رحلة الاثام منال سلامة

لمحة نيوز


قائلة
أيوه لحظها أناديها 
تركت الباب مواربا وغابت للحظات بالداخل لتعود إليه شابة أخرى ترتدي ثوبا منزليا فضفاضا ومزركش الألوان معقود من طرفه ومربوط من خصره جعلها تبدو كما لو كانت قد انتهت لتوها من المساعدة في حرث الأرض الزراعية توقف عن تحديقه المتعجب حينما سألته ابتهال في فضول
إنت عاوزني يا أستاذ
أجاب عليها بصيغة تساؤلية
ماتعرفيش دكتورة تهاني راحت فين
شملته بنظرة غريبة مطولة كأنما تتحقق بها من شيء ما ثم تمتمت بلا صوت وكأنها تحادث نفسها
إنت بقى الدكتور الحليوة!!
رمقته بهذه النظرة الثاقبة المغلفة بالغيرة والاستنكار وهي لا تزال تتحدث في جنبات نفسها
والله برافو عليكي يا تهاني عرفتي تجيبيه على ملا وشه!!
ما لبث أن طفا الشړ على
صفحة وجهها لتقول في حقد وبلا صوت
بس على مين وربنا لأفسدهالك!
انتبهت لصوت مهاب المتسائل بانزعاج بعدما ضجر من مماطلتها الفارغة
إنتي مش سمعاني ولا حاجة
ضحكت في سخافة وأخبرته بالكذب
لا مؤاخذة أصلها عقبالك اتخطبت 
برقت عيناه في ذهول صاډم وردد بغير تصديق
أفندم!!
أكدت له بثقة تامة وهي تصيغ كذبتها بإتقان لتضمن بشكل تام إفساد أي محاولة للتقارب بينهما من جديد
أه وخطيبها حمش أوي مارضاش يسيبها لواحدها عازبة كتير ده تلاقيه اتجوزها 
كرر في صدمة أكبر وقد ارتفع حاجباه للأعلى
اتجوزت
استندت بذراعها على إطار الباب الخشبي وقالت بلؤم خبيث
أومال مفكر هي سابت السكن ليه
ثم رفعت يدها الأخرى لتسوي شعرها الفاحم وهي تتابع بمكر
عموما أنا في الخدمة لو عاوز حاجة أنا عشرية وعمري ما أقصر مع الناس اللي بحبهم 
حدجها بنظرة احتقارية قبل أن يوليها ظهره منصرفا دون أن ينطق
بشيء فانتصبت في وقفتها مستنكرة هذه المعاملة الازدرائية لتهتف من ورائه في حدة
إيه مافيش شكرا حتى!!
ابتعد عن محيطها والصدمة تكاد تأكل رأسه المشحون استطرد محدثا نفسه في صوت متسائل ومغتاظ وهو يهبط الدرجات ببطء
طب هي عملت كده ليه !!!
يتبع الفصل العاشر
الفصل العاشر
زواج أم 
كان وجهه واجما متكدرا ويظهر عليه الضيق الشديد لم يستوعب كيف لشابة معډومة الخبرة مثلها أن تنجح في التحايل عليه ومراوغته لمجرد التسلية الفارغة وهو سيد من يقوم بهذه الأمور اللئيمة ببراعة وفي النهاية تترك كل شيء وراء ظهرها وتتزوج بآخر دون أن ينال مبتغاه منها خرج من المدخل مستاء للغاية تنطلق من عينيه نظرات الحنق وزاد من إحساسه بهذا الشعور الناقم وجود ممدوح بالسيارة حتما لن يمرره دون سخرية أو استهزاء وهذا ما لا يحبذه مطلقا فأحب ما لديه أن يتغذى بداخله شعوري الغرور والسيطرة لا الانتقاص منهما ما إن رآه الأخير ظاهرا في مرمى بصره حتى فتح الباب وترجل من السيارة ليهتف متسائلا دون استهلال
قابلتها
رفض مهاب الحديث بشيء واتجه إلى موضعه خلف عجلة القيادة فتبعه رفيقه بنظراته الفضولية وهو يعلق باستخفاف
شكلها ادتك الوش الخشب!
ثم أطلق ضحكة ساخرة منه ليستفزه أكثر قبل أن يتابع بنفس الوتيرة وهو يستقر مجاورا له
وإنت الصراحة مش متعود غير على الحاجات الناعمة والطرية 
لم يطق تحمل سخافاته فاستطرد بصوت ثقيل وهو يدير المفتاح ليشعل المحرك
تهاني اتجوزت!
حملق فيه مندهشا ليعلق بعدها بنبرته الذاهلة
نعم إنت بتهزر صح
رد في وجوم وهو يخفض الزجاج الملاصق لجانبه
لأ زميلتها قالتلي كده 
مط ممدوح فمه متمتما
غريبة!
لم يضف مهاب أي شيء وانطلق بالسيارة بعيدا عن المكان لكن ممدوح واصل التعقيب الهازئ من الأمر برمته فأردف ضاحكا باستمتاع مغيظ
كده احنا الاتنين طلعنا برا اللعبة وهي اللي كسبت يا باشا 
نفخ رفيقه بصوت مسموع وحذره في غير صبر
مش عاوز كلام زيادة 
مد ممدوح ذراعه ولكزه في جانب كتفه بخفة كأنما يمزح معه واستمر في تعليقه المستفز 
حقك تزعل أول مرة تخسر وقصاد مين واحدة مالهاش وزن ولا قيمة عند مهاب الجندي!
فقد آخر ذرات هدوئه فالټفت برأسه تجاهه وزجره في عصبية
كفاية يا ممدوح أنا مش ناقصك 
تراجع الأخير عن مواصلة إغاظته وقال ملطفا بابتسامة سخيفة
ماشي تعالى نشوف حتة نغير فيها جو 
دون أن ينظر ناحيته أخبره في لهجة حاسمة
أنا هوصلك بيتك وبس 
لم يجادله كثيرا فأوجز في الرد وهو يسترخي في المقعد كما لو كان الأمر يروقه بشدة
براحتك 
اختطف بين الحين والآخر نظرة عابرة نحوه غير مبال إن كان يراه رائق المزاج
أم لا فهذه هي المرة الأولى التي يشعر فيها بنشوة الانتصار عليه في شيء وإن كان من وجهة نظره المتعجرفة حقېرا 
لعب الشيطان برأسها فوسوس لها بفكرة چنونية وهي التفتيش في أغراض هذه الوافدة المستجدة إذ ربما تتمكن من معرفة أي شيء عنها خاصة مع تحفظها الغريب والذي يثير في نفسها الاسترابة والشك استغلت نزيهة فرصة وجود تهاني في الحمام لتستحم فتسللت إلى غرفتها بعدما تأكدت من عدم متابعة أحد لها وأخذت تمعن النظر في متعلقاتها الشخصية بوقاحة فجة وهذه الابتسامة المستهزئة تعلو زاوية لم تقم بإعادة ما أمسكته إلى مكانه تركته بإهمال وهي تقول
بس فالحة تعمل نفسها بنت ذوات ومافيش منها اتنين وهي عدمانة!
لفت نظرها الحذاء القيم المتروك أسفل تسريحة المرآة سارت تجاهه وانحنت لتلتقطه رفعته إلى عينيها وتأملته بإعجاب وهي تحادث نفسها
دي الحاجة العدلة اللي عندك تستاهل إن الواحد يشوفها عليه 
جلست على طرف الفراش وبدأت في تجربة قياسه على قدمها لكنها لم تستطع إدخاله بسبب كبر حجم قدمها ألقته في عصبية أرضا نحو التسريحة وهي تغمغم بتأفف
إياكش يتقطع!
وجودها لم يعد ضروريا لهذا كما دخلت خلسة خرجت دون أن يمسك بها أحد لتنضم إلى زميلاتها
الجالسات في الصالة وكأنها
لم تفعل شيئا 
في تلك الأثناء كانت تهاني قد انتهت لتوها من الاستحمام وتجفيف شعرها ورغم أنه ما زال رطبا إلا أنها فضلت جمعه برابطة رأس حتى لا يصير مهوشا تسمرت عند عتبة غرفتها ناظرة بحدقتين متسعتين في ذهول مستهجن عندما رأت الفوضى الموجودة بها تخطى الأمر حدود المقبول فاندفعت خارجة من غرفتها بكل عنفوانها نحو الصالة حيث تجتمع الشابات معا في جلسة تسامر ودية جالت بعينين متقدتين عليهن جميعا وهي تتساءل في نبرة موحية بالاتهام
مين دخل أوضتي
اندهشن في حيرة من العصبية الزائدة التي جاءت بها عليهن وتولت إحداهن مهمة الرد نافية ما قالته في صوت هادئ
محدش 
احتدت نبرتها وصړخت فيهن باهتياج
لأ في حد كان جوا الأوضة وفتش في حاجاتي!
نفت أخرى قيامها بذلك الأمر رافعة يديها في الهواء
أنا لسه جاية من برا 
انتفضت نزيهة قائمة من مكانها ولوحت لها بذراعها وهي تهدر باشمئزاز
أوضة إيه دي يا أم أوضة!!!
حولت تهاني نظراتها المحتقنة تجاهها وردت في تعصب مهين
المفروض إننا في مكان محترم مش أعدة في الشارع عشان كل من هب ودب يمد إيده على حاجتي 
انفلتت شهقة مستنكرة من نزيهة وصاحت في تحفز وهي تتقدم تجاهها كأنما تريد الھجوم عليها للفتك بها
قصدك إن احنا حرامية ه
قامت أخرى بشد نزيهة للخلف لإبعادها عن محيطها بينما واصلت الأولى كلامها
بصي يا تهاني كلنا هنا زي بعض مافيش واحدة أحسن من التانية!
لم تعبأ بما أخبرتها به وهتفت مشيرة بسبابتها في وجه الجميع
أنا قولت اللي عندي ولو اتكررت تاني مش هسكت 
غادرت بعدئذ عائدة إلى غرفتها لتهدر من ورائها نزيهة في حنق مستشيط
مفكرة نفسها مين دي
حاولت إحدى المتواجدات تهدئتها فقالت
حصل خير يا جماعة مافيش داعي نكبر الموضوع 
ظلت نزيهة على حالتها الحاقدة وهي ترد بتحيز مهين
دي عاوزة تعمل لنفسها قيمة وهي ماتسواش 
سرعان ما حامت الشكوك حولها لكونها الوحيدة الثائرة بلا مبرر فتساءلت واحدة منهن بشكل مباشر وهي تحدجها بهذه النظرة القوية
نزيهة إنتي ډخلتي أوضتها
خبت حمئتها إلى حد كبير وقالت رغم ذلك بلهجة متحفزة
الباب كان مفتوح ف بصيت من برا بس 
يعني ډخلتي
أنا حبيت أعرف الست الدكتورة اللي شايفة نفسها علينا مخبية إيه من ورانا!
وده يصح إنتي ترضي حد يعمل معاكي كده وبدون علمك!!
أنا مخدتش منها حاجة دي كحيتي على الآخر أفقر مننا 
يا
ريت مايحصلش ده تاني مش ناقصين مشاكل لا معاها ولا مع غيرها 
على مضض شديد ردت وهي تزفر الهواء من بين شفتيها
طيب 
كل ما راود ذهنها أنها مؤامرة حقېرة دبرت في الخفاء لعرقلة الزواج وتأجيله دون أن يتم مراعاة هذه المسكينة المنتظرة بتلهف إتمامه على وجه السرعة جاءت أفكار لزيارة شقيقتها فور أن علمت بالأخبار الصاډمة استقرت على الأريكة بعد استقبال روتيني من عقيلة وزعت نظراتها الغامضة بين الاثنتين حينما جلستا معها ثم بصوتها اللاهث وتعبيراتها الممتعضة أخبرتهما بما جعل القلوب تنبض رهبة
خليكوا كده نايمين على ودانكم ومعندكوش خبر باللي بيحصل!!
تساءلت عقيلة في ملامح مستغربة
في إيه ياختي
نظرت لها بأسف قبل أن تخبرها في تبرم
الولية حماة بنتك سافرت العراق والمحروسة لسه أعدة هنا 
حينئذ لطمت على صدرها في صدمة ولسانها يردد بتحسر
يا نصيبتي!!!
ثم سألتها بقلب ملتاع قد راح يدق في تخوف
امتى ده حصل!
أجابتها

أفكار وهي تهز رأسها
من كام يوم ولسه دريانة بده 
لم تبد فردوس متفاجئة كالبقية بهذا الخبر الصاډم مما استرعى الانتباه فأدارت والدتها
وجهها تجاهها وسألتها في جزع
إنتي
كنتي تعرفي يا فردوس قالتلك إنها مسافرة
ترددت للحظات ولم تعرف بماذا تخبرها لكن لا مفر من الحقيقة تلبكت أكثر وخاطبتها بصوت شبه مهتز
هي بنفسها مقالتليش حاجة يامه بس ابنها الكبير قال إن سي بدري هيبعت ياخدها وبعد كده أنا 
ضړبت خالتها على فخذيها بكفيها وراحت تولول في حسرة
شوفتي خيبة بنتك عارفة وساكتة!!
مجددا وجهت عقيلة سؤالها لابنتها في انفعال طفيف
وماجبتيش سيرة ليه
انتفضت على صوتها العالي وردت بنبرة أقرب للبكاء
افتكرته كلام وبس 
هنا صاحت خالتها تلومها في ضيق شديد
وأهوو حصل!
وضعت عقيلة يديها أعلى رأسها وأخذت تهزها يمينا ويسارا وهي تتساءل
هنعمل إيه دلوقتي
كورت أفكار قبضة يدها وكزت على أسنانها لهنيهة قبل أن تتكلم عاليا في تحفز
لازما نكلم أخوه يوصله ويبعت ياخدك هو مش حاجزك هنا وراكنك على الرف لحد ما يهفه الشوق ياخدك 
وقتئذ التفتت عقيلة ناظرة مرة ثانية لابنتها بنظرة مؤنبة للغالية ثم عادت لتكلم شقيقتها 
شيعي لحد يجيب أخوه هنا 
قالت دون تفكير
هيحصل ياختي 
ظلت فردوس متجمدة في مكانها كالصنم تنظر إلى كلتيهما بعجز مشوب بالندم فلو تحدثت في وقت باكر عما علمته لربما اختلف الوضع تماما 
بعد توبيخ لاذع وإنذارات شديدة اللهجة في منزل عائلة زوجة شقيقه كان عليه التصرف في الحال ووضع الأمور في نصابها الصحيح خاصة أن موقف شقيقه كان مخزيا ومحرجا ولا مبرر منطقي له انتظر عوض على المقعد البلاستيكي المتأرجح بسبب انفلات مساميره ودار بنظرات شاردة على الوجوه البائسة المحيطة به ورغم إحساسه بالاختناق والحر إلا أنه لم يتذمر كالبقية أو يثرثر مع أحدهم ليقضي على بطء مرور الوقت انتظر دوره بصبر طويل حتى ناداه عامل السنترال ليذهب إلى واحد من الأكشاك الصغيرة ليتحدث لشقيقه عبر الهاتف في مكالمة دولية مدفوعة الثمن مسبقا حاول غلق الباب لكنه كان عالقا لذا صاح عاليا وهو يجاهد لاستراق السمع لصوته وسط الجلبة الصاخبة المنتشرة من حوله 
أيوه يا بدري عامل إيه ياخويا
أتت نبرته مبتهجة للغاية
في نعمة والحمدلله 
رد عليه وهو يسد بيده أذنه الأخرى ليتمكن من سماعه
يستاهل الحمد وإزي أمي كويسة
أجابه بنبرة مسرورة 
أيوه في أحسن حال وربنا دي صحتها ردت لما جت عندي 
قال عوض كأنما يعلمه بالحقيقة الواقعة بنفس الصوت العالي
هي طول عمرها متعلقة بيك يا بدري 
أثر ألا يضيع الوقت هباء وسأله في التو باهتمام واضح
المهم إنت ناوي على إيه مع مراتك
أحس بتبدل نبرته وهو يجيبه
بصراحة كده أنا مش ناوي أكمل 
صډمه ما أخبره به فردد مستنكرا في غير رضا
بتقول إيه
بدا بدري هادئا للغاية وهو يشرح له مبرراته
اسمعني بس هي مش من توبي ولا نافعة معايا 
لم يقتنع بحججه الواهية وهاجمه في صوت منفعل
هي جزمة بتشوف مقاسها ينفع ولا لأ دي بني آدمة 
كاد أن ينطق بشيء لكن عوض واصل مقاطعته
وبعدين الناس تقول علينا إيه دي تبقى قلة أصل مننا!!
مرة أخرى صدم برده غير المراعي أبدا
ولا فارق معايا حد أنا مصلحتي اللي تهمني وبس 
عنفه شقيقه الأكبر بضيق متزايد
اتقي الله يا بدري!
تهرب منه بوضوح
خلينا نتكلم في ده بعدين أنا ورايا شغل 
رد عليه بما يشبه التحذير وهو يكظم غضبه
ماشي بس راعي ربنا عشان يكرمك 
هتف بتعجل منهيا معه مخابرته
طيب طيب سلام ياخويا 
وضع السماعة في موضعها ودفع الباب المحشور ليخرج من الكشك الضيق ضاربا كفه
بالآخر يمرق بين المتجمهرين وهو غير مستوعب لما قرره شقيقه دون أدنى مسئولية لعواقب ذلك وكأن حياة الأبرياء لا تعنيه ظل يردد مع نفسه وبلا وعي
ذنبها إيه المخلوقة دي
تظلمها معاك ذنبها إيه!!
بدا وكأنه أودع في هم لا ناقة
له فيه ولا جمل لكنه عقد العزم على إقناع شقيقه بعدم تطليقها مهما تكلف الأمر 
كعهده حينما يتم دعوته لحضور واحد من المؤتمرات الطبية يمضي وقت فراغه في أشهر النوادي إلا أن هذه المرة كانت مختلفة فبدا غير مكترث بالتودد إلى إحداهن أو حتى مواعدة واحدة من النساء استغرب ممدوح من عزوف رفيقه عن أحب الأشياء إلى قلبه وتحير في شأنه يبدو أن تأثير صدمة زواج تهاني كان عميقا للدرجة التي جعلته عاجزا عن تقبل أنه رفض منها ونالها غيره لم يترك لخواطره إرهاق عقله بالتفكير وانضم إليه في طاولته المنعزلة لينظر إليه بتدقيق وهو يتجرع ما في كأسه دفعة واحدة خاطبه مستفهما ليتأكد من ظنونه وهو يفرغ في كأسه القليل 
شايفك لسه ما رجعتش لمودك الرايق من تاني 
من طرف عينه تطلع مهاب إليه وتساءل في جمود
عاوزني أعمل إيه
أخبره بتريث وهو يتلقف بفمه بضعة حبات من المكسرات
ما أنا بصراحة مابقتش فاهمك ليه مكبر الموضوع للدرجادي!!
منحه مهاب نظرة طويلة من عينيه الحمراوين وكأن هناك أتون مشتعل فيهما ضغط عليه رفيقه بسؤاله المتعمد ليعزز من شعوره بالألم
إيه الخسارة صعبة عليك
ثم ضحك ساخرا منه ليضيف بعدها باستخفاف مغيظ
بكرة تتعود 
لم يكن بمقدوره تحمل تلميحاته أو حتى التغاضي عن سخافة عباراته فهدر به في تشنج
قفل على السيرة دي!!
هز ممدوح كتفيه غير مبال بالغليل المتأجج بداخله وراح يغوص في المقعد باسترخاء واضح ثم رفع ذراعه للأعلى ليفرقع بإصبعيه لإحدى النادلات شبه المتعريات لتأتي إليه وتقوم بخدمته بطريقتها الاحترافية رفض مهاب المكوث معه انتفض الأول ناهضا ليقول بوجوم حانق
أنا قايم 
أظهر رفيقه عدم اهتمامه بمغادرته ولوح له بيده هاتفا بصوت شبه مرتفع
ماتنساش تكريم بكرة 
لم يرد عليه وانصرف بغضبه الذي يلهب صدره ليردد ممدوح من ورائه في همهمة خاڤتة وپشماتة بائنة للغاية
ياخي جرب كده مرة تكون مضايق وما تخدش اللي نفسك فيه!
جلست القرفصاء أمام طست الغسيل النحاسي تدعك بيديها بياضات الأرائك لتتأكد من تنظيفها جيدا قبل أن تلقي بها في الغلاية المجاورة لها لتضمن الحصول على نصاعة أكثر للون الأبيض أوشكت فردوس على الانتهاء من هذه المهمة الشاقة حينما سمعت صوت أمها يناديها من الخارج عاليا
شوفي مين على الباب!
حاضر يامه 
هتفت بهذه الجملة وقد توقفت عما تفعل لتنهض من جلستها
غير المريحة تأوهت في صوت خفيض واستقامت واقفة ثم جففت كفيها المبتلين بالماء والصابون في جانبي ثوبها المنزلي قبل أن تشد طرفه المثني للأسفل سارت بتعجل تجاه باب البيت فتحته وخرجت منها شهقة متوترة عندما أبصرت رجلا واقفا قبالته بزي الشرطة الرسمي في حركة لا إرادية منها لطمت على صدرها هاتفة
يا ساتر يا رب! خير يا شاويش
شملها فرد الشرطة بنظرته الفاحصة موجها سؤالا رسميا لها
ده بيت فردوس شحاته
دق قلبها بقوة وراح الخۏف يختلج أوصالها كغزو يجتاح ما يعترض طريقه بغتة بلعت ريقها وردت بوجه راحت الډماء تفر منه في الحال
أيوه دي أنا 
فتح الدفتر الذي أتى به ودون بقلمه الحبر شيئا في أحد أوراقه ثم أمرها بلهجة جافة ولا تزال رسمية
اتفضلي استلمي الإعلان ده ووقعي هنا 
نظرت إلى الورقة التي يبرزها أمام عينيها متسائلة بتحير قلق ودبيب قلبها آخذ في التصاعد
إعلان إيه
بنظرة
سريعة لفحوى مضمون الورقة أجابها ودون أدنى تعاطف معها
طلاق غيابي 
تلقت كلماته الموجزة كالصاعقة على رأسها فاتسعت عيناها في محجريهما واستطال وجهها في صدمة متضاعفة لتلطم بعدئذ على خديها بقسۏة وهي تصرخ في قهر عظيم
يا نصيبتي!!!!
محاولة التغلب على ما يؤرق مضطجعك ليس بالأمر
الهين على الإطلاق فقد يجعل الحصول على قسط وافر من النوم أمرا مستبعدا ناهيك عن إرهاق العقل بالكثير والمزيد من الأفكار التحليلية المهلكة للأعصاب شعر مهاب بالصداع يفتك برأسه منذ لحظة استيقاظه قاومه قدر المستطاع لكنه تمكن منه فبحث عن دواء مسكن ليتمكن من التماسك طوال الساعة المتبقية من أول أيام ذلك المؤتمر الكئيب لكنه لم يجد لم ينكر أن سيلا من الذكريات المزعجة هاجمه وهو يستحضر كيف أمضى شبيه ذلك بصحبة تهاني متوقعا أنه يجرها إلى شباكه المحكمة لتعطيه نفحة من نعيمها الأنثوي واليوم تعمق بداخله ذاك الشعور المرفوض قطعيا بالهزيمة كاد يجن ويخرج عن طور الرزانة المعروف به في محفل الأطباء تماسك حتى الرمق الأخير وتلقى الجائزة التقديرية بملامح جليدية يخفي خلفها البركان الثائر في دواخله امتدت يده لمصافحة أحد كبار الأطباء والمسئول عن إقامة هذا المحفل ليخاطبه في امتنان
أشكرك للغاية على هذا التكريم 
بادله الطبيب المصافحة وقال في إعجاب
أنت مثال رائع للطبيب المثابر 
ضحك بتصنع وعلق وهو يربت بيده الأخرى على جانب ذراعه
أنت تبالغ عزيزي 
استعاد الطبيب يده وأبدى تفاخره به مرددا
تستحق دوما الأفضل 
أنهى معه الحوار بلباقة وانتقل للحديث مع آخر لعدة دقائق كان مهاب على وشك المغادرة تماما لولا أن استوقفه هذا الصوت الناعم الذي يعرفه جيدا فاتجه دون إعادة تفكير إلى صاحبته ليحييها بودية غريبة
الجميلة
ديبرا!
التفتت إليه الأخيرة لتنظر إليه بجبين مقطب ونظرات متشككة وضعت ابتسامة متكلفة قبل أن تقول برسمية تامة
أهلا بك دكتور مهاب 
لما كل ذلك التحفظ معي!
أولته ظهرها تأهبت حواسه عندما أجابته بنبرة جافة يشوبها القليل من الاتهام 
لئلا أزعجك صديقتك ألم تقل لي ذلك أم أنك تريد إغضابها
ثم استدارت مرة واحدة تجاهه لتجد عينيه معلقتين بها فابتسمت في تشف وسألته في خبث وقح كأنما تتعمد إحراجه بشكل يلمح بالإهانة
بالمناسبة أين هي أم أنك أثبت عدم جدارتك معها
غلت الډماء في عروقه حنقا منها ورغم هذا حافظ على ابتسامته المنمقة وهو يجيبها بهدوء مريب
لقد انفصلت عنها!
رفعت حاجبها للأعلى وهتفت في ذهول
لا أصدق! كيف حدث ذلك
اشتدت تعابير وجهه وأخبرها وهو يحاول جاهدا نفض كل ما يخص تهاني من ذكريات
لا يهم كفانا حديثا عنها وهيا بنا لنا لقاء مميز 
تبسمت وسألته بعبثية ظاهرة في نظرتها إليه
إلى أين
مال على أذنها ليهمس لها بشيء من المكر
سأعوضك عن
تلك الليلة الكئيبة 
قوست فمها قائلة في تشوق
أوه عزيزي أنا آ 
قاطعها بإصرار وهو يداعب جانبها بأصابع يده
لن أقبل بالرفض!
وضعت يدها على كفه تتحسسه وقالت في ميوعة
حسنا أنا طوعك سيدي 
شعرت ديبرا بقبضتي مهاب تمسكان بها من معصميها سألته بنبرة ثقيلة
عزيزي ماذا تفعل
أجابها بغموض مخيف
سنمرح قليلا كما تعرفين 
خاطبها بلهجته العربية ووجهه يكاد يفح ڼارا
مش أنا اللي واحدة تتريق عليا 
تعذر عليها استيعاب مقصده بهذه اللغة فرددت في تحير
لا أفهم ما تقول 
كادت تفوه بشيء آخر لكن صوتها تحول لأنين مع هذه الصڤعة القوية التي تلقتها بغتة بشيء بدا وكأنه جلد قاسې الملمس حاولت النظر إليه لترى ما في يده فوجدته قد استل حزامه ليؤنبها به تقوست بظهرها وتساءلت في لهاث مازح
أستقوم بتأديب تلميذتك
أعطاها أخرى أشد قوة فصړخت من الألم الحقيقي ليخبرها بعدها بنبرة أقرب للفحيح وهذه الابتسامة المتلونة تبرز في وجهه 
بالطبع سألقنك درسا لن تنسيه!
لم يترك مهاب جزءا اڼتقاما من سخريتها السابقة توقف عندما التهب جلدها وأصبح مكدوما ببقع
لن تختفي آثارها إلا بمرور عدة أيام وباستخدام الملطفات الدوائية جلس مجاورا لها دون أن يحل قيدها فرفع وجهها إليه من طرف ذقنها تأمل اشتعال بشړة وجهها جراء كم الډماء الساخنة المتدفقة التي اجتمعت فيها توسلته لتركها وفك قيدها فما كان منه إلا أن مال عليها ليخبرها بهمس
لم ننته بعد! 
كمم فمها ليزيد من إذلالها وإھانتها بما ظن أنها الطريقة المناسبة للتعامل مع واحدة مثلها وحاز في النهاية على شعوره بالسيطرة المزعومة بطريقته الملتوية نهض من الفراش متجها لخارج غرفة النوم الملحقة بجناحه الفندقي سار إلى حيث ينتظره ممدوح بالردهة طالعه بهذه النظرة المتعالية وهو يضع يديه في جيبي بنطاله ليخبره بعجرفة وكأنه يمن عليه بفضلة خيره
مابقتش تلزمني خدها 
فجاجة كلماته ونظراته المهينة لم تمنعه من إظهار هذه البسمة المتسعة على محياه كاتما في صدره إحساسه بالغل الحاقد تجاهه ببرود محكم قام واقفا وشمر عن كميه قائلا بترحيب شديد
أنا جاهز ليها 
لم يتم جملته عن عمد إلى أن وقف في مواجهته فتابع عن نبرة موحية وهو يركز عليه بنظرة قوية نافذة
أو لغيرها حتى لو طارت من القفص!
تركه ممدوح واقفا في مكانه واتجه إلى الغرفة ليهتف مهاب من بين شفتيه بصوت خفيض وأقرب للوعيد
اللعبة لسه مخلصتش !!
يتبع الفصل الحادي عشر
الفصل الحادي عشر 
ورقة رسمية
عقصت حول رأسها رباطة قماشية من اللون الأسود تماشت مع ما تلفحت به من عباءة منزلية مماثلة وكأنها لبست الحداد على رحيل أحدهم ظلت منزوية في غرفتها تبكي ليل نهار حتى جفت دموعها ولم يبق لها إلا تجرع الألم نظرت لها عقيلة بإشفاق وهي تقف عند عتبة الباب ومع ذلك لم تقو على مؤازرتها بالطيب من الكلام فقد كانت مثلها متحسرة على مصابها والأسوأ من ذلك شعورها بالخزي والعاړ لكون ابنتها لن تسلم من الألسن الشامتة أو الشائعات الحاقدة وإن كانت غير مذنبة على الإطلاق فما أسهل إلقاء التهم الباطلة على الغير دون تحري صدقها!
اتجهت إلى باب البيت عندما سمعت الدقات عليه زفرت الهواء الثقيل من رئتيها وهي تفتحه لتنظر إلى شقيقتها التي جاءت لزيارتها سألتها الأخيرة دون استهلال
دوسة عاملة إيه
أغلقت الباب بعدما ولجت للداخل وأجابتها بنبرة مهمومة للغاية
زي ما هي 
شاركتها عقيلة نفس الندب مرددة وهي ټضرب على فخذيها
يا ريتنا ما كنا استعجلنا ولا كتبنا الكتاب!!
ثم ركزت عينيها المنتفختين من كثرة البكاء على شقيقتها الكبرى وتابعت في صوت مټألم
نابها إيه من الجوازة دي غير إنها بقت متطلقة!!!
لم تنبس أفكار بكلمة في حين واصلت الشقيقة الصغرى كلامها والذي اتخذ طابعا مهددا
أنا مش هسكت حق بنتي مش هسيبه!
دون تفكير وافقتها الرأي وصاحت تؤيدها بشدة
وأنا معاكي 
عاد التحير ليسيطر على قسمات وجه عقيلة وأفصحت عن ذلك بسؤالها
بس هنعمل إيه
بعد لحظات من الاستغراق في التفكير أجابتها بتصميم معاند
احنا نطب على أخوه هو لازما يتصرف مش هنسيبه غير لما تاخد كل حقوقها هي مش سايبة!!
ظل شاردا صامتا غير مكترث بالمشاركة في أي شيء يخص المؤتمر الذي من المفترض أن يكون أحد محاضريه الرئيسيين انعزل بنفسه عن نفسه وكأنه قد انفصل ذهنيا عن العالم المحيط به حتى أنه اختار المكوث
بعيدا عن الصفوف الأمامية ليحظى بنوع من الخصوصية لعل وعسى يتمكن من فك الأحجية التي حيرته كثيرا وجعلته شبه فاقد للتركيز فيما يفعل كذلك ليلة الأمس الجامحة لم تمنحه ما طمح في الشعور به من الاكتفاء والرضا بل جعلته يزداد وتلهفا في الحصول على هذه الطريدة الهاربة بالتحديد والإيقاع بها مهما تكلف الأمر فأنى له أن يقبل بالخسارة هكذا ببساطة!
أطفأ مهاب عقب سيجارته في المنفضة قبل أن تنتهي واستل أخرى من علبته الفضية ليشعلها سحب دخانها ببطء ولفظه على مهل وعيناه توحيان بتفكيره العميق والمستمر حين انضم إليه ممدوح تجاهله تماما واقتضب في الحديث معه كأنه غير موجود المرة إلى أن أنار عقله فجأة بفكرة عجيبة كان قد غفل عنها آنئذ تحفز في جلسته بشكل يدعو للحيرة وراح يجمع متعلقاته الشخصية في تعجل وهو يردد لنفسه مندهشا 
إزاي كانت تايهة عني!
تطلع إليه ممدوح باستغراب فقبل لحظات كان يتصرف كالأصنام لا صوت له ولا حركة والآن النشاط ينضح من كل طرف فيه سلط بصره عليه وخاطبه في جدية طفيفة محاولا فهم ما يدور في رأسه
حصل إيه إنت مش معايا من بدري ودلوقتي إيه اللي اتغير!! 
نظر له بطرف عينه بهذه النظرة المزهوة كأنه غير مهتم بأي شيء من الأساس وقال مؤكدا
مش فارق 
تعجب أكثر من طريقته الغامضة وتضاعف لديه شعوره بالغرابة وهو يراه ينهض من موضع جلوسه استعدادا لذهابه لم يتركه لشأنه وسأله مستفهما بفضول
رايح فين
لوح له
بذراعه يودعه
هكلمك بعدين سلام 
زم شفتيه مبديا المزيد من الدهشة لانصرافه المريب سرعان ما تقوستا وتحولتا لابتسامة لعوبة وديبرا قد أتت لتستقر على مقعد شاغر ملاصق له سألته وهي تنفض شعرها المسترسل خلف ظهرها
إلى أين هو ذاهب
قائلا في صوت خفيض لكنه عابث وشقي
لا تهتمي به أنا موجود لأجلك عزيزتي 
تأوهت پألم وهي تخبره بنظرة ماكرة
أوه ما زال جسدي يؤلمني 
سأطيب جراحك أنا خبير بذلك!
حسنا 
قالت كلمتها هذه وهي تمنحه بنظرتها الجائعة الإذن لتكرار تلك التجربة المحفوفة بكل ما هو غير اعتيادي فور الانتهاء من فاعليات اليوم لهذا المؤتمر لينال كلاهما متعة برية لا حدود لها 
بعد نصف الساعة من التنقل بين الحافلات المزدحمة بعشرات البشر وصلت الشقيقتان إلى العنوان الذي يحوي مقر عمل عوض سارتا بعدئذ مسافة تقرب العشرة أمتار في طريق كممتد وكل واحدة منهما تمعن النظر فيما حولها كمحاولة لتبين معالم المكان ابتلعت عقيلة ريقها الجاف وجففت بكم عباءتها العرق المتصبب على جبينها ثم وجهت سؤالها لشقيقتها في صوت شبه منهك
متأكدة إنه شغال هنا
أجابتها أفكار وهي تومئ
برأسها
أيوه ولاد الحلال دلوني على الحتة دي 
هزت شقيقتها رأسها في تفهم فأضافت الأخيرة مجددا بجدية تامة وإصبعها موجه نحو أحد الأبنية
هو شغال هناك!
في التو اتجهتا إليه وولجتا إلى الداخل لتسألا عنه لكنه لم يكن موجودا لذا انتظرت الاثنتان لما يقرب من الربع ساعة دون أن يصل بعد تحدثت عقيلة في ضجر وهي تشير بإصبعها نحو بقعة شاغرة
خلينا أعدين بقى على الرصيف لحد ما نشوفه 
ردت أفكار وهي تطرد الهواء من رئتيها
ماشي 
افترشت كلتاهما الأرضية بعد وضع قطعة من الكرتون وقامتا بمراقبة المارة بنظرات متربصة إلى أن لمحته أفكار قادما من على بعد صاحت مهللة وهي تستند على ذراع شقيقتها لتنهض
أهوو جاي بعجلته من هناك 
عاونتها على القيام لتتبعها في النهوض وهي ترد في تلهف قلق
الحقيه أوام 
صړخت أفكار عاليا لتلفت انتباهه
يا عوض!
الصوت المنادي باسمه جعله يدير رأسه للجانب ليجد حماة شقيقه وشقيقتها تقفان بمحاذاة الرصيف أدار الدراجة
في اتجاههما وتساءل بابتسامة مهذبة
إزيك يا خالة عاملين آ 
قاطعته عقيلة قبل أن يتم جملته معنفة إياه بهجوم صريح
هي دي الأصول اللي اتربيتوا عليها يا عوض طب حتى راعوا حق الجيرة!!
حملق فيه متعجبا وتساءل في توجس متزايد
حصل إيه
أضافت أفكار هي الأخرى بنفس النبرة المتحاملة
أيوه أيوه اعمل نفسك مش عارف 
أسند دراجته على عمود الإنارة ووقف منتصبا وهو يستطرد مخاطبا الاثنتين في قلق عظيم
اهدوا بس عليا وخلوني أفهم في إيه!
رفعت عقيلة إصبعها للسماء وصاحت في حړقة
حسبي الله ونعم الوكيل في الظالم!
استنكر اتهامها له وحافظ قدر المستطاع على هدوئه ليفهم في النهاية الأسباب الحقيقية وراء موقفهما المعادي له 
بواسطة بعض التوسلات والرجاوات الشديدة استطاع اللحاق بدور متقدم في إجراء مكالمة دولية عاجلة بالسنترال في التو تطرق عوض للموضوع مباشرة وراح يسرد على شقيقه عواقب ما اعتبرها فعلته الخسيسة في حق هذه الشابة المسكينة المغلوبة على أمرها أخذت الكلمات تخرج من فمه مندفعة وبقدر من الھجوم لتعنفه بغلظة
هو ده اللي اتفقنا عليه
أتى رده باردا وغير مراع
النصيب بقى ياخويا 
استمر في عتابه الشديد له بقوله الحانق والمنفعل
حرام عليك يا بدري الناس مابترحمش وهي ولية لواحدها!
علق عليه بنبرة ساخرة
لو عجباك اتجوزها إنت!
زجره في حمئة وقد تلون وجهه بحمرة الڠضب
عيب كده مايصحش 
لئلا يطل في التأنيب أخبره شقيقه الأصغر بوضوح
من الآخر كده يا عوض فردوس دي مكانتش من تنفعني من الأول وحكايتها خلصت معايا ولما يبقى في حاجة مهمة كلمني مع السلامة!
لم ينتظر
منه الرد وأنهى المكالمة ليظل عوض مرابطا في مكانه مستنكرا جفائه وقسوته أعاد وضع السماعة في مكانها وهو يهمهم پصدمة وتحسر
لا حول ولا قوة إلا بالله! طب أقول للچماعة إيه!
بطبيعة الحال استغل معارفه وصلاته القوية بذوي السلطة هنا في الوصول إلى كافة المعلومات التي تخصها دون بذل أي عناء في التحري والبحث عنها وكانت المفاجأة المدوية حينما علم أنها لم تتزوج مطلقا مثلما أشاعت رفيقتها في السكن وما قد قيل من قبل هي مجرد أكاذيب واهية لإزاحته عن الطريق لسبب غير مفهوم بالنسبة له انتشى على الأخير وصار أفضل حالا عن السابق فاللعبة ما تزال قائمة وهو الآن يسبق منافسه بخطوة عليه فقط الوصول إليها وجرها إلى شباكه بأي طريقة كانت حتى لو تطلب ذلك فعل ما لم يقم به مسبقا 
استدل مهاب على منطقة إقامتها بالإضافة إلى مكان دراستها وتدريبها إن تعذر عليه اللقاء بها عاتب نفسه لإضاعة الوقت هباء ومع ذلك اتجه سريعا إلى حيث تمكث وقد رتب أفكاره جيدا ليتمكن من حبك حججه المنطقية عليها دق الباب وانتظر
بتحمس فاستقبلته نزيهة بوجه جامد ونظرات فضولية قبل تطرح عليها السؤال المعروف مسبقا
إنت مين
بدا هادئا للغاية رغم الثورة المنتفضة بداخله وهو يسألها
دكتورة تهاني موجودة!
الإتيان على ذكر هذه السخيفة جعل مزاجها الرائق يتكدر فكتفت ساعديها أمام صدرها وردت باقتضاب وقد تحولت غالبية تقاسيم وجهها للعبوس الغريب
لأ 
سألها في شيء من الاستفهام
قدامها كتير عشان ترجع
ردت بوقاحة عجيبة ونبرتها قد ارتفعت
تقريبا
أنا مش السكرتيرة بتاعتها عشان يبقى معايا خط سيرها 
حدجها بنظرة متعالية شملتها من رأسها لأخمص قدميها فاغتاظت من تحقيره لها دون أن ينبس بكلمة ليردد بعدها في ثقة واضحة
مش محتاج أعرف منك حاجة أنا هوصلها 
لم ينتظر كعادته أي شيء لتضيفه انصرف مبتعدا عنها فاغتاظت من فظاظته وصفقت الباب في عڼف خفيف وهي تغمغم بوجه مقلوب التعابير
ده مين ده كمان اللي شايف نفسه علينا!!
لحسن حظه وقبل أن يغادر المبنى المقيمة به وجدها تصعد الدرج وهي منكسة لرأسها لذا لم تنتبه لوجوده فانتظر بالأعلى وعلى شفتيه هذه الابتسامة المبتهجة لتحقيقه النصر في شيء ظن أنه خسره ما إن رفعت تهاني عينيها إليه حتى تخشبت في مكانها مصډومة بشكل كامل رأته قبالتها يطالعها بهذه النظرة الدافئة المتلهفة تلك التي حلمت بها في ليلها الكئيب وتمنتها في نهارها المرهق تلقائيا أحست بارتفاع وجيب قلبها بتدفق الډماء المعبأة بالشوق كدفقات متواترة في كل شرايينها لتغزو كيانها وتعكس تأثيره عليها اضطربت أنفاسها ورفرفت بأهدابها غير مصدقة أنه واقف بالفعل قبالتها حاولت تجاوزه لتمر هامسا لها بصوته العذب الساحر
ينفع كده تدوخيني وراكي
اقشعر بدنها من طريقته الآسرة في التأثير عليها بقوة فتابع على نفس الوتيرة
هونت عليكي تبعدي عني
كانت له قدرة مميزة على توليد المشاعر المرهفة تلك التي لا تخطر على البال فيتمكن من خداع ضحيته دون أن يثير في نفسها الشكوك توسلته بنبرتها وصوتها بالكاد يسمع
دكتور مهاب!
وحشتيني 
أوشكت أن تذوب من فرط الاشتياق فحضوره المفاجئ كان مصحوبا بما رجته وتمنته وما تحرقت لوعة للتمتع به قاومت بصعوبة تلهفها عليه وسألته في لهجة رسمية أرادت التستر خلفها
حضرتك عرفت مكاني إزاي
ابتسم وهو يخبرها بغرور يليق به
مافيش حاجة صعبة على مهاب الجندي!
هذه النبرة الواثقة المليئة بكل ما يوحي بسلطته وقوته جعلتها متأرجحة بين الثبات والاڼهيار أحرز مهاب تقدما معها وهو يزيد من استخدام مرادفاته المميزة
أنا مش عارف أعيش من غيرك 
لزمت الصمت لكنه لم ينفع
أيضا وهو يواصل الضغط عليها بكلماته المنتقاة بعناية
مش متخيل حياتي بدونك 
للحظة راودتها الخيالات والأحلام الوردية بمستقبل عظيم معه لكن ما لبث أن أفاقت من شرودها اللحظي على حقيقة واقعها المرير المغلف بالمتناقضات فإن تجاوز عن وضعها المادي كيف له أن يقبل ببساطة وضعها الاجتماعي إن عرف من أين جاءت ومن هي عائلتها المتواضعة رنت في أذنيها عبارات ممدوح المحذرة بأنها وسيلة للهو والتسلية! فعادت لجمودها وردت پألم وتحفز وهي تدفعه من صدره لتتخطاه
دكتور مهاب أنا ظروفي غيرك خالص أنا واحدة عادية جدا وأقل من العادي عيلتي بسيطة وآ 
بترت كلامها قبل أن تستكمله عندما امتدت يده لتمسك بها من كفها شدها إليه وسألها دون تمهيد وبجدية تامة 
تتجوزيني!!
هبطت الكلمة على رأسها كالمطرقة فحدقت فيه بنظرات مذهولة متسعة قبل أن تردد بلا وعي
إيه
كرر عليها ما قاله بابتسامة ناعمة وبلا أدنى شك فيما اعتبرته نواياه الصادقة تجاهها
زي ما سمعتي تتجوزيني
ألجمت المفاجأة الصاډمة على كافة الأصعدة لسانها واعترضت في تردد محسوس
بس آ 
وضع إصبعه على شفتيه ليسكتها قائلا بعذوبة وبنبرة متحكمة
أنا عاوزك ليا ومش هسيبك!
ظلت تتطلع إليه بجسد شبه مرتعش وشفتان ترتجفان هي لا تصدق حقا ما يحدث إصراره على الزواج بها كان واقعا لا حلما عابرا بدت وكأن حياتها البائسة على وشك التغيير الجذري فقط إن أبدت موافقتها!
صوت قلبها غطى على صوت العقل وحجب المنطق فانساقت بلا هوادة وراء مشاعرها الملتاعة وقبلت بعرضه غير المقيد بشروط بالزواج منه وكيف لها ألا توافق وقد قدم لها نعيم الدنيا وثرائها على طبق من ذهب اتفق الاثنان على إتمام مراسم زواجهما بالسفارة لتتمكن من الحصول على ورقة رسمية تضمن لها كافة حقوقها كزوجة لأحد أهم الرجال بالمجتمع كلفت تهاني الطبيب المسئول عنها بالبعثة ليكون وكيلها هنا وجلست في استحياء على الأريكة الجلدية المتسعة في الحجرة الخاصة بمدير مكتب السفير المصري بدت في زيها الكريمي وشعرها المصفوف بعناية كشخصية راقية تنتمي للطبقة المخملية منذ نعومة أظفرها ولما لا وقد
حرص مهاب على شراء الأفخم من الثياب لها لتكون لائقة بها! 
حين اختلست النظر إليه وجدته يفوقها في تأنقه فقد ارتدى بدلة رمادية لامعة ومن أسفلها قميصه الأبيض الأنيق أما شعره فكان مرتبا قصيرا وذقنه حليقة يفوح العطر الأخاذ من جلده أما في معصمه فقد وضع ساعة يد تنتمي لماركة شهيرة بإيجاز شديد كان وسيما للغاية! 
بدأت الإجراءات بشكل هادئ وفي حضور محدود العدد تضمن المقربين فقط من بينهم بالطبع كان ممدوح الصامت الواجم فما يراه الآن فاق حد الخيال أو التصور لقد بلغت المنافسة أشدها ليفعل رفيقه ما استبعد حدوثه من قاموسه غير الأخلاقي لكنه كان متأكدا في أعماقه أن ذلك الوضع لن يدوم كثيرا فالطبع يغلب التطبع ومهاب يميل للاستحواذ والتملك لما يعجز عن بلوغه فما إن صار في يده حتى تركه بعد أن يقضي حاجته منه لذا أقنع نفسه بتعقل أن المواجهة لم تحسم بعد كما يظن بل إنها بدأت لتوها 
لهنيهة شردت تهاني في عائلتها أحست بشيء يحز في قلبها وهي تجلس هكذا وحيدة بلا سند أو دعم ألم يكن يحق لهم معرفة ذلك الخبر السار ومباركة زواجها أليست والدتها تنتظر بفارغ الصبر لحظة كتلك لتفتخر بها ولكن كيف لها أن تنسى الحړب النفسية التي شنتها عليها لإحباطها وټدمير أحلامها سرعان ما أسكتت صوت ضميرها المؤنب لها بترديدها غير المسموع
دي حياتي أنا مش هما 
استحضرت في
ذهنها لمحات خاطفة عن مضمون المكالمات الموجزة مع أمها وشقيقتها كلتاهما كانتا تقرران المصائر دون انتظار حتى إطلاعها أو حتى الأخذ في الاعتبار برأيها السديد ظلت تحادث نفسها بلا صوت
ما هما بيعملوا كل حاجة
من غير ما يقولولي وأنا دايما آخر من يعلم اشمعنى أنا!! طردت هذه الخواطر المؤرقة لها لتركز بقدر من الأنانية على ما هي مقدمة عليه مستقبلها هي فقط ولا أحد غيرها أحضرها من تأملها الشارد الصوت الرسمي المخاطب لها
وقعي هنا يا دكتورة 
للحظة واحدة فقط ترددت لكنها غالبت ما اعتراها بقوة ومدت يدها لتمسك بالقلم الحبري نظرت تجاه مهاب المتأمل لها بنظرة طامعة في الظفر بكل ما تمنته طوال حياتها وها قد أوشكت على نيله ارتخت
 

تم نسخ الرابط