رحلة الاثام منال سلامة

لمحة نيوز


منفعل وقد راحت تهزه بعصبية
عيب تقول كده عليه ده ليه مقامه واحترامه وأنا مش هسمحلك تقل منه 
بقوة غريبة سرت في عروقه دفع قبضتيها عنه ليتحرر منها ثم اندفع نحو الخارج متجاهلا زعيقها 
استنى هنا! إنت رايح فين
تجمدت في مكانها وقد بدأت الرضيعتان تبكيان لصوت صړاخها المفزع نظرت إليهما بتحير وتساءلت بعدما تهدل كتفاها في إحباط
أعمل معاك إيه بس يا أوس
لحظتها شعرت وكأنه يصعب عليها التعامل مع ما أسماه زوجها بتمرده الصريح على قواعد الأسرة أطرقت رأسها في ضيق وظلت تقول بصوت يائس
شكلك هتبقى واخد طريقة أبوك متعب لكل اللي حواليك!
لم تلحق به وأثرت إهماله إلى حين إدراكه مدى خطأه إذ ربما يكف عن التصرف بطفولية معاندة ويتحمل نتائج سلوكه غير المنضبط 
ما لسه بدري يا عوض
تقدمت ناحيتها قائلا في نبرة هادئة مغلفة بالتعب
ما أنا قايلك مسافر البلد النهاردة أزور أمي في تربتها 
وكأن الإتيان على سيرتها في هذه اللحظة المشحونة جعل زمام الأمور ينفلت فاڼفجرت صاړخة فيه دون مقدمات
وأنا تعبت من كتر الزن وإنت سايبني طول النهار لواحدي ولا ليك شغلة ولا مشغلة!
اربد وجهه بالضيق واستعتبها
مش وقت معايرة يا فردوس!
جاء
ردها مثلها فظا
ياخي حس بيا هو إنت بتعمل حاجة أصلا
ثم خفضت من نبرتها لتتم جملتها
ده إنت ناقص تشحت على باب الجامع!
لم يتبين ما قالته بوضوح ولم يكترث فقط هتف بها في وجه عابس
خلاص هي تقى فين
طوحت بيدها للأمام وهي تجيبه
أهي موجودة على السرير 
اتجه نحو غرفة نومهما وبكل حنان وترفق حمل رضيعته وضمھا بين ذراعيه أخذ يهدهدها في لطافة حتى سكنت وهدأت ونامت في براءة سار بها للخارج ليجد زوجته لا تزال واقفة ترمقه بنظرة حانقة فقال كأنما يعلمها
أنا هروح بيها الأوضة التانية 
لوت ثغرها مغمغمة
يكون أحسن 
قبل أن يسير مبتعدا بها لاحظ ذبول وجه رضيعته فاستطرد مخاطبا إياها في قلق
البت شكلها ضعيف وهفتان 
في تذمر متواصل أجابته
هعملها إيه إن كان لبني مش مكفيها
قطب جبينه معقبا بجدية
نوديها لدكتور يقولنا الحل دي عطية ربنا لينا ماينفعش نهملها 
في التو أظهرت سخريتها من حمئته الزائدة
اتصرف إنت ولا عاوزني أشق الأرض تطلع بطيخ
كانت في واقع الأمر تكره التصرف بهذا القدر من التذمر والشكوى ولكن مع المؤامرات المستمرة من حماتها والخذلان المتواصل ممن حولها تبدلت للنقيض وأصبحت غير مراعية ما لبث أن تحولت نبرتها لتهكم فج عندما أتمت توبيخها
حط في عينك حصوة ملح ده إنت راجل البيت يا راجل!!
كظم عوض غضبه في نفسه فما أخبرته به وإن كان قاسېا لاذعا إلا أنها محقة عكس وجهه الضيق الذي يتمرغ فيه فتنفس بعمق ورد
حاضر يا فردوس هشوف حل 
اندهشت من عدم إبدائه لأدنى ردة فعل جراء تعصبها الزائد عليه وللغرابة استلذت بذلك الشعور الذي نجحت فيه ولو بقدر بسيط في فرض سيطرتها على أمر بعينه ابتسمت لنفسها في نشوة وقالت بعزم وعيناها تلمعان بذلك الوميض الحاد
من هنا ورايح هتبقى المعاملة كده!
بالتدريج لم تعد فردوس تلك الشابة المنطوية والمقهورة التي تعيش في ظل الآخرين بل بدأت في اكتساب صفات أخرى مناقضة لطبيعتها السابقة ووسمت شخصيتها بشيء آخر أكثر جفاء وغلظة 
منذ أن عاد إلى هنا وهو يتهرب منه بعشرات الحجج حتى مسكنه الجديد الذي انتقل إليه لم يخبره عنه بل وأخفى عنوانه لئلا يصبح مرغما على استضافته فاضطر ممدوح لمقابلة رفيقه في غرفة مكتبه بالمشفى بالطبع وصل إلى مسامعه الأخبار المتعلقة بخطبته لصاحبة الثراء والدلال فامتلأت نفسه بالغيرة والحقد ناحيته ما أغاظه حقا أنه عرف بالأمر بالمصادفة وليس كعهده معه حينما يطرأ المستجد لديه يهاتفه أولا ويتفاخر بما حقق من إنجازات غير مسبوقة وكأنه ظفر بانتصار ساحق وقع ممدوح في حيرة من أمره من تصرفاته الأخيرة معه وسأله في نوع من المعاتبة الحذرة
وبقيت أنا آخر من يعلم
نظر له مهاب من طرف عينه ولم يعلق عليه مدعيا انهماكه في مطالعة ما لديه من ملفات تخص مرضاه ذوي الحالات الطارئة فاستأنف ممدوح كلامه السخيف إليه بطريقة شبه هازئة
ده أنا حتى هفرح عشانك إمبراطورية الجندي اندمجت مع آ 
ضجر من سماعه لنفس الحديث الرتيب لهذا قاطعه في صوت اتخذ شكلا آمرا
سبيك من الرغي اللي مالوش لازمة دي مسائل عائلية تخصني أنا وبس 
رغم إحراجه المتعمد له إلا أنه استمر محافظا على ثبات ابتسامته المتكلفة وقال
ماشي يا سيدي مبروك وعقبال الليلة الكبيرة 
رد مجاملا باقتضاب ووجهه يكسوه ذلك الطابع الجدي
الله يبارك فيك 
في خبث ماكر سأله ممدوح وهذه النظرة الغامضة تتراقص في مقلتيه
أومال ابنك عنده خبر
استغرب من طبيعة سؤاله وأجابه بشكل مباشر
طبعا ما هي دي هتبقى أمه الجديدة 
أرجع رأسه للخلف مظهرا استرخاء أكبر على المقعد ثم استطرد معقبا بما بعث الشك في
نفسه
طب خد بالك بدل ما يخربها عليك 
مجددا حذره مهاب في رنة صوت صارمة وقد رفع إصبعه أمام وجهه
ممدوح! إلزم حدودك! اللي بتتكلم عنه ده ابني!
أشار له الأخير بيده قائلا بتعقل وكأنه يستدرجه بالحيلة ليقع في بئر الشكوك
اسمعني بس ده أنا غرضي نصيحتك 
على مضض أصغى إليه رفيقه بترقب خاصة عندما أكمل بنفس الهدوء اللئيم
أوس ابنك متمرد مش زي ما إنت مفكره ممكن في لحظة يبوظلك كل حاجة زي ما بيعمل تملي مع تهاني 
هنا صاح به في غير تساهل
أنا حاجة ومراتك حاجة تانية خالص أحسنلك ماتقارنش بينا 
تحدث من زاوية فمه قائلا باستخفاف
خليك مصدق الحجة دي إنت بس اللي بعيد ومش عارف تصرفاته 
أحس بالانتقاص من قدره فهدر في تشنج ويده تطرق بعصبية على سطح مكتبه
وأنا قادر أوقفه لو غلط 
حينئذ انتصب في جلسته هاتفا بابتسامة شريرة
زي الفل اتفقنا على حاجة إن ابنك محتاج توجيه 
أطبق مهاب على شفتيه ممتعضا فواصل رفيقه الحديث بسخرية
محسوسة
وأنا من جهتي هوصيه يعامل مرات أبوه المستقبلية بلطافة زي ما بيتعامل معايا باحترام!
حدجه بنظرة مشتاطة قبل أن يعلق
ما هو واضح!
بتكاسل نهض ممدوح من موضعه قائلا في زهو مغيظ
هسيبك لشغلك وأروح لجوز الكناريا حبايبي 
في البداية لم يفهم مهاب مقصده واستشعر رفيقه ذلك من طريقة تحديقه الغريبة به لهذا استرسل باسما
أصلي طول عمري بعشق البنات وخلفتي لما طلعت بنات بقيت حاسس إني ملك 
ظهر الضيق على محياه من طريقته اللعوب في استفزازه ومع ذلك لم يمنحه الأفضلية بالشعور بانتصاره في شيء يعتبره من السهل تحقيقه إن تزوج بأخرى ظل يتابعه بنظرة غير مقروءة وهو يغادر حجرته ليؤكد لنفسه في غرور
الشاطر هو بس اللي يضحك في الآخر يا ممدوح!
عاشت لسنوات وفق قواعد معينة مرسومة منذ البداية لتخطط مصير حياتها إلا أن ظهوره المصحوب بالنفوذ والثراء مع بعض الغموض المثير جعله بالتدريج أحد اهتماماتها إلى أن صار بعد فترة على قائمة أولوياتها فثمة شيء في شخصه الواثق يدفعها للتقرب أكثر إليه خطبتها إليه تمت لتعزيز روابط القوة والسلطة وتوسيع الإمبراطورية العريقة بين اثنين من أكبر رجال الأعمال لم يكن ليحدث أي من ذلك دون موافقتها حجزت ناريمان في رحلة جوية مرتب لها مسبقا والتقت بخطيبها في فيلته الصغيرة دارت بعينيها في أرجاء حديقته ذات المساحة المحدودة وقالت بعجرفة طفيفة
مش حابة إنك تضايق مني عشان صممت أجي هنا من حقي أشوف المكان اللي هعيش فيه 
أخبرها مهاب بنبرة مؤكدة وهو يلصق بثغره هذه الابتسامة المنمقة
ده وضع مؤقت احنا هنستقر تاني في مصر 
ردت في حبور بعدما مدت ذراعها لتمسك بكأس مشروبها البارد
يكون أفضل مش حابة أبوظ روتين حياتي 
قال في شيء من المكر ليضمن إبقاء تأثيره عليها
وأنا مقدرش أعمل حاجة تضايقك 
أعادت الكأس لموضعه على الطاولة وهي تنظر إليه فقد استحسنت ذلك الشعور الذي يراودها بالرضا والتميز وهي في حضوره وكان الأخير محترفا بالقدر الذي استطاع بتمهل التعامل مع طباعها الأرستقراطية بالطريقة التي أوقعتها في شباك غرامه وإن كانت لا تزال تعاند وتنكر أنها باتت تهواه تنبه لها حينما تأوهت بصوت خفيض نظر إلى حيث وضعت يدها على جانبها انتقل من مقعده المجاور لها ليصبح في مواجهتها وهو يسألها في
صوت قلق 
مالك إنتي كويسة
انحنت للأمام لتقاوم شعورها بالوخزات الحادة التي عصفت بجانبها وكأنها خنجر ېطعنها بلا هوادة لم تستطع التحمل وأخبرته
مش عارفة حاسة بنغزات جامدة كده في جنبي 
حاول فحصها ظاهريا لكنها لم تمنحه الفرصة وبررت إليه سبب شعورها بهذا الإعياء
المفاجئ
ممكن يكون القاولون تعبني شوية 
سألها بلهجة الطبيب المتمرس ليتحقق من شكوك قد راحت تساوره
إنتي بتشتكي منه
أجابته بإيماءة من رأسها
الدكتور من فترة قالي كده عندي قاولون عصبي 
جثا على ركبته أمامها وطلب منها في إلحاح
طيب أنا بصفتي دكتور وخطيبك في
نفس الوقت أنا مضطر أفحصك من تاني 
رفضت بلباقة
الموضوع مش مهم دلوقتي هيروح الألم 
أرجوكي يا ناريمان عشان أستريح أنا بالي هيفضل كده مشغول عليكي 
أعطته هذه النظرة الجادة فقابلها بأخرى راجية

مثل نبرته
من فضلك 
استسلمت في النهاية مرددة
أوكي 
قام واقفا وسحبها من يدها نحو الخارج ليستقلا معا سيارته حيث اتجه بها إلى المشفى للقيام بالإجراءات اللازمة لفحص حالتها في الحال 
لم تمانع على الإطلاق تحمل عبء هذه النفقات الإضافية وتوفير مربية ذات خبرة في التعامل مع الصغار بجانب الخادمة من أجل رفع مستوى معيشة أسرتها وخصوصا بعدما أصبحت فترات مكوث زوجها بالمنزل أكثر طمحت في أن تكون حياتهما معا تحوي كل ما كان يصبو إليه يوما بصعوبة تمكنت تهاني من بلع ما تبقى في صحنها لتعلق على زوجها الذي نقل إليها خبر خطوبة مهاب وضعت يدها أمام فمها لتمنع تناثر البقايا وهتفت في غير تصديق
معقولة خطب إنت متأكد من الكلام ده
أكد لها بإيماءة من رأسه وقد مسح بالمنشفة الصغيرة فمه
أيوه يا تهاني الحاجات دي مافيهاش هزار 
ابتسمت في سعادة غريبة ورددت في قدر من الشماتة
خليه يتلبخ بيها علشان ما يركزش معانا ويبوظ علينا حياتنا 
على ما يبدو لم يصغ إلى ما قالته وانشغل بالاستغراق في التفكير فهسهس لنفسه في حقد دفين 
لأ وبيعمل ناصح عليا فكره مش هعرف باللي رسمه من ورايا أومال لو مكونتش حافظه زي كف إيدي!
لم تتبين ما يهمهم به فسألته مستفهمة
بتقول إيه مش سمعاك
لم يجبها ونهض عابسا من على مقعده فتبعته ثم فرقعت بإصبعيها لتستدعي الخادمة فتقوم بجمع الأطباق والصحون وإعادة تنظيف وترتيب مائدة الطعام لحقت به عندما جلس بالصالة ليشعل سيجارته ونظرت إليه عندما تكلم في قدر من التهكم الناقم
هيتجوز بنت بنوت واحدة لسه بورقتها 
فاجأها اختياره ورددت مصډومة
كمان!
اعتدلت في جلستها ولاحقته بالأسئلة الفضولية
يعني هي وافقت وهي عارفة إنه كان متجوز وعنده ولد
رمقها بنظرة ذات مدلول غير مفهوم لها قبل أن يشبك كفيه معا واصفا الأمر
يا حبيبتي فلوس بتتجوز فلوس الكلام ده مايفرقش معاهم 
استندت تهاني براحتيها على مسند الأريكة وقالت في غنج مشوب بالتسلط
المهم عندي تعامل ابني كويس 
رمقها بهذه النظرة المستخفة ليعلق بعدها
ده إنتي المفروض تخافي عليها منه 
انزعجت من تلميحه المسيء وهتفت في عبوس متصنع
ممدوح!
تجاهل تحذيرها الضمني واستمر في التحامل عليه
دي الحقيقة ابنك هيخرب عليهم وبكرة أفكرك 
تمسكت بتبرئة ساحة ابنها من اتهامه غير الحقيقي فأردفت قائلة
مش للدرجادي ده عيل صغير مايفهمش حاجة 
سئم من الحديث عنه ونهض ليقول بوجه ممتقع
أنا هشوف البنات 
انتصبت في جلستها ونظرت إليه بضيق طفيف شعرت وكأنها قد بالغت في الدفاع عنه دون داع وصاحبت زوجها بنظراتها القلقة إلى أن اختفى عن محيطها 
في تلك الأثناء كان أوس يجلس على الأرضية في غرفة التوأم يلهو بلعبته وفي نفس الآن يتسلى بصحبتهما حينما سمع همهمة إحداهما نهض من مكانه وراح ينظر إليها في عطف رفع قبعة الرأس عن الرضيعة بيسان عندما وجدتها قد سقطت على عينيها وتسبب لها الإزعاج ابتسم لها في وداعة وتحرك تجاه النائمة ليان تأكد من ثبات قبعتها هي الأخرى قبل أن يستدير
واتته الفرصة على طبق من ذهب ليدعي بالكذب عليه فيفسد الود الذي كان قائما بينه وبين والدته ويزرع في نفسها الشكوك ناحيته فحينما يلجأ إليها ليشكوها من شيء ما وجد تعنيفا لا ترحيبا! تقدم ناحيته مندفعا وهو يكرر عليه سؤاله المشوب بالاتهام فأنكره أوس بثبات
ما عملتش حاجة!
إياك تقرب منهم!
بكت الرضيعتان في فزع وجاءت تهاني ركضا وهي تتساءل في استرابة قلقة
إيه اللي حصل
في التو أجابها ممدوح وهو يشير بإصبع الاتهام إليه ليقطع عليه أي وسيلة لكشف كذبه
الأخ الكبير شوفته وهو بيكتم نفسهم 
لوى أوس وجهه پغضب وصاح فيه مستهجنا وبعصبية تماثله
محصلش ده كداب 
ارتفع صړاخ الرضيعتان فانتقلت تهاني لتجاورهما وراحت توبخ ابنها بأسلوب شبه لاذع دون منحه فرصة الدفاع عن نفسه
أوس! برضوه مصمم تعمل الغلط مش أنا نبهت عليك
نظر لها مصډوما وبعينين ذاهلتين وهي لا تزال تلقي بكامل اللوم على ابنها
بجد إنت تعبتني أعمل إيه بس معاك
اشټعل داخلها بغضبه المتأجج وراح يهتف في حړقة
صدقيني يا ماما أنا معملتش حاجة!
توقف للحظة ليأخذ نفسه ثم استأنف مشيرا بسبابته نحو من يبغض بشدة
هو بيكدب!
وكأن تأثير كلمته الأخيرة قد أعطته التفويض ليتعامل معه مثلما أراد بكل عدائية وقسۏة فاستغل تأزم الوضع ليقول بتشدد
المرادي أنا مش هسكت كله إلا البنات يا تهاني!!
كانت على وشك النطق بشيء فأخرسها بصرامته وإصبعه مرفوع أمام وجهها
وإياكي تتدخلي وإلا هنزعل من بعض 
ارتاعت من تهديده وقفز قلبها بين ضلوعها فرجته
ممدوح!
أمرها بصرامة وهو يتحرك صوب أوس في انقضاض واضح
خليكي هنا!
ابعد عني شيل إيدك 
بالقرب من أذنه بوعيد مخيف
وريني أبوك هيحميك إزاي مني !!!
يتبع الرابع والثلاثون
الفصل الرابع والثلاثون
خلل
بمجرد أن اختلى به في غرفته ألقاه أرضا بخشونة واضحة لتصطدم رأسه بالأرضية الصلبة ربما لم يفكر في إيذائه بدنيا لكن فكرة إرهابه في حد ذاتها وترويض تمرده إن لزم الأمر بأي وسيلة يراها مناسبة كانت وحدها كفيلة بجعل ذلك الشعور الممتع بالسيطرة يغمره بقوة ارتسم 
محدش يقدر يحميك مني مهما كان مين 
ضغط على كل كلمة تفوه بها حين واصل الكلام وهو يسدد له تلك النظرة القاتمة
حتى أبوك 
أنا عرفت أضحك عليه إزاي وأخليه يبقى في صفي لأن ببساطة أنا فاهمه كويس وكل مفاتيحه معايا 
تزحف أوس للخلف على مرفقيه حين خطا تجاهه لينأى بنفسه عن أي حركة غدر غير متوقعة
من هنا ورايح روحك بقت في إيدي 
لحظتها ارتفع الخفقان في قلب الصغير كردة فعل على تهديده تحول صوت شهقته لصړخة مكتومة وقد بلغه فجأة لينقض عليه قابضا على ذقنه رفعه منها ليجبره على النهوض فتأوه الصغير من الألم لم يتركه ممدوح بل زاد من ضغطه وهو يتوعده بلا هوادة 
وحياتك چحيم معايا!
حاول أوس انتزاع أصابعه من على فكيه بأقصى طاقته لكنه عجز أمام قوته الجسمانية المتحكمة به كان كالدمية تحت قبضته يطوحه هنا وهناك كيفما يشاء آنئذ تزعزعت الثقة التي كانت تسود داخله بأنه قادر على كبحه والتصدي له حين يفكر بالبطش به مرة ثانية دفعه ممدوح أرضا لينكب على ظهره قبل أن تأتيه ركلة متوسطة القوة في ساقه أتبعها وعيده القاسې
مش هرحمك سامعني هخليك ماتدوقش طعم النوم 
جحظت عيناه ارتعابا فانتشى لأنه نجح بأقل مجهود في تخويفه وأكمل على نفس النهج المثير للارتياع
ومش هتقدر تنطق بحرف من اللي هعمله فيك!
ثم رفع إصبعه أمام وجهه ليأمره بعدئذ بصرامة غلفت نبرته وملامحه
خليك هنا مش هتخرج غير بأمر مني 
ألحق بجملته هذه نظرة هازئة به ليشرع بالتحرك مرددا في قدر من التهكم
سلام يا ابن مهاب!التغلب على ذلك الشعور الغريب الذي لم يعتد عليه بعد أن تصبح ضعيفا!
أتت نتائج الفحوصات الدقيقة والإشاعات المطلوبة ولم تكن مبشرة على الإطلاق بل تضمنت أمرا خشي الإفصاح عنه إذ من المحتمل أن ېخرب كل شيء أعد له مسبقا ليخطط مستقبل حياته إن لم يتعامل معه بحرفية وروية جلست ناريمان في مواجهة مهاب بالمشفى وعلى وجهها ابتسامتها المتألقة تدللت وهي تعبث بشعرها أثناء حديثها اللطيف معه لكنه علق بجدية مريبة
أنا مش عاوزك تتخضي 
اندهشت لطريقته واستطردت
في إيه يا مهاب
صمت ولم يقل كلمة فظهر الذعر عليها وبهتت ملامحها تقطعت أنفاسها وهب تخاطبه في نبرة ملحة 
من فضلك اتكلم إنت كده قلقتني 
تنحنح موضحا بنوع من الحذر
للأسف الأشعة مبينة ورم على المبيض اليمين 
شعرت أن أعصابها قد تجمدت وجف جلدها استفاقت من لحظة جمودها فبرزت عيناها على اتساعهما وهي تردد في ذهول مڤزوع
ورم!
ظلت
تكرر الكلمة لبضعة مرات بلا صوت بدت وكأنها غير قادرة على استيعاب ما يقول شل تفكيرها لهنيهة فتشتت وشردت وباتت في عالم آخر بالكاد انتبهت له وهو يخبرها بكلمات منتقاة بعناية 
وجوده خطړ ولازم يتم استئصاله في أقرب وقت 
حين أدركت حجم الکاړثة التي حلت بها صړخت في هلع بعدما انتفضت واقفة
مش ممكن أنا عندي ورم
ارتجف كامل بدنها كانت على وشك الإغماء من هول الصدمة في التو قام مهاب من موضع 
ناريمان مټخافيش دي حاجة بسيطة 
نظر في عينيها مباشرة لكنها لم تكن تراه ڠرقت في موجة من الأفكار السوداوية المهلكة هزها بخفة ليستعيد مداركها وهو لا يزال يكلمها بنبرته الهادئة
وبعدين أنا بنفسي اللي هعملك العملية دي 
وكأنه انتشلها من ضلالات الخۏف التي استحوذت عليها بتأكيده الهادئ
إنتي في إيد أمينة معايا 
أنا لازم أمشي 
التقطت حقيبتها وألقتها على كتفها لتهرول خارجة من غرفته وأنهر من الدموع تجري على صفحة وجهها بتدافع في الحال جمع مهاب أشيائه الخاصة وركض خلفها هاتفا
تأملت بتركيز كبير ما احتواه الأنبوب الطبي وهي تحمله بإصبعيها قبل أن تدون في الكتيب الصغير
الذي بحوزتها بعض المعلومات عنه أعادت الأنبوب لموضعه في عناية بالحامل وانتقلت لآخر لتنظر لما به بانتباه أدارت تهاني رأسها للجانب عندما انضم إليها زوجها بالمعمل منحته ابتسامة ناعمة
مصحوبة بقبلة صغيرة على وجنته لتتبدل تعبيراتها المسترخية للجدية عندما استطرد بلا مقدمات في غموض محير 
عرفتي اللي حصل
زوت ما بين حاجبيها متسائلة في اهتمام
خير
سحب من يدها الكتيب ونظر إلى ما توصلت إليه مط فمه في إعجاب ثم تكلم في صيغة تساؤلية
وصلك خبر إن خطيبة مهاب بتعمل عندنا عملية كبيرة هنا
تدلى فكها للأسفل وهتفت في غير تصديق
معقولة
أكد لها بإيماءة من رأسه قبل أن يناولها الكتيب
أيوه عندها ورم ليفي على المبيض 
عندما علمت بتفاصيل مرضها تعاطفت معها ووضعت يدها على فمها للحظة وأخبرته في إشفاق
طبعا 
ساد السكوت بينهما للحظات
قبل أن يضيف ممدوح في صوت مال للحقد رغم أنه كان هادئا
ومهاب بنفسه عامل طاقم جراحة متخصص وعلى أعلى مستوى عشان خاطرها 
على ما يبدو اغتاظ ممدوح من طريقة تفسيرها للوضع وإن كانت بشكل عابر فهتف في تحيز متحامل
ما أنا قايلك ده جواز مصلحة من الأول 
لاحظت ذلك التعبير الغاضب الذي تجسد على وجهه فاهتزت ابتسامتها وحاولت تغيير الموضوع فقالت بلا ترتيب
المفروض نطمن عليها بعد ما تخرج بالسلامة ولا إنت رأيك إيه
استحسن فكرتها فأردف بعد تنهيدة بطيئة
أيوه 
تصنعت تهاني الضحك وتابعت ممازحة
فرصة أشوف مين اللي قدرت على مهاب 
وكأنه أيد فكرتها فثمة شيء يدور في عقله لم يفصح عنه بعد نظر ممدوح تجاهها وقال بعدما ألصق بزاوية فمه ابتسامة غامضة
وماله! زيارة المړيض واجبة!
لسه وراكي شغل
أجابته نافية
لأ خلاص 
خفض من ذراعه ليمررها على ظهرها متسائلا
البنات مع المربية
كان ردها مختصرا
أيوه 
بدت ملامحه هادئة لكن نظراته
تحولت للقساوة وهو ينتقل للسؤال التالي
وأوس عملتي معاه إيه
عاقبته تاني ومحروم من الألعاب بتاعته أو الفسح 
وكأنه ينتظر منها هذه البادرة ليستمر في وصلة فرض سيطرته وسطوته استراح لتصرفها ومدحها
برافو عليكي خليه يتأدب 
استخدمت نصل سکين مطبخها غير المشذب في قطع طرفي حبة الفاصولياء قبل أن تقطعها إلى أجزاء متفاوتة في حجمها لتلقي بها في الوعاء البلاستيكي ثم مدت يدها والتقطت أخرى من حجرها لتدير بعدها رأسها تجاه جارتها التي جاءت لمشاركتها نهارها بالثرثرة معها 
المصاريف كتير والواحد مبقاش لاقي اللي يكفيه 
أرادت دعمها معنويا حتى لو لم تفعل شيئا فردت بتفاؤل
بكرة ربنا يفتحها على سي عوض والقرش يجري في إيده 
مصمصت بصوت هازئ وقالت بنبرتها المتهكمة دوما
قلبك أبيض 
وشت نظرتها إلى جارتها في هذه اللحظة بسخط عظيم أعقبه ترديدها
ده زي ما بيكون فيه بينه وبين الفلوس عداوة لا هي بتقرب منه ولا هو بيسعى يجيبها 
حاولت البحث عن طرق لمساعدتها في متناول قدرتها لهذا اقترحت عليها إجلال في جدية
طب مابتفكريش تشتغلي يا دوسة
حدجتها بهذه النظرة الساخطة وهي تخبرها بتأفف
والمنيلة دي أوديها فين
شهقت معترضة على نعتها المسيء وعاتبتها
ماتقوليش عليها كده دي ملاك 
استمرت فردوس على نقمها هاتفة
ما أديكي شايفة هي هادة حيلي طول اليوم ولا بأرتاح ولا بتريحني 
عاودت إجلال النظر إلى الرضيعة بمحبة كبيرة وخاطبت رفيقتها دون أن تتطلع إليها
عموما لو وقع تحت إيدي حاجة كويسة هعرفك 
اكتفت بالرد المقتضب وهي تكمل تقطيع الفاصولياء وامتعاض كبير يغلف كامل تقاسيم وجهها
طيب 
حينما استفاقت من تأثير المخدر وبدأ عقلها يتيقظ ويدرك ما يحيط بها وجدت نفسها مستلقية وهامدة على فراش طبي في غرفة غارقة في اللون الأبيض في البداية ظنت أنها فارقت الحياة وانتقلت للعالم الآخر إلى أن بدأت تطوف ببصرها على ما حولها فرأت محلولا ما يتدلى من حامل مجاور لها تنزل قطراته وتنتقل عبر أنبوب شفاف ممتد حتى رسغها وموصول به عن طريق هذه الإبرة الطبية تنشطت ذاكرتها بما حدث في الساعات الأخيرة هي خضعت مرغمة عندما شعرت بوخزة طفيفة في جانبها واغرورقت عيناها بالدموع تأثرا پصدمة استئصال جزءا من كيانها كأنثى صوته المخملي المنادي باسمها والذي تسلل إلى أذنها جعلها تدير
حمدلله على سلامتك 
سألته بشكل ساذج
أنا فين
إنتي عندي في المستشفى يا آنسة ناريمان 
أدركت سخافة سؤالها وأصغت إليه وهو لا يزال يتابع حديثه الهادئ إليها
في طاقم طبي موجود هنا بس لرعايتك ومتابعة حالتك 
حركت بصرها للجانب الآخر فرأت عدة أشخاص مجتمعين وفي حالة تأهب واضحة عند 
العملية نجحت وإنتي هتبقي كويسة 
قبل أن تنطق بشيء ولج إلى الغرفة ممدوح ألقى عليها نظرة متأملة ومتفرسة في ملامحها مستطردا
مساء النور 
انزعج مهاب
من وجوده وظهر ذلك على محياه فأردف الأخير متسائلا بتهذيب مريب
ينفع أدخل
رد عليه باستهجان
ما إنت موجود يا ممدوح!!
أخبره بنفس الطريقة اللبقة
لو حابب أمشي فمافيش مشكلة عندي أنا بس جاي أطمن على الهانم
لئلا يبدو فظا معه قال على مضض
خليك 
وضع ممدوح على شفتيه ابتسامة صغيرة ليقول في أسلوب شبه مرح
ليك حق تحط المستشفى كلها في حالة طوارئ 
فرقع مهاب بإصبعيه ليصرف الطاقم الطبي فغادروا تباعا وممدوح لا يزال يتكلم بخبث وبعبارات غزل صريحة
إنت خاطف القمر من السما وجايبه عندنا 
نظرت ناريمان بتحير إليه فأوضح مهاب هويته بوجه مشدود
ده دكتور ممدوح صاحبي ومعانا هنا في المستشفى 
استعتبه رفيقه بنظرة لئيمة وعاد ليحدق في وجه هذه الفاتنة مسترسلا في الحديث بشكل لم يسترح له رفيقه
بس كده قولها احنا عشرة عمر نعرف بعض من واحنا أد كده ونعتبر كل حاجة بنعملها سوا 
جاءت تهاني هي الأخرى فأقبلت على المړيضة لتتفقدها وهي تخاطبها في ودية عجيبة 
حمد لله على السلامة يا آنسة ناريمان 
استغل ممدوح فرصة وجودها ليقول بإطراء مغيظ
وأدي مراتي الحلوة جت كمان 
تفقه مهاب للعبة السخيفة التي يديرها ممدوح بتمثيل اهتمامه بمتابعة حالتها وتعامل برسمية بحتة مع كليهما
أعرفك بالدكتورة تهاني مامت أوس ابني 
وماتنساش هي أم بناتي الغاليين ليان وبيسان 
حينها حدجه رفيقه بنظرة محتدة فلم يكترث ممدوح لأمره كان متواجدا فقط لاستثارة أعصابه وإظهار الجانب الخفي الآخر من شخصيته الماكرة تحول مهاب بناظريه ناحية تهاني عندما تحدثت هي الأخرى
إن شاءالله تخرجي من هنا في أسرع وقت دكتور مهاب مش أي جراح ده عبقري في مجاله 
افتعل ممدوح الضحك وأبدى تأييدا كبيرا لما فاهت به في سخرية متوارية
أومال مافيش حاجة بتستعصى عليه ده احنا كلنا بنتعلم منه أصول الطب 
أنهى جملته وهو يغمز له بطرف عينه مما جعل مهاب يهتف في صبر نافد
المړيضة محتاجة ترتاح اتفضلوا على أشغالكم 
عبس ممدوح بملامحه وانتقل بعينيه إلى المړيضة المرهقة شاكيا إليها
شايفة بيتعامل معانا إزاي بطريقة المدير والمفروض احنا أصحاب وعيلة واحدة
لحظتها لم يتمالك أعصابه وهدر به بصوته الآمر وهو يشير بإصبعه
خد مراتك وامشي 
بشكل لا إرادي ارتاعت منه تهاني وانسحبت مغادرة على الفور بعد ترديد تحية مقتضبة بينما رفض ممدوح التحرك قبل أن يقول بغموض مثير للريبة وكأنه يظهر استمتاعه باللحظة الملتوية
مرة تانية حمدلله على سلامتك يا آنسة ناريمان وأنا واثق إننا هنتقابل تاني قريب ما احنا زي ما قولتلك نعتبر كلنا عيلة واحدة 
ظل مهاب متجهما مشدود الوجه تظهر في نظرته نحو رفيقه توعدا قاسېا حافظ ممدوح على ثبات ابتسامته المستفزة وانصرف وهو يدندن بصافرة خاڤتة ما إن ابتعد حتى تساءلت ناريمان بفضول متعجب
هو ده فعلا صاحبك
بعد زفرة بطيئة أخبرها في إيجاز
أيوه 
شعر من نظرتها إليه أن رأسها يعج بالأسئلة حول طبيعة علاقته به لذا قطع عليها أي فرصة للاستخبار عنه ولو بصورة مؤقتة بقوله المهتم وهو يمد يده ليمسح بنعومة على جانب وجهها
أنا عايزك ترتاحي دلوقت وماتفكريش في حاجة 
راح يطالعه بنظراته الدافئة الحنون وهو يتم جملته
كل اللي يهمني إنتي وبس 
ابتسمت لمعاملته الحانية معها وأغمضت جفنيها مستسلمة لشعور الخدر الذي أخذ يداعبها مجددا لتنجرف مع موجات النوم التي حاصرتها من كل اتجاه 
للمرة العاشرة أعاد في ذاكرته استحضار ما
حدث من تطورات فجائية في حالة ناريمان الصحية خاصة أثناء إجرائه لهذه الجراحة الخطېرة وما نجم عنها من مضاعفات أدت لاستئصال رحمها لم يرغب في إطلاعها على الحقيقة المفجعة وإلا لخرجت الأمور عن السيطرة 
في سيرة تامة التقى مهاب بأفراد طاقمه الطبي المشاركين في الأمر في غرفة الاجتماعات مانعا أي أحد من اقټحام مجلسهم إلى أن ينتهي منه طأطأ جميعهم رؤوسهم في ارتباك وتوتر وهم يقفون متجاورين في صف واحد بمؤخرة القاعة تجول بينهم بثبات ثم خاطبهم في لهجة غير متساهلة تحوي
ټهديدا صريحا
لم يجرؤ أي فرد منهم على الاعتراض أذعنوا إليه تماما وهو يزيد في تهديده
ومش بس كده هخرب بيوتكم وهسجنكم 
ارتفعت نبرته إلى حد ما وهو يسألهم
كلامي مش بيتعاد مرتين مفهوم
اختلفت إيماءات رؤوسهم لكنها اتفقت في إظهار كامل الطاعة له بعدما فرغ من تلقينهم جديد أوامره صرفهم بقوله الصارم
اتفضلوا 
استجابوا في الحال وغادروا
دون أن يتفوهوا بكلمة واحدة حتى بين أنفسهم ليسير بعدها مهاب بتمهل متجها إلى رأس الطاولة تنهد في ارتياح وسحب المقعد بهدوء ليجلس عليه مسترخيا 
يتبع الفصل الخامس والثلاثون
الفصل الخامس والثلاثون
وهم الهوى
بمعاونة اثنين من الممرضات انتقلت من على فراشها الطبي وسارت بتؤدة وخطوات متمهلة نحو الحمام الملحق بغرفتها نزع عنها رداء المشفى ا لتقوم الممرضتان بتنظيفه جراء عمليتها الجراحية الحرجة لم تتمكن ناريمان من رؤية الچرح لكونه مغطى بالضمادات الطبية لكن ذلك الشعور الغريب بالخواء ناوشها بقوة فما مرت به لم يكن هينا ولا زالت في انتظار تبعاته الخطېرة 
مجرد التفكير بشكل تشاؤمي جعل أعصابها تتلف وأطرافها ترتجف ما لبث أن امتلأت حدقتاها بالدموع وباتت في حالة من الهياج لذا صړخت في الممرضتين بعصبية عجيبة
إنتو بتعملوا فيا إيه
تبادلت الاثنتان مع بعضهما البعض نظرات حائرة وبادرت إحداهما بالكلام في أدب
احنا بنساعد حضرتك 
لكزتها ناريمان في ذراعها ورفضت الاستناد عليها ليظل صوتها ېصرخ فيهما
سيبوني مش عاوزة حد يمسكني!
وراحت تنهال عليهما بألفاظ مهينة فاندهشت الممرضتان من تصرفها العدائي نحوهما وهما لم ترتكبان أدنى خطأ يستحق ذلك الانفعال الكبير أو حتى التوبيخ المسيء ومع ذلك لاذت كلتاهما بالصمت وحاولتا التعامل معها بتعقل وثبات انفعالي إلى أن انقضت مهمتهما وعادا بها إلى الغرفة لتتمدد
على الفراش الذي تم تغيير أغطيته تحدثت إحداهما إليها في ودية لا تخلو من الرسمية
ارتاحي يا هانم عقبال ما أنادي على دكتور مهاب علشان يشوف حضرتك
بقيت نبرتها أقرب للصړاخ وهي تعلق عليها بتشنج
خليه يجي بدل ما أنا مرمية هنا وسط بهايم بيتعبوني وبس!
ابتلعت الممرضة مرارة الإهانة وهزت رأسها في طاعة لتنصرف بعدها بينما ظلت الأخرى مجاورة لها حتى تراقبها وتلبي طلباتها إن احتاجت شيئا خاصة أن الأوامر كانت صريحة ومحددة بشأن رعاية هذه المړيضة الهامة ومخالفتها تعني التعرض للعقۏبة وربما الطرد الفوري من هذا المشفى الاستثماري الضخم 
الدندنة الرقيقة من المربية للرضيعتين جذبت مسامعه واستحثته على التمرد على الأوامر الصارمة والتوجه إلى غرفة التوأم لعدة دقائق تسمر أوس في مكانه عند عتبة الباب يتأملهما في صمت ودون أن يخطو خطوة للداخل انشغلت المربية بتبديل ثياب الرضيعة بيسان وعندما وجدت أنها بحاجة للاغتسال أخدتها إلى الخارج وتركت الأخرى بصحبة شقيقها الأكبر بعدما أوصته بالانتباه لها 
في البداية لم يكن مهتما بطاعتها وكان على وشك الانصراف لكن همهمة الرضيعة
ليان جعلت يبقى انخلع قلبه في صدره عندما انقلبت على وجهها وأصبحت قريبة من حافة فراشها المرتفع إن تحركت مسافة شبر لسقط في التو من هذا العلو وتعرضت للأذى الجسيم لم يبق كالمشاهد كثيرا بل اندفع بلا تفكير تجاهها وأمسك بها قبل أن تقع وترتطم رأسها بالأرضية الصلبة حركته الفجائية جعلت الأدرينالين 
ضمھا إلى صدره وهو لا يزال يرتجف من ردة فعله السريعة استعاد انتظام أنفاسه وأخذ يتأمل وجه الرضيعة الضاحك ابتسم في براءة لها قبل أن يهمس لها بصدق
مټخافيش أنا موجود جمبك 
راحت الرضيعة تتململ بين ذراعيه في مرح ثم بدأت تتثاءب وتغمض عينيها فاستمر يهزها في رفق حتى غفت سرعان ما حل هذا التعبير الجاد على ملامحه عندما الټفت ليجد والدته تناظره من نفس موضع وقوفه السابق بعينين تعلوهما الحيرة والدهشة لم يفكر أوس في إعطائها التبرير لتصرفه وظل يطالعها بنظرات متحفزة ومترقبة لردة فعلها للغرابة دنت منه تهاني متسائلة في صوت مهتم
إنت
عاوز تلعب مع إخواتك
احتفظ بسكوته ورمقها بنظرة غامضة فاستمرت تتحدث إليه بودية وألفة دون أن تطلب منه إعادة الرضيعة
أنا نفسي تبقى كويس معاهم وتحبهم لأن لما هما هيكبروا هيبقوا محتاجينك جمبهم 
كاد كل شيء يسير على ما يرام لولا أن استأنفت كلامها بترديدها
ولو عمو ممدوح بيشد عليك شوية فده لأنه آ 
صم أذنيه عن باقي حديثها حينما تطرق لسيرة من يبغض ناولها الرضيعة لينصرف دون أن ينبس بكلمة فاستغربت من موقفه المعادي وهزت رأسها باستنكار لتحادث نفسها بعدها بتبرم
لو بس أفهم مالك!!
تعكرت سحنتها أكثر ورددت وكأنها على يقين تام من اعتقادها ذلك
أكيد أبوك اللي بيشحنك ضدي طبعا صعبان عليه أعيش كويس ومتهنية مع عيلتي لازم يعكنن عليا بأي صورة 
نفخت مليا وعاودت النظر إلى رضيعتها دون ابتسام ثم أسندتها برفق على فراشها وانتظرت عودة المربية لتتابع أحوال توأمتها هي الأخرى 
كانت رافضة للاستلقاء على الفراش في غرفتها وظلت على حالتها المتوترة تنتظر قدوم مهاب بفارغ الصبر ما إن جاء حتى انهالت عليه بعشرات الأسئلة والأخير يتقن دوره الاحترافي في ممارسة أكذوبة نجاح عمليتها الجراحية دون خسائر فادحة استرسل في توضيح مدى المجهود الخرافي الذي بذله ليتجنب حدوث مضاعفات لها ومع ذلك تعمد إضفاء قليل من الړعب بإخبارها باحتمالية حدوث مشكلة عرضية تخص الحمل والإنجاب ما لم تكتشف وتعالج في التو 
وكأنه يقدم لها قطعة من الأحجية تعذر عليها فهم لغة المصطلحات الطبية التي يخاطبها بها فغطى وجهها تكشيرة عظيمة مصحوبة بنظرات متحفزة قبل أن يخرج صوتها في لهجة أقرب للثورة
يعني إيه أنا مش فاهمة 
مسح بيده على جانبي ذراعيها صعودا وهبوطا فنفضت يديه قائلة بإلحاح
أرجوك وضحلي كل حاجة وماتكلمنيش بالألغاز 
انتشى داخله لأنه نجح في إرباكها ومع ذلك أبقى على هدوء تعابير وجهه مدعيا تفهمه لحالة الانفعال والتعصب المسيطرة عليها وتعامل معها بحنكة فأخبرها بمكر لئلا يثير شكوكها
يا حبيبتي ببساطة شديدة مقدرش أقولك ده هيأثر على الحمل ولا لأ إلا لما يكون في جواز 
تطلعت إليه بحاجبين معقودين كأنما تدير ما قاله في رأسه ما لبث أن تحولت نبرته للعبثية عندما أكمل
ودي حاجة مش بتحصل بالمراسلة!
لم تخجل من تلميحه المتواري ولم يطل مهاب في مزاحه العابث حيث استطرد في لهجة غلفتها الجدية
أنا مش عاوزك تقلقي من حاجة وقت ما تكوني مستعدية ه 
قاطعته قبل أن ينهي عبارته بقولها الحازم
يا ريت نتجوز في أسرع وقت 
ادعى اندهاشه مما اعتبره قرارها المفاجئ ورسم ذلك التعبير المقنع على وجهه لتصدق أنه في حالة من الصدمة لحظتها وضعت ناريمان يدها على ذراعه وضغطت عليه هاتفة في إصرار
سمعتني احنا لازم نتجوز 
ألصق بوجهه ابتسامة انتصار مشوبة بالانتشاء وهو يرد عليها
طالما دي رغبتك يا حبيبتي 
كل اللي تحلمي بيه يعتبر أوامر بالنسبالي 
انخدعت بكلامه المنمق وطريقته الملتوية في اللعب على عواطفها المرهفة وسقطت في فخه المحكم ليتمكن من استغلال الظروف وتطويعها وفق أهوائه لتقبل بما لا يمكن أن ترضى به في الأوضاع العادية 
علق في حواف رأسها مسألة البحث عن عمل جديد تعيل به أسرتها وتستخدم الدخل القادم منه في تلبية ما ينقص البيت من احتياجات ضرورية خاصة مع تعذر زوجها في العثور على عمل بديل أو ثابت خلاف ذلك الخيري الذي يتقاضى فيه مبالغ زهيدة بالكاد تكفي لسداد جزء ضئيل من المديونيات المتراكمة استطاعت فردوس بدعم جارتها المقربة الحصول على وظيفة متواضعة في إحدى
ورش الخياطة القريبة ومع ذلك ترددت في القبول بها بسبب رضيعتها لكن حسمت إجلال الأمر بإبقاء الصغيرة معها طوال فترة غياب أمها عن المنزل لتحل بذلك أهم عقبة فيه 
قبل موعد العمل بنصف الساعة كانت فردوس تقف أمام باب منزل جارتها مدت فردوس يدها بكيس بلاستيكي فيه ما قد تحتاج إليه ابنتها بعدما ناولتها تقى وأبدت اعتذارها الحرج منها وهي تخاطبها
معلش ياختي هتقل عليكي اليومين دول لحد ما أفهم الدنيا فيها إيه 
عاتبتها إجلال في عبوس زائف رسمته على تقاسيمها
ما تقوليش كده وربنا أزعل منك 
سرعان ما بدلته ليحتل تعبير وجهها آخر بشوش وهي توصيها
إنتي بس ركزي وربنا هيردك مجبورة الخاطر 
الحمل بقى تقيل عليا وأنا جبت أخري 
حاولت التهوين عليها بقولها المتفائل
كله بيعدي يا دوسة استبشري خير إنتي بس 
هزت رأسها بخفة ثم أضافت فيما يشبه الوعد
بكرة لما القرش يجري في إيدي هراضيكي 
اعترضت عليها بلطافة
ثم شددت من ضمتها الحنون للرضيعة فنظرت إليها فردوس بعينين ينقص منهما العاطفة شتت نظراتها عن ابنتها عندما خاطبتها إجلال من جديد
يالا علشان ما تتأخريش 
لوحت لها بيدها تودعها وقد استدارت هابطة على الدرجات
فوتك بعافية!
انتظرت الأخيرة مغادرتها لتغلق الباب بهدوء وتبدأ في تمضية نهارها بصحبة من تسليها ببراءتها وتملأ عليها فراغ يومها الرتيب بمداعباتها المرحة 
في غضون شهرين كان مهاب قد انتهى من إكمال كل شيء ينقصه لإتمام مراسم الزيجة بعيدا عن الجميع ومتعمدا أيضا منع ابنه من الحضور لطبيعة ظرف زواجه في حين اندلعت مشاعر الحقد والغيرة بداخل نفس ممدوح الذي لم يكف عن مقارنة نفسه به لهذا صب جام غضبه على أوس وأصر على إبعاده هو الآخر عن عينيه بإرساله للمدرسة الداخلية بحجة أنها الأفضل في تهذيب وتطوير شخصيته المتمردة ولم يمانع والده
فقد كان منشغلا بالاستمتاع برفاهية قضاء شهر العسل في واحدة من الدول الأوروبية ولم يكن بحاجة لمن يفسد عليه هذه المتعة الخاصة وإن عنى بذلك إقصاء وحيده 
اقتاده المشرف إلى غرفة مدير المؤسسة التعليمية بعدما وجده يتشاجر پعنف وقسۏة مع أحد الطلاب في الفناء الخلفي دون سبب يستحق ذلك لم تكن هذه مرته الأولى التي يحاصر فيها أحدهم وينهال عليه بالركلات واللكمات بل تكرر الأمر كثيرا وفي كل مرة يأتي بحجة مختلفة لكن
 

تم نسخ الرابط