طاقاتهم المستهلكة تجولت ابتهال بصحبة تهاني في أروقة المكان لتفقده لاحظت كلتاهما كيف امتاز الحرم الجامعي بالعراقة والفخامة فغمرهما شعوري الانبهار والفخر فقد كان من النادر الظفر بفرصة كتلك 
تناثر الطلبة بين الأروقة وعند القاعات المخصصة للدراسة غالبيتهم كانوا من الشباب الذكور قلما رأوا شابات يافعات بينهم اربد وجه ابتهال بنضارة متحمسة ومالت على رفيقتها تهمس لها بعينين لامعتين تحويان لهفة طامعة وهي تتأمل حلقة الشباب القريبة منهما
شايفة الدكاترة اللي هناك دول
رمت تهاني نظرة عابرة على هذه المجموعة التي مرت من جوارها ولم تعقب بشيء بينما بقيت أنظار رفيقتها معلقة بمن في هذه المجموعة من شباب منهمك في النقاش أطلقت ضحكة خاڤتة وأضافت مازحة
المفروض الواحد يطلع من البعثة دي بعريس محترم من دول 
توقفت تهاني عن المشي وهذا التعبير المتجهم مرسوم على وجهها رمقتها بنظرة حادة قبل أن تسألها بلوم
هو
إنتي جاية تدرسي ولا تنقي عريس
أخفت المبتسمتين خلف ظهر كفها وصرحت لها بخفوت
بيني وبينك أنا عاوزة أشوف عريس لقطة هنا ما هو التعليم موجود هيروح مننا فين 
غمغمت في تأفف
فعلا كل واحد ودماغه 
تساءلت ابتهال وهي تضبط ياقتي بلوزتها الوردية
هو إنتي معايا المحاضرة الجاية
زفرت الأولى الهواء بصوت مسموع وكأنها تزيح حملا ثقيلا عنها قبل أن تجيبها بهذه الابتسامة العريضة
الحمدلله لأ 
عبست الأخيرة قائلة بضيق
يا خسارة أه لو كنا نفس التخصص مكوناش فرقنا بعض للحظة 
برقت عينا تهاني لحظيا ورددت بين جنبات نفسها وهي تسرع في خطاها لتبتعد عنها
دي كانت تبقى مصېبة تانية 
لم تنكر أن شعور النفور نشأ بداخلها تجاهها منذ اللحظة الأولى لم تستسغ صداقتها ولم تحبذ توددها اللزج إليها بالكاد حاولت التأقلم مع وجودها المفروض عليها إلى أن يحين الوقت وتنفصل كليا عنها 
بتوقير واضح في تصرفه معه انحنى ناحيته ليسحب بروية الملف من أسفل يده بعد الانتهاء من توقيعه ثم وضع آخر ليقوم بمراجعته بتدقيق قبل أن يذيله في النهاية بتوقيعه استقام سامي واقفا وتأكد من إعطاء والده كل الملفات المطلوبة قبل أن يدير في رأسه عندما سأله
أخوك سافر خلاص
أجابه بحذر وهو يستدير حول المكتب ليجلس في المقعد المقابل له
أيوه أنا وصلته بنفسي للمطار 
لم يكن سامي قد استراح بعد في جلسته على المقعد حين مد والده يده برزمة من الأوراق ناحيته وصوته الآمر يردد
عايز الملفات دي تتراجع وتجيلي تاني النهاردة 
سأله مستغربا وهو يأخذها
منه
ليه فيها حاجة مش مظبوطة
بدا وجهه جليديا ونبرته خشنة وهو يخاطبه بحزم
نفذ اللي قولتلك عليه من غير نقاش 
كان يعلم أنه ېهدد علنا لمرة واحدة وفي الأخرى تجده قد نفذ ما هدد به بجهد جهيد أخفى ضيقه من تسلطه ليقول بخنوع
حاضر 
نهض بعدئذ من موضعه استعدادا لمغادرة غرفته لكن صوته الأجش استوقفه قبيل الباب متسائلا
عملت إيه في الأرض اللي طلبت منك تخلص ورقها
تجمدت أصابعه على المقبض للحظة جعلت الارتباك القلق يتناوب عليه ازدرد ريقه وجاوبه وهو يدير رأسه ببطء لينظر إليه
معدتش فاضل غير التراخيص 
أخبره في صوت جاف صارم
عاوز أسمع إنك بدأت بنى فيها 
أومأ برأسه مبديا طاعته له لكن ما لبث أن ارتسم الخۏف على تقاسيمه وهو يتم جمله بټهديد آخر صريح
أي تقصير هحاسبك إنت!!!
مرة ثانية بلع ريقا غير موجود في جوفه وقال بتلبك
على طول يا بابا 
طرقة حانقة على السطح الزجاجي جعلته يتصلب في مكانه توجسا أتبعها صياح والده المحتج
طالما احنا في الشغل تقولي فؤاد باشا كام مرة هنبه عليك بده
اهتزت شفتاه وهو يقول
حاضر يا فؤاد باشا 
في التو خرج من الغرفة وهو يتمنى ألا يكون والده قد لاحظ ارتباكه فالأخير من النوع المرتاب المشكك الذي لا يترك شيئا دون التدقيق فيه أو مراجعته فماذا ستكون عاقبته إن علم بما حاز عليه من ربح خفي جراء قطعة الأرض التي ابتاعها وأوهمه بغلاء سعرها!!
اعتصرت الخرقة بعدما انتشلتها من الدلو تمهيدا لمسح أرضية المطبخ ليصبح المكان نظيفا لا تتراكم به البقايا أو المخلفات عند الأركان وأسفل الموقد العتيق حملت بعدئذ الدلو واتجهت به إلى الحمام لتفرغ ما فيه من ماء متسخ في البالوعة ثم أعادته إلى موضع تخزينه وسارت ناحية المطبخ لتعطي نظرة أخيرة على وعاء الطهي استنشقت بعمق الرائحة الطيبة للملفوف الشهي وأغلقت الڼار تاركة الغطاء غير محكم عليه انتبهت إلى صوت أمها المنادي من الخارج
يا فردوس!
تحركت بتؤدة نحو عتبة المطبخ وهتفت ترد
أيوه يامه 
سألتها من بعيد بنفس النبرة العالية
المحشي خلص
أجابتها من موضع وقوفها
أنا طفيت الڼار عليه وسيباه يتهوى 
أمرتها بما أصابها بقليل من الحيرة الممزوجة بالدهشة
جهزي طبق كده وصاية لخالتك أفكار 
من عينيا دقيقتين ويكون جاهز 
انشغلت في ملء الصحن وإعداده بقطع الملفوف اللذيذة لكنها تخشبت في مكانها للحظة عندما تابعت والدتها تعليماتها إليها
عاوزاكي تلبسي حاجة كويسة كده من دولاب أختك 
استدارت نصف التفاتة برأسها تجاهها وسألتها بملامح حائرة ونظرة مستفهمة
ليه
أجابت بغموض زاد من حيرتها
هتعرفي بعدين 
كعادتها لم تتجادل معها أو حتى تسعى لتقصي حقائق الأمور قالت في انصياع معتاد منها
ماشي يامه 
ملت من كثرة ساعات الدراسة وقلة أوقات الراحة فأصابها الصداع وجعل رأسها يطن كما لو كانت هناك نحلة نشيطة تسكنه لا تكل من العمل المتواصل بغير استئذان تأبطت
ذراع تهاني وسارت متثاقلة الخطى في الرواق تستند عليها بأريحية تامة وكأن بينهما صداقة ممتدة لسنوات بدت غير منتبهة للضجر الظاهر على وجه رفيقتها وراحت تشكو إليها بإرهاق واضح
ياني على ۏجع الدماغ ده كله لوك لوك كده من صباحية ربنا إيه مابيفصلوش 
انزعجت الأخيرة مما اعتبرته لزاجتها المنفرة وانتشلت مرفقها من تحت يدها بصعوبة لتسرع في خطواتها وكأنها تفر منها فحاولت الأولى اللحاق بها وهي تسألها
إنتي رايحة فين كده
أجابت مندفعة نحو الأمام ودون أن تلتفت إليها
هشوف مكان التدريب 
انقلبت سحنتها هاتفة في تأفف وقد تمكنت من بلوغها
يا خسارة كان نفسي نكون سوا 
حانت من تهاني نظرة جانبية من طرف عينها قبل أن تسمعها
الحمدلله 
استغربت من كلامها وسألتها بحاجبين معقودين
الحمدلله على إيه
المماطلة أو المراوغة معها لن يأتي بجدواه أبدا عليها أن تكون مباشرة وواضحة إذ ربما تعي في نهاية الأمر أن صداقتهما ليست كما تظن دائمة مستديمة وإنما فرضت عليها بحكم الواقع ولهذا عليها أن تضع الحدود في علاقتهما معا توقفت تهاني عن السير لتستدير ناحيتها وبدأت تكلمها بتعابير جادة
ابتهال يا حبيبتي أنا عاوزاكي تعتمدي على نفسك ماتفضليش لازقة كده في الناس عشان ما يزهقوش منك 
علقت مستنكرة حديثها
وهو في حد يقدر يستغنى عن هزاري وفرفشتي
إنتي واحدة ناضجة والمفروض تكوني مستقلة 
احنا في غربة ولازم نكون إيد واحدة 
هناك فرق بين التعاون مع الآخرين وبين ملازمتهم كظلهم ليل نهار غير تاركين أي متنفس لهم أدركت تهاني أن محاولة إفهامها طبيعة مشكلتها لن يكون بالأمر اليسير فأثرت الذهاب وهتفت مشيرة بيدها نحو الفراغ
الظاهر العربية اللي مستنياني جت سلام 
سألتها من خلفها بشكل آلي غير مانحة نفسها الفرصة لسماع أي جواب
طب هترجعي إمتى وهناكل سوا ولا هتتأخري والغسيل هنعمل في إيه ده احنا المفروض نشوف نقصدنا إيه من الطلبات ونجيبه 
تجاهلتها كليا وزادت من سرعة خطواتها فنادتها عاليا
يا تهاني! ردي عليا! طب المحاضرات ال 
سدت أذنيها عنها رافضة الإنصات لما تردده من بعيد إلى أن خرجت من البوابة الرئيسية حينئذ تنفست الصعداء وهتفت مبرطمة بصوت خفيض كأنما تخاطب نفسها
يا ساتر يا رب بجد إنسانة تخنق وتخليك تخرج عن شعورك 
إدراكها بأن قطار العنوسة ېهدد فرص زواجها جعلت همومها تزداد يوما بعد يوم خاصة أن ابنتها افتقرت لمسحة من الجمال الجذاب الذي يسلب عقول الرجال ويجعلهم يتلهفون شوقا على الارتباط بها ومع ذلك امتلكت سمات أخرى محمودة في الزوجة من كونها مدبرة جيدة تجيد الطهي والتنظيف ولينة سهلة التشكيل طوع بنان من يملك زمام أمرها لهذا لجأت للمتعارف عليه من الطرق التقليدية لعل وعسى تجد الزوج المناسب لها في الأخير وإن كان فقيرا معدما لن تمانع مطلقا أو تضع العقبات لتزويجها ستفعل المستحيل لتراها مستقرة مع أحدهم 
اصطحبت عقيلة ابنتها معها لزيارة شقيقتها القاطنة
على مسافة قريبة من مسكنها فاستقبلتهما الأخيرة بترحاب حار وودود جعل اللقاء بها ممتعا جلست الشقيقتان متجاورتان على مصطبة قديمة مجاورة للشرفة تضحكان في ألفة ومحبة عاتبت أفكار شقيقتها الصغرى بنظرة حانية وهي تشير إلى ما أحضرته معها مما لذ وطاب
مكانش ليه لازمة التعب ده هو أنا غريبة 
أبدت اعتذارها منها بلطافة وهي تربت على فخذها برفق
ده أنا مقصرة معاكي ياختي أديلي زمن ما شوفتكيش 
ثم أعطت ابنتها أمرا واضحا
قومي علقي على الشاي يا دوسة 
مسحت الأخيرة على جانبي الثوب الذي ترتديه لتفرده وهي تنهض وقالت مبتسمة
حاضر يامه 
استطاعت الانفراد بشقيقتها بعد
أن صرفتها لئلا تساورها الشكوك وهي تستفيض في الحديث معها استهلت عقيلة كلامها متسائلة بشكل روتيني
وإنتي إزاي صحتك دلوقتي
أجابت باسمة في رضا
في نعمة والحمدلله 
كان التعليق التالي منها مصحوبا ببسمة مماثلة
يستاهل الحمد 
تولت أفكار دفة الحديث مجددا فمال ناحية شقيقتها تسألها باهتمام
مافيش جديد عن بنتك تهاني
هزت رأسها نافية وهي تجيبها
لا لسه أدينا مستنين منها مكالمة ولا جواب تطمنا بيه على أحوالها 
عاتبتها وهي مقطبة الجبين
مكانش لازم تسبيها يا أم تهاني السفر للبنات مش حلو 
ثم خفضت من نبرتها خاتمة جملها بتحذير أصاب قلبها بارتجافة متوجسة
وإنتي أدرى الناس باللي بيحصل ولو غاب الرقيب 
ردت برجاء
إن شاءالله ما يحصلش حاجة أنا اللي مطمني إن العلم واكل دماغها 
أخفت عقيلة قلقها الذي انبثق بداخلها لتنظر إلى ابنتها عندما عادت وهي تحمل صينية بها أكواب الشاي تكملت الأخيرة باسمة وهي تناول الكوب الزجاجي لخالتها
الشاي أهوو يا
خالتي 
ثم أعطت والدتها خاصتها وتابعت مشيرة بيدها الأخرى الطليقة كأنما تشرح لها
وابور الجاز عاوز يتصلح مرضاش يولع خالص 
ارتسم العبوس على وجه أفكار وهي تفسر لها سبب عطله
ده بقاله يومين على الحال ده عاوزة أشوف حد يبص عليه ده إيدي ورجلي هنا لأحسن مبقدرش أقف على البوتجاز كتير 
من تلقاء نفسها اقترحت عقيلة
نوديه عند أبو منسي هو أجدع واحد يسلك بوابير الجاز 
استحسنت شقيقتها الفكرة وعاودت النظر إلى فردوس عندما وجهت أمها إليها الحديث بصيغة شبه آمرة
ابقي جهزيه يا دوسة ناخده معانا واحنا نازلين 
أبدت طاعتها المعتادة عندما ردت
حاضر يامه 
دعت لها خالتها وهي تبتسم لها
نتعبلك كده نهار فرحتنا بيكي يا غالية 
تورد وجهها من الخجل وقالت وهي تجلس في الخلف على الكرسي الخشبي
تسلميلي يا خالتي 
تسامر بعد ذلك ثلاثتهن في مواضيع
شتى دارت غالبيتها حول مشاكل الجيران وأهالي المنطقة أخرجهن من التفاصيل المتشعبة صوت قرع الجرس وقتئذ انتصبت أفكار في جلستها فقد سعت بجهد جهيد للتحايل على الظروف المعاندة من أجل خلق فرصة مناسبة لابنة
شقيقتها فإذ ربما يحدث المراد وتلقى القبول من أحد الأغراب في التو فردت كتفيها قائلة بلهجة ودية لكنها آمرة 
قومي شوفي مين على الباب يا دوسة 
امتثلت لطلبها قائلة وهي تنهض من موضعها
حاضر يا خالتي 
استدارت ولم تلحظ
النظرات المعقودة على آمال كبيرة تجاهها وهي تتعلق بظهرها أثناء ذهابها بعيدا عنهما سارت فردوس بتعجل نحو الباب لتفتحه فتفاجأت بوجود أحدهم يسد عليها الفراغ له طول فاره وبشرة وجه سمراء وشعر قصير فاحم مموج يرتدي قميصا مخططا يجمع بين درجات اللون الأزرق على بنطال من الجينز انفرجت شفتاها عن دهشة متعجبة سرعان ما تنبهت لكونها قد أطالت التحديق فيه عندما بادر ملقيا التحية
سلام عليكم 
أطرقت رأسها حرجا وهي ترد
وعليكم السلام 
سألها متحاشيا النظر تجاهها
الحاجة أفكار موجودة
لم تتمكن من الإجابة عليه حيث أسمعته خالتها صوتها وهي تخبره من الداخل
تعالى يا بدري أنا هنا 
عندئذ تنحت للجانب لتسمح له بالمرور فرأته ممسكا بحقيبة معدنية في يده خفض بدري من صوته مرددا
يا رب يا ساتر 
تقدم ناحية صاحبة البيت التي أتت إليه هاتفا بنوع من الاحترام
إزيك يا حاجة
قالت وهي تقترب منه بتعابير بشوشة
في نعمة والحمدلله مواعيدك مظبوطة يا بدري 
ضحك معلقا بعدها في مرح
إنتي عارفاني مقدرش أتأخر عليكي 
ربتت على جانب ذراعه تشكره
تعيش يا ابني 
إيه المشكلة
أخبرته بقليل من التجهم
الحنفية عمالة تنقط ومش عارفة إن كانت عاوزة چلدة جديدة ولا آ 
قاطعها قبل أن تتم جملتها بعد أن استنبط طبيعة مشكلتها
أنا هشوفهالك 
تهللت أساريرها للأمر وقالت بنظرة غامضة مخاطبة ابنة شقيقتها
روحي معاه يا فردوس 
قفزت الأخيرة في مكانها مشدوهة للطلب غير المتوقع منها فبرقت عيناها تجاهها وظلت على حالتها المصډومة وهي تتابع أوامرها لها
وخليكي على إيده لحد ما يخلص ماتسبيهوش وشوفي طلباته لأحسن ركبي شادة عليا ومش قادرة أقف على حيلي 
حاضر يا خالتي 
سارت في إثره بخطوات متعثرة تدل على ارتباكها فلم تختل مطلقا بأحد الغرباء عنها دون وجود أمها إلى جوارها لكن بداخلها استشعرت ترتيبا خفيا يتم من أجلها ويا ليته يأتي بنتيجة مرجوة!
غابت عقيلة عن المشهد متعمدة لئلا تسبب الحرج لابنتها لكنها استرقت السمع من موضعها رفعت كفيها للسماء وراح لسانها يدعو في رجاء شديد
ربنا يجعل في وشك القبول المرادي 
انضمت إليها شقيقتها وهي تختم دعائها فقالت هي الأخرى 
يا رب ياختي 
عم الوجوم على ملامح عقيلة فاستطردت في نبرة مهمومة
البت دي بختها قليل أوي وخاېفة أموت وأفوتها كده لوحدها لا سند ولا ضهر 
من فورها ردت أفكار بنظرة معاتبة
بعد الشړ عليكي متقوليش كده حسك بالدنيا يا حبيبتي وبعدين كل شيء قسمة ونصيب ووقت ما يجي نصيبها محدش هيحوشه 
تنهدت مليا وببطء قبل أن تضيف والأمل يبزغ في أعماقها
يسمع منك ربنا 
لم يحدث جلبة وهو يعمل في صمت لتبديل قلب الصنبور غير الصالح بآخر جديد انهمك في أداء ما جاء لأجله بتركيز شديد كأنه جراح يجري عملية جراحية دقيقة تتطلب كافة طاقته وقدراته ومع ذلك انتهزت الفرصة لتراقبه بغير
حرج وتتأمله عن قرب الآن تفقه ذهنها لسبب إصرار والدتها على ارتداء أحد أثواب شقيقتها وكانت ممتنة لذلك وإلا لبدا مظهرها أقرب للخادمات عن الشابات اليافعات مسدت فردوس على جانبيها بخفة لتفرد ما تجعد من القماش ثم رفعت يدها للأعلى لتمسح سريعا على مقدمة رأسها لتتأكد من تسوية شعرها فتشت بنظراتها سريعا عن شيء لامع يشبه المرآة لتلقي نظرة خاطفة على وجهها انتفضت مرة واحدة عندما تكلم فجأة دون استهلال
أنا كده ظبطت الحنفية وكله بقى تمام 
وكأن لسانها قد علق بداخل جوفها فاستغرقها الأمر لحظات حتى ترد عليه بابتسامة مشوبة بالخجل
تسلم تعبناك معانا 
جمع عدته المتناثرة هنا وهناك في صندوقه المعدني فسألته وقد تسرب الخجل إلى دمائها فاندفع مسببا توردا خفيفا في وجنتيها
تحب أعملك شاي
أجاب بلا تردد وفي التو
يا ريت 
سألته مبتسمة وهي ترمش بعينيها
كام معلقة سكر
قال وهو يستقيم واقفا
تلاتة 
لوهلة شعرت بنظراته تطوف عليها كأنما تفحصها وتتفرس فيها فزاد خجلها وشعورها بالارتباك إنها مرتها الأولى التي تتعرض فيها لمثل هذه النوعية من النظرات القريبة المهتمة إحساسها كأنثى مرغوبة جعلها تشعر بالنشوة والسرور فقلما وجدت من أحدهم ذاك الاهتمام بسبب استحواذ شقيقتها على كل الانتباه والإعجاب تضاعفت ربكتها مع قدوم خالتها لتتساءل في مكر
إيه الأخبار يا ولاد
بلهفة عجيبة أجابت فردوس وقد ملأ الإشراق قسماتها
الأسطى بدري صلح الحنفية خلاص 
أطلقت أفكار ضحكة مرحة قبل أن تمتدحه
طول عمره أسطى أد الدنيا 
هتف مجاملا وهو يسير تجاهها
كتر خيرك يا حاجة 
أشارت له بالتحرك وهي تخاطبه
تعالى اقعد معانا حلة أهوو تستريح شوية وتاخد نفسك 
حمحم معترضا في تهذيب
أنا معملتش حاجة تستاهل 
أصرت عليه بتصميم أكبر
ودي تيجي ده إنت في بيتي 
علق باسما وهو يسير معها
مش هكسرلك كلمة يا حاجة 
توقفت أفكار عن المسير لتستدير من جديد نحو ابنة شقيقتها تأمرها
وإنتي يا دوسة صبي الشاي وحصلينا 
قالت بوجه متورد بشدة وهي ترمش بعينيها في استحياء
حاضر يا خالتي 
أحست فردوس بدبيب قلبها المتحمس يتسارع لم تتخيل أن تنتابها مثل هذه الأحاسيس المتعاظمة لمجرد رؤية أحدهم يظهر اهتماما زائدا بها ربما بدا عاديا للآخرين لكنه معها كان مختلفا! وضعت كلتا يديها على وجنتيها تتحسس السخونة المنبعثة فيهما دارت حول نفسها كأنما ترقص فرحا ورفعت بصرها للسماء مرددة
اجعله بالخير يا رب 
تنهدت مليا وأغمضت عينيها محاولة إعادة هذه اللحظات القليلة في ذاكرتها لتنتشي مجددا ويا ليت حلمها الوردي يكتمل!
ما إن انتهت من إعداد الشاي الساخن وتقديمه للضيف مع بعض الحلوى الشهية حتى لحقت فردوس بوالدتها التي انتظرتها بجوار باب البيت تمهيدا لذهابهما فلا داعي لبقائهما بعد انقضاء الموعد المدبر وكذلك تجنبا للمزيد من الحرج والتوتر الخجل ومع ذلك لم تغفل عن اختطاف نظرة أخيرة قبل انصرافها لتجعل ذكراها ملازمة لها لبعض الوقت تركت عقيلة الساحة لشقيقتها لتكمل ما بقي عالقا فاستطردت
تتساءل مباشرة بعدما اقتصرت الجلسة عليهما فقط
ها عجبتك قول ما تتكسفش رأيك إيه فيها
بتردد محسوس في صوته ومعكوس على ملامحه ونظراته حاول بدري المناص من هذا الموقف المراوغ قائلا
أصلي مابفكرش في الجواز دلوقتي 
من فورها سألته وقد قاربت ما بين حاجبيها
وحد قالك قوم اتجوز بكرة!
هم بالاعتراض لكنها بادرت بإيقافه بإشارة من كف يدها فالتزم الصمت حينئذ استرسلت بمكر ناعم لإقناعه
بس مافيش مانع تخطب واحدة بنت حلال من أصل طيب مش طمعانة في حاجة غير حيطة تداريها وراجل ياخد باله منها 
رفع يده على جانب رأسه ليهرشه معقبا
مش عارف والله يا حاجة!
استخدمت نفس الأسلوب المحنك في التأثير عليه بترديدها
مش عشانها بنت أختي بكلمك عليها مع إن المثل بيقول أخطب لبنتك وماتخطبش لابنك بس البت زي العجينة الطرية تشكلها زي ما إنت عاوز مش بتاعة مشاكل 
فرقع أنامله مبديا ردا محايدا
اللي فيه الخير يعمله ربنا 
أمعنت النظر في وجهه مضيفة في لطافة وألفة وهي تقرب طبق الحلوى منه
فكر كده ورد عليا وصدقني مش هتندم 
ثم ابتسمت بمحبة ولم تزد حرفا تاركة الفرصة له للتفكير بجدية أكبر في شأن الارتباط بها مع وعد برد قريب على عرضها إما بالقبول أو الرفض! 
لم تعتد بعد على هذا القدر من الإجهاد المتواصل لفترات طويلة بالإضافة لمحاولتها المضنية للتأقلم مع اختلاف المناخ وتغيير
نمط تناولها للطعام الجيد الذي يعود عليها بفائدة سرعان ما أحست تهاني بالإعياء يجتاحها ورغم هذا قاومت الاستسلام له وتابعت انتظام جدول دراستها الذي يلحق به ساعات تدريبها إلا أن التعب تمكن منها في الأخير بالكاد كانت تمشي باعتدال وهي تهبط الدرجات لتتجه نحو موقف السيارات حيث تتواجد العربة المخصصة لإعادتها إلى
مكان سكنها 
توقفت لأكثر من مرة واشتدت قبضتها على الدرابزين المعدني المؤدي في نهايته للباحة الخلفية أدركت أنها لن تستطيع الصمود ما لم تتوجه إلى عيادة الطوارئ الملحقة بالمشفى للاطمئنان على صحتها سحبت نفسا عميقا واستدارت لتعاود الصعود للأعلى لم تنتبه في خطواتها لمن اصطدمت به في كتفه وهو يهبط عكسها اعتذرت منه في التو دون أن ترفع رأسها وتنظر ناحيته
أسفة 
جاءها صوتا رجوليا متسائلا بلهجة مصرية
إنتي كويسة
أجابت باقتضاب
يعني 
سألها
 

تم نسخ الرابط